المستشار حسن الهضيبي

توطئة

المستشار حسن الهضيبي

يقول الحق – تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾(السجدة:24).                                               

هذه الآية إيحاء للمؤمنين في كل زمان ومكان أن يصبروا كما صبر المختارون من عباد الله؛ ليكون منهم أئمة، كما تقرر الآية طريق الإمامة والقيادة، وهو الصبر واليقين.

ولقد كان إمامنا ترجمة عملية لهذه الآية، وكان يقول ما يقول، ويفعل ما يفعل، بدافع حب الحق لذاته، ويوقن بأن الدنيا لا يستقيم أمرها إلا بالحق والخير، وأن المسلم لا يستقيم أمره إلا إذا رصد نفسه للحق والخير ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(العصر: من الآية3).

لقد آثر رحمه الله كما آثر الصالحون من عباد الله أن يتجردوا للغايات العليا، وأن يتخلصوا من جميع العوائق في هذه الحياة.

وكانت له مواقف، ليست شرفًا للإسلام وحده وإن كان الإسلام أحق بها ولكنها شرف للرجولة، وللإنسانية وللمبادئ والأخلاق، لقد تحمل وصمد لأقسى ألوان العنت، والعذاب، والضيق، صمود الرجال الأبرار العظام؛ وكأنه جعل من نفسه مثلاً على أن التقدم في السن والمرض لا ينال من عظمة الروح، إذا وجدت إيمانها، واعتصمت بربها، وتشبثت بحقها.

ولقد أعطى رحمه الله درسًا بليغًا لكل من حوله، مفاده أن حرية الضمير، وسيادة العقيدة، لا يباعان بملء الأرض ذهبًا، ولا بملئها عذابًا، وإعناتًا.

حسن الهضيبي في سطور

  • ولد حسن الهضيبي في “عرب الصوالحة” مركز “شبين القناطر” سنة 1309 هجرية، الموافق لشهر ديسمبر 1891 ميلادية.
  • قرأ القرآن في كتاب القرية، ثم التحق بالأزهر لما كان يلوح فيه من روح دينية، وتقى مبكر، ثم تحول إلى الدراسة المدنية، حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1907م.
  • التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1911م، ثم التحق بمدرسة الحقوق، وتخرج فيها عام 1915م.
  • قضى فترة التمرين بالمحاماة في القاهرة حيث تدرج محاميًا. عمل في حقل المحاماة في مركز “شبين القناطر” لفترة قصيرة، ورحل منها إلىسوهاج لأول مرة في حياته دون سابق علم بها ودون أن يعرفه فيها أحد، وبقي فيها حتى عام 1924م حيث التحق بسلك القضاء.
  • كان أول عمله بالقضاء في “قنا”، وانتقل إلى “نجع حمادي” عام 1925م ، ثم إلى “المنصورة” عام 1930م ، وبقي في “المنيا” سنة واحدة، ثم انتقل إلى أسيوط ، فالزقازيق ، فالجيزة عام 1933م ، حيث استقر سكنه بعدها بالقاهرة .
  • تدرج في مناصب القضاء، فكان مدير إدارة النيابات، فرئيس التفتيش القضائي، فمستشارًا بمحكمة النقض.
  • استقال من سلك القضاء بعد اختياره مرشدًا عامًا للإخوان عامًا 1951م.
  • اعتقل للمرة الأولى مع إخوانه في 13 يناير 1953م ، وأفرج عنه في شهر مارس من نفس العام، حيث زاره كبار ضباط الثورة معتذرين.
  • اعتقل للمرة الثانية أواخر عام 1954م حيث حوكم، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ثم خفف إلى المؤبد.
  • نقل بعد عام من السجن إلى الإقامة الجبرية، لإصابته بالذبحة ولكبر سنه. رفعت عنه الإقامة الجبرية عام 1961م . أعيد اعتقاله يوم 23/8/1965مفي الأسكندرية ، وحوكم بإحياء التنظيم، وصدر عليه الحكم بالسجن ثلاث سنوات، على الرغم من أنه جاوز السبعين، وأخرج لمدة خمسة عشر يومًا إلى المستشفى، ثم إلى داره، ثم أعيد لإتمام مدة سجنه. مددت مدة السجن بعد انتهاء المدة حتى تاريخ 15 أكتوبر 1971م ، حيث تم الإفراج عنه.
  • انتقل إلى رحمة ربه تعالى في الساعة السابعة صباح يوم الخميس 14 شوال 1393هـ الموافق 11 نوفمبر 1973م. رحمه الله، وتغمده بواسع رحمته.

الأستاذ حسن الهضيبي يروي قصة حياته

يروي الأستاذ الهضيبي في هذا المقال النادر الذي ننفرد بنشره قصةَ حياته من الميلاد حتى وفاة الإمام الشهيد ، فماذا يقول..

“ولدت من أبوين عاديين في عرب الصوالحة من أعمال مركز شبين.. ولم يكن أبي متميزًا في شيء يُذكر.. كان يصلي ككل رجال جيله، وكان كريمًا كطابع أهل هذا العصر، بارًّا بالضعفاء والمساكين، وإن امتاز بشيء فقد يكون اتساع الأفق، كان لا يعيش في عصره، بل كان يسبق معاصريه بمائة عام على الأقل.

كانت العصا في يد كلِّ أب يقوِّم بها معوَّج أولاده، ولا أذكر أن أبي ضربني مرة، ولا قبَّلني مرة، كان وقاره وهيبته وعظمته كافيًا لإقرار مبادئه في نفوسنا.

وأذكر له رحمه الله حرصَه الشديد على أن أتعلمَ وأتمَّ تعليمي وأصبحَ ذا شأن، كان يتحدث بين رفاقِه القلائلِ الذين كان يزورهم ويزورونه فإذا هو متحدثٌ بارعٌ ساحرٌ برغم بساطة تعليمه وسذاجة ثقافته.

دخلتُ كتاب القرية لأحفظ القرآن، ولحسن طالعي لم يكن (سيدنا) بالرجل القاسي ذي العصا والفلقة، بل كان شيخًا طيبًا صالحًا لم يضرب واحدًا منا مرة واحدة، وساعدنا على حفظ كتاب الله.

المحامي الساحر

وذات يوم كان أبي في (المندرة) يتحدث إلى زائريه ويتحدث زائروه إليه، ولفت سمعي صوتُ واحد من الزوار، تتبعته، أعجبتني بل سحرتني طريقته في الحديث فأنستني كل شيء، جذبني رنين صوته إلى (المندرة) التي لم أدخلها مرةً واحدةً في وجود أبي، وجلست أتطلع إلى الساحر، وانتهت السهرة، وخرج الرجل ذو الحديث اللذيذ الشائق

وسألتُ أبي: مَن هو؟

محامٍ
  • وكيف أصبح محاميًا؟
تنتهي من دراستك وتدخل مدرسة الحقوق لتخرج محاميًا.

