الامام البنا وكتاباته ومراسلاته في فتنة شباب محمد 1939م

إعداد/ موقع الإمام الشهيد حسن البنا

مقدمة

وزع الله طبائع البشر عليهم، كما وزع أرزاقهم، وجعل لهم عقولا يتخلّقون بها، حتى تستقيم أحوالهم. وطبائع الناس فيها اختلاف، والاختلاف قاعدة كونية، إلا أن الاختلاف الإيجابي هو ما ينهض بالأفراد والأمم، لكن الاختلاف الهدام هو ما يقوض لحمة واتحاد الشعوب ويحدث خلل في ميزانها.

وجماعة الإخوان جزء من نسيج البشر، و اختلاف الرؤى وارد لدى أفرادها بسبب اختلاف المؤهلات العلمية أو المستويات الاجتماعية أو الاختلافات المكانية ما بين الريف والحضر والتي تختلف معهم الطباع حسب البيئة التي نشئوا فيها، وهو ما نتج عنه بعض الاختلافات والانشقاقات التي حدثت بين أفراد الجماعة ومنها ما سميت بفتنة شباب محمد حيث رأى بعض الشباب في الجماعة أن الإمام البنا والإخوان خطواتهم بطيئة نحو الإصلاح، كما أنهم متساهلين في ضم الأنصار، وكذلك في التعامل مع الحكام، كما أخذوا على الإخوان عزمهم على دخول معترك الانتخابات والدخول إلى البرلمان، وأن الإسلام لا يقر طالب الولاية، وكذلك اقترح بعضهم التعرض للنساء السافرات في الشوارع، مما حدا بهم للهجوم على فكر الجماعة والاستئثار بمجلة النذير والتعرض للإمام حسن البنا وقيادات الإخوان، واحتلال المركز العام لفترة حتى قرروا الانفصال رسميا وتكوين جماعة غير جماعة الإخوان المسلمين سميت بجماعة شباب محمد والتي تكونت في  9 من ذي الحجة سنة 1358هـ الموافق 20يناير 1940م.

وقد أرسل الإمام البنا بمقالة فند فيها ما جاء من ادعاءات في بيان شباب محمد، كما أرسل برسائل شخصية إلى بعض الإخوان تكلم معهم فيها حول هذه الفتنة التي أثرت كثيرا على الدعوة.

إلى الذين تخلفوا عن الصف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. فقد قرأت بيانكم في مجلة النذير عن موقفكم منى ومن إخوانكم في جماعة "الإخوان المسلمون" التي نشأتم في روضها، ودرجتم في عشها، وتعلمتم الغيرة على الإسلام من دعاتها. وإليكم كلمتي فيما ذكرتم لا حرصًا على الرد ولكن تبيانًا للحق وتذكرة لكم، ويعلم الله كم يعز على، ويحز في نفسي بهذا التجني الذي نهيتكم عنه، وحذرتكم إياه، والذي ما زدتم به على أن نقضتم عهدكم، وعققتم أباكم، وخاصمتم إخوتكم، وقللتم جلدكم، وأضعفتم قوتكم، وحاولتم صدع بناء شاده الله وهو عليه حفيظ.

 وقد حاول ذلك من قبلكم من هو أشد منكم قوة وأكثر جمعًا فلم يظفروا بطائل، والله غالب على أمره. ولقد كنت أود لكم غير هذا من العمل الجدي والميادين النافعة، وتعهدت لكم بمساعدتكم في ذلك أكبر المساعدة إن سلكتم هذه السبيل، فغلبتكم العاطفة على عقولكم، ووضعتم لأنفسكم ألقابًا وصفات لتجسموا الخَطْب، وتهولوا الواقع، ولكن الناس بأخلاقهم لا بألقابهم؛ فغفر الله لكم، وهدانا وإياكم، وصدق الله العظيم {إِنْ هي إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}[الأعراف: 155].

1-يسرنى أن تعلموا:

علم الله أيها الأبناء أننى لا يسوؤنى -لو صدقتم- أن أجد لكم روحًا وثابة، وحماسة فياضة، وغيرة صادقة. ويسرني أن أراكم تعملون للإسلام في الميدان الذي ترضونه، تبنون ولا تهدمون، وتؤسسون ولا تنقضون.

ولقد قلتم: إنني فصلتكم وأنتم تعلمون -وإخوانكم الذين حضروا الاجتماع الذي دعوتكم إليه يعلمون كذلك- أنكم أنتم الذين ألحفتم في طلب الفصل وألححتم إلحاحًا؛ وذلك لما بيّتُّموه من نية، وما اعتزمتموه من عمل منذ أمد بعيد، وأنتم بين ظهرانينا فلم يسعني إلا أن أنزل على رغبتكم في ذلك، داعيًا لكم بالتوفيق والإخلاص؛ إذ إن أكبر ما يسر الوالد أن يرى ابنه موفقًا وإن لم ينسب إليه هذا التوفيق. وأنتم تعلمون أن مجلة النذير كانت لي، فأعطيتكم إياها، وتنازلت لكم عنها عن طيب خاطر، بشرط أن تنصرف جهودكم إلى عمل نافع وميدان فيه خير للإسلام، ولئن كان العدد الأول علينا فالعدد الثاني وما يليه قد يكون لنا بحكم خدمة الدعوة العامة التي نعمل لها جميعًا.

