ولدي الشهيد .. هي كلمات كتبها فضيلة الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا بعد استشهاد ابنه الإمام حسن البنا رحمه الله

أحمد عبد الرحمن البنا .. الشيخ المحدث من هو ؟

أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنّا الساعاتي (1301/1884 – 1378/1958)

عالم محقق، إمام عصره في علم الحفظ والرواية والحديث والمعرفة بأصول الضبط والتقييد والإجازة، أحد جهابذة الأزهر وشيوخه الأوتاد، والد الإمام الشهيد حسن البنا .

ولد في قرية شمشيرة من أعمال مديريّة الغربيّة، كان والده رجلاً صالحاً، وكانت أمّه تقيّة ورعة، نذرته للقرآن والعلم الشرعي .

حفظ القرآن الكريم في سنّ مبكّرة، وأتقن أحكام التجويد على الشيخ أحمد أبو رفاعي في كتّاب القرية.

سافر إلى الإسكندريّة، والتحق بدروس مسجد الشيخ إبراهيم باشا، وأقام بجواره عدّة سنوات، وتعلم بها إصلاح الساعات.

عاد إلى قريته عالماً صانعاً فتزوّج منها، وسار بأهله إلى بلدة المحموديّة سنة 1331/1903 واستقر بها، ولقى عالمها الشيخ الكفيف محمد محمد زهران، صاحب (مدرسة الرشاد الدينيّة) ومحرر (مجلّة الإسعاد) الشهريّة التي صدرت بين عامي (1920 ـ 1928) واستعان بمكتبته الزاخرة بأمّهات الكتب الدينيّة .

وكان عظيم الهمّة، يقظاً، ملتزماً أعلى درجات الدقّة والصرامة، وإتقان العمل .

ورتّب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وخرّج أحاديثه، وشرح ما يحتاج إلى بيان وسمّاه (الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني) 1377/1957 في اثنين وعشرين جزءاً كبيراً، وهو من أكبر مدوّنات الحديث عن رسول الله حيث اشتمل على ثلاثين ألف حديث تقريباً، وقد استغرق إنجازه ثمانية وثلاثين عاماًَ متواصلة، ومختصره و(بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) وله (منحة المعبود في ترتيب مسند الطيلسان أبي داود) 1372/1952 و(بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن) 1369/1950 .

أدرك الأهميّة الإيجابيّة للاختلافات الفقهيّة بين أصحاب المذاهب المتعددة، وقد انعكس ذلك في تدبّره لتثقيف أبنائه وتفقيههم في الدين، إذ جعل كل واحد منهم يدرس ويتمذهب على مذهب من المذاهب الفقهيّة، فكان المذهب الحنفي من نصيب حسن والمالكي من نصيب (عبد الرحمن) والحنبلي من نصيب (محمد البنا) والشافعي من نصيب (جمال البنا) وكانوا يتلقون دروسهم في المنزل، ولم يمنعه ذلك من أن يدفع بهم إلى المدارس المدنيّة الحكوميّة وليست الدينيّة ليتلقوا تعليمهم وفقاً للمناهج الدراسيّة الرسميّة، وكان يحثّهم على حفظ القرآن وحفظ المتون في فروع العلوم الشرعيّة، ويشجعهم على القراءة واقتناء الكتب، وعلّمهم صنعة الساعات وحرفة تجليد الكتب .

بين الوالد وولده

أما علاقته بابنه الإمام حسن البنا فقد كان دائم التفقد لأحواله، مهتمّاً بتربيته وتهذيبه، وبذل النصيحة له في مختلف مراحل عمره .

وفد إلى القاهرة، وعاش محنة أبنائه الأربعة في محنة الجماعة الأولى مع الألوف من أبناء الحركة الإسلاميّة، واستشهد ابنه البكر، الإمام حسن البنا فكان صابراً محتسباً، موقراً من أبناء الجماعة الذين حفظوا له فضله على تربية مؤسس حركتهم وتنشئته وتوجيهه. توفي بالقاهرة، ودفن بقرّافة الإمام الشافعي بجوار ابنه الإمام الشهيد .

ولدي الشهيد .. كتبها فضيلة الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الملقب بالساعاتي

عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، قال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بالصبي فضمه إلى صدره قال أنس فدمعت عينا رسول الله وقال “تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل، والله أنا بك يا إبراهيم لمحزونون”.

تتمثل لي يا ولدي الحبيب في صورتين .. صورة وأنت رضيع لم تتجاوز الستة شهور، ولقد استغرقت مع والدتك في نوم عميق، وأعود بعد منتصف الليل، من مكتبي إلى المنزل فأرى ما يروع القلب ويهز جوانب الفؤاد .. أفعى مروعة قد التفت على نفسها وجثمت بجوارك، ورأسها ممدود إلى جانب رأسك وليس بينها وبينك مسافة يمكن أن تقاس.

وينخلع قلبي هلعاً فاضرع إلى ربي وأستغيثه فيثبت قلبي، ويذهب مني الفزع، وينطلق لساني بعبارات واردة في الرقية من مس الحية .. وما أفرغ من تلاوة حتى تنكمش الحية على نفسها وتعود إلى جحرها، وينجيك الله يا ولدي من شرها لإرادة سابقة في علمه، وأمر هو فيك بالغة.

وأتمثلك يا ولدي وأنت صريع وقد حملت في الليل مسفوكاً دمك ذاهبة نفسك، ممزقة أشلاؤك، هابت أذاك حيات الغاب، ونهشت جسدك الطاهر حيات البشر! فما هي إلا قدرة من الله وحده تثبت في هذا الموقف، وتعين على هذا الهول وتساعد في هذا المصاب .. فاكشف عن وجهك الحبيب فأرى فيه إشراقه النور وهناءة الشهادة، فتدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا عز وجل “إنا الله وإنا إليه راجعون”.

وأقوم يا ولدي على غسلك وكفتك وأصلى وحدي من البشر عليك، وأمشي خلفك، أحمل نصفي، ونصفي محمول، أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

أما أنت يا ولدي فقد نلت الشهادة التي كنت تسأل الله تعالى في سجودك أن ينيلك إياها فهنيئاً لك بها، فقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وان له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة”.

اللهم أكرم نزله، وأعلي مرتبته، واجعل الجنة مثواه ومستقره، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.

وأما أنتم يا من عرفتم ولدي واتبعتم طريقه .. إن خير ما تحبون به ذكراه أن تنسجوا على منواله، وتترسموا خطاه، فتتمسكوا بآداب الإسلام وتعتصموا بحبل الأخوة، وتخلصوا النية والعمل لله.

Pin It on Pinterest

Share This