ومن هذه اللحظة، وكان عمري عشر سنوات قرَّرت أن أدخل مدرسة الحقوق لأصبحَ لبقًا ساحرًا مثل هذا الزائر، وتتابعت السنون والأحداث، وكبر معي عزمي وتكثفت رغباتي في مدرسة الحقوق، ولم أغيِّر خطتي فدخلتها.

إلى الأزهر:

استعد للسفر

إلى أين؟

إلى القاهرة لتدخل الأزهر .

وهل يؤدِّي الأزهر إلى مدرسة الحقوق؟

لا

وانفجرتُ باكيًا، ولكنها إرادة أبي التي لا يقف أمامها شيء.

سافرت وقطعت صلتي بمدرسة الحقوق، ولكنَّ دموعي لم تنقطع، دخلت الأزهر وبدأت في تجويد القرآن، ولم يستطع علماء الأزهر جميعًا أن ينسوني الساحر.

وذات يوم جاء أبي إلى القاهرة ودخل عليَّ فوجدني قد كتبت على ورقة “فلان المحامي” ووضعتها على مائدة قريبة، وقرأها أبي، ولم يكد ينتهي منها حتى قال لي: لا تذهب غدًا إلى الأزهر .

وفي اليوم التالي كنت في عداد طلبة مدرسة باب الشعرية الابتدائية.

الدراسة

كنت في المدرسة الابتدائية الأول باستمرار، وفي المدرسة الثانوية كنت تلميذًا وسطاً، وفي كلية الحقوق كنت متأخرًا، ولا أذكر أني كنت طالبًا ثائرًا.. بل تلميذًا نظاميًّا.. أؤمن وما زلت وأفضِّل الأغبياء المنظمين على العباقرة الفوضويين.

لم أشترك في مظاهرة واحدة طوال مدة التلمذة، اللهم إلا جنازة مصطفى كامل .. وما زلتُ أذكر أنني مرة دخلت المدرسة وحدي وجلست لأن المظاهرة في ذلك اليوم لم تكن لسبب وجيه يستحق الإضراب.

وكنت معروفًا لزملائي، يحتكمون إليَّ في خلافاتهم ومنازعاتهم الشخصية، وكنت دائمًا محل ثقة أساتذتي برغم أني كما قلت لم أكن طالبًا نابهًا.كنتُ أصلي منذ صباي، وإن لم تكن صلاتي بانتظام فقد كنت أجمع الفروض لأؤديها معًا.

وفي مدرسة الحقوق وقعت في ضائقةٍ ورفعت رأسي إلى السماء أبحث عن الفرج من الضيق، وكان ربي قريبًا مني فانفرجت الضائقة، ومن يومها قرَّرت ألا أجمعَ فرضًا على فرض بل أؤدِّي الصلاة بانتظامٍ تام، ومن لحظتها حتى كتابة هذه السطور وإلى يوم أن أموت إن شاء الله لن أخلفَ ما عاهدت الله عليه.

قصة زواجي

المستشار حسن الهضيبي

وتخرجتُ في مدرسة الحقوق عام 1915م ، والتحقتُ بمكتب الأستاذ حافظ رمضان، وقد كنت في ذلك الوقت أسكن بمنزل رجل عالم فاضل وكان له ابن اتخذتُ منه صديقي الوحيد في القاهرة ، وكم تمنيت أن تكون لهذا العالم الفاضل ابنة اتخذها شريكة لحياتي، ولم يخيب الله أملي فرأيتها مصادفةً ذات يوم، وفي اليوم التالي لحصولي على ليسانس الحقوق ذهبت إلى والدها أطلب يدها.

وقال لي العالم الفاضل: أليس من الأفضل أن يتقدَّم والدك بهذا الطلب؟

قلت له في بساطة: لقد تقدَّم والدي يومًا عندما أراد أن يتزوَّج من والدتي، أما أنا فأتقدَّم لأني أنا الزوج لا والدي.

واقتنع الرجل الطيب، ودعوتُ أبي ليشهدَ عقد قراني، والتقيت به، وكنت الوحيد الذي أعلم أن هذا التصرف سيعجب أبي لأنه كما قلت كان لا يعيش في عصره، بل سقط من حسابه الكثير من التقاليد التي كانت تسجن هذا العصر وراء أسوارها الجامدة، وقال لي أبي وهو يصافحني: لقد تمنيتُ على الله دائمًا أن يحدث هذا منك فتريحني من أثقل مهمة على أب، وهي اختياره لابنه ورقة يانصيب رابحة.

وهكذا تزوجتُ، وبدأت أعمل في المحاماة، ولكن الأبواب كانت أضيق من أن تتسع للناشئين، وضاق بي الحال، وعزَّ العمل والأمل في القاهرة ، وبيني وبين نفسي قررت الهجرة وراء الرزق.

الهجرة

وقعت في يدي خارطة للقطر المصري وبدأت أنقل أصبعي على بلادها المختلفة، وكانت أصبعي فوق سوهاج عندما ارتفع صوت المؤذن يعلن صلاة العصر“الله أكبر الله أكبر” قررت أن أختار سوهاج .

وفي مساء هذا اليوم قرَّرت أن أفاتحَ شريكةَ حياتي في أمر الهجرة، أمر الغربة عن الأهل، ولم أكن أشك في امتثالها لرغباتي وبرغم هذا فقد كان هناك خيط رفيع من الشك يلتف حول قلبي، وقبل أن أفاتحها جاءتني لتقول: ومطلوب قضاة في السودان.. لماذا لا نسافر؟

لقد كنت في حرج من الهجرة إلى سوهاج فإذا بها تقترح السودان .

وسافرت إلى سوهاج وبحثت عن بيتٍ وعن مكتب وتم لي ما أردت، وأراد الله أن تكون سوهاج فاتحة خير في حياتي، فإن الله فتح عليَّ فتحًا لا يخطر ببال أحد، وفي أقل من عام كنت من المحامين المعدودين في سوهاج .

واشتعلت الثورة المصرية الكبرى، ولأول مرة في حياتي وقفتُ لأخطب في الجموع المحتشدة، ويومها آمنتُ بالمظاهرات، وآمنتُ بالتكتل، وآمنتُ بمصرالثائرة العنيفة، وبمجرد انتهاء الثورة ظل إيماني بالتكتل وبمصر ، ولكن ذهب إيماني بالمظاهرات فعدت إلى كراهيتي لها.

الإيمان بالقضاء والقدر

وذات يوم وصلني فجأة خطاب من وزارة الحقانية يقول لي فيه الوزير أنه

“قد تمَّ تعييني في القضاء بناءً على الطلب الذي قدمته”، ولا أذكر أني قدمتُ طلبًا وأنا المحامي الناجح الذي بدأ يرتفع اسمه وتعلو أسهمه.