2-الشورى:

زعمتم أيها الأبناء أنى أرى أنه لا شورى في الدعوة، وسامحكم الله في هذا الادعاء علىّ وعلى الحقيقة؛ فأنا لم أقل هذا، ولكنى أنكرت أن يتحكم فرد تأثر بدعايته سبعة عشر فردًا من أفراد أسرة في بقية ألف من هؤلاء الأفراد، وهم إخوانكم بالقاهرة، وهو ما أردتموه أنتم؛ فقد أبيتم إلا أن أنزل على آراء بعضكم، ولو خالف هذا آراء الجميع من الإخوان!! أفهده هي الشورى التي تريدونها؟! وقد دعوتكم إلى الجمعية العمومية للإخوان بالقاهرة لتعرضوا عليها آراءكم، وتطلبوا إليها ما تريدون، فأبيتم هذا، ولا زلت أدعوكم إليه، وأستطيع أن أقول: إنني أكتب هذا باسم ألف من إخوانكم في القاهرة عدا شعب الأقاليم الخمسمائة.. فماذا ترون؟ وهل بعد هذا لا زلتم تصرون على أن لا شورى في الدعوة؟

هذا هو ما وقع، وهذا هو ما نسير عليه الآن؛ فالشورى ماثلة في كل عمل من أعمالنا والحمد لله كما أرادها الإسلام وصورها. والشورى الإسلامية ليس فيها أغلبية ولا أقلية؛ فالإمام يستوضح الآراء وهو أمين عليها، ثم يأخذ بما يتبين له منها جميعًا، فينفذه وفق أحكام الإسلام، وهو مسئول بعد ذلك عن نتائج سياسته. هذه هي النظرية الإسلامية للشورى وإن كنا في الواقع قد اتخذنا في تطبيقها صورة قريبة إلى ما ألف الناس من هذه التشكيلات. ولقد كان آخر نظام للإخوان في مكتب القاهرة ارتضيتموه أنتم وعملتم على أساسه ووقعتم بذلك على محضره وهو نظام اللجان؛ فلكل لجنة عملها واستقلالها والشورى تسودها بأوسع معانيها. ولقد كان بعضكم في هذه اللجان فعلا.. فهل شعرتم بأن أحدًا وقف في طريقكم في شيء؟ ولكنكم أردتم الاستئثار الذي يتنافى مع الشورى، فأبينا عليكم ذلك حرصًا على حقوق إخوانكم الذين هم أكثر منكم إلمامًا بالدعوة، وغيرة عليها، وحرصًا على خيرها والنهوض بها. ويفضلونكم بعد ذلك بالأسبقية إليها والصبر على آلامها والتضحيات في سبيلها، ثم بالسن الذي يقدره الإسلام، ويحله المحل اللائق بجلال التجربة.

وبعد.. فنحن في دور تكوين وتربية، والتكوين والتربية في حاجة إلى التوجيه الحازم والبعد عن الخلاف في الرأي والنقاش؛ وهو ما أقصد إليه وأعمل عليه ويوافقنى في ذلك كل "الإخوان المسلمون".

3-التلاعب المالي:

غفر الله لكم أيها الأبناء؛ فلكم أن تقولوا كل شيء إلا أن الإخوان ينظرون إلى المال أو يتطلعون إلى الدنيا؛ فإن من يقرأ هذا العنوان يظن أن الإخوان قد ملئوا جيوبهم من الأموال العامة، ثم ماذا تذكرون بعد ذلك؟!

1-     تذكرون أن سهم الدعوة قد بلغ أكثر من 300 (ثلاثمائة) جنيه مصري، وكان المفروض أن نصفها يجب أن يظل للمساهمين، ونسيتم أن قرار جمع سهم الدعوة أجاز للمكتب أن يستخدم هذا النصف في عمل تجارى، وذلك ما كان؛ فإننا جددنا مطبعة "الإخوان المسلمون"، وقيمتها الآن تزيد على أكثر من المائة والخمسين جنيهًا؛ فماذا في هذا التصرف من التلاعب، وقد وقع وفقًا للقرار المعلن الموضوع في حدود مصلحة الدعوة وخيرها؟

2-     وتذكرون أن مبلغًا يبلغ المائة جنيه مما جمع لفلسطين لم يصل إلى فلسطين، ولم تذكروا -وأنتم أعلم بذلك- أن المكتب بالقاهرة قد بلغت مصروفاته الخاصة بأعمال الدعاية لقضية فلسطين نفسها ولجمع هذه قد وصلت إلى أكثر من 124جنيهًا (مائة وأربعة وعشرين جنيهًا) ما بين مطبوعات ورسائل بريد وبرقيات وسفر مندوبين وطبع قسائم وعمل شارات وتذاكر شخصية، وما إلى ذلك، عدا ما صرف لقضية فلسطين في غير هذه الأبواب أيضًا مما يعرفه الكثير من الإخوان.. فهل يقال بعد هذا إن هناك تلاعبًا فيما يجمع من أموال؟ وإذا كان كل ما جمع معروفًا بالمليم وكل ما صرف كذلك بدليل ما أوردتم من أرقام فأين التلاعب المزعوم؟!

ولقد علم الناس أجمعون وفى مقدمتهم أبناء فلسطين البواسل أن الإخوان المسلمون هم الذين يفدون فلسطين الشقيقة بأموالهم وأولادهم ودمائهم، ولكنكم أردتم أن ترفعوا بذلك "قميص عثمان"، والله بيننا وبينكم وهو أحكم الحاكمين.

إنني أعتب عليكم في هذا عتبًا شديدًا، وما كنت أظن أنكم تتجاوزون الحق هذه المجاوزة في نقاط واضحة بينة، تعلمون أنتم وجه الحق فيها قبل غيركم من الناس، ولكن غفر الله لكم أيضًا.

4-العمل تحت لواء الحاكمين بغير ما أنزل الله:

وأكثر أمركم عجبًا.. بل أشد غرابة وأكبره تجنيًا أن تذكروا أننى أعلنت أن "نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية.."، وما كنت أدرى أن لجاجتكم في هذه الخصومة تحدوكم إلى هذا الافتراء المبين على شخصي، وأنتم تعلمون وقد تلقيتم أن نجاحها مرهون بإرضاء الله وحده والسير على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما اعترفتم بذلك في بيانكم، وعليه سرنا ونسير حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين. ونحن نرى مع هذا أن توجيه الدعوة للحاكمين ومخاطبتهم بها وتعريفهم إياها من أنفع الأشياء لتحقيق أغراضها، والوصول من أقرب الطرق إلى أهدافها، فإن الله يصلح بالواحد منهم أمة -لو أصلحه الله- وأنتم تعلمون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقول الحسن البصري: "لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ فإن الله يُصلح بصلاحه خلقًا كثيرًا". ولقد علم الناس جميعًا بما فيهم الحكام أنفسهم أننا كم وجهنا ونوجه على الدوام إليهم كلمة اللحق قوية مدوية لا يثنينا عن ذلك ما قاسيناه من اضطهاد وعنت، ولا نخشى إلا الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ونحن نرى كذلك أنه ليست في كل الظروف تكون مخاصمة الحاكم وإخراجه من الإسلام؛ فقد يقف الحاكم أمام خصم قوى للإسلام يدفعه ويحول دون غايته؛ فيكون من الحمق لا من الدين أن يجرح المسلمون من يحول دون وصول عدوهم إلى غايته منهم، وهذا كلام أنتم أعلم بمضمونه، ولا يخفى معناه على الناس، وعلى كل حال لأن يكون الحاكمون أعوانًا للإخوان على تربية الشعب وتوجيهه توجيهًا إسلاميًا مثمرًا خيرًا من أن يكونوا خصومًا لهؤلاء الداعين يحولون بينهم وبين ما يريدون. وموقفنا من الحكام جميعًا ومن الأحزاب جميعًا موقف الدعاة لا الأشياع، ومحال أن ننضوي تحت لواء حزب كائنًا من كان، أو أن نمالئ حاكمًا كائنًا من كان.

وأغلب الظن -أيها الأبناء- أنكم أنتم الذين استُخدمتم مطايا للحزبية البغيضة من حيث لا تشعرون، وفتشوا أنفسكم.. من يتصل الآن بكم؟ ومن ينشط في نشر دعايتكم معكم؟ فستعلمون صدق ما أقول.

ومما يؤسف له حقًا أن تعجز الأحزاب عن أن تجد سبيلا إلى صفوف الإخوان إلا عن طريقكم، وإن كان كل ذلك وأكثر منه سيتحطم على صخرة الدعوة المباركة التي ستظل بعون الله وحده الجوي اللاصق بين جوانح كل من يريد الكيد للإسلام، وتسوؤه الدعوة إلى الله.

5-تطهير الدعوة:

من فضل الله على الإخوان المسلمون في كل وقت أن دعوتهم تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد، وهذه جربناها مرارًا كثيرة، ومجموعة الإخوان في القاهرة -فيما أعتقد- هي أطهر مجموعة عرفتها هيئة من الهيئات. ولقد تجنيتم على بعض إخوانكم بكلام لا حقيقة له، ولقد أصغيت إليكم، ودرست ما قلتم، وتبينت مبلغه من الصحة؛ فإذا هو اتهام واهٍ منهار لا أساس له ولا دليل عليه. وما كنت لأدع يقيني لشككم، ولقد نصحت لكم، وعرفتكم حكم الإسلام فيما تقولون، فأبيتم إلا أن تلجوا بالباطل، ولا أقول في هذه: غفر الله لكم؛ فليست هذه من حقي، ولكنى أنصح لكم مرة أخرى أن تسترضوا إخوانكم الذين خضتم فيهم؛ فإن عقاب الله في ذلك قاس شديد، ولا أزال أذكركم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}[الأحزاب: 58].

