مأمون الهضيبي شاهد على عصره .. جزء من حوار اجره الكتاب الصحفي شعبان عبد الرحمن مع فضيلة المستشار رحمه الله ينشر تباعاً وإليكم نص الحوار :

جاء اختيار المستشار مأمون الهضيبي – رحمه الله- مرشداً عاماً للإخوان المسلمين، مساء الأربعاء 22 من رمضان 1423هـ – 27 من نوفمبر 2002م، خلفاً للأستاذ مصطفى مشهور، وسط أحداث مهمة كانت تمر بها جماعة الإخوان، ووسط تطورات دولية مثيرة لم تكن على أحد.

وكان مأمون الهضيبي، وهو المرشد السادس للجماعة، شاهد عيان على أحداث محورية ومهمة في تاريخ الجماعة منذ أن تولى والده المستشار حسن الهضيبي ـ رحمه الله ـ موقع المرشد العام الثاني للجماعة بعد استشهاد الإمام البنا.

وبعد أن أصبح عضواً بمكتب إرشاد الجماعة في الثمانينيات شارك في صناعة أحداث أخرى مهمة مرت بها الجماعة وهي جديرة بالتسجيل والبحث.

وأثناء توليه منصب المرشد العام (نوفمبر 2002- يناير 2004) أجرى معه الكاتب الصحفي شعبان عبدالرحمن حوارا لمجلة “المجتمع” الكويتية توقف فيه طويلاً أمام أهم الأحداث التي كان شاهداً عليها أو معايشاً لها أو مشاركاً في صنعها على امتداد تاريخه مع الجماعة، ومنها فتنة «التكفير» التي برزت بين عدد من أعضاء الجماعة داخل سجون عبدالناصر وكيف عايشها، وكيف تصدى الإخوان لمعالجتها فكرياً، وسفره إلى الخارج بعد الخروج من سجون عبدالناصر ثم عودته باستدعاء من الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الثالث للإخوان، و رؤيته ومعايشاته لمرشدي الإخوان الذين تعامل معهم.

كما تناول الحوار شهادة الأستاذ مأمون الهضيبي على العلاقة التي نشأت بين الإمام البنا ووالده المستشار حسن الهضيبي والحوارات التي دارت بينهما، و قصة التحالف مع حزبي العمل والأحرار وتجربة أول وأكبر كتلة إخوانية قادها تحت سقف البرلمان المصري عام 1987م، ورؤيته للتجربة الحزبية في مصر… وأهمية وجود حزب لجماعة الإخوان، وعملية اختياره مرشداً عاماً ولماذا تأخر إعلان الاسم خلافاً للمرشدين السابقين، إضافة إلى ما كانت تروجه وسائل الإعلام عن خلافات داخل الجماعة… وعن «صراع الأجيال… أو الحرس القديم والحرس الجديد – كما يحدث الآن- وكيف تتعامل الجماعة مع الخارجين عليها.. ومنهجه في إدارة الجماعة.

وتطرق الحوار إلى الأحداث الساخنة التي كانت تمرُّ بها المنطقة العربية والإسلامية وقتها والحرب الأمريكية على العراق ورؤية الإخوان لها… وكيف ينظرون إلى المشروع الأمريكي للهيمنة على العالم وخطورته على مستقبل العالم الإسلامي.

ورؤية الإخوان لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر، وخلفيات موقفهم من الغزو العراقي للكويت عام 1990م … ولماذا عارضوا الوجود الأجنبي على الأراضي الإسلامية؟

مأمون الهضيبي شاهد على عصره

وإلى تفاصيل الحلقة الأولى من الحوار التي تناولت رؤيته للأوضاع والأحداث التي تموج بها الساحة الدولية وقت وجوده كمرشد عام وما ترتب على أحداث 11 سبتمبر 2011 من تضييق على الإسلاميين واتهام الإسلام بالإرهاب…وإلى التفاصيل :

كان سؤال البداية حول ما تجمَّع لديه من رؤى لمجمل الأوضاع والأحداث التي تموج بها الساحة الدولية والعربية والإسلامية قبيل الغزو الأمريكي للعراق (19 مارس 2003)… وكيف تعامل الإخوان معها.