ووصلني بعدها بأيام خطابٌ من صديق يهنئني فيه على هذا التعيين ويقول لي

“لقد سمعت أنك مجهد في المحاماة، لهذا قدمتُ الطلبَ ووقعته باسمك فأرجو ألا تعتذرَ حتى لا أُتَّهمَ بالتزوير”.

وأوقعني خطاب وزارة الحقانية في حيرة، هل أدخل القضاء أو أظل في المحاماة؟ ولا أدري لماذا اخترت القضاء، وإلى اليوم ما زلت أسائل نفسي: هل أصبت أو أخطأت؟ ولا أكاد أجد جوابًا شافيًا.

أول لقاء بفكرة الإخوان

ظللت أطوف بالبلدان من مركز إلى مركز ومن مديرية إلى مديرية ومن محكمة إلى محكمة.. وهكذا مضت حياتي رتيبة عادية لا تستحق الذكر بلغة برقيات ميادين القتال.. إلى صيف 1944م .

كنت في القرية واجتمعت بلفيف من شباب البلدة وأخذنا نتحدث في مختلف المشكلات العامة.. وهالني ما سمعت.. سمعت شبابًا محدودي الثقافة والتعليم يتكلمون في المسألة الوطنية كأحسن ما يتكلم المفكرون السياسيون.. ويتحدثون في المسائل الدينية كأحسن ما يتحدث العلماء المتمكنون.

وعجبتُ لهذا، فسألتهم عن مصدر هذا العلم، فقالوا إنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وأن مطبوعات الجمعية ومنشوراتها وتعاليمها تصلهم بانتظام.. وطلبت منهم أن يزودوني بهذه المطبوعات.

ولم أنمْ هذه الليلة حتى الصباح، فقد ظللت أقرأ وأقرأ حتى الفجر، ثم صليت الفجر.. ولم تكد تطلع الشمس حتى اعتبرت نفسي جنديًّا في هذه الجماعة الكبرى ، وكان هذا أول لقاء لي بفكرة الإخوان .

ومن هذا اليوم أصبحت أعد نفسي أخًا لهم جميعًا، أتتبع نشاطهم وصحفهم وأنباءهم، واتصلت ببعضهم وأنا مستشار.

وذات يوم كان محددًا عقد اجتماع ضخم سيخطب فيه الإمام الشهيد حسن البنا ، وقيل لي إن دعوةً رسميةً ستصلني لحضور الاجتماع ولم تصل الدعوة .

وعلمت فيما بعد أنه كانت هناك أوامرُ لمصلحة البريد من وزارة الداخلية بتمزيق الدعوات الخاصة بالإخوان المسلمين ، وقد مُزقت الدعوة التي وُجهت إليَّ.

وبرغم هذا فقد قرَّرت أن أحضر الاجتماع بأي ثمن ونزلت أنا وأربعة من زملائي المستشارين واتجهنا نحو الاجتماع وكان في الجيزة ، ودخلنا السرادق الكبير، فلم نجد موضعًا لإصبع لا لقدم، وبرغم ذلك فقد شققنا طريقنا، وعرفنا بعض المحامين الأقباط الذين حضروا الاجتماع فقدموا لبعضنا مقاعدهم، ولكني أصررت على أن أجلس على الأرض لأستمع إلى حسن البنا .

وكم سمعتُ خطباء وكنت أتمنى في كل مرة أن يسرعوا إلى النهاية، وهذه المرة كنت أخاف أن يختم حسن البنا خطابه، كنت في قلقٍ مستمر من أن ينتهي قبل أن أشنف أذني وعقلي وقلبي من هذا السحر.

مائة دقيقة انقضت عليه وهو يجمع قلوب المسلمين في قبضة يده، فيهزها كما يشاء وكما يريد، وانتهت خطبته وردَّ إلى المستمعين قلوبهم إلا قلبي أنا فقد ظل في يده.

أول لقاء مع الشهيد

وازددتُ اقترابًا من الإخوان .. بدأت أتصل بهم وأعرف بعضهم.. إلى أن جاءت ليلة.. كنت في مكتبي أراجع بعض القضايا.. ودق الجرس ولم يكن من عادتي أن أفتح الباب.. ولكن لا أدري لماذا قمت.. ولماذا ذهبت، ولماذا فتحت الباب؟

لأجد حسن البنا

وتعانقنا..

ودخل إلى بيتي.. وجلسنا نتحدث في شتى الشئون

وصلينا العشاء معًا.

وخرج المرشد.

وبدأت أضع عقلي بعد قلبي في خدمة الإخوان .

آخر لقاء مع الإمام الشهيد

كانت الساعة الحادية عشرة مساء ودق الجرس وفتحت الباب، ودخل حسن البنا يحمل إليَّ آخر أنباء مفاوضاته مع الحكومة، ولا أعلم لماذا كنتُ منقبضًا.. لماذا كنتُ ضيقَ الصدر.. لماذا تجمعت فوق طرف لساني كلمة (القتل).

كنت أحس أن هذا الرجل سيُقتل.. ستغتاله يد أثيمة.. فإن الحكومة أي حكومة لا يمكن أن تعجز عن قتل رجل أعزل إلا من الإيمان.

وأراد أن ينصرف.. وصافحته.. وإذا بي أعانقه وأقبله.. ولا أكاد أمسك دموعي أو أخفيها.. وابتسم رحمه الله وقال:” قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”.

وابتلعه الظلام.. وفي اليوم التالي ابتلعه الظلم.. فقد اغتالت الحكومة المصرية في 12 فبراير 1949 مواطنًا مصريًّا اسمه حسن البنا.. وتعهَّدت هذه الحكومة لا بإخفاء معالم الجريمة فحسب.. ولكن بمكافأة القاتل.

حسن الهضيبي

ملامح شخصية الأستاذ “حسن الهضيبي”

حسن الهضيبي هو المسلم الذي يحفظ القرآن منذ الحداثة، والذي نشأ في طاعة الله، فلم يفتر يومًا عن أداء الفرائض والواجبات الدينية.

وهو الإنسان الكريم الذي لم يُرَ قط في موطن ريبة منذ كان تلميذًا إلى أن صار مستشارًا. وهو المثل المضروب بين زملائه، وعارفيه على الاستقامة، ومتانة الخلق وقوة الشخصية، وإباء المجاملة في الحق أو الخشية إلا من الله.

وقد طبع بيته بطابع الإسلام في آدابه، وعاداته، وأزيائه بصورة قل أن تراها في بيوت الذين يتصدرون دعوة الدين، بل الذين تقلدوا باسم الدين أرفع المناصب والألقاب.

وحسن الهضيبي هو الذي استنفر كبار المستشارين؛ للانقضاض على القانون المدني الجديد، لمخالفته أصول الشريعة، فلما انقطعت أنفاسهم دون ملاحقته بالهجوم السافر، مكتفين بتقديم مذكرة نقد رقيق، انطلق وحده إلى مقر لجنة القانون، وسجل في مضبطتها الرسمية أنه يستنكر كل قانون لا يُستَمد من الشريعة الغراء، أو تتضمن مواده حكمًا يتعارض مع نص في الكتاب والسنة، وقد كان ذلك الموقف موضوع حديث الصحف المصرية؛ حتى نقلته جريدة الإخوان المسلمين بعنوان “الهضيبي ينصر الله” عن جريدة “أخبار اليوم”.

وإذا كان أكبر ما في حسن الهضيبي رحمه الله هو صموده وتحديه للباطل، والمبطلين، ووقوفه أمام قوى البغي، والطغيان، رغم كبر سنه ومرضه، فإن أبرز ما اتسمت به شخصيته هو كراهيته الشديدة للظهور، وإيثاره البعد عن الأضواء ما استطاع، لقد كان يرفض أن تؤخذ له صورة أحيانًا، كما رفض أن يسجل مذكراته؛ إيثارًا لما يحتسبه عند الله من أجر.

وإذا كان الإمام يؤثر الصمت، والبعد عن الأضواء، فإن ذلك تواضعًا منه، وفضلاً، ولكن من حقه رحمه الله ومن حق الإمام البنا ، وكل من حمل الأمانة من بعدهم إلى اليوم أن يكونوا جميعًا أسوة وقدوة، بل ومنارات على الطريق، يلتمس العاملون للإسلام طريقهم في ضوئها، فالشباب اليوم يقلد من هنا وهناك، ويتلمس العظمة في بعض الرجال، إذا قيسوا بعظمة هؤلاء الأبطال، يصبحون أقزامًا بكل المقاييس.

نماذج من جهاده في محيط عمله

أما جهاده في محيط عمله، وتخصصه، فلقد سأله يومًا رئيس محكمة النقض والإبرام: يا حسن: ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكامًا مماثلة في الفقه الإسلامي؟

قال الأستاذ الهضيبي: بلى.

قال الرئيس: فما هو إذاً الأساس الكبير والمطالبة الملحة من جانبك بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، وتطبيق أحكامها

قال: هو أن الله تعالى قال : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ لم يقل: أن احكم بمثل ما أنزل الله، وإن تحكيم شريعة الله في عقيدة المسلم عبادة تؤدى امتثالاً لأمر الله، وذلك هو مصدر بركتها، وسر قوتها في نفوس المؤمنين بها، وفي كيان الجماعة المؤمنة.

وحين عرض مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1945م على الأستاذ الهضيبي، سجل كتابة أنه يرفض مناقشة هذا المشروع من حيث المبدأ؛ لأنه لم يقم أساسًا على الكتاب والسنة.

وفي عام 1947م نشر الأستاذ الهضيبي رحمه الله مقالاً في جريدة “أخبار اليوم” المصرية، وذلك حين عرض عليه تعديل مشروع القانون المدني المصري قال فيه: “إن أحسن تعديل في نظري هو سن قانون من مادة واحدة، يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الأحوال الجنائية والمدنية”.

وقال: “لقد أعلنت عن رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت: يجب أن يكون قانوننا هو القرآن والسنة في جميع شؤون حياتنا، وليس في الشؤون التشريعية وحدها. إن الإسلام دين متماسك متكامل غير قابل للتجزئة، فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به”، “هذا هو الرأي الذي جاهرت به، وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة، ودراستها إلى أنه ليس في تشريعات الأجانب، وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن الكريم، والحلال بين والحرام بين، وكلاهما واضح المعالم والحدود إلى يوم الدين”.

“وهذا ما قلته أمام اللجنة، وإنني على يقين أنهم لن يأخذوا به، ولكن لا حرج عليَّ في ذلك ما دمت مؤمنًا بما أقول، ولكن ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين سنة سيتجه الرأي إلى الأخذ بما أقول، كلما شرح الله صدور الناس بالقرآن قرب اليوم الذي يسود فيه هذا الرأي”.

لقد رأينا أن جميع القوانين التي أخذناها عن الأجانب لم تصلح من حال بلادنا، ولم تحقق ما كان يرجى منها، فهذه السجون ملأى بالسجناء، والجرائم تزداد، والفقر ينتشر، والحالة الخلقية، والاجتماعية تسوء كل يوم عن سابقه، ولن يصلح الحال إلا إذا نظمنا علاقتنا بالسنن الكونية التي تنزّل الوحي بجملة أسرارها، ومعالمها في القرآن، وإلا إذا عشنا في بيوتنا، وبين أهلينا، وأولادنا، ومع الناس أجمعين عيشة قرآنية”.

“وفي العاشر من ديسمبر 1952م أعلن الدستور المصري القديم، وبعد يومين عُيِّن مائة عضو؛ لوضع دستور جديد كان بينهم ثلاثة من الإخوان، ونشرت مجلة “الدعوة” مقالاً تدعو إلى وضع الدستور على أسس إسلامية، طالب الهضيبي بالاستفتاء؛ ليتبين: أتختار مصر شرائع الإسلام أم شرائع الغرب؟ فإذا رأت أن تحكم بالإسلام كان على لجنة الدستور أن تنفذ ذلك، وإذا أرادت الأخذ بشرائع الغرب وهو رأي لا يمكن أن يقول به مسلم عرفنا أنفسنا وعلمنا الأمة أمر ربها، وما يجب عليها”.

تعرُّف الأستاذ الهضيبي على الإخوان المسلمين

المستشار حسن الهضيبي

ويذكر الهضيبي رحمه الله أن علاقته بالإخوان قد بدأت منذ عام 1942م ، وقد اقتنع بهذه الدعوة بالطريق العملي قبل الطريق النظري، وذلك حين لمس من بعض أقاربه الفلاحين إدراكًا لمسائل كثيرة في الدين والسياسة ليس من عادة أمثالهم الإلمام بها، وخاصة أنهم كانوا شبه أميين، ولما علم أن ذلك يعود إلى الإخوان، أعجب بهذه الدعوة أيما إعجاب، وأخذ يحرص على حضور خطب الجمعة في المساجد التي كان يخطب فيها الأستاذالبنا رحمه الله.

فمن هذا العام 1942م بدأت صلته بالدعوة ، فقد كان بمدينة الزقازيق وكانت المدينة على موعد مع الإمام الشهيد “حسن البنا” حيث يقوم بزيارتها، وكان الإخوان يحتشدون، ويهتمون بهذه الزيارات، ويوسعون نطاق الدعوة إلى هذا الاجتماع، فلا يتركون طائفة ولا هيئة، ولا جماعة إلا وجهوا إليها الدعوة ؛ بشهود الحفل الجامع الذي يحاضر فيه الإمام رحمه الله.

من أجل ذلك وصلت بطاقة الدعوة كل باب، غشيت كل مجلس ونادٍ، وطرقت باب محكمة الزقازيق ؛ لتدعو رجال القضاء؛ ليستمعوا إلى ما يقرره “حسن البنا” عن عظمة الإسلام ، وكفالة النظام الإسلامي، والمبادئ القرآنية؛ لإقامة مجتمع عالمي، وإحياء أمة، وبناء دولة على أساس القواعد، وأعظم الأسس.

وكان بين الذين تلقوا الدعوة رجلان من كبار المستشارين يتميزان بخلق، واستقامة، ونزاهة، وأدب كبير. أما أحدهما فقد سبق إلى جوار الله، وهو المرحوم “محمد بك العوارجي” وأما الآخر، فهو رائد الدعوة ، وقدوة العاملين، وحارس الحق، وعنوان الصابرين المحتسبين الأستاذ حسن الهضيبي.

ولا أحدثك عما وراء الاستماع إلى “حسن البنا” حين تصفو النفوس، وتتفتح المشاعر، وتهفو الأرواح، حين يتم هذا يشعر المستمع بتيار جارف من روح الرجل، يغمر روحه، وعقله، وقلبه، ومشاعره، فلا يحتاج إلى جهد وعناء، بل يندفع إلى الانقياد لدعوة الحق ، والعمل بها، والتعلق بها، والالتزام بالجهاد في سبيلها، ولقد كان الإمام الهضيبي تتملكه الحسرة على مصير أمة الإسلام ، ويتقد غيرة على إنقاذها، وكانت غيرة الرجل في صدره، يعرفها كل من سمعه يتحدث، من الأصفياء والجلساء.

لقد حمله التأثر هذه الليلة بعد أن استمع للإمام البنا على تقديم نفسه له، وبعد حديث قصير كان العهد والميثاق، والبيعة.

نعم كانت بيعة ربطت حياته إلى الأبد بمصير هذه الدعوة ، ومستقبلها، وهذا شأن الصادقين من أصحاب الدعوات.

إنهم يربطون ماضيهم، وحاضرهم، ومستقبلهم بهذا الحق، ولقد حفلت شخصية الإمام الهضيبي بنفاذ البصيرة، وقوة النفس، وصفاء الروح، لقد كشفت بصيرته بمجرد سماعه للإمام البنا حرارة الصدق، وقوة الإخلاص، وعمق التجرد، أيقن في لحظات أنها الدعوة التي أضنى الظمأ إليها قلبه، ومشاعره، ومواهبه أكثر من ثلاثين سنة.

الهضيبي في نفس البنا

كان البنا رحمه الله ينزل الناس منازلهم، ويختار الأسلوب المناسب ؛ لعرض الدعوة عليهم، وكسبهم لطرفها.

ومثل هذا الأسلوب كان يتبعه مع كبار الموظفين أمثال الأستاذ الهضيبي، فقد كان حريصًا على سرية ارتباطه بالدعوة ؛ ولهذا كان الهضيبي يحضر معالبنا رحمهما الله الكثير من الأسر والجلسات الخاصة، كما كان يستشيره في كثير من الأمور، بل كان يرى فيه أخًا أكبر يستشيره، في الأزمات والمعضلات، ويدخره ليوم عصيب، ووقت رهيب، ويحدث إخوانه عنه في جلساته الخاصة بكثير من الإعجاب والتقدير.

بيعة الأستاذ “حسن الهضيبي”

في الثاني عشر من شهر فبراير 1949م اغتال زبانية “فاروق” الشهيد “حسن البنا” رحمه الله فشغر بذلك مركز المرشد العام للدعوة ، ولما كانت القيادة ركنًا من أركان هذه الدعوة ، وخاصة في الظروف العصيبة التي كان الإخوان يمرون بها في ذلك الوقت، فقد أخذ الإخوان يبحثون عن قائد آخر يقود سفينة الدعوة إلى شاطئ السلام، ورشحوا لهذا المنصب أكثر من أخ من الإخوان العاملين إلا أن الأغلبية في الهيئة التأسيسية أجمعت على انتخاب“حسن الهضيبي” مرشداً عامًا.

وبقي الهضيبي رحمه الله يؤدي عمله سرًّا نحو ستة شهور، كما أنه لم يترك العمل في القضاء خلالها.

ولما سمحت حكومة النحاس باشا؛ للهيئة التأسيسية للإخوان بالاجتماع، طلب أعضاؤها من الهضيبي أن يرأس اجتماع الهيئة بصفته مرشدًا للجماعة، ولكنه رفض طلبهم إذ اعتبر انتخابه من قبل الهيئة التأسيسية في المرحلة السرية من الدعوة لا يمثل رأي جمهور الإخوان، وطلب منهم أن ينتخبوا مرشداً آخر غيره، ولكن الإخوان رفضوا طلبه، وقصدت وفود الإخوان من جميع مصر بيته، وألحت عليه بالبقاء كمرشد عام للجماعة، وبعد أخذ ورد وافق على مطالب وفود الإخوان ، وقدم استقالته من القضاء؛ ليتفرغ للعمل لدعوة الله.

وفي 17 أكتوبر 1951م أُعلن “حسن الهضيبي” مرشدًا عامًا لجماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك قام رحمه الله بجولة على جميع شُعب الإخوان ؛ ليتأكد أن الوفود التي حضرت إليه تمثل رأي جميع الإخوان في الشُعب، وفعلاً كان….، فبايعه كل من التقى به من الإخوان.

وحين قبل البيعة كان يقول:

“إني أعلم أنني أقدم على قيادة دعوة استشهد قائدها الأول قتلاً، واغتيالاً، وعذب أبناؤها، وشردوا، وأوذوا في سبيل الله، وقد ألقى ما لاقوا، وإني على ما أعتقده في نفسي من عدم جدارة بأن أخلف إمامًا مصلحًا مثل حسن البنا رحمه الله، لأقدم وأنزل عند رغبة الإخوان ، أداء لحق الله جل وعلا، لا أبتغي إلا وجه الله، ولا أستعين إلا بقدرته وقوته”.

باكورة نشاطات الهضيبي بعد انتخابه مرشدًا

كان أول نشاط رسمي عملي بدأه بإقامة حفل بدار المركز العام المؤقت، وهو منزل الأستاذ “صالح عشماوي” 22 ش صبري بالظاهر. وكان الحفل بناء على اقتراح قدمه الأستاذ “أحمد حسين” المسجون على ذمة قضية السيارة الجيب بأن يقام حفل لتكريم أولياء أمور المسجونين من الإخوان المسلمين ، وهيئة الدفاع عن القضايا المنظورة ومندوبي الصحافة والأبناء؛ لتقديم هدية المسجونين إلى المركز العام الجديد… وهي عبارة عن علم الإخوان الذي تم نسجه داخل سجن مصر ، بيد المسجونين.

ولقد أشارت مجلة السيدات المسلمات إلى عملية تهريب العلم من داخل السجن إلى الخارج، وكان أول علم يرفع بعد المحنة.ولقد نقلت جميع الصحف، ووكالات الأنباء وأخبار هذا الحفل الكبير، ودعوته النشاط الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين.

ماذا قدم الهضيبي للجماعة؟

  • أما عن دعمه للجماعة ، ودفاعه عنها فإن للرجل جهدًا مشكورًا، ومساهمة طيبة في شراء دار المركز العام.
  • وأنه أدى مثل هذه المؤازرة للدعوة أثناء غضبتها؛ لنجدة فلسطين .
  • وأوعز إلى عشيرته، وهم أفاضل كثر، بإنشاء شعبة للإخوان في قريتهم في “عرب الصوالحة”، وفيما يجاورها من القرى.
  • وأنه وفق لأسلوبه الخاص، وتوجيهه الهادئ إلى إحياء للدعوة في منطقة شبين القناطر.
  • الأستاذ الهضيبي لم تفتر صلته بالإمام الشهيد، ولم يقصر يومًا في إمداده بالرأي، والعون المثمر في كل موقف يقتضي ذلك قبل المحنة الأولى وبعدها على السواء، بل كان يشارك في جلسات خلصاء الإخوان المسؤولين التى ترسم فيها سياسة الجماعة قبل استشهاد المرشد رحمه الله، وبعد استشهاده.
  • ولقد بادر عقب قرار الحل بلقاء المرشد الشهيد حيث وضع نفسه وبيته وأولاده، ومنصبه، وماله جميعاً تحت تصرف للدعوة ، ورهن إشارة المرشد بصفة خاصة.
  • وكان وحده الصدوق للدعوة في محيطه القضائي حتى لا جزم بأنه العامل الأول والأوحد في تنظيف سُمعة الجماعة ، وإلحاق مسؤولية الحوادث بأشخاص فاعليها، وتحرير دائرة القضاء من التأثر بحملة الأكاذيب والمفتريات التي عمدت الحكومة إلى تحويل القضاء بها عن جادة العدل، وإغوائه بإصدار أحكام جائرة ظالمة فيما لفقت الحكومة من اتهامات.
  • وكان الهضيبي يتابع نشرات الإخوان المؤقتة بعد استشهاد الإمام، ويزودها بالنصائح التي تجعلها بمنأى عن إثارة الحفيظة، وسلطان القانون، وأكثر إصابة للهدف الواجب، وهو إحكام تنظيم لصفوف، وتدعيم الثبات، والثقة بالله بين الإخوان العاملين.
  • وكان له في العناية بأسر المعتقلين، والسجناء جهود لا يستحب الكشف عنها بأكثر من هذه الإشارة.

الهضيبي في رحاب السجون

المستشار حسن الهضيبي

بدأ المرشد العام حياته الجديدة في مكابدة لا تهدأ، ومعاناة لا تنقطع، وقد امتحنت الجماعة وهو على رأسها مرات، وسجن هو، وعذب، وحكم عليه بالإعدام، ثم بدل ذلك بالأشغال الشاقة،

وكان يقول:

“أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم”.

وكان في موقف العواصف الهوج وهو سجين أعزل، وإخوانه، وأبناؤه من حوله يعذبون، ويجلدون يشد من أزرهم، ويدعوهم إلى الاستعلاء بإيمانهم.

يقول الدكتور “أحمد العسال” عنه:

“كان يتقدمهم جميعًا بقلب ثابت، وأعصاب هادئة؛ ليقول كلمته في وجه السفاح: إن هؤلاء خيرة شبابمصر ، فاحفظوهم ذخيرة لها، وخذوا مني ما تريدون”.
وما أكثر ما مرت به أزمات صحية، ونقل في بعضها إلى المستشفى، فما تزول الأزمة إلا وطلب بنفسه أن يعود إلى حيث كان؛ ليظل مشاركًا إخوانه، وأبناءه ويقول: “إن السجن حالة نفسية، وليس هو الجدران والأسلاك”.

ويقول عنه أيضًا:

وسوف لا أنسى ما حييت ما قصه علينا، وقد فاضت عيناه تأثرًا من قصة ذلك الأخ الفقير الذي وجد ساعة ثمينة لأحد الباشاوات بينما كان ينظف دورة المياه في أحد المعتقلات، وذهب الأخ ليردها، فاقترح أحد زملائه أن يدفع له شيئًا من المال جزاء أمانته، ورده للساعة. فقال الأخ في نفس عالية: “إنني ما زدت أن رددت أمانتك إليك، ولا أريد بذلك إلا وجه الله، ولا حاجة لي في ذلك”.

ثم قال الأستاذ رحمه الله:

“ولقد كنت أعلم أنه في أمس الحاجة، ولكنها العفة والطهارة” ثم فاضت عيناه ويقول عنه الأستاذ “أحمد حسين” زعيم مصر الفتاة رحمه الله ” لقد ضمنا السجن الحربي في مارس 1954م ، وأشهد أنه كان معي كريمًا، وبي عطوفًا، وأحسب أن أعظم تكريم له هو في تكريم الإخوان المسلمين ، ولقد سألني صحفي ما رأيك في الإخوان في معركة فلسطين؟

فأجبته بأنه كان أعظم الأدوار؛ حتى لقد كانوا هم الذين أنقذوا الجيش المصري من الوقوع في كارثة، عندما حموا مؤخرته وهو يتراجع، ويجب أن تعرف الدنيا كلها مني أنا أن من حارب الفقيد، وحارب الإخوان بالحديد والنار، إنما كان يفعل ذلك لحساب الشيطان، ولا تظنوا يا أحبائي أنني أقول هذا الكلام الآن فقط، فقد غادرت مصر عام 1955م ؛ احتجاجًا على ما حل بالإخوان، وكان آخر لقاء بيني وبين عبد الناصر يدور حول هذا الموضوع.

ثم يقول:

“إن شهيدكم، وشهيد الإسلام إذ ينعم الآن بالحياة إلى جوار ربه، فسوف يسجل له التاريخ أنه كان كابن حنبل، رفض أن يساوم أو يتزحزح عما يتصوره حقَّا”.

مواقف شامخة للمستشار “حسن الهضيبي”

في ليلة (ليلاء) من ليالي جهنم الحمراء في السجن الحربي عام 1954م أيقظ “صلاح الشيشتاوي” محافظ القاهرة و“علي نور الدين” المدعي العام مجموعةً من (الإخوان)، حوالي 25 أخًا، وصفّونا صفين، على رأسنا الأخ الضابط اليوزباشي شرطة “إبراهيم الشاذلي”، ووراءه الأستاذ الإمام المرشد “حسن الهضيبي” رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عنَّا وعن المسلمين خيرَ الجزاء وأسكنه الله مع حبيبه وصاحبه محمد- صلى الله عليه وسلم- فسيحَ جناته- ونحن من ورائهما صفان، والعسكر من حولنا؛ حيث الجو مشحون بالهول من شدة التعذيب.

ثم تحدث “علي نور الدين” وقال مقولة “الحجاج بن يوسف الثقفي”: “أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها.. وأنا حجاجها”، ثم أمر“إبراهيم الشاذلي” بأن يقول: يحيا “جمال عبد الناصر”، وبعد التردد قال الأخ “إبراهيم الشاذلي” ما أُملي عليه!

ثم أتبع “علي نور الدين” الأوامر طالبًا منه القول: “يسقط حسن الهضيبي” فقالها! ثم طلب من الأستاذ المرشد العام الإمام “الهضيبي” نفس ما طلبه من الأخ “الشاذلي”! موقف رهيب في لهيب نار السجن الحربي ، فقال إمامنا: “يحيا أو يسقط جمال عبد الناصر ماذا تساوي؟”.

انظر إلى توفيق الله.. ما قال ما يريدون.. ثم ثنَّى بقوله “لقد قال الأخ سابقًا “إبراهيم الشاذلي”: يسقط “حسن الهضيبي”؛ أي أنه لا زال مرشدًا عامًّا، فصل عضوًا، وأراد أن يثبت مَنْ وراءه، فلم يتزلزل ولم نزلزل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).

فهو رجلٌ والرجال قليل، وسيرته عطرة حسنة، مملوءة بمواقف الرجولة والحزم في أشد المواقف التي مرت بها الدعوة المباركة.

الهضيبي يتحدث عن الإمام الشهيد حسن البنا

كتب الأستاذ الهضيبي مقالتين كانتا من أروع ما كتب عن الإمام الشهيد حسن البنا ، فيهما عاطفة جياشة وروح مُحلَّقة، ومشاعر رقيقة سامية وفهم عميق للدعوة إلى الله وأصولها وقواعدها، تُعبِّر تعبيرًا دقيقًا عمَّا في شخصية الأستاذ الهضيبي من صفاتٍ فذةٍ بنفس القدر التي تُعبِّر فيه عمَّا في شخصيةالإمام البنا من عبقرية نادرة.

المرشد المُلهَم :

“عرفتُه أولَ ما عرفتُه من غرسِ يده، كنتُ أدخلُ المدن والقرى فأجد إعلانات عن (الإخوان المسلمين) دعوة الحق والقوة والحرية، فخِلت أنها إحدى الجمعيات التي تُعنَى بتحفيظ القرآن، والإحسان إلى الفقراء، ودفن الموتى، والحثِّ على العبادات من صومٍ وصلاة، وأن هذه قصارها من معرفة الحق والقوة والحرية.. فلم أحفل بها.
فكثير هم الذين يقرءون القرآن دون أن يفقهوه، ودون أن يعملوا به، وأكثرهم الذين يصلون ويصومون ويحجون دون أن يكون لذلك أثر في نفوسهم، والإحسان إلى الفقراء كثيرًا ما يوضع في غير موضعه.. ولم أحاول كما هي العادة أن أعرف شيئًا عن (الإخوان المسلمين).
ثم التقيتُ يومًا بفتيةٍ من الريف أقبلوا عليَّ على غير عادة الأحداث مع من هم أكبر منهم سنًّا ومركزًا يحدثونني، فوجدتُ عجبًا؛ فتيةً من الريف، لا يكاد الواحد يتجاوز في معارفه القراءة والكتابة، يحسنون جلوسهم مع مَن هم أكبر منهم في أدبٍ لا تكلُّف فيه، ولا يحسُّون بأن أحدًا أعلى من أحد، ويتكلمون في المسألة المصرية كأحسن ما يتكلم فيها شاب متعلم مثقف، ويتكلمون في المسائل الدينية كلامَ الفاهم المتحرر من رق التقليد، ويبسطون الكلام في ذلك إلى مسائل مما يحسبه الناس من صرف المسائل الدنيوية.
ويعرفون من تاريخ الرسول وتاريخه هو تاريخ الرسالة ما لا يعرفه طلاب الجامعات.. فعجبت لشأنهم وسألتهم: أين تعلمتم كل ذلك؟! فأخبروني أنهم من (الإخوان المسلمين)، وأن دعوتهم تشمل كل شيء، وتُعنَى بالتربية والأخلاق والسياسة، والفقر والغِنى، والاقتصاد وإصلاح الأسرة، وغير ذلك من الشئون صغيرها وجليلها.. من ذلك الوقت تتبعت حركة (الإخوان المسلمين)، وصرت أقرأ مطبوعاتهم، وأتصل بهم دون أن أعرف الداعية إلى ذلك، ولكني عرفته من غرسِ يده قبل أن أعرف شخصيته.
كان يوم خرجت أنا وبعض زملائي لمشية العصر على حافة النيل، فوجدنا جمْعًا من الجوَّالة؛ سألناهم عن شأنهم، فعلمنا أن “حسن البنا” سيلقي خطبةً في حفلٍ الليلة، فوافينا الحفل وسمعنا “حسن البنا”..
لقد تعلقت أبصارنا به، ولم نجد لأنفسنا فِكاكًا من ذلك، وخِلْتُ والله أن هالةً من نور أو “مغناطيسًا” بوجهه الكريم، فيزيد الانجذاب إليه، خطب ساعةً وأربعين دقيقةً، وكان شعورنا فيها شعورَ الخوف من أن يفرغ من كلامه، وتنقضي هذه المتعة التي أمتعنا بها ذلك الوقت.
كان كلامُه يخرجُ من القلب إلى القلب شأن المتكلم إذا أخلص النية لله.. وما أذكر أني سمعت خطيبًا قبله إلا تمنَّيت على الله أن ينتهي خطابه في أقرب وقتٍ.. كان كالجدول الرقراق الهادئ، ينساب فيه الماء، لا علوَّ ولا انخفاضَ، يخاطب الشعورَ فيلهبه، والقلبَ فيملؤه إيمانًا، والعقلَ فيسكب فيه من المعلومات ألوانًا.
انقضى وقت طويل دون أن ألتقي به، ولما أذن الله بذلك التقينا.. فإذا تواضع جمٌّ، وأدبٌ لا تكلف فيه، وعلمٌ غزيرٌ وذكاءٌ فريدٌ، وعقلٌ واسعٌ مُلِمٌّ بالشئون جليلها وحقيرها، وآمال عِراض.. كل ذلك يحفُّه روحٌ ديني عاقل، لا تعصب فيه ولا استهتار.. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية 143).
إنه كان مُلهمًا، وأقسم أني التقيتُ به وعاشرتُه، فما سمعتُ منه كلمةً فيها مغمز في عِرض أحد، أو دينِ أحد، حتى من أولئك الذين تناولوه بالإيذاء والتجريح في ذمته ودينه، وكان في ذلك ملتزِمًا حدَّ ما أمره الله.
هذا هو “حسن البنا” الذي قتلوه.. لقد قتلوا أخطرَ داعيةٍ ظهر على الأرض منذ قرون، والآن فإن الغرس الذي عرفتُ فيه “حسن البنا” قد نما وترعرع، وصارت دعوته إلى كتاب الله مستقرةً في القلوب، وصار تلامي

الأستاذ مصطفى أمين وشخصية حسن الهضيبي

المستشار حسن الهضيبي قبل وفاته

مَلَكَ المرشد الراشد حسن الهضيبي بشخصيته وصفاته ومواقفه على كاتبنا الصحفي الكبير الأستاذ مصطفى أمين عقلَه ومشاعرَه وقلما ملك أحدٌ عقلَ ومشاعر هذا الصحفي العملاق هكذا فكتب عنه كثيرًا، وحفلت كتاباته عنه بمشاعر الإعجاب والتقدير بل والانبهار بهذا الجبل الأشم الشامخ الصامد في وجه الظلم والطغيان، رغم قسوة السجن، وهمجية التعذيب، وتحالف العلل والأمراض، وتقدم السن، وضعف الجسد وشيخوخته.

وهذه بعض من كتابات عملاق الصحافة المصرية الأستاذ مصطفى أمين عن المرشد الراشد: حسن الهضيبي، نوردها لعل بعض صغار الكتبة في صحفنا المصرية الذين يلوثون صفحاتها بإسفافهم وتطاولهم على دعوة الإخوان ومرشديها وقادتها لعلهم من إنصاف عملاق الصحافة يتعلمون، وربما يستحون.

“عرفت الأستاذ حسن الهضيبي أول ما عرفته في عام 1939م ، وكنت رئيسًا لتحريرِ مجلةِ آخر ساعة، وأرسلت المفوضية الألمانية بالقاهرة خطابًا إلى وزير الخارجية تحتج على لأنني كتبت مقالاً قلت فيه أن هتلر ديكتاتور، وأنَّ هذه إهانة للفوهرر، وقانون العقوبات المصري يمنع مهاجمة رؤساء الدول الأجنبية.

وطلب الوزير الألماني تقديمي إلى محكمة الجنايات، واتصل وزير الخارجية بوزير العدل، واتصل وزير العدل بالنائب العام، وقرَّر النائب العام تكليفَ رئيس النيابة الأستاذ الهضيبي لمقابلتي، واستقبلني رئيس النيابة مقابلةً وديةً لم أتعود أن ألقاها من رؤساء النيابة الذين يحققون معي في قضايا الصحف.

وبدأ حديثه وسألني عن أي نوع من القهوة أود أن أشرب، وطلبت (قهوة مضبوط)، فطلب لي رئيس النيابة القهوة ثم طلب (واحد ليمون)، وبعد ذلك قال لي: أنت متهم بأنك أهنت أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا، قالها بهدوء بنفس النبرة التي طلب بها لي (واحد قهوة، وواحد ليمون)، وكأنه يقول لي أهلاً وسهلاً وحشتنا وآنستنا.

قلت له: أنا لم أهن هتلر.. أنا قلت عنه الحقيقة.

قال الهضيبي: أنت قلت عنه إنه ديكتاتور وطاغية، وإنه قضى على حقوق الإنسان في ألمانيا ؟

وسألت رئيس النيابة: وهل هو ديكتاتور أو لا؟

قال ضاحكًا: المفروض أنني أنا الذي أسألك لا أنت الذي تسألني.

قلت: المفروض أن يقول وزير ألمانيا المفوض إنني نسبت إلى هتلر أنه قضى على حرية الصحافة بينما أن الصحافة حرة في ألمانيا ، وأنه ملأ بلاده بالمعتقلات، وأنشأ المحاكم الاستثنائية بينما الحقيقة أنه لا معتقلات هناك ولا محاكم استثنائية.

قال الأستاذ الهضيبي: اطمئن إنني لن أقدِّمك لمحكمة الجنايات؛ لأنني أعتقد معك أنه ديكتاتور، وذمتي لا تقبل أن أقدِّم بريئًا إلى المحاكمة، وكل المطلوب منك أن تقول في التحقيق إنك لا تقصد إهانة هتلر.

وأمر الأستاذ الهضيبي بفتح المحضر وسألني هذا السؤال وأملى على كاتب التحقيق الإجابة، وأمرني بالانصراف، ولم يطلب مني أن أدفعَ كفالةً كما طلب النائب العام.

ولاحظت وأنا أتحدث إلى الهضيبي أنه رجل قليل الكلام، تتوهم أنه صارم بينما هو رجل رقيق هادئ فيه طيبة ممتزجة بالذكاء الحاد، قوي الملاحظة، ثم عرفته بعد ذلك في سجن ليمان طرة – كانت زنزانته بجوار زنزانتي- جذبني بصموده وقوة احتماله، يقابل البطش بابتسامة سخرية، ويرد على الظلم بالإيمان، يناقشك بهدوء، لا يغضب ولا يحتد ولا يشكو.

وحرموه عدة شهور من أن يتلقى أي خطاب من زوجته وبناته، وكان أولاده مسجونين في سجن آخر، وكلَّفت إحدى تلميذاتي أن تتصل بابنته المدرسة بكلية طب قصر العيني لتقول لها إن والدها بخير، هذه هي الرسالة الوحيدة التي رضي أن أحملها لأسرته، لقد منعوا عنه الزيارات ومنعوا عنه الأدوية لعدة أسابيع، ومع ذلك كان يبتسم ويضحك ويقول: صحتي الآن أحسن مما كانت عليه خارج السجن، كان يحمد الله على أنه يعيش في زنزانة.

 

كلمة أخيرة

لقد سجل رجال الدعوة الإسلامية في عصرها الحديث بطولات، وكانت، وما زالت لهم مواقف، ونستطيع أن نقول مطمئنين: بأنها ترقى إلى مستوى ما سجله حملة المنهج الإلهي من الرعيل الأول من المسلمين، وواجب الحركة الإسلامية أن تكرم أبطالها، وأن تحتفي بشهدائها؛ ليكونوا قدوات يسترشد بها العاملون، وكل من يسلك هذا الطريق.

Pin It on Pinterest

Share This