مهدي عاكف قتله الإنجليز السمر

ولد الأستاذ محمد مهدي عاكف في 12 يوليو 1928م، وهو نفس العام الذي تأسست فيه جماعة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا. عرف جماعة الإخوان المسلمين في وقت مبكر من عام 1940م وكان عمره وقتها 12 سنة، بعد أن لفت انتباهه اهتمامها بالرياضة التي كان يحبها ويمارسها ويتفوق فيها لقوة بنيانه. تربى على أيدي شيوخ الإخوان المسلمين وعلمائهم وعلى رأسهم الإمام حسن البنا، وكان لهذا أكبر الأثر في تربيته الإيمانية والفكرية والحركية، واستيعابه لمفهوم شمولية الإسلام الذي أكد عليه الإمام البنا وأجلاه في عقول وقلوب أتباعه، كما نهل من علم الشيخ الدمشقي محب الدين الخطيب الذي ذاع صيته في البلدان العربية لدفاعه عن دين الإسلام، وجهاده المُستميت ضد الاحتلال الغربي للبلاد العربية والإسلامية.

وهكذا بدأ الأستاذ مهدي عاكف في التحول التدريجي من الشغف بالرياضة إلى الإيمان الكامل بفكرة العمل للإسلام والتضحية من أجله، ودفعته تربيته الإيمانية وتكوينه الفكري العميق إلى الالتحاق بعد خمس سنوات فقط بـهيكل «التنظيم السري» لجماعة الإخوان المسلمين، وبترشيح مباشر من الإمام البنا. لم يكن صعبًا عليه أن يضحي بحياته ويقبل الانضمام لهذا التنظيم رغم معرفته بخطورة الانتساب لتشكيل مسلح يقاتل الإنجليز ويقوض وجودهم في مصر، يقول رحمه الله: «دخلت التنظيم العسكري لأن انتمائي للإخوان ليس فيه شك، واستعدادي للتضحية لا حدود له».

«والتنظيم الخاص الذي أنشأته جماعة الإخوان المسلمين هو نظام عسكري تم تأسيسه عام 1940م بهدف إعداد نخبة منتقاة من خيرة شباب الإخوان للقيام بمهام خاصة والتدريب على العمليات العسكرية ضد الاحتلال البريطاني للقطر المصري والتصدي للمخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين» [الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ لمحمود عبد الحليم].

فقد كانت قناعة الإمام البنا أن الإنجليز لن يتخلوا عن مصر ولا عن فلسطين، ومع إدراكه لضعف الحكومات العربية وهزال الجيش المصري في هذا الوقت كان حافزًا لتكوين «النظام الخاص»، وكان التأسيس وليد فكر مشترك بين الحاج أمين الحسيني (مفتي فلسطين) والإمام حسن البنا (مرشد الإخوان المسلمين) [الإخوان المسلمون كما يراهم فريد عبد الخالق ج4].

قام التنظيم الخاص بدور كبير في مد المقاومة الفلسطينية بالسلاح والذخائر وحشد المتطوعين وتكوين مراكز التدريب وتقديم كافة أنواع الدعم الممكن والمتاح لمقاومة العصابات الصهيونية، وشهدت حرب 1948م التي دارت بين الكيان الصهيوني والجيوش العربية بطولات حقيقية لشباب التنظيم الخاص وغيرهم من متطوعي الإخوان المسلمين، وشارك مهدي عاكف ضمن كتيبته في الطلائع الأمامية للمجاهدين في منطقة بئر السبع. كما كان للتنظيم الخاص دور حيوي في مقاومة الاحتلال البريطاني، إذ قام بالعديد من العمليات النوعية التي قضت مضاجعه وأربكت صفوفه وبثت الرعب في قلوب جنوده، وشارك بصورة مؤثرة في حرب القنال لإجلاء الإنجليز عام 1951م.

كانت شخصية الأستاذ مهدي عاكف الفريدة دافعًا لأن يتحول تدريجيًا من مجرد عضو بالتنظيم الخاص إلى عقلٍ مدبر يقود الفكرة ويؤتمن عليها، فشغل منصب رئيس قسم الطلبة الذي كان أهم الأقسام في جماعة الإخوان والذي كان يتولاه الإمام البنا بنفسه، وتولى رئاسة قسم التربية الرياضية بالمركز العام للجماعة، وانخرط في الحركة الطلابية لمقاومة الاحتلال البريطاني، وتدرّج فيها حتى ترأس معسكرات جامعة إبراهيم (عين شمس حاليًا) في الحرب ضد الإنجليز بمنطقة القناة حتى قامت ثورة 1952م، ثم سلَّم معسكرات الجامعة لكمال الدين حسين المسئول عن الحرس الوطني (جهاز تابع للدولة) آنذاك.

خرج الإنجليز الحمر، وبقي الإنجليز السمر

هكذا كانت مشاهد الصبا والشباب لشيخ المجاهدين محمد مهدي عاكف؛ الذي سارع بالانخراط في صفوف المجاهدين ضد الاحتلال الإنجليزي حتى جلائه، وكان من الأوائل الذين خاضوا معركة الدفاع عن فلسطين التي مثلت في وجدانه عقيدة ومبدأ، ومارس الجهاد لتحريرها بالفعل لا بالشعارات.

وعقب جلاء الإنجليز عن مصر ظن الجميع أن البلاد قد تخلصت من قيودها وفُتحت أمامها أبواب الحرية والازدهار والرقي، إلا أن الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – كانت له رؤية ثاقبة حين قال: «خرج الإنجليز الحمر، وبقي الإنجليز السمر»، يقصد أن الإنجليز المحتلين قد رحلوا عن أرضنا بقواتهم وعتادهم، إلا أنهم تركوا خلفهم من بني جلدتنا من يحقق غاياتهم وأهدافهم ويمضي بالبلاد على خطاهم، ليضمنوا تخلفنا وضعفنا واحتلالنا بطريق غير مباشر.

وسرعان ما تحققت نبوءة سيد قطب، وأكدها لاحقًا «سيرج لاتوش» في كتابه تغريب العالم، والذي قال فيه: «إن أروع ما حققه الاستعمار هو مهزلة تصفية الاستعمار، لقد انتقل البيض إلى الكواليس، لكنهم لا يزالون مخرجي العرض المسرحي» , فبعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952م أطاح جمال عبد الناصر بالرئيس محمد نجيب بعد أن صرّح الأخير بضرورة تسليم قيادة الدولة لسلطة مدنية منتخبة، وكان هذا كافيًا لإزاحته من المشهد واعتقاله وتحديد إقامته وحصار فكرته ، وتفرّغ عبد الناصر بعدها للاستفراد بمقاليد الحكم والقضاء على الجبهة الداخلية وشركاء الثورة وكل من ينادي بالإصلاح وبالحكم المدني ووجوب تداول السلطة، وفي هذه الأثناء تم إلقاء القبض على الأستاذ مهدي عاكف مطلع أغسطس 1954م، وتمت محاكمته بتهمة تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف – أحد قيادات الجيش وأحد أعلام الإخوان ، الذي أشرف على عزل الملك فاروق (1936م – 1952م) ونفيه خارج مصر – وحُكم على عاكف بالإعدام، ثم خُفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، فقضى منها 20 عامًا كاملة بالسجن، حتى خرج منه عام 1974م في عهد الرئيس أنور السادات (1970م – 1981م).

ثم جاء الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي قدم الأستاذ عاكف للمحاكمة العسكرية عام 1996م في ما يعرف بقضية «سلسبيل»، وكانت تهمته أنه المسؤول عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وحُكم عليه بثلاث سنوات، ليخرج من السجن عام 1999م. لم يتوقف مهدي عاكف عن ممارسة دوره الدعوي والإصلاحي ضمن صفوف جماعة الإخوان التي تعلم منها الإخلاص والجهاد والتضحية والثبات، فشغل عضوية مكتب الإرشاد – وهو أعلى هيئة قيادية داخل الجماعة – وظل عضوًا بمكتب الإرشاد حتى تولى منصب المرشد العام للإخوان المسلمين بعد وفاة المستشار محمد المأمون الهضيبي في يناير 2004م، واستمر مرشدًا عامًا للجماعة حتى انتهت فترة ولايته في يناير 2010م، فرفض التجديد وأصر على اختيار خليفة له، فتم اختيار الدكتور محمد بديع مرشدًا عامًا، وبقي الأستاذ مهدي عاكف رمزًا من رموز الجماعة كمرشد سابق دون أن يتولى أي منصب.

وعقب انقلاب عسكري دموي أطاح بالرئيس محمد مرسي – أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين وأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا – تعرض أنصاره لمذبحة مريرة في اعتصامي رابعة والنهضة عام 2013م، وألقت قوات الأمن القبض على آلاف من مؤيديه وغالبية قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وكان من بينهم الأستاذ مهدي عاكف رغم أنه لا يشغل أي منصب بالجماعة وخارج دائرة الأحداث. ومن الغرائب التي يصعب على العقل تصديقها أو تخيلها أن الخارجية المصرية في خطوة لإرضاء الغرب وبحثًا عن الشرعية، قامت بتسليم السلطات البريطانية (المحتل القديم) ملفًا حول الإخوان المسلمين لإثبات تورطهم في عمليات إرهابية، وكان من بين الأدلة التي قدمتها الخارجية وثائق تثبت ضلوع الإخوان في عمليات فدائية ضد الاحتلال البريطاني في أربعينيات القرن الماضي [صحيفة «المصريون» في 12 أبريل 2014م].

استمر حبس الأستاذ مهدي عاكف سجين كل العصور على ذمة قضايا ملفقة بُرِّئ منها لاحقًا، وظل محبوسًا حتى رحيله على ذمة قضية أحداث مكتب الإرشاد (المكتب الرئيسي لجماعة الإخوان) في منطقة المقطم، رغم أن جماعته كانت ضحية المعتدين على مقرها وأعضائها، وصدر بحقه في هذه القضية حكم بالمؤبد (السجن 25 عامًا)، ثم ألغته محكمة النقض في يناير 2017م، واستمر حبسه لإعادة محاكمته. وخلال السنوات الأربع التالية للقبض عليه تدهورت حالته الصحية بشدة وقد شارف على سن التسعين، وتعالت المطالبات بالإفراج عنه وسط تقارير صحية وحقوقية تؤكد إصابته بالسرطان وانسداد في القنوات المرارية، وكسر في مفصل الفخذ إثر سقوطه في زنزانته، وضعف في عضلة القلب،

ومع كل هذا لم يُستجب لعشرات الطلبات من هيئة الدفاع بالإفراج الصحي عنه، بل واستمر التعنت معه بمنع زيارة أهله وأبنائه له، كما رُفضت طلبات عدة للسماح لأحد من ذويه بمرافقته والقيام على خدمته، لم يُلتفت إلى شيء مما سبق كحق من الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وأُهمل طبيًا حتى ساءت حالته الصحية وأشرف على الموت بمستشفى سجن ليمان طرة، وبعد فوات الأوان تم نقله لمستشفى قصر العيني ليلفظ هناك أنفاسه الأخيرة، لتنطلق روحه الشابة سريعًا وبعيدًا عن هذا الواقع المنحرف، ويتحرر جسده أخيرًا من سجن دام 27 سنة كاملة. وفي مشهد أخير قررت السلطات الأمنية دفنه بدون جنازة أو صلاة ومنعت حضور أحد سوى زوجه وأبنائه. ورغم مأساوية المشهد إلا أنه كان بمثابة الصفحة الأخيرة التي اكتملت بها قصة صموده وثباته وتضحياته منذ صباه وحتى الرمق الأخير.

كانت المشاهد الأخيرة لمرشد الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف تليق بصاحبها وبتاريخه الكبير، فكما كان في شبابه مثلًا وأسوة، فقد ارتقى في شيخوخته إمامًا ورمزًا، قدم حياته وشبابه وإمكاناته وعمره المديد دفاعًا عن دينه وأرضه ووطنه ومقدساته، ومات قدوة وبطلًا وملهمًا لمن عاصروه وللأجيال التي تأتي من بعده. هكذا بدأت حياة شيخ المجاهدين محمد مهدي عاكف مجاهدًا للإنجليز الحمر والصهاينة، وهكذا توقف مشواره الطويل على يد الإنجليز السمر المتضاحكين مع الصهاينة.

Pin It on Pinterest

Share This