إن الإسلام لم يُشْرَّع لطائفة خاصة في زمنٍ خاص، وإنّما شُرِّع لجميع البشر ماتعاقبت أجيالهم في عالم الوجود، ليخرجوا به من كل الطوائف إلى سعة الجماعة الواحدة المتمثلة في “الأمة الإسلامية”، ومن هذا المنطلق فإنّ إنشاء جماعة الإخوان المسلمين تضييق لواسع ! وهو لا مناص إيجاد لجسمٍ بأيدولوجية غير أيدولوجية الإسلام التي أرهقنا الإخوان بها في شعاراتهم (الله غايتنا . الرسول قدوتنا . القرآن دستورنا . الجهاد سبيلنا )، وكذا ادّعاؤها بأنّها “إصلاحية شاملة” ولم نرَ منهم إلاّ التهافت على كرسيّ العرش، أليس هذا من التدليس الذي ينافي حقائق ومبادئ الإسلام التي تتحامى به الجماعة؟

والكثير الكثير من الشبهات التي يناقض بعضها بعضًا، أو التي تعرض حقيقة منقوصة نظرًا لضيق أفق صاحبها وقلة اطّلاعه، أو لتعمده تحطيم صورة الجماعة لا لشيء إلا لأنّها إسلامية، جماعة الإخوان كما عرفتها من الكتب والوثائقيات والقدوات والأحداث التّي عاصرتها، يستحق نجاحها الذي حققته أن يكون له أعداء بهذا الزخم وبهذه الشراسة، ألم تختر الجماعة القرآن دستورًا؟ إذن ستنال نصيبها من سُنن المصلحين التّي سنّها هذا الدستور العظيم.

(الإخوان المسلمون) هذا الاسم اللامع الذي ألهمه الله لمؤسسها حسن البنّا في تلك الجلسة المباركة مع إخوانهِ، لما حمي وطيس الهمّة عند تلك الصفوةِ تأسست الجماعة، ويروي ذلك الشهيد حسن البنا -رحمه الله- في مذكراته قائلاً:

“قال قائلهم: بم نسمي أنفسنا؟ وهل نكون جمعية أو ناديًا، أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي؟ فقلت: لا هذا، ولا ذاك، دعونا من الشكليات، ومن الرسميات، وليكن أول اجتماعنا وأساسه: الفكرة والمعنويات والعمليات. نحن إخوة في خدمة الإسلام، فنحن إذن “الإخوان المسلمون”.

وجاءت بغتةً… وذهبت مثلاً…. وولدت أول تشكيلة للإخوان المسلمين، على هذه الصورة وبهذه التسمية”.
وحدث ذلك في مارس/آذار 1928م بمدينة الإسماعيلية المصرية بعد أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية، ثم سرعان ما انتقلت إلى القاهرة فإلى بقية أنحاء مصر، ثم إلى أجزاء كبيرة من العالم العربي والإسلامي.

وأضع بين يدي القارئ تصورًا وتجربةً ورأيًا بكوني فردًا من أمّة تمثل (جماعة الإخوان المسلمون) أحد مكوناتها، وإن كنتُ لا أرقى لأن أُقيِّم أم الجماعات، فبذا اعتبروا تدوينتي هذه من قبيل الخواطِر والأحاديث الحالمة أقربُ من أن تكون تأصيلاً وتحليلاً، وقد قسمتها إلى فقراتٍ بعضها يسبقها عنوان جانبي والأُخرى مرتبطة ببعضها:

منزلة الإخوان عند النشء المسلم وما أدراك ما هي ؟

في مخيلتنا كان الإخوان دومًا، هم النموذج الإسلامي الفعّال في الأمة، فإذا ما لاحت أطياف الجماعات الإسلامية والكيانات الفكرية الإسلامية المعاصرة في عالم الفكر والتأمّل شابها شيء من الضبابية واليأس من طول الطريق ووعورة تمهيدها، فالنشء المهموم كليًا بمشروع البعث الإسلامي الجديد، يجُد مندوحة من الشعارات والأهداف الهُلامية التّي يتغنّى بها القادة والرؤساء والملوك وحاشيتهم لدى وضوح جماعة الإخوان المسلمين، فعند بداية التعرّف على منهج الإخوان ونظامهم الأساسي وأهدافهم وآلية تحقيقها كما وضعها الإمام حسن البنّا -رحمه الله- تجد نفسك أمام فهمٍ محمديّ للرسالة السامية، فهم بعيد كل البُعد عن المبالغات المثالية الخرافية أو المخالفات الشرعية، تجد نفسك أمام مجموعة من الأُطّر ينتظم بداخلها أفراد الأمة الراغبين في تحقيق ذات الأهداف وبوسائل يتفقون عليها بينهم.

شخصيات الإخوان.. فما أدراك من هم؟

فيهم المرشد الفذ الحاذق البنَّا، فالهضيبي فالتلمساني حتى عاكف فبديعٌ اليوم.. عقلية القائِد الخادم لـ “لا إله إلا الله” ومايتبعها، كانت هي سَمْتهم الظاهر وخبيئتهم الخفية، وضِف على ذلك تآزرهم وتوحيد الرؤى وإتمام عمل السابقين بتعاقب المرشدين، فساروا على التنظيم الداخليّ ذاته الذي وضعه المؤسس الأول الإمام حسن البنّا-رحمه الله- والذي اغتيل عام 1949م، بادر الإمام ووضع لبنة الأساس ثم أكمل باقي الرعيل التشييد والبناء، فتارةً ارتقى الصرحُ حتّى حجب الشمس عن مدافع العدو الموجهة للأمة، فانشغل الأعداء بالبحث عن الضوء والدفء، واستمر الإخوان في رفع بنيانهم شاهقًا، وتارةً أخرى نال منهم عدوهم فأمكن فيهم تدميرًا وإفسادًا، ليعيدو الترميم والبناء ثانيةً دون كللٍ ولا ملل مواصلين المسير، وبنباهةٍ منهم –رحمهم الله- جعلوا قسمًا خاصًا بالمرأة فأسموه “الأخوات المسلمات”، فجمع هذا القسم عند تأسيسهِ خيرة نساء عصرهنّ، وهذا القسم هو بيت القصيد في هذا المحل.
كانت في ذلك القسم أختٌ مسلمة لم ولن تكررها جماعة الإخوان المسلمين، إذا ما أردت أن تقول أن النجمة اللامعة في قبةِ السماء المتوشحة بالظلام الحالك كانت تشبهها في تميزها لبخستها حقّها، ولو قلتَ أنّ الحجر النادر غريب اللون مدهش الشكل المحفوظ في علبٍ من الزجاج السميك المضاد للكسر طبقات بعضها فوق بعض في جوف المتحف الفاخر يشببها في تفردها لظلمت شخصها، ولو أردت أن تقول هي حجر الصوان الصلب الصلد في وجه أعتى آلات الحديد وأحدّها في تحمّلها وصبرها لكنت مجحفًا لمسيرتها، ويكفيك من هذا كله أن تقول عنها ماقاله الله – عز وجل- في الكتاب على الصنفِ الذي رفع الله بثباته شأن الإسلام، فقال فيهم وفيها: ” ومنهم من ينتظر ومابدّلوا تبديلاً”.

قدوتنا وملهمة العصر أمي “زينب الجيبيلي الغزالي” رحمها الله، عرفناها من كتابها “أيام من حياتي” الذي يسجل جزء يسير من مسيرة عطاء أَمَة لله بما في معنى العبودية من بذل وتضرع وتذلل وتضحيات ومحبةٍ حقيقية، كانت أمُّنا زينب تخاطبنا في “أيام من حياتي” أنّها إنسان! يعتريه الضلال والهداية، والتسرع والحكمة، والصبر والضعف، والكمال البشري والنقص، كانت صادقةً في وصف الأحداث حتى وصفت في عدّة مواضع أنّها الشخص المخطئ، لكن صدق لهجتها حينما يصل الأمر للمساس بعقيدتها تنمّ لك عن عظمةِ المرأة التي تجلس في حضرتها، فكل شيء يتغير في الإنسان ويضعف ويقوى ويزيد وينقص إلا المبادئ وثوابت الدين، هي خطوط حمراء عند الربانيين ومن ءاتاهم الله ثباتًا من عنده، ذاك الصنف الذي وصفه الله بـ “وما بدّلوا تبديلاً”، هذه الآية الجليلة بالذات تذّكرنا بالمشهد العصيب الذِي اختُبرت به أمنّا زينب، وزُلزِل فيه الإخوان كلهم زِلزالاً شديدًا، حينما أدخلوها مكتب شمس بدران، واحتدم النقاش، فصرخ بدران قائلاً: علقها يا صفوت وأنت يا حمزة هات علي عشماوي وأحضر الكلاب، وجاء علي عشماوي -أحد أعضاء الجماعة سابقًا-، كان على عشماوي يلبس بيجامة من الحرير المهفهف نظيفة، أنيقة شعره ممشط لا يبدو عليه أي أثر للتعذيب، فلما رأيته واستعرضت في حالة الآخرين، وحالتي علمت بل تيقنت أن هذا المخلوق خان أمانة الله، وشهد على إخوانه زورا فهوى في مهاوي الفساق الفجار الظالمين، وأصبح من رجال شمس بدران وذنبا من أذناب جمال عبد الناصر، الذين لا يعرفون قيما ولا أخلاقا ولا دينا.

يصوّر لنا هذا المشهد كل من باع قضيته بثمن بخسٍ دارهم معدودةٍ، وأن الثبات ليس حكرًا على الرجال فقط، فكما كان في سلف الصالحات زوجة فرعون ومريم ابنة عمران، كانت زينب الغزالي أم الصابرين – رحمها الله وجمعنا بها في فردوسه الأعلى – فعلى مسيرتها وتجربتها تتلمذ شقائق الرجال.

الإخوان المسلمون أكتب عنهم ولست منهم، وأجزم لكم أنّي لا أفكر – و بما أمتلكه اليوم من أدوات فهم – أن أكون جزءًا من جماعة أو تنظيم إلا جماعة المسلمين التّي تتكون من أفراد الأمة الإسلامية كلها، والمسلم الصادق مع نفسه وربّه يسعى للإنصاف ويتحرى أن يكون مع الجميع كذلك، وتجربة الإخوان التّي تختلف درجة إنجازها وعدمه من قُطرٍ إلى آخر، تظل الأكثر رصيدًا في التجارب والنضال والجهاد والعطاء على الصعيد العسكري و السياسي و الاجتماعي، مما يعني هذا تربية الله لها على أن تكُون أقوى وأجدر وأكثر حنكة وحكمة في التجارب القادمة، هذا على أن لا يتخلى الجيل الجديد من الإخوان عن إرث رعيلهم الأول، وبالذات إرثِ أبيهم الثمين الذي لا ينضب، إرث البنّا في الأصول العشرين وماجاورها من مؤلفاتٍ تحّث جماعة الإخوان على أن تكون جماعة المسلمين كلهم، وأنْ تعتبِر من دروس التجارب التي خاضتها، وأن لا تقع أسيرة الانغلاق الحزبي، وتصغي جادةً لكل نصائح أصدقائها ومحبي الخير لها، وتطوّر أدوات التخطيط الاستراتيجي فيها، وكذا زيادة معدل الوعي بالسياسة وعلومها، لأن حربهم الآن مع النظام الدولي سياسية محضة، والاهتمام بنوعية الأعضاء العاملين أكثر من الاهتمام بعددهم، وتسليط ضوء الاهتمام والرعاية على فروع الجماعة الذي يؤدي واجب الأمة في الجهاد (حركة المقاومة الإسلامية – حماس) والتي قال عنها أمير الظل صاحب أكبر محكومية في سجون الاحتلال المهندس عبد الله البرغوثي –فك الله أسره- : “أعز الله جماعة الإخوان بحركة حماس، وأعزّ الله حركة حماس بجماعة الإخوان”.

وإن كانت حسنة إحياء وتجديد الجهاد في فلسطين هي الحسنة الوحيدة لدى الجماعة لكفتها، وكونها الجماعة الأولى التّي حاولت أن تجمع أمة الإسلام على شوكةٍ واحدة بعد سقوط الخلافة العثمانية لكفتها أيضًا، جماعة الإخوان رغم قصر تجربتها في مسقط رأسي (ليبيا)، وكون الحزب السياسي الذي تفرَع عنها، قد تخبّط في أدائه وفقد قدرته على المواصلة، وكذا انخراطهِ في متاهات سياسية هو لا يدرك أنّ نهايتها نفقًا مظلمًا لبلادنا، إلا أنّي أرجو أن تصحح مسارها فنحن حينما نختلف مع جماعة الإخوان أو أحد أجنحتها، هذا لا يعني أننا نرجو لها السوء أو الفناء، بل ندعو الله ان يلهم قادتها الرأي الأصوب، وأن يتعلموا من تجارب إخوان مصر والسودان وفلسطين والجزائر والأحرى أن يكونوا طلابًا في مدرسة تركيا الإخوانية، فالمسلمون مأمورون بالتجمّع ونبذ التفرّق حتى ينتهي العناء الذي ابتدأ في الأمة حينما كسرت شوكتها ولم ينته إلى الآن، و جماعة الإخوان بحفاظها على مبادئ الجماعة الأولى المستنبطة من الكتاب والسنة مع تطويرها للأدوات موافقةً لمتغيرات العصر، والشروع في إصلاحات داخل الجماعة تتناول أعلى سلطة إلى أدناها، وتوسعها في تحقيق المصالح للأمة عامة قبل أي شيء، ستكون هي الجماعة التي تحولت من جماعة تضم النخبة إلى جماعة المسلمين التي تضم الأمة، فعلى الجماعة التي نعقد عليها الآمال أن ترفع راية لا إله إلا الله فوق كل راية، ونهج العلم قبل كل منهج، والعمل الدؤوب بدايةً ونهاية، وحينها سنكون وقودًا لأجل رفع رايتها دون أدنى تردد، والحمد لله رب العالمين.

Pin It on Pinterest

Share This