قال: يعيش العالم حقبة مهمة وخطيرة… فلم يسبق على مر التاريخ القديم والحديث أن حاولت قوة الانفراد بحكم العالم… لقد شاهدنا قوى حاولت على مر التاريخ السيطرة على أكبر جزء من العالم، ولكن أن توجد قوة واحدة تسعى للانفراد بالعالم فهذا ما لم يحدث من قبل وهو أمر جديد وخطير، لأنه يعني أن طرفاً واحداً يحاول أن يسيِّر العالم وفق رؤيته ومصالحه.

والولايات المتحدة لاشك تشعر بقوتها، وكانت القاعدة التي تحكم السياسة الأمريكية هي قيادة العالم، لكن منذ أن تولى الرئيس بوش الابن حدث تغيير في هذه السياسة، مؤداه أن تحكم الولايات المتحدة العالم بدلاً من قيادته… ومن هنا أصبح العبث بالمؤسسات الدولية قاعدة أساسية، فقد أصبحت بلا وزن، وأن تكون فقط مطية لهذه الدولة المستبدة القوية ورئيسها الذي يجعل من نفسه حاكماً للعالم دون منازع.

ومع ذلك فإن هذه الحالة لم تستقر بعد، ومازال هناك من يرفض ويقاوم هذه السياسة… فالاتجاه الغالب في أوروبا – مراعاة للمصالح الخاصة- يدرك أن هذا الاتجاه يسعى للحد من نمو أوروبا الاقتصادي ومشروعها الفكري وهويتها الثقافية وقوتها العسكرية.. فمادامت أمريكا تسعى لحكم العالم فإن ذلك يعني أنها لن تسمح في يوم من الأيام بوجود قوة إلى جوارها لها كيانها ونفوذها.

روسيا أيضاً رغم ضعفها تدرك أهمية أن يكون لها كيانها السياسي والاقتصادي والعسكري وتخشى أن يُقضى عليها وأن يَلحق بها أيضاً ما يُراد للشرق الأوسط من تقسيم… وهي قابلة لذلك لطبيعة تكوينها من أعراق وديانات مختلفة، ومصالح متباينة… فهي قابلة إذاً للتقسيم والتفتيت.
ولذلك فقد شكلت روسيا مع فرنسا وألمانيا… «عصبة» ضد انفراد أمريكا بالسيطرة على العالم.

ونجد أيضاً كوريا الشمالية التي انتهزت فرصة انشغال الولايات المتحدة بالتعبئة ضد العراق ولم تنتظر حتى تتفرغ أمريكا لها وتنفرد بها، فأعلنت خروجها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وقامت بتشغيل مفاعلاتها، بل تهدد أمريكا إذا اتخذت ضدها أي إجراء.

كذلك، فإن الوضع في إفريقيا صعب للغاية.. فحروبها لا تكاد تنتهي، وقد أصبحت مجزأة إلى دويلات كثيرة، بل إن دولاً فقدت حكوماتها تماماً… الصومال ظل عشرين عاماً بلا حكومة، واليوم ساحل العاج، بدأ يفقد وجود حكومة مستقرة..وقد أصبح الوضع في الشرق الأوسط حافلاً بتموجات كثيرة، من الصعب التنبؤ بما ستكون عليه الأوضاع فيها.

والحقيقة أننا مهتمون بالدرجة الأولى من كل ذلك ببلادنا.. بلاد الإسلام والمسلمين، وخصوصاً المنطقة العربية الإسلامية التي تجمعها رقعة واحدة… ولغة واحدة، والتي يمثل الإسلام فيها الدين الغالب… فأسباب الارتباط والتلاحم فيها قائمة مهما يكن الاستعمار قد صنع فيها حدوداً وجزأها لدويلات، لكن واقع الحال يؤكد وحدة هذه البلاد وارتباط شعوبها بقدر ما تستطيع… ولو أن الحكام اتقوا الله في هذه الأمة لوجدوا أن أسباب التجمع والتوحد اقتصادياً وسياسياً وفكرياً ودينياً قائمة فعلاً، وما عليهم إلا أن يتركوها تعمل وتؤتي ثمارها، وتبلغ غايتها… لكننا مازلنا نقف بكل أسف أمام الأحداث مشتتين، ولذا ضعفت قيمتنا، وأصبح من يملكون القوة لا يقيمون وزناً لهذه المنطقة، ونحن نخشى أن تكون النتيجة زيادة الضعف والتشتيت بهدف التقسيم وضياع كل المقدسات وإنهاء قضية فلسطين لصالح الصهاينة.

إن ثروات المسلمين في الواقع هي تحت اليد الأمريكية التي تزداد تحكماً وسيطرة، ونحن نسأل الله دائماً أن يجعل لنا من أمرنا رشداً حتى تكون لنا قيمة وإلا فإننا سنُباد أو سنكون أشبه بالمتسولين الذين لا قيمة لهم في هذا العالم.

في تصور فضيلتكم… وفي ظل المعارضة الدولية الواسعة للحرب… هل يمكن للولايات المتحدة أن تحقق ما تخطط له، لو خاضت الحرب؟

لابد أن نكون واقعيين… فالولايات المتحدة بدأت بالفعل في تنفيذ ما تخطط له.. فقواتها تنتشر في المنطقة، والحشد لا يزال متواصلاً ويدها وسيطرتها تتحكم بالمنطقة.. وإذا حدث- لا قدَّر الله- وغزت العراق وحطمته فستكون كارثة كبرى تضعف الأمة العربية والإسلامية جمعاء، فالدولة العراقية هي ثاني قوة نفطية في المنطقة، والعراق صاحب إمكانات اقتصادية وصناعية وثقافية وعلمية، وبه ثروة من العلماء سيكون الاستحواذ عليهم- كما حدث مع العلماء الألمان- أو إبادتهم خسارة كبيرة.

الولايات المتحدة تحشد من الجيوش والقوات، وغير مقبول عقلاً أن تكون للعراق فقط، وإنما لها أهداف أخرى.

وللأسف فإن الأمة العربية والإسلامية لم تتخذ أي إجراء فعَّال يكون له وزن في مجريات الأمور ويتناسب مع هول الكارثة التي نحن مقبلون عليها.

  بالنسبة «للإسلام».. بعد أحداث سبتمبر برز تياران.. تيار يسعى لاحتكار الحديث باسم الإسلام محاولاً فرض وجهة نظره وفهمه للإسلام… وتيار آخر يحاول خنق العمل الإسلامي ووضع الإسلام في خانة العنف والإرهاب مستغلاً خطاب التيار الأول.. ما تقييمكم؟ وما دور الإخوان هنا؟

الإخوان المسلمون منذ نشأتهم يرددون دائماً أنه لا يجوز لأحد… شخصاً أو مجموعة من الناس أو دولة من الدول أن تدَّعي أنها جماعة المسلمين.

والإخوان منذ نشأتهم أعلنوا ـ ومازالوا ـ أنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين… يتعاونون مع الآخرين ويعترفون بالآخرين ويعتبرونهم من المسلمين… وليست المسألة شرذَمة، ولكن- بطبيعة الناس- تحدث اختلافات في التطبيق وفي الفروع… وذلك طبيعي، مادام بعيداً عن أصول الإسلام وثوابته، وقد حدث هذا الاختلاف في الاجتهاد والتطبيق في الفرعيات حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم … فهذا الاختلاف موجود وسيبقى… وإن ما نحرص عليه هو أن نجتمع جميعاً على أصول ثابتة لا مجال للاختلاف فيها… وتكون القاعدة «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه»… ذلك في الفرعيات بالطبع وليس في الأصول.

لكن الذين برزوا مؤخراً، وشرعوا يتحدثون في الإسلام- بعد أحداث سبتمبر- هؤلاء لم يدعوا أنهم يمثلون الإسلام أو كل المسلمين لكن هم يعرضون فكرهم الإسلامي، وكونهم يدعون المسلمين في العالم إلى عقيدتهم وفكرهم فهذا شيء لكنهم لم يزعموا أنهم يمثلون المسلمين في العالم.

ودعني أتحدث بصراحة… فنحن من جانبنا رفضنا ونرفض ما حدث من تفجيرات في 11 سبتمبر 2001م… هذا أسلوب مرفوض نهائياً عند الإخوان… ومن قبل أحداث سبتمبر رفضنا كل أحداث العنف والاغتيالات وأكدنا مراراً أن ذلك ـ في عقيدتنا المستقرة ـ غير مسموح به في ديننا إطلاقاً.

ومن البدهيات أن الشخص الذي يقوم بعمل عام، عليه واجب آخر لابد أن يحسب حسابه، وهو أن مسلكه وحركته لا تقوم على مشروعية الفعل فقط، وإنما لابد أن يكون في حسبانه رد الفعل الناجم عن هذا الفعل حتى ولو كان مشروعاً… وأن يسأل نفسه: هل أستطيع أن أواجه رد الفعل؟ وهل سيأتي بخير حقيقة؟ وعندما نجلس ونفكر في أحداث سبتمبر… فمهما كان الدافع إليها… وحتى الشخص الذي اعتقد أنها جائزة شرعاً- مع تأكيدنا أنها غير جائزة شرعاً- هل كان يتخيل أن هذه الضربة ستهدم أمريكا أو تبيدها وتحطمها وتقضي على قوتها وكيانها الاقتصادي المسيطر على العالم أو كيانها الحربي الذي بلغ في أوقات السلم العادية أكثر من مليون ونصف المليون جندي مجهزين بأحدث الأجهزة والعتاد

الحربي… وقوتها وأساطيلها وحاملات طائراتها؟
هل يمكن أن يتصور أحد أن تفجيرات سبتمبر في ضوء ذلك -مهما هزَّت العالم- كانت ستقضي على أمريكا؟
وها نحن نرى رد الفعل!

لقد فقدنا أفغانستان… وأبيد شعبها، وفقدت استقلالها… وأصبحت اليد العليا هناك لأمريكا عسكرياً وفكرياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً… أصبحت في يد من يعتبرهم مؤيدو تفجيرات سبتمبر كفاراً!.

وقد أضير كثير من المنظمات الإسلامية في العالم، ووضعت تحت الحراسة، والبلاد الإسلامية فرضت عليها مطالب وتمارس عليها ضغوط لكي تحاصر الإسلام وتحد من أي نشاط إسلامي، ووصل الأمر إلى مناهج الدراسة، ليحذف منها ما يتعلق بالجهاد… ويحذف منها «اليهود أعداء الله»… وكل ما يضير السادة الكبار الذين يتحكمون بالعالم والذين انتهزوا أحداث سبتمبر فرصة ليعلنوها «حرباً صليبية».
إذاً.. لا يكفي أن يكون الفعل في حد ذاته جائزاً شرعاً.. لكي يسلكه الإنسان.. إذ يكون عليه وجوب النظر في عواقبه ونتائجه، فإن كانت أسوأ وأكثر خطراً أصبح محرماً…

كان من نتائج أحداث سبتمبر أن أصبح المسلمون في هذه الحالة التي نشاهدها من اضطهاد حتى من حكام بلادهم… وأصبح الحديث في العالم أن الإسلام هو الإرهاب!!

إننا نرى أن من يفعلون هذه الأفعال عليهم أن يدركوا أن تصرفاتهم تنعكس بالضرر على الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم، وأن الكل يكتوون بنار ما فعلوا… حتى وإن كانوا يعتقدون أن ما فعلوه جائز شرعاً إلا أن النتائج واضحة بأنها لم تكن أبداً في صالح الإسلام والمسلمين.

وماذا عمن ينتهزون الفرصة في ضوء ذلك للهجوم على الإسلام ومحاولة خنقه؟

هم معروفون.. العلمانيون.. والشيوعيون واليساريون والبعثيون ومن دار في فلكهم… وهؤلاء بطبيعتهم لم يألوا جهداً قبل أحداث سبتمبر في الحرب على الإسلام وعملوا على قتل الإسلام والمسلمين في كل الدول التي تمكنوا من حكمها أو كان لهم يد أو قوة فيها.

فهؤلاء.. جاءتهم أحداث سبتمبر فرصة… فطيرة دسمة لكي ينهشوا من الإسلام أكثر، ويشوهوا المسلمين ويحثوا السلطات على خنق الإسلام والمسلمين.

لكننا رغم ذلك نحمد الله سبحانه وتعالى أن الغالبية الكاسحة في العالم الإسلامي من الأمة الوسط {وكّذّلٌكّ جّعّلًنّاكٍمً أٍمَّةْ وسّطْا} (البقرة:143)، ترفض الخنوع كما ترفض التطرف وقتل الأبرياء بلا جريرة… فقتل النفس في الإسلام بغير حق ـ حتى ولو كانت غير مسلمة ـ كبيرة وخطيرة جداً.

حوار أجراه الكاتب الصحفي شعبان عبدالرحمن مدير تحرير المجتمع ونشر علي حلقات بدءا العدد 1541عام 2003م

Pin It on Pinterest

Share This