يقول الإمام البنا -رحمه الله- في مقدمة رسالته إلى الشباب ( أيها الشباب .. إنما تنجح الفكرة إذا قوي الايمان بها، وتوفّر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها. وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب؛ لأن أساس الإيمان القلبُ الذكي، وأساس الاخلاص الفؤادُ النقي، وأساس الحماسة الشعورُ القوي، وأساس العمل العزمُ الفتي، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب. ومن هنا كان الشباب قديمًا و حديثًا في كل أمة عمادَ نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل فكرة حاملَ رايتها “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى” الكهف 13).

ولذا كان علينا أن نوضح أين مكاننا وما هو دورنا في هذه المرحلة المهمة والخطيرة في حياة أمتنا الإسلامية وحديثي هنا عن شباب الحركة الإسلامية
في رأيي أن هذا الجيل ليس جيلَ تحقيق الغاية والهدف وحلم الخلافة المحتوم المحسوم ببشرى نبينا -صلى الله عليه وسلم- والذي بات قريبًا، فكل مقدماته ظهرت بل وباتت على وشك الزوال، ولكن هذا الجيل يمثل نقطة مهمة وفارقة في الوصول لهذه الغاية؛ حيث إن هذا الجيل يمثل نقطة تحول عظيمة في الفكر والوعي والإدراك بمعطيات هذه المرحلة.

وتتمثل أهمية هذا الجيل في أنه يمثل المرحلة الانتقالية للحركات الإسلامية من مرحلة الجمود الفكري والتنظيمي لمرحلة الوعي والإدراك؛ لأن كل هذه الأفكار غايتها واحده وهدفها واحد ولكن لكل منهم دور يؤديه وكل دور مهم لا يمكن تفاديه أو تركه.
هذا الجيل بدأ يعي أنه لا يمكن لفصيل واحد -كائنًا من كان- أن يقوم بنفسه وإنما قوتنا ونصرنا في أن تتوحد غايتنا وأهدافنا حتى وإن اختلفنا في الطرق المؤدية لذلك.

هذا الجيل الذي بدأ يعي أنه لا أحد عنده الصواب المطلق ولا أحد خطأ مطلق، فبدأ يفتح سبل للحوار مع أقرانه من مختلف التيارات والتوجهات؛ علهم يصلون جميعًا لكلمة سواء.

هذا الجيل الذي بدأ يدرك أنه لتحقيق هذه الغاية لا مجال لتنظيمات أو حركات وإنما هي تلك الكلمة السواء والمشروع الأوحد الذي نتفق عليه هو الطريق الأوحد للوصول ولا غيره، طريق لكل منا فيه دور مختلف ولا يعيب أحدنا على دور الآخر أو يقلل منه.
طريق يعي كل من فيه أنه ما وصل إليه إلا بعون الله وتوفيقه، بل إن دوره في الوصول لهذه الغايه الكبرى ليس باجتهاد منه مطلقًا وإنما هو محض اختيار من الله -عز وجل- وكلٌ ميسّر لما خُلق له.

هذا قناعات بدأت تترسخ في هذا الجيل ولكن شابت هذا الجيل كثير من شوائب الماضي، وقد بدأ يتخلص من كثير منها نعم ولكن ما زال هناك الكثير عالقًا به ولا أظنه يمكنه التخلص منها جميعا فهذا أمر جد صعب.

إن على هذا الجيل مسئولية عظيمة وهو الذي بيده بَوْصلة الحركة وتغيير الواقع. تغيير هذا الواقع يبدأ بتفاعله السريع مع قناعاته التي وصل إليها والسعي لإيجاد إطار حركي جديد في ضوء القناعات التي تأسست لديه، والبدء في إعداد كل فرد لنفسه في ضوء هذه المستجدات أيضًا، وليكن الهدف الأول له هو تدارك جوانب القصور والنقص التي أدت بنا إلى هذا المنحدر الصعب… قصور في التربية، وقصور في الوعي وتنمية الفكر، قصور في العلوم التي لا غنى عنها في بناء الأمة كعلوم الشريعة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، قصور حتى في التخصصات التي ننتمي إليها فإما أن تكون في تخصصك فردًا عاديًا مثلك مثل البقية، وإما أن تترك هذا التخصص تمامًا وتنشغل بأشياء أخرى تظن أنها مهمة، وليس هذا ولا ذاك بالشيء الجيد.

إن على هذا الجيل مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة، عليه أن يحملها ليعيد للأمة دورها ومكانتها، وإلا فالاستبدال قادمٌ لا محالة وسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ويجتهدون فيما أعطاهم الله حتى ينزل الله عليهم نصره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). المائدة 54

يا أبناء هذا الجيل إن الله قد اصطفاكم لتكونوا في هذه الفترة من الزمان حاملين راية الحق والعدل، وعليكم أن تكونوا على قدر هذه الأمانة التي كُلفتم بها (هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). محمد 38

نهاية لا أملك إلا أن أدعو لنفسي وإياكم أن نكون من أهل الحق الحاملين لواءه الثابتين على طريقه، وأسأل الله –سبحانه- أن يستعملنا لنصرة دينه ولا يستبدل بنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

دون معنا عن الدعوة والداعية !

Pin It on Pinterest

Share This