وأخيرًا: لا أعرض هنا لما سلكتم من أساليب لا تتفق مع الحق المر، فضلا عن السمو والتكرم اللذين يجب أن يكونا أول ما يتصف بهما عامل للإسلام، ولا أحاول أن أكشف عما في بيانكم من مغالطات وأمور لا تتفق مع الواقع؛ فإني أكره الجدل أشد الكراهية. وحسبي أن تكلمت في رؤوس الموضوعات الهامة، وطبعًا سيكون هذا هو البيان الأول والأخير من جهتي في هذا الموضوع.

ولى معكم بعد ذلك كلمة أخيرة، فاستمعوا إليها إن شئتم، والله يتولانا وإياكم بحسن الرعاية:

أولا: ما دمتم قد أعددتم أنفسكم للعمل للإسلام في ميدان أخذتموه، فأوصيكم أن تكونوا بنائين لا هادمين، وحينئذ عليكم أن تفكروا في ابتكار ميادين تعملون فيها، وتخدمون الإسلام بها، ودعوا الخصومة جانبًا؛ فإن الانصراف إلى البناء خير ألف مرة وأجدى من الانصراف إلى الهدم، وعلم الله أننى لا أريد بهذا إلا أن تنصرف الجهود إلى النافع المفيد.

ثانيًا: لقد كنتم قبل الآن جنودًا، فأصبحتم تقولون: إنكم اليوم قادة، وواجبات القائد أثقل بكثير وأدق من واجبات الجندي، فاحرصوا دائمًا على أن تظهروا أمام الناس بالمظهر اللائق بكرامة الدعوة الإسلامية في كل ناحية من نواحي تصرفاتكم الشخصية أو الجمعية.

ثالثًا: أحب أن تحكموا خطتكم، وأن تسوسوا طريقكم بالعقل والعاطفة معًا؛ فلا تتركوا للحماسة وحدها أن تقودكم في مسالك لا يفيد فيها الدعوة، ولا ينفع الداعين إلا العقل الكامل والتصرف الدقيق المحكم؛ فالكيَّسَ الكيَّسَ أيها الأبناء.

رابعًا: أحب أن تعتقدوا أولا وآخرًا أننى لا أضمر لكم إلا الخير، وقد أغضيت عن سيئاتكم لحسناتكم، وعن تصرفاتكم لنياتكم التي أرجو أن تكون خير فاضلة، واللهَ أسأل ألا يكون ذلك لكم فتنة، وهو المستعان على ما تصفون"(1).

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

القاهرة في 8 من صفر سنة 1359ﻫ

عزيزي عبد الكريم

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

ورد كتابك وإني لشاكر لك عظيم اهتمامك وجميل وفائك، وذلك هو الأمل فيك والعهد بك، وكلما أخذ من نفسي موقف أمثال هؤلاء الأبناء ذكرت اهتمامكم، فهان الأمر على نفسي، وكنتم أنتم -يا عبد الكريم- مبعث الأمل.

والحق -يا عزيزي- أنه لم يكن هناك دافع لما أثار هؤلاء الأبناء من غبار إلا حسدهم لبعض إخوانهم، وعدم رضاهم عن تقدمهم، ومزاولتهم لأعمال هم خير من يقوم بها، ولقد حاولوا أن يكيدوا لإخوانهم المخلصين هؤلاء فأبيت عليهم هذا كل الإباء، وتقدمت لهم بالنصيحة الخالصة، وعلى كل حال زاد خروجهم من الصف بقية إخوانهم قوة وتماسكًا والحمد لله رب العالمين.

أما ما ذكرت من نصيحتك الغالية و"الدين النصيحة" يا بنى، والعهد الذي بيننا إنما هو التفاهم في دين الله، فلا عليك أن تتقدم بالنصيحة مشكورًا، وتسوق الرأي الحق مأجورًا، وقد أوجب الله على القائد أن ينزل عند الحق وإن جاءه على يد أصغر جنده، بل إن رآه عند أجنبي عنه، و"الحكمة ضالة المؤمن فإن وجدها فهو أحق الناس بها". وهذا سيد خلق الله وأكملهم عقلاً وأسدهم رأيًا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ برأي الحباب في شأن من أهم شئون الدعوة في القتال والغزو، فمرحبًا بنصحك ووفقنا الله وإياك على الأخذ بسبل الخير. وأي صلة بجمعية الإسكندرية فلا زلت أوصيك بألا يظهر منك خصومة لإخوانك، بل أدم البقاء عليهم وتمن الخير لهم، وأرجو أن أوفق لزيارة الإسكندرية فنتحدث طويلاً، ونعالج ما يكون من أمراض، ونتفق جميعًا -إن شاء الله- على خطة الخير، والله المستعان.

مشروع الدار قد طبعنا سيولة وسنرسلها للشعب إن شاء الله، وسنحتفظ لك بسهمك في المكتب، وطريق الاشتراك أن ترسل القسط وقيمته خمسة قروش أول كل شهر، فيرسل للمشترك قسيمة به، وهكذا حتى ينتهي السهم وقدره جنيه واحد، فأخلف الله عليك وجزاك خيرًا.

اطمئن كل الاطمئنان، وطمئن السيد "وفى"، وبلغه تحيتي العاطرة وشوقي إليه، وأود أن يكتب إلى فأبلغه ذلك، وأتمنى لكم الخير وهناءة البال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوك: حسن البنا(2).

 رسالة يرد فيها الإمام حسن البنا على رسالة أحد إخوان الأقصر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه

القاهرة في 8 صفر سنة 1359ﻫ 

عزيزي حمد

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته

قرأت خطابك -يا عزيزي- فأضاء سنا برقه جوانب من النفس عز عليها ضباب الختل، وأنار ضياء الإخلاص منه ما أعتم من انفراج مسافة الخلف بين القول والعمل.

ومن عجب صنع الله لهذه الدعوة التي ما حاولت أن أدع رفاقها تبرمًا ويأسًا منهم، إلا بعث الله أمامي من مظاهر الوفاء وجمال الاستعداد ما يردني إلى العمل أقوى ما أكون عزمًا وأمضى همة، والأمر لله من قبل ومن بعد.

لهذا لست مبالغًا حين أقول: إن كتابك -يا عزيزي- قد بعث في نفسي كثيرًا من الأمل والهمة والعزم، وليس ذلك بعجيب فأنا قوى الإيمان بالفرد الصادق اهتمامك المتجه، فاعمل والله يرعاك ويزيدك.

تشكرني على لا شيء؟! وهل استطعت أن أقدم لك؟! ليس يعلم إلا الله مبلغ أسفى حين سفرك لحرماننا جهودك في القاهرة أولاً، ولتعذر تحقيق الغاية التي رمينا إليها ولكنك أبيت إلا أن تعتبر لا شيء شيئًا كثيرًا، فشكر الله لك أنت.

أما عهدك فأنا والحمد لله واثق وفيه مؤمل.

أما الأقصر فأشاركك ما ذكرت من رأى، وأعتبر تصرفك السداد طريق الوداد إن شاء الله، فاعمل بأسلوبك كما ترى، ومن اليوم اعتقدت أن بالأقصر شعبة للإخوان. أليس فيها أخ صادق مجاهد وعد أن يعمل؟!

وبعد -يا أخي- فاصبر صبرًا جميلاً، وإن كنا في المستقبل لأملاً، نسأل الله أن يحقق ويصرفه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى الأخ المفضال الأستاذ الشيخ أحمد حامد حفظه الله والإخوان جميعًا.

أخوك حسن البنا(3).

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه

القاهرة في 8 صفر 1359ﻫ 

عزيزي محمد ... حفظه الله ... وعليك السلام ورحمة الله وبركاته 

وصلك الله كما وصلتنا، وجزاك الله عن الوفاء خير الجزاء، ورد كتابك والحمد لله الذي محصنا بهذه التصفية، والأمر كما ذكرت تمامًا فلقد، انقشعت بانقشاع هذه الجماعة سحب من الخمول والريب، لو دامت بنا لذهبت بالقوى المجتمعة، ولأتلفت الأرواح المتجهة، ولأوضعوا خلال الآمنين.

ولقد كان من عجيب صنع الله أن يبدعوا عملهم بما لا يثمر ولا يفيد من مهاجم كاذبة، وادعاءات باطلة، وانقسامات فيما بينهم، فهم الآن شيع وأحزاب على قلة عددهم وضآلة جهودهم، ونسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق على الخير، وأن يغفر لنا الزلل، ويحملنا على السداد والصواب..

آلمني ما ذكرت من أمر "جمال"، وقد أخذته وسآخذه بما يجب أن يكون إن شاء الله، ولقد أحسنت كل الإحسان بهذا البيان، وما أحكم قولك: إن من يستهين بالصغائر لا ركن إليه في العظائم، فشكر الله لك، وزادنا يقينًا وبصرًا.

أما المدرسة فألمى لأمرها لا يقل عن ألمك، ولست أدرى قولك: ماذا تكون نتيجة صراع بين مخلص خامل وغادر عامل؟ فأما عند الله فالأجر للمخلصين وإن كانوا خاملين، وأما في ناموس هذه الحياة فالنجاح للعاملين وإن كانوا غادرين، ومن قال: إن ناموس هذه الدنيا لا يرضى الدنيا ولا يستسيغ الحب والخداع، ولكن أى كذا خلقت، ولله الأمر من قبل ومن بعد، على أننا سنحاول، وللمدرسة رب يحميها كما قال عبد المطلب.

الجو العمل في الدار يسرك الآن فقد تكونت خمس كتائب صالحة إن شاء الله، دوت روح الحماسة في كل متعهد يعمل، فهو يقدم به ومجاهد في سبيله، وإنّا إلى خير إن شاء الله، ولا ينقصنا إلا أن ننعم بقوتك، ونقوى بهمتك، ونسعد بلقائك، وسلام عليك.

أخوك حسن البنا(4).

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه

القاهرة في 9 صفر 1359ﻫ

عزيزي الدكتور مصطفى بك حفظه الله 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 

وبعد: فقد وصلت رسالتكم الكريمة فسررت بها أبلغ السرور، وجزاكم الله ما سيجزى من الوفاء أفضل الجزاء، ولقد أضفيتم على ضعفي وقصوري فضل كمال خلالكم، وشرف نبل خصالكم، فرأيتموني بالعين التي ذكرتم فأحسن الله إليكم، والله أسأل أن يجبر تقصيرنا، ويكمل نقصنا، ويسدد خطانا، وألا يكلنا عل على أنفسنا، إنه أكرم مأوى، وأفضل موكول.

كانت وزارة الداخلية قد عطلت المنار خلال الشهور السابقة، فواصلت السعي حتى أعادت الترخيص بصدوره بالأمس فقط، وسيصدر العدد السابع -إن شاء الله- مع أوائل ربيع الآخر، ويرسل إليكم فورًا إن شاء الله.

أما تمنياتكم الطيبة لمشروعات الإخوان وتوارثهم، فالله نسأل العون عليها، وما تعسر نطلبه يحالفه التوفيق، والله المستعان.

حال الإخوان هنا يسركم حقًّا والحمد لله، ولقد كان حادث الأبناء المنحلين فيها قويًّا للإخوان القاعدين... يعملون ويفكرون، وفيهم والحمد لله خير كثير، والجو هنا دائما -أعنى الجو الفكري- ملبد بكثير من الزوابع العاصفة التي ترسل شواظا من نيران الشكوك والريب على أفئدة الشباب الساذج الغر، فيؤمن بها ويدين لها، ونحن لذلك بالمرصاد والله من ورائهم محيط، ولابد لكلمة الحق من النصر والظهور، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويعمل أجل كتاب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوك حسن البنا(5).

رسالة إلى أحد الإخوة اليائسين من الاصلاح

هذه مكاتبة بين الإمام البنا وأحد إخوانه الدعاة وهو يدعى محمد كان قد يئس من إصلاح من يدعوهم، فبدأ يفكر في اعتزال الدعوة وقد كتب إلى الإمام في هذا المعنى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه 

القاهرة في 9 من صفر 1359ﻫ 

محمد

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

أترى يا محمد أن داعية إلى جانبه قلبًا مثل قلبك.. يتراجع أو يفكر في أن يتراجع. قد تمر بنا ساعات كثيرة من ساعات الحرج الشديد تحرج أُحدًا وتحرج رضوى صمت الأبدية إلى عصف الرياح الهوج، ولكن الجبل الراسي سيظل جبلاً راسيًا لم يتطاير منه إلا الغبار، ولم تنحت العاصفة منه إلا بعض الصخور المتفتتة التي لم تعد منها ولم يعد بها. سنسكن بعد العاصفة، وسندور في هذا الفلك الذي سخرنا فيه، وهل تظن أننا -وقد منّ الله علينا بهذا العقل وحبانا نور التفكير- أوسع من هذا الفلك الساري نضطرب في محيط الكون من الكواكب والأجرام؟ وهل عدا الأمر أن يكون تصرفنا محدودًا في النهاية بعد الله.

لقد عاهدنا الله -يا عزيزي- أن نكون لهذه الدعوة وسنظل لها، ولقد خالجتنا خلجات من الناس فعاقبنا الله عليها... لنا إلا أن نقبل على أنفسنا بالتوكل، وعلى الناس بالدعوة، ولله بعد ذلك عاقبة الأمور.

 لماذا نيأس من الإصلاح- هي أننا سوف لا نصل إلى شيء من النتائج الإيجابية؟ وليكن ذلك، ولنعمل على هذا الأساس كما عملنا من قبل فماذا يضيرنا؟ ألم نؤد الواجب؟! ألم نتحر الحق؟ ألم نؤد الرسالة؟! ذلك حسبنا ولله عاقبة الأمور.

ما لي أستطرد كل هذا الاستطراد؟! وما لي لا أستطرد؟! ألست أتحدث إلى الحلاجى أو ليس الحلاجى؟ والذهن اليقظ الخصيب والروح المتوثب إلى تحقيق الغاية، فإذا لم يدفعني كل ذلك إلى الإفاضة، إذا لم يثر هذا في النفس مكامن الشجن، إذا لم يهتز لهذا القلب، وإذا لم تدمع معه العين تأثرا مزيجا من الفرح والإشفاق معا، فمتى ومع من إذن؟!

ولكن الوقت لا يتسع لاضطراركم هذا وأنتم مطالبون.

وبعد هذه الأقوال فلنكف إذن. قرأت رسالتك ودعوت الله لي ولك.

لقد تبين أننا ضعاف في الاختبار يا عزيزي، ألست ترى كيف محصنا البلاء، وكأن الله تبارك وتعالى تقبل منا الدعوى وطالبنا بالدليل، وقبول الدعوى في ذاته نجاح ورضا، ولكنا لم نبرهن على قوة الاحتمال فما أحوجنا إلى، وما أحوجنا معها إلى قوة الإيمان؟!

أرجو أن تكون صحتك قد تحسنت وحالك قد هدأت، أما حالك في العمل فاصبر لها، وسيحقق الله ما ترجو إن شاء الله. لا تأس كثيرًا على ما رأيت من فجائع الإخوان؛ فالناس هم الناس ونحن نساعدهم، لا ثقة بهم ولكن عطفًا عليهم، ولا يذهب الود بين الله والناس، فلا تبتئس ما كانوا يصنعون، وأرجو أن توفق إلى إقرار حقك في نصابه، ولقد تحدثت مع عبد الحكيم ورأيت خطابك له، وأسأل الله أن يوفقنا إلى الخير حيث كان ويرضينا به.

وأما ظروفك الإخوانية، فاعف عن الحاج صالح أفندي فهو قصد بما كان فيه، وعد إلى أملك في الدعوة فإن الله بها من أن يدعها للناس وحدهم، ولو لم يؤيدها البشر لأيدتها ملائكة السماء.

رجع إلىَّ راغب وبلغني سلامك، ولكنه في موقفه حائر متردد، وقد أخذت نفسي مع هذه الفئة بالخصم فلم أكن معه بعد ذلك رقيقًا، لقد مهدت له سبيل الغدر فتردد فلم تأخذني به بعد ذلك رحمة، وليذهبوا إلى الهلكة فما هم بأول الهالكين وليجنبهم الله إن علم فيه خيرا.

أما الشيخ بدر فحسبه أن يوفقه الله وإن تغيرت ملامحه وذهبت طراوة بدنه، وإني أريده عاملاً لا خاملاً، والله نسأل أن يثبته في صناديق الحق ويقويه في مضطرب الامتحان والاختبار، لقد أطلت عليك – ولقد قرأت رسالة البترول ومعظمها بالتوفيق قراءة دقيقة، وعلى أنى لست فنيَّا فقد استطعت أن أفهم شيئًّا. دكتور محيي عرضت له حرمتنا رؤيته أيام الثلاثاء الماضية ولكنى تحدثت إليه تليفونيًا وأخبرته وقد تراه غدًا إن شاء الله.(6).

رسالة إلى الشيخ حمد

هذه الرسالة هي مكاتبة بين الإمام البنا وأحد إخوانه بخصوص الأفراد المنشقين من الجماعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه.

عزيزي الأخ الشيخ حمد.. حفظه الله.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

ورد كتابك الكريم وجزاك الله خير الجزاء عن صادق وفائك ونبيل ولائك، ورزقنا كمال الهداية، وعصمنا وإياك من.. الزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

علمت من الأخ الشيخ توفيق كانت الدار أن ما أرسلت وصل والحمد لله عن طريق الأخ الشيخ عبد الله والشيخ ولكنه مشغول في الدار تارة أخرى، وما كان ينبغي له أن يهمل بحال وسأؤاخذه بذلك مؤاخذة شديدة، وأبلغه سؤالك عنه وتحيتك إياه إن شاء الله.

أما هؤلاء الأبناء فغفر الله لنا ولهم وهدانا وإياهم سواء السبيل، وهم إخوتنا على كل حال، ولقد بذلت لهم من النصح والإرشاد وتمهيد وسائل العذر وبيان أوجه الخير ما أعتقد أنى أديت به الواجب، ولكن كان ذلك في الكتاب مسطورًا وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ للَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾[المائدة: 41]، وإن يكن فيهم خير فسيكون فيما       الآن من اضطراب أمرهم وإتعابهم وهم قلة على أنفسهم، وحيرتهم في مسالكهم وشعورهم بحرارة الحرمان من الصلة بدارهم وإخوانهم درس قاس يتعلمون منه وينتفعون به، والله الهادي إلى سواء السبيل.

 شكر الله لإخواننا ثبات قلوبهم على الحق وسلك بنا... مسالك أهل الصدق، وجمعنا وإياهم على الصدق والبر، وجزاك الله خير الجزاء، والتحية لكم جميعًا.

وسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

حسن البنا(7).

رسالة إلى فهمي أبو غدير

رسالة من الأستاذ حسن البنا إلى الأستاذ فهمي أبو غدير أحد قادة شباب الإخوان في أسيوط والذي أصبح عضوا في مكتب الإرشاد عام 1951م.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه.

القاهرة في 21 صفر 1359ﻫ

عزيزي الأستاذ فهمي أفندي

السلام عليك ورحمة الله وبركاته 

وبعد: فأرجو أن تكون بخير صحةٍ وعافيةٍ وراحة بال، أما نحن فمعافون صالحون والحمد لله على كل حال، وكل ما يأتي من القدر فهو جميل، والله نسأل أن يلهمنا الرشد ويسير بنا إلى الخير ويهدينا سواء السبيل.

علمت طبعًا بكل ما كان من انفصال الجماعة ثم سلوكهم سبيل الخصومة الدودة، ثم استمرارهم إلى الآن في الاتصال بشباب الإخوان ومهاجمة أشخاص بل ومهاجمة الفكرة نفسها، وسامحهم الله وهدانا وإياهم.

وأنا أعلم أنه قد يكون لك في هذه النواحي وفى بعض الوسائل آراء ربما كانت لم تكن كذلك ولكني أن يرضيك هذا الأسلوب من أساليب الهدم والتحطيم الذي يحطم صاحبه قبل الناس.

أحب أن أقول لك إن هذه الحركة كانت خيرا عظيمًا وإن بدت على أبشع الصور إعجاز القدر، فقد نشط هؤلاء الإخوان الخارجون في ميدان لا شك أنه نافع ومفيد، ولا شك أنهم من خصوم هذا الدين.

 وإني لأجد في الألم الشديد لفراق قوم أحببناهم حينًا من الدهر ولا زال لهذا الحب أثره، ولكنى أجد في صورة الإخوان الآن وفى بعض العزاء وبعض السلوى.

أحب أن تكون بكل خير وهناءة، وأن يكون الإخوان عندك في سائرون في عملهم مندفعون بفكرتهم إن شاء الله.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

أخوك حسن البنا(8).

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة أخرى إلى الأستاذ فهمي أبو غدير

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه.

القاهرة في 24 من ربيع الأول 1359ﻫ،2مايو 1940م 

عزيزي الأستاذ فهمي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأشكر لك تفضلك بالسؤال عنى والتضحية بشيء من وقتك معي وأنا في أسيوط، وأحسن الله جزاءك وكتب لك التوفيق دائما.

لم يخف على نفسي موقفك منى ومن الإخوان هذه المرة يا عزيزي فهمي، ولم أرد كذلك أن أتركه هكذا غامضًا بدون تحديد حتى لا يثقل هذا الغموض على نفسك وعلى نفسي كذلك، ولو على الأقل ليكون هذا التحديد بيننا نحن ليعرف كل منا أين هو من أخيه.

وأعتقد أن هذا التحديد ليس شيئًا إلا أن أصارحك بأنني أعفيك من أعباء الصلة الخاصة بيننا مؤقت حتى تستريح نفسك وتطمئن إلى صاحبك، ويعود إليك يقينك في إخلاصه ومنهاجه وسداد رأيه وتوفيق الله إياه، مع احتفاظي التام بمحبتك وتقديرك وحسن الاعتقاد فيه وجميل الظن بك، والحرص الكامل على مودتك، وصلتك بي صلة الصديق المخلص الشريف بصديقه المخلص الشريف كذلك.

 مع رجائي أن تقدم ما تستطيع تقديمه من المساعدة للإخوان بالواسطة وبأسيوط بحكم أنهم يقدمون جميعا وتحيتي إليك وإلى آل أبى غدير الأكرمين جميعًا مع شكري الجم للإخوان الذين لمقابلتي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوك: حسن البنا(9).

رسالة إلى  تمام أفندي حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه.

القاهرة في 21 صفر 1359ﻫ 

عزيزي الأخ الأستاذ تمام أفندي حفظه الله.

السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فأرجو أن تكون بكل خير وهناءة وعافية، وأن يكون آلكم الفضلاء وآل أبى عذير الأكرمين، وبخاصة الأخ تمام أفندي بكل خير، أصلح الله لنا ولكم ولهم وللمسلمين جميع الأحوال.

علمت طبعًا ما كان من انفصال الإخوان محمود وحسين وسيد ومن معهم عنا، وقد يكونون كتبوا إليك بوجهة نظرهم، وقد تكون قرأت ما كتبوا عنا في التقرير النذير، ولقد كنت على عزم الكتابة إليك لولا أننى أحطت تواترت علىّ فلم أتمكن ولم أفرغ لذلك إلا الآن، ولكل أجل كتاب. ولا أحاول هنا أن الجماعة، ولا أن أبين لك وجهة نظري، فذلك شرح يطول ولا ينفع فيه إلا المشافهة، ولكنى أجمل لك القول فأذكر لك أنى لقيت منهم عنتًا شديدًا، وأتحت لهم فرصًا كثيرة، وهم معنا وهم خارجون عنا لنكون أصدقاء فأبوا الانتفاع بهذه الفرص جميعًا، ومضى قدر وبقي أسف، ومع اليوم غد خير والله يرشد كل العاملين.

ولا بد أن يكون لهذا الأمر أثره في نفسك، أثره البالغ العميق، فأنا أعلم مبلغ حبك لي وتقديرك إياي وأملك في دعوتي، بل في دعوة الإنقاذ التي اطمأننت إليها حينًا من الدهر في منهاجي، وأعلم كذلك صلتك العميقة بالإخوان، ولكي أطمئنك فأقول لك: لا تكن في حرج ودع الأمور بعدُ، وسيأتي اليوم الذي يستبين به وجه الحق، ومع ذلك عسى أن يكون قريبًا، ومهما يكن من شيء فأحب ألا يكون لحادث كائنًا ما كان أثره في صداقة نشأت لله وتمت لله منى ومنك. 

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

أخوك: حسن البنا(10).

المصادر

  1. عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، طـ3، دار القبس للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1982م، صـ113 : 118.
  2. من تراث الإمام البنا نقلا عن كتاب الدكتور عبد العظيم المطعنى: ١٩ رسالة من حسن البنا الى قيادة الدعوة الاسلامية،( مكاتبات مطوية تنشر لأول مرة) دار الأنصار القاهرة، طـ1، 1979، صـ10
  3. عبد العظيم المطعني: المرجع السابق، صـ17
  4. المرجع السابق: صـ24.
  5. المرجع السابق: صـ32.
  6. المرجع السابق: صـ41.
  7. المرجع السابق:صـ50.
  8. المرجع السابق: صـ65.
  9. المرجع السابق: صـ87.
  10. المرجع السابق صـ68.

 

المقال التالي رسائل الإمام البنا إلى ملوك وأمراء ورؤساء العالم الإسلامي
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر