حسن البنا.. القتيل الذي أحيا

بقلم الأستاذ حسن الهضيبي

كنا في القطار بأقصى الصعيد فأشار أحد رفقائي إلى الجبل فرأيت ناسًا يصعدون أو ينزلون وكأنهم من فرط ارتفاعه في أحجام النمل - وقال هنا صعد حسن البنا وصعدنا معه ولقينا من المشقة حتى وصلنا إلى قوم كأنهم من طول ما احتبسوا في هذا المكان فيهم من الأنس جفوة - وجعل الأستاذ الإمام - طيب الله ثراه ورضى عنه وأرضاه في الجنة - يؤنس من وحشتهم ويرقق من طباعهم ويدعوهم إلى كلمة الله وكتاب الله وسنة رسول الله وتحت شجرة قليلة الرواء كأنها أسنت قبل الأوان من كثرة ما ظمأت قال آخر: هنا نزلنا من الأتوبيس نقصد إحدى القرى، ونظرت فإذا لحية الأستاذ الإمام قد صارت بيضاء مما علاها من التراب وملابسه قد اختفى لونها لما غشيها لا أقول من وعثاء السفر، فالوعثاء شيء قليل وفتحنا الشنطة وأخرجنا منها الفرشاة وجعلنا نزيل الغبرة التي لحقتنا ونصلح من هندامنا، ثم مضينا إلى القرية ندعو أهلها إلى كلمة الله وكتاب الله وسنة رسول الله.

ثم وصلنا إلى إحدى المحطات ولعلها "إدفو" فقال آخر: إن الأستاذ الإمام بات على كرسي أمام هذه الخمارة وذلك أن أحد الأشخاص دعاه لافتتاح شعبة فكتب إليه بأنه حاضر في قطار كذا وكان الخطاب لم يصله ولم يجد في المكان من الأيقاظ إلا صاحب الحانة يهم بإغلاقها فرق له وأعطاه كرسيًا يبيت عليه حتى الصباح وأغلق حانته وانصرف.

وفى الصباح ذهب الأستاذ إلى القرية يدعو أهلها إلى كلمة الله وكتاب الله وسنة رسول الله.

وانتقلنا إلى الوجه البحري وجُبْنا قرى إحدى المديريات في أسبوع فما وجدنا قرية إلا وصل إليها الأستاذ على غير ما وصلنا - فقد وصلنا في سيارات تنقلنا من مكان إلى مكان نختصر الوقت ونقرب المسافات، ومهما لقينا في ذلك من مشقة فإنها لا تقاس بالمشقة التي لقيها الأستاذ الإمام حيث كان يصل إلى هذه القرى سيرًا على الأقدام أو يركب الدواب، قرى سحيقة بعيدة عن العمران نسيها الناس ونسيتها الحكومة حتى طاف بها طائف من رحمة الله ونوره فدعاها الداعية إلى كلمة الله وكتاب الله وسنة رسول الله.

هكذا فعل حسن البنا بث دعوته ونشر راية القرآن وربَّى جيلاً على الإيمان والفضيلة والطهر والعفاف والعزة والصدق والأمانة، ربَّى الجيل فردًا فردًا وجعل كل فرد مدرسة لمن يأتي بعده، وأحيا نفوسًا كاد الجهل يقتلها، وأوجد منها أبطالا في الحرب يفتدون دينهم وأوطانهم بأرواحهم، بايعوا الله على ذلك فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

وهكذا الدعوات تنشأ في قلب فرد ثم في اثنين ثم في ثلاثة، إلى أن يعمَّ نورها القلوب فيستضيء الناس به ويقبلون عليه ويأخذ كلٌّ بنصيبه منه، وهكذا نشأت دعوة القرآن أول أمرها، ولا يمكن أن تنشأ الدعوات بحشد الناس في اجتماعات، ولا بأن يقول لهم الناس كونوا على فكرة فيكونون.

كانت الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسول الله قد ملكت عليه نفسه وعقله فتجرد لها، وعانى في سبيلها ما ذكرت نموذجًا منه في رحلاته، لم يكن كالزعماء الذين يجلسون في بيوتهم أو على مكاتبهم وينادون بالأفكار والآراء ويحسبون أنها استهوت نفوسهم، وأن الدنيا قد دانت لهم بما تجمَّع حولهم من جموع لا يُحْصى عديدهم حتى إذا ألمت بهم ملمة لم يجدوا أحدًا؛ لأنهم في الحق لم يجتمعوا على حق وإنما جمعتهم الشهوات والمنافع وجمعهم الهوى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ).

ولم يكن كالزعماء لا يذهبون إلا إلى العواصم في القطارات الفاخرة حيث يلقون من أنواع التكريم ما يزجيه لهم المنافقون، لكنه كان يبحث عن القلوب المؤمنة المخلصة الثابتة على إيمانها الوفيّة في إخلاصها ويعلم أن العبرة ليست بكثرة العدد، وإنما العبرة بعدد المؤمنين الذين تندك الجبال وتزول ولا يزولون عن عقيدتهم، ولا ينزلون عن حكم ربهم.

كان يحترق في الدعوة ويؤتيها من وقته ونفسه وما يكسبه من مال ما جعله مثلا في التضحية والبذل - التضحية بالنفس والتضحية بالمال - كل ذلك حبًّا في الله وابتغاء مرضاة الله. 

لم يسترح ساعة، ولم يَقْتَنِ ثروة، ولا كان له غرض من أغراض الدنيا إلى أن لقى ربه راضيًا مرضيًا، وذلك جزاء المتقين.

حُلِّتْ جماعة الإخوان المسلمين، وقتل حسن البنا، وتآمرت دولةٌ على قتله، وظن أهل السوء أن الإخوان المسلمين قد انقضى عهدهم وانفضَّ سامرهم ولم يبق لهم أثر، ولكن الإخوان برزوا كالطَّوْد الراسخ لا تزعزعه الأعاصير ولا تأخذ منه الأحداث إلا كما يأخذ النمل من الطود الراسخ؛ ذلك أن العلاقة بين الإخوان ليست كعلاقة الناس ببعضهم قائمة على المنافع والمغانم والنفاق، ولكنها قائمة لله وفى سبيل الله وعلى الحب في الله والبغض فيه. 

الله عندهم هو الذي يدور عليه كل أمر، وإليه ينتهي كل شيء، وفيه يجب الفناء لا طاعة إلا له سبحانه وتعالى، ولا أمر إلا أمره، ولا نهي إلا ما نهى عنه؛ لذلك لم يُجْدِ أن تُحَلَّ الجماعة بمرسوم، فإن هذا المرسوم لم يحلَّ إلا الشكل، وأما الموضوع فهو أقوى من أن يحل بمراسيم، إنه موضوع القلوب وما تنطوي عليه القلوب، إنه الحب في الله والعمل لكتاب الله وسنة رسول الله سواء عليهم أكانوا فوق الأرض أم تحتها، وإذا ضاقت بهم الدنيا فما هو إلا أن يقولوا في سرِّهم الله أكبر ولله الحمد، فإذا هم يخرجون من الضيق ويُفسح لهم الطريق.

وإذا الذين حلوا الإخوان هباء، ذهبوا جميعًا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وذلك جزاء البغاة الذين لا يصغون إلى كلمة الله.

إننا نذكر الإمام الشهيد كل يوم ولا نحب أن يكون لذكره يوم خاص طوال الأيام والليالي، حتى إذا جاء يوم الذكرى حشدوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم لهذه الذكرى ساعة من نهار أو ليل ثم يعودون لما كانوا فيه من عبث ولهو؛ لأن معاني الذكرى لا تقوم في قلوبهم ولا تنبثق من نفوسهم.

وإذا ذكرناه فإنما نذكره بالحرص على كتاب الله وسنة رسول الله، ونذكر أنه تفانى في الدعوة، وأنه ينبغي لنا أن نتفانى فيها، وأن يقيم كل منا نفسه في رباط دائم على ثغرة من ثغور الإسلام.

نذكره بأن نعمل ونكدح لخير الإسلام والمسلمين، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

نذكره بأن نكون صفًا واحدًا كما نكون في الصلاة (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ).

نحب أن يشعر الإخوان بأخوتهم ويقدرونها حقها، ويعلمون أن هذه الأخوة هي الأساس الذي قام عليه بنيانهم وشيد عليه صرحهم، فإياكم أن يَهُن الأساس.

نحب أن يكون كل واحد من الإخوان أمة واحدة يتمثل الأخلاقَ القرآنية بأجمعها ويتحلى بها ويكون هداية لمن يبتغي الهداية – آية على أن الإسلام يفعل في النفوس ما لا تفعل الأهواء إنه يحييها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ)، إذا رأى الناس واحدًا منكم فكأنما قرئوا كتابًا في فضائل الإسلام وآداب القرآن.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج}، صدق الله العظيم، ورضى عن الإمام مجدد الدعوة الإسلامية وأرضاه في الجنة.

أيها الإخوان: لقد انتقلت دعوتكم إلى طور جديد، طور يرجى فيه الثبات ويرجى العمل، وقد قلت في مناسبة ذكرى الرسول صلى الله عليه وسلم: وليعلم الناس أن الإخوان قوم يعملون ولا يتكلمون، يُحِقُّون الحقَّ ويبطلون الباطل ولو كره الناس أجمعون.

أيها الإخوان: فالثبات والعمل، والله أكبر ولله الحمد.

المصدر: الدعوة – السنة الثالثة – العدد (104) – 25جمادى الأولى 1372هـ / 10فبراير 1953م.

المقال التالي وقفة على قبر الإمام الشهيد
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية