كتابات الإمام حسن البنا إلى رؤساء الحكومات المصرية

إعداد موقع الإمام حسن البنا

انطلق الإمام الشهيد حسن البنا من مفهوم شامل لمعاني الإسلام وفق المعطيات العصرية مع المحافظة على ثوابت العقيدة والدين، فلم يفرق بين جانب من جوانب الحياة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، فكلها أمور تدخل فيها الإسلام وفرض عليها شرائعه مع التوازن دون تفريط أو مغالاة.

إلى رفعة رئيس الحكومة

حضرة صاحب المقام الرفيع على ماهر باشا

رئيس مجلس الوزراء

 

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وأحييكم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد شاء الله أن تقوموا بأعباء الحكم فى ظروف شديدة حرجة كلها مفاجآت وتقلبات تتطلب كل اليقظة والاهتمام ودوام التفكير وحسن التصريف، ولا ندرى لعل الله تبارك وتعالى -وهو الرحيم بهذا البلد وأهله- يخلق من ظروف الشدة وحدة عاملة وجهادا دائما وفوائد لم تكن تخطر على بال. وأنتم فى هذه الظروف أحوج ما تكونون إلى أن تكون الأمة جميعا إلى جانبكم، تستمدون منها القوة فى الرأي، والتأييد فى مواقف العنت والإرهاق وساعات الخطر والتحكم، فإن الساعة رهيبة تهيب بكل مصري أن يتقدم بكل ما عنده، وقد أظهرتم -رفعتكم- اهتماما بالشئون الاجتماعية والإصلاح الداخلي تمثل ذلك فى إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية وفى فكرة الجيش المرابط.

ولقد وقف الإخوان المسلمون من كل وزارة سابقة -ومنها وزارتكم الماضية- موقف الحياد التام ولم يتقدموا إلى واحدة منها بالمساعدة، كما أنهم لم ولن يطلبوا -ولم ولن- يتقبلوا من واحدة منها مساعدة ما؛ لأن الإخوان يعلمون أن ما أخذوا أنفسهم به من تربية الشعب وبث الأفكار الصالحة القوية فى نفسه، أجدى عليهم وعلى الأمة وأنفع من الاتصال بالحكومات التى لا يشغلها إلا التهاتر الحزبي، ولقد كان لهذه الخطة القومية أثرها فى إنقاذ الإخوان عن عواصف التقلبات الحزبية والحكومية.

والآن وقد أحاطت بالبلاد ظروف تدعو كل مصري إلى أن يصارحكم برأيه ويمدكم بفكرته، وقد شرعت الحكومة فى أعمال توجب على كل غيور أن يأخذ بناصرها فيها ويعمل لنجاحها، فإن الإخوان يرفعون إليكم هذا البيان، يوضحون به رأيهم، ويعرضون به على الحكومة معاونتهم ومساعدتهم، فإن كانت الحكومة جادة حقا فى الإصلاح فنحن معها، وإن سلكت سبيلا غيرها، ورضيت من الإصلاح بالإعلان عنه، وتنسيق المقترحات والآراء فيه، وتأليف اللجان غير الصالحة وغير العاملة له، فسنظل نحن نعمل فى ميداننا حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين، ونكون حينئذ قد أعذرنا إلى الله وإلى الحكام وإلى الناس، وخرجنا من وخز الضمير وتبعة التقصير. والله الهادي إلى سواء السبيل.

رأى الإخوان المسلمين فى موقف مصر الدولي:

يا صاحب الرفعة: إن موقف مصر الدولي يجب أن يكون واضحا صريحا، ويجب ألا تتورط الحكومة فى شىء لا شأن لها ولا صلة بها به. إننا أمة مستقلة تمام الاستقلال بحكم القانون الدولي، وبيننا وبين إنجلترا معاهدة تحالف، قبلها من قبلها تحت ضغط ظروف وأحوال خاصة، لا على أنها غاية ما ترجوه مصر، ولكن على أنها خطوة فى سبيل تحقيق الأهداف المصرية السامية 

وتنص المادة (7) من هذه المعاهدة على أن مساعدات مصر لإنجلترا إنما تكون فى داخل البلاد المصرية ومحصورة فى حدود معينة. ولقد ظلت مصر وفية كل الوفاء بهذه التعهدات وفعلت فى ذلك أقصى ما يمكن أن يعمل، فكل زيادة على هذا لا يمكن أن يقبلها مصري أيا كان لونه الحزبي أو السياسي، وكل زيادة على هذا تفريط وتضييع لحقوق هذا الوطن وجناية على هذه الأمة الناهضة الوفية.

فالإخوان المسلمون -وهم الذين يرون فى المعاهدة المصرية الإنجليزية إجحافا كبيرا بحقوق مصر واستقلالها الكامل- يريدون من حكومة مصر ألا تتجاوز هذه الحدود المرسومة على ما فيها من إجحاف بأية حال، ومهما كانت الدوافع إليه، وأن تنتهز كل فرصة للاستفادة من الظروف الحاضرة وتكسير القيود والأغلال التى تقيد حريتنا واستقلالنا وحقوق نهضتنا، فإن اعتدت علينا أية دولة -ونحن فى أرضنا- فكل شبر من مصر الغالية فداؤه الدماء والأرواح والأموال والأبناء، فالإخوان المسلمون حينئذ على أتم استعداد لأن يذودوا عن حياض هذا الوطن بكل ما يملكون من نفس ومال. وإن الدول الأوروبية -يا رفعة الرئيس- مهما كان لونها لا عهد لها ولا ذمة، ومهما تظاهرت بالحياد أو المودة فإنها تخفى غير ما تظهر، ولا تتردد عن تكذيب نفسها إذا وجدت مصلحتها فى هذا التكذيب، فمن واجبنا ألا ننخدع بحياد محايد، بل لابد من الاستعداد التام بكل معانيه وبكل سرعة وهمة، حتى نواجه الخطر ونحن على تمام الأهبة فلنقف موقف الحياد وسنعمل جاهدين للاستعداد.

رأى الإخوان فى الإصلاح الداخلي:

أما الإصلاح الداخلي فنواحيه كثيرة متعددة وقد تناولها الكاتبون والمقررون بالبيان والإيضاح، ولكن الإخوان المسلمين يريدون أن يحصروا الكلام فى بيانهم هذا على أمرين هما: الروح التى يجب أن تسود هذا الإصلاح والأشخاص الذين يقومون به، ثم يطبقون ذلك على فكرة الجيش المرابط وفكرة وزارة الشئون الاجتماعية.

يا صاحب الرفعة: إننا ورثنا الإسلام وتعاليمه منذ أجيال، وانتهت إلى مصر زعامة الإسلام وإمامة المسلمين ما فى ذلك شك، وسرت إلينا من أوروبا نظم وأفكار، منها ما يتفق مع الفكرة الإسلامية ومنها ما تصدمها ويتنافى معها، ولا زالت هذه الأفكار الأوربية تفعل فعلها وتتمكن فى نفوس الكثيرين من المثقفين فى مصر.

ويعتقد الإخوان المسلمون أن الطريق الوحيدة للإصلاح هى أن تعود مصر إلى تعاليم الإسلام فتطبقها تطبيقا سليما، وأن تقتبس من كل فكرة قديمة أو حديثة شرقية أو غربية ما لا يتنافى مع هذه التعاليم ويكون فيه الخير للأمة. فالروح التى يجب أن تسود فكرة الإصلاح عندنا هى فكرة الاعتماد على قواعد الإسلام وأصوله وروحه والاستمداد منها.

أما الرجال الذين يقومون بهذا الإصلاح ويوكل إليهم أمره، فيجب أن يكونوا ممن عرفوا باحترامهم لهذه الفكرة ولم يتجاهروا بما ينافيها، أما الذين تشبعوا بوجوب تقليد الغربيين فى كل شىء وساروا فى حياتهم الخاصة وفى مناهجهم العامة على هذه القاعدة الأوروبية البحتة، فهؤلاء لا يمكن أن يأتى على أيديهم ولا تنتج أفكارهم ما يتفق مع فكرة العودة إلى التعاليم الإسلامية، وأعتقد أن رفعتكم معي فى أن اختيار الرجال الذين يعهد إليهم بوضع برامج الإصلاح والقيام على إنفاذها أهم بكثير من هذه البرامج نفسها، فإن القانون فى الحقيقة هو القاضي الذى يطبقه ويقوم على تنفيذه واستخدامه.

على هذين الأساسين -يا صاحب الرفعة- يريد الإخوان المسلمون أن تسير الحكومة فى إصلاحاتها، وهم يعتقدون أنها إذا أخلصت فى هذا واهتمت به وقصدته حقا ولم تبال بإرجاف المرجفين واتهامات المبطلين المتحللين وتبرم الإباحيين الغافلين، فإن الله سينصرها والشعب سيؤيدها، ومن نصره الله وأيده الشعب فلن يغلب أبدا.

اختارت الحكومة لقيادة الجيش المرابط الأستاذ "عبد الرحمن عزام"، وهو معروف باحترامه لفكرة العودة إلى تعاليم الإسلام ولم يتجاهر بما ينافيها، واختيار الحكومة له ليقوم بهذه المهمة اختيار موفق إن شاء الله.

واختارت الحكومة لسكرتارية الشئون الاجتماعية الدكتور "عبد المنعم بك رياض"، وهو كذلك معجب بتعاليم دينه حريص على ألا يعرف عنه الناس ما يتنافى وهذه التعاليم، ولكن كلا من الرجلين على كفايته فى أشد الحاجة إلى المعاونين المخلصين والمساعدين الأكفاء الذين يتوفر فيهم هذا الشرط، فهل عنيت الحكومة بهذا؟

الذي رأيناه أنها اختارت لكثير من الشئون الهامة فى الجيش المرابط وفى وزارة الشئون الاجتماعية من سيعتبرون أنفسهم موظفين فقط، كل عملهم أن يسددوا خانات ويتناولوا مكافآت، وبذلك لا يتحقق الإصلاح وتضيع جهود عزام بك وعبد المنعم بك وغيرهما سدى؛ لأن القلب لا ينهض بغير أجنحة تطير به.

يا صاحب الرفعة:

إن الإخوان المسلمين قد مارسوا المهمتين ممارسة فعلية منذ سنوات طويلة، وقد تكونت لديهم خبرة فى كثير من الشئون الاجتماعية فى هذا البلد، وهم لا زالوا دائبين فى خدمة هذا الإصلاح الاجتماعي بكل ما أوتوا من جهد ومال لا يرجون من أحد جزاء إلا الله. وهم مستعدون تمام الاستعداد للمساهمة بنصيبهم فى هذه الواجبات، وهم حين يزاولونها لا يفعلون ذلك بروح الموظف المكلف ولكن بروح المصلح المضحى المتفاني فى غايته، وما على الحكومة إلا أن تدعوهم وتفسح لهم المجال لترى ما يكون من أمرهم. ولسنا نريد بذلك أن نحتكر طريق الخير ولا أن نهيمن على وسائله ومناهجه، وإنما نريد أن يكون لنا فى ذلك رأى يتفق مع ما أفدناه من خبرة، وأن نشارك غيرنا فى خدمة تخصصنا بها وعملنا لها منذ سنين.

ولسنا كذلك نريد بذلك أن تفتح أبواب عمل وارتزاق لعاطلين من الإخوان المسلمين، فإن من يتقدم لهذه المهمة كلهم موظفون مستريحون فى أعمالهم كل الراحة، وهم إن انتدبوا لهذه الخدمة سيقومون بعمل مضاعف ومجهود مضن جبار، وإنما يحدوهم إلى ذلك الرغبة فى الإصلاح وتحقيق غايات طالما عملوا لتحقيقها وترقبوا ساعة الوصول إليها.

وسيقول أناس: إن الرجعيين يريدون أن يهيمنوا على نهضة البلد ويمدوا أصابعهم فى كل شىء. وهذا الكلام لا يساوى سماعه ولا يستحق ثمن المداد الذي يكتب به الرد عليه. فنحن نضرب عنه صفحا إلى ما هو أجدى وأنفع. وسيرى هؤلاء القائلون بعد طول المطاف وكثرة التجارب أن نصرة هذا البلد وإعزازه وتوفير الخير له سيكون على أيدي هؤلاء الرجعيين الذين أحسنوا صلتهم بالله فكفل الله لهم التأييد وأمدهم بالتوفيق: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ﴾[الحج: 40].

وإذا كان من حق الحاكم على الناس أن يتقدموا له بالنصح كلما رأوا الفائدة فى ذلك، فإنى أنتهز هذه الفرصة فأتقدم باسم الإخوان المسلمين إلى رفعتكم بهذه الملاحظات:

من واجبكم -يا رفعة الرئيس- فى الظروف الحالية التى تستلزم من أولى الرأي جميعا التعاون على مواجهتها والانتفاع بها ومقاومة أخطارها، ولا سيما وقد مرت على مصر أدوار حطمت أخلاقها وفضائلها.

1- التسامح التام مع خصومكم السياسيين وتقدير ملاحظاتهم، والثناء عليهم فى الحسن منها، وتلمس العذر فى الحملات الشديدة والانتقادات الخاصة، وانتهاز كل فرصة للتفاهم معهم وإعطاؤهم حقوقهم كاملة فى يسر ومن غير إرهاق فى حدود العدالة والقانون، وبذلك تموت روح الحزبية السياسية التى لا غذاء لها إلا المصالح والحزازات، وهذه يقبلها الحلم والإنصاف، وقد دعوتم إلى الوحدة والتعاون فعززوا هذه الدعوة بالعمل.

2- دوام الاتصال بالشعب بالزيارات من رفعتكم ومن كبار الحكام، فى بساطة وتواضع وبعد عن كلفة الرسميات وأبهة المناصب، أو بالحديث إلى الناس فى شئونهم الهامة وبمشاركتهم عواطفهم ومشاعرهم بصورة شعبية ورسمية، وبتوصية الموظفين أن يحسنوا معاملة الجمهور وأخذهم فى ذلك بالرقابة الشديدة مع تبسيط الإجراءات المصلحية المعقدة التى ترهق الناس وتعطل مصالحهم، والاتصال بالصحفيين وحدهم لا يكفي.

3- القضاء التام على الرشوة والمحسوبية وداء الوساطة الذي تفشى فى كل شىء عند كل الطبقات، فليكن القانون والحق هو الوسيط فى كل شىء وكفى. أذيعوا هذا فى الناس وطبقوه عمليا وليكن فى القانون قوة وشدة، ولنتجرد بعض الوقت عن عواطفنا الرحيمة للأقارب والمعارف، حتى تعود إلى الناس الثقة بعدالة القائمين على مصالحهم ويشعروا بعزة الحق ويحترموا سلطة العدل.

4- الاقتصاد التام فى الكماليات وفى أبهة المناصب، وتعديل المرتبات الضخمة، وإلغاء مظاهر الترف الرسمي فى دواوين الحكومة ومصالحها، وليبدأ بذلك حضرات الوزراء أنفسهم ثم كبار الموظفين من بعدهم، وقد يكون فى ذلك بعض الإرهاق فليكن هذا وليرهق نفر من الأمة، وإن كان بعض الوزراء فى سبيل ضرب المثل الصالح وإصلاح ما فسد من نفوس عامة الموظفين ومن ورائهم عامة الشعب.

5- العناية بالشئون الاقتصادية، فإن حال الفقر المحض الذى يعانيه الناس تجعل النهوض الروحي بهم غير ميسور ما لم يتوفر لهم القوت الضروري الذى لا يجده الكثير منهم إلا بشق النفس، مع وفرة المشروعات الإصلاحية التى لو أخذت بها الحكومة لخففت ويلات الفقر على كثير من الناس ولا يحمل الناس على تأييد الحكومة والتمسك بها شىء ما يحملهم على ذلك عنايتها بأرزاقهم وتفكيرها فى شئونهم الاقتصادية، ومن الخطأ أن تعمد الحكومة فى هذا الظرف العصيب إلى فصل بعض عمال المياومة، أو الاستغناء عن بعض الموظفين وهى تستطيع توزيع العمل وإنقاص الأجور بدلا من هذا الفصل الذى جر الويلات على كثير من الأسر والعائلات.

6- التشدد التام فى حقوق الأمة القومية وعدم اللين فيها مهما كانت الظروف ضاغطة، ومصارحة الأمة بمثل هذا الموقف والاستعانة بها على علاجه، فليس يوفر الثقة بين الحاكم والمحكوم كالمصارحة والتعاون.

7- وأخيرا -بل وأولا- المحافظة التامة على الشعائر الإسلامية، وتجنب مواطن النقد، والتزام الآداب القومية فى المجامع والحفلات العامة والتصرفات جميعا، وأن يكون ذلك شعار حضرات أصحاب المعالى والوزراء وكبار الموظفين، وليكملوا على هذا بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يسير على هذا النهج من دونهم من مرؤوسيهم ثم من ورائهم الشعب كله.

8- وفلسطين -يا رفعة الرئيس- لن ينسى المسلمون فى مصر وغير مصر آلامها وآمالها وحقوقها، ولقد سبق إليكم فضل التطوع فى خدمة قضيتها والظروف الحالية، فيما نعتقد ملائمة كل الملائمة لإعادة الكرة من جديد، وليس على الحليفة من ضير أن تريح ضمائر حلفائها بالإفراج عن المعتقلين السياسيين فى فلسطين، والسماح بالعودة للمهاجرين والاعتراف لهذا الوطن العربي الباسل الكريم بكامل حقوقه غير منقوصة. اعملوا على هذا يا رفعة الرئيس وجاهدوا فى سبيله، فهو خير ما تستقبلون به هذه المواسم الفاضلة وتتقربون به إلى الله.

هذا يا صاحب الرفعة بعض ما أردنا أن نتقدم إليكم به فى هذا الوقت العصيب. والله نسأل أن يتدارك العالم برحمته وأن يتولى مصر الناهضة بالخير والتوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته - القاهرة فى 20 من شعبان 1358ﻫ.(1)

 

مذكرة الإخوان المسلمين إلى رفعة رئيس الوزراء

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا رئيس الوزراء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من حق هذا الوطن علينا الصراحة فى القول والجرأة فى العمل، فإن الوقت لا يحتمل الإبطاء، والظروف تلح فى وجوب الإسراع بالعلاج. وإن مظاهر الفساد فى حياة الأمة المصرية من كل نواحيها أوضح من أن يتناولها بيان أو يفصلها قول؛ فالجهل، والرذيلة، والفقر، والضعف الخلقي والصحي والثقافي متفشية فى كل مكان، وتلك طبيعة عصر الانتقال الذي نجتازه، ومن واجبنا أن نسرع بالسفينة إلى طريق النجاة، ولا سيما ونحن فى عهد نهوض وتوثب، والعالم كله يعمل حولنا ونحن مشغولون بما لا يجدي ولا يفيد.

يا صاحب الرفعة: إن الدواء بين أيدينا، أثبت فائدته البحث والنظر وأيدهما التاريخ والعمل، وليس بيننا وبين الشفاء والقوة إلا أن تمتد يد جريئة مخلصة إلى هذا الدواء فتؤمن به إيمانا عميقا وتتعاطاه وتقدمه للأمة فى وضوح وفى جرأة وفى إلزام، وليس ذلك الدواء إلا تعاليم الإسلام وتشريع الإسلام وكتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا*فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾[النساء: 174-175].

يا صاحب الرفعة: تقدمها خطوة لله وللوطن، واقتد فى ذلك بجلالة الملك المسلم الصالح -أيده الله وأعز به دولة الإسلام- وقد أدى العلماء رسالتهم على لسان شيخهم من منبر الأزهر الشريف، حيث قال فضيلة الأستاذ الأكبر فى خطبته عقب يمين الجيش: "أيها المسلمون: "اسمعوا فى دينكم قول الحق وقول رسوله الكريم يقول الله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65]، ويقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾[النساء: 61]. يقرر القرآن نفى الإيمان عمن لم يرض بأحكام الله رضا يزيل الحرج عن صدره، ويملأ قلبه استسلاما وطمأنينة، ويصف بالنفاق من يصد عن الداعي إلى الله ورسوله.

إن الدين -أيها المسلمون- مهما امتدت آفاقه وتأول فيه المتأولون فهو لا يحتمل هذه البوائق، ولا هذا الإلحاد، ولا هذه الإباحية الجامحة، ولا هذه الشهوات التى لا تقف عند حد، وإنما يحتمل مدنية فاضلة تقوم على علم كامل وعمل صالح وخلق فاضل كريم". وقال فضيلته كذلك فى كلمته التى أذاعها بالراديو ليلة عيد الأضحية: "والمسلم الذي لا يعترف بأن الدين حق كله وخير كله، ويقول إن بعض قواعده ضارة بالمجتمع أو ضارة بالمدنية أو السياسة، مسلم مرتد عن دين الله لا يقبل الله منه صلاة ولا صوما. هذا حكم الله أجاهر به من هذا المعهد ليكون المسلمون على ذكر منه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾[البقرة: 176].

"إضعاف سلطان الدين على النفوس، والتفريق بين قواعده، وانتزاع سلطانه على الحياة الاجتماعية، يضعف نفس المسلم ويبعده عن دينه، ويضعف خلقه ويجعله أهلا للذلة والاستكانة، والمؤمن محكوم له بالعزة من الله. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. أولئك الذين يحاولون إبعاد الدين عن الحياة الاجتماعية، ويحاولون إخفاء شعائره ومظاهره هم فى الواقع أعداء الإسلام".

فلم يبق إلا الوزارة -وهي أداة التنفيذ- تعمل على ذلك وتحققه، فالكلمة الآن لها، والتبعة عليها، والخير الذي تقدمه للأمة عظيم لو كتب الله لها سلوك هذا السبيل.

يا صاحب الرفعة: إذا كانت الوزارة تخشى أن توصف بأنها وزارة إسلامية وتحسب حسابا لهذه التهمة، وتحب أن تظهر أمام الناس بمظهر البعيد عن الإسلام الذي لا يعنيه أمره ولا يهتم لشأنه. فيا لضيعة الآمال، ويا لطول شقاء هذا الشعب الذي لا يريد قادته أن يستقيموا به على الصراط المستقيم: ﴿صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ﴾[الشورى: 53]. وكأنهم جميعا فى ذلك على اتفاق سواء.

يا صاحب الرفعة: ليس للاتهام قيمة فى هذه الأيام، ولا ينفع فيها، ولا يضر الكلام، ولكن العمل هو كل شىء. وما يضير العامل أن يتكلم عنه الناس؟ لقد أجمعت الدول على إدانة موسولينى فماذا فعلت له؟! ولقد تهكمت أوروبا بهتلر حينا من الدهر فماذا نالت منه؟! لا قيمة للأقوال يا سيدي الباشا والأمر أمر عمل قبل كل شىء.

يا صاحب الرفعة: لا تظنوا أن الشعب المصري ضعيفا إن وجد القائد!! وأقسم لكم أن لو سرتم به فى طريق الفضيلة والخلق والإسلام الصحيح لوجدتم منه شعبا هو أبسل الشعوب، يجود بالنفس وبالمال فى حماية عقيدته، والذود عن حياضه، والسير وراءكم إلى النهاية فى سبيل هذا الإصلاح، فأعلنوها كلمة باسم القرآن الكريم، وارفعوها راية ترفرف عليها روح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهب عليها نسمات النصر والتأييد من الملأ الأعلى، وأنا زعيم لكم -وأراهن عليها بدمى- أنكم سترون من هؤلاء الفلاحين المندثرين فى خفايا القرى وزوايا الحقول جندا لله ولرسوله، يصغر أمامهم جند هتلر، ويضعف معهم جيش موسولينى، وتحتمى بهم قوات بريطانيا، ويدفعون العادية لا عن قناة السويس وحدها ولكن عن بحر المانش أيضا، وليس فى عشرين سنة بل فى عشر سنين، وعند جيش إبراهيم باشا الخبر اليقين. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾[آل عمران: 126].

قد يقال: وكيف ننادى بالإسلام والإنجليز لا يزالون فى مصر بالمرصاد؟ ونقول: إن الإنجليز لا يعنيهم من نظامنا الداخلي شىء، وقد تركوا لنا ذلك نتصرف فيه كيف نشاء، ومن مصلحتهم أن نكون أقوياء. ألسنا لهم حلفاء؟ حجة مدموغة وقالة مردودة.

فإن كان صحيحا أنهم يعارضون ولا يوافقون، فقد وجب إعلان الجهاد واستئناف العمل معهم من جديد، حتى نطمئن على حريتنا، ونتمتع بحق استقلالنا، ولا خير فى استقلال سياسي صوري يحول بيننا وبين حقوقنا الطبيعية، بل يقيد استقلالنا الفكري والاجتماعي والأدبي بأثقل القيود.

وقد يقال: إن فى الأمة عنصرا ليس مسلما ولا يرضى حكم الإسلام. وجواب ذلك مدفوع بالواقع؛ فقد عاشر هذا العنصر الإسلام قرونا عدة، فلم ير إلا العدل الكامل والإنصاف الشامل، ولا تزال كلمة الخليفة الثاني لأميره على مصر مدوية فى الآذان مرددة على كل لسان: "يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!!" وليس ذلك بدعا من إمام يناديه كتابه: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8]. ويوصيه نبيه بقوله: "ستفتح عليكم مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا؛ فإن لكم فيهم رحمًا".

الأمر أوضح من الصبح، وإن كانت هناك عقبة فهي عقبة واحدة، ولنكن صرحاء فى تعرفها والإفصاح عنها، تلك هى أن زعماء مصر أنفسهم لم يتشبعوا بالإسلام، ولم يتصلوا بتعاليم الإسلام، ولم يفتنوا بجمال الإسلام، كرعوا من معين غير معينه، ودرسوا من كتاب غير كتابه، فهم به لا يقتنعون، وعلى حكمه لا ينزلون وأظن أن الأحداث كلها قد دلتهم على خطأ نظريتهم، ونادتهم بوجوب العودة إلى عقيدتهم، والتمسك بتعاليم دينهم، وذلك ما نستبشر به ونحمد الله عليه.

يا صاحب الرفعة: إن كثيرا من الدول الشرقية الناهضة كان من شأنها أن اتجهت وجهة غير إسلامية، وسلكت سبيلا غير إسلامية، ولقيت فى ذلك بعض النجاح المادي المظهري، فأغرى هذا سواها بتقليدها وسلوك سبيلها، وأوقع فى روع كثير من قادة النهضات فى الشرق أن النهضة الصحيحة لا تكون إلا إذا أهملنا جانب التعاليم الربانية، وخرجنا على شرعة الإسلام، ونادينا بالقومية المجردة من كل شىء، البعيدة عن اعتبار كل ما سواها، وسرت هذه العدوى إلى مصر نفسها، فسمعنا من بعض زعمائها يوما من يشيد بفهمه... "لمعنى الدولة الحديثة التى تستطيع وحدها فى الأحوال العالمية الحاضرة أن تعيش وأن تنمو"، وسمعنا وزيرا من وزرائنا يعجب بالإصلاحات الجوهرية فى دولة أعلنت أنها لا دينية، ومن إصلاحاتها هذه ما يمس الإسلام وينقض تعاليمه من الأساس، ولا نريد بهذا أن نعرض لشئون غيرنا من الأمم، ولكنا نريد أن نقول إن العدوى قد سرت إلينا وانتشرت بيننا، وأصبحنا نفكر بعقول بعيدة عن فكرة الإسلام، ونفوس خالية من روحانية الإسلام، فإن كان هذا حقا فهي نكبة النكبات، وإن كان مجاملة فإن وقت المجاملة قد فات، وتلك هى العقبة الأولى، ولعلها الأخيرة أيضا إن صحت العزائم وصدقت النيات.

يا صاحب الرفعة: ليست مصر فى إيمانها وموقعها ومنزلتها من زعامة الإسلام والمسلمين كهذه الشعوب التى رضيت أن تبنى سياستها على غير أساس الإسلام الحنيف، وذلك إجمال له تفصيل ليس هذا موضعه، فحسبنا أن نقرر هذه الحقيقة ناصعة اللون واضحة الحجة والبرهان. فلتنفرد حكومتك -يا باشا- بهذا الفخر، ولترفع صوتها عاليا بكلمة الإسلام حين تخوف الناس كلمة الإسلام، ولتجعل شعارها: العمل على تحقيق مراميه والذود عنه، ولتدع إليه مصر، ولتناد به فى أوروبا، ولتقم نفسها وصية على العالم باسم الله وحكم شريعته: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ*الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾[الحج: 40-41].

لابد من تلقيح الأفكار المصرية والنفوس المصرية والأرواح المصرية بدم جديد وغذاء جديد تقوى النهضة به وتستمد النور منه. ولابد من أن ينصب لهذا الشعب هدف يحدى به ويتطلع إليه، فلا تجعلوا هذا الهدف غير الإسلام: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾[النحل: 94]، وتتذوق مرارة تجربة أليمة ما كان أغنانا عنها.

يا رفعة الباشا: بعد هذا التقديم أستطيع أن أتقدم إليكم ببعض المقترحات العملية:

القدوة أولا وإصلاح الروح العام:

يا رفعة الباشا: إن لكم دعوة أئمة يهدون إليها وينهضون بها، وإنما ينجحون إذا آمنوا هم بدعوتهم وعملوا بأحكامهم، وكانوا أنفسهم أول المنفذين لها، وبدون هذه القدوة لا تفيد العظة، ولا تتمكن الغيرة، ولا تنجح الدعوة، ولا يزجر القانون. فأول واجب على الحكومة -إن صح عزمها على مؤازرة الفكرة الإسلامية المنصفة العادلة- أن تكون حياة رئيس الوزراء نفسه -والوزراء من بعده¬- فى حقيقتها ومظهرها صورة رائعة قوية من الاستمساك بالإسلام فى كل التصرفات الشخصية والحكومية. والطريقة العملية لتحقيق ذلك هى:

أولا- أن تمنع بتاتا هذه الحفلات الخليعة ساهرة وغير ساهرة، التى يشرب فيها الخمر، وتختلط فيها النساء بالرجال، وتتحدى بها شعائر الله، وهي مع ذلك حفلات رسمية تقام باسم الحكومة الإسلامية وينفق عليها من أموال فقراء هذا الشعب، أو شبه رسمية فهي تحت رئاسة وزير أو رعاية أمير أو إشراف زعيم خطير، ويجب ألا تدعى إلى الحفلات سيدة أيا كانت مصرية أو أجنبية. ولئن كان العرف الدبلوماسي يقضى بمثل هذه الدعوات فإن الشرع الإسلامي لا يبيحها بحال من الأحوال، ونحن أحرار فى إنفاذ تعاليم ديننا فى بلدنا، فمن أجابنا فبها، ومن أعرض عنا فله رأيه، ولن يضيرنا إعراضه، وهذه تقاليد معمول بها فى الدول الإسلامية دون أن يعترض عليها أحد، بل إن ذلك أدعى إلى الاحترام لما فيه من معنى الشعور بشخصية الأمة والاعتزاز بقوميتها وتقاليدها كدولة مسلمة، وإباء التفريط فى هذه الشخصية لإرضاء الأجانب أو تألف الغربيين الذين لا يرضيهم منا -مع ذلك- إلا أن ننسى ديننا وننكر شريعتنا وأخلاقنا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾[البقرة: 120].

ثانيا- أن يمتنع الوزراء ورؤساء المصالح وكبراء الدولة عن الذهاب إلى المجامع والأندية التى يلعب فيها القمار وتحتسى فيها الخمر، وأن يتجنبوا ميادين السباق ومحافل اللهو الشائن حتى يضربوا بذلك المثل الصالح فى الاستقامة للشباب، فإن ترددهم على هذه الأماكن وظهور صورهم فى الجرائد والمجلات فى وسط هذه الموبقات يمهد العذر لكل فاجر، ويحدو من رآهم ومن لم يرهم إلى تقليدهم واقتفاء آثارهم، وبهذا تنهدم الأخلاق ويفسد كيان المجتمع المصري.

ثالثا- أن يكف كبار الدولة عن نشر صور سيداتهم وفتياتهم فى الجرائد والمجلات، فهؤلاء هم القدوة والناس لهم تبع، وفى نشر هذه الصور إيقاد لنار الفتنة وإغراء لذوي النفوس المريضة. ويجب أن يحاكم الكتاب الذين يتدخلون فى شئون الأسر وأستار البيوت ويتغزلون بدعوى المدنية ويذيعون على الناس هذه المفاتن بكتاباتهم البذيئة.

رابعا- أن يتواصى الحكام فيما بينهم بأداء الفرائض الإسلامية جميعا، ولاسيما الصلاة التى يجب أن يقصدوا المساجد لإقامتها فى الجمعة وغير الجمعة فى هيئة شعبية مجردة من المظاهر الرسمية، وإن كان ذلك فى إعلان وبيان وعن عقيدة وإيمان، لتسرى فى الشعب هذه الروح ويقتدى بالكبار غيرهم من الصغار، ولقد بدت فائدة ذلك جلية فيما ترك مظهر جلالة الملك الصالح فى النفوس من أثر قوى فعال أيده الله. على أن يكون ذلك شعار الحكام فى حقوقهم وأعمالهم، فلا يقام حفل فى وقت صلاة يمتد حتى تضيع هذه الصلاة، وأن ترفع الاجتماعات أيا كانت لأداء الصلوات، وأن يكون ذلك تقليدا يسرى عليه كل ديوان ويعمل به كل موظف، فليس أشق على نفس المسلم من أن يسمع أن اجتماعا يقام فى وقت صلاة الجمعة، أو أن حفلا يمتد من قبل المغرب إلى ما بعد العشاء، وأن يجتمع قوم على إهدار فريضة من فرائض الله فى غير ضرورة ولا حاجة ملحة.

خامسا- أن يعمل كبار الدولة على أن يكون المظهر الغالب فى بيوتهم مصريا إسلاميا، فالأحاديث باللغة العربية، والمربيات من الأسر المصرية، والمدارس حكومية إسلامية، فلا يخفى أن كل بيوت العظماء لا تكاد تمت إلى مصر ولا إلى الإسلام بصلة ما، ومن هذه البيوت سيتخرج الأمير والوزير والموظف الكبير. وكيف يكون لهم فى المستقبل الحظ الكافي من الغيرة على مصالح بلاد تعلموا فى مهدهم غير علمها، وتحادثوا وأهلهم بغير لغتها، وتربوا فى نشأتهم على غير أيدي أبنائها؟

سادسا- ألا نفرق بين الناحية الشخصية والناحية العملية فى الموظف، فينص فى القانون المالي على مؤاخذة الموظفين المستهترين إداريا، فضلا عن مؤاخذتهم قانونا بمسالكهم الشخصية مع أدب الإسلام فى أمة تنتهي إليها زعامة الإسلام. ومن غير المعقول أن يكون الموظف دائم السهر فى المواخير والحانات ثم يقال عنه إنه كفء فى عمله أو قائم بواجبه، فلا سلطان للقانون عليه. وهل يأتى التقصير والاختلاس والخيانة والإفلاس إلا من هذه المسالك النكراء؟!

هذه النواحي -يا رفعة الباشا- لا نقول إنها جميعا مما يتناوله القانون أو يستطيع إصلاحه بالتشريع، بل إن كثيرا منها وجداني صرف أكبر العوامل فيها الإقناع الشخصي.

فإذا رأت الوزارة أن تحرز هذا الشرف، وتمكن لها فى قلوب الشعب، وتقرب من نصر الله وتأييده، فليتواصى أعضاؤها الوزراء فيما بينهم بتنفيذ ذلك، ثم ليوصي كل وزير رؤساء المصالح فى وزارته، وليوصي هؤلاء الرؤساء من تحت أيديهم من الموظفين، ولتوضع التشريعات لما يقع تحت طائلة التشريع من ذلك، والله شاهد والناس رقباء والألسنة تملك الكلام وتستطيع إظهار الشعب على الحقائق المؤلمة حتى لا يغفل عن واجبه فى توجيه التائه وحمل الضال على الاستقامة، وإن أسكتته القوة فسينطقه الضيق، والضغط يولد الانفجار.

"المجتمع بعد ذلك" يا صاحب الرفعة:

مجتمعنا المصري -كما تعلمون- تحطمت فيه المقاييس الخلقية، وتدهور مستوى الفضائل تدهورا يدعو إلى الأسف الشديد، وتظاهرت عليه معاول الهدم من كل جانب؛ فالشبان والشابات والأسر والأفراد والجسوم والأرواح كلها محطمة تحطيما يدعو إلى منتهى السرعة فى الإصلاح والترميم.

"وذلك يا سيدي الباشا إنما يكون بوسائل كثيرة من أصولها الرئيسية:

(1) إصلاح منابع الثقافة.                (2) إصلاح القانون.

(3) استغلال وقت الفراغ.                 (4) محاربة المنكرات.

وتحت كل منها مسائل فرعية جديرة بالعناية والتفكير. وإلى رفعتكم بعض ذلك بشيء من التفصيل الذي هو أقرب إلى الإجمال:

(1) إصلاح منابع الثقافة العامة

أهم منابع الثقافة العامة فى كل أمة: المدارس والصحف والمطبوعات والسينما والتمثيل والإذاعة اللاسلكية وهذه كلها تحتاج إلى إصلاح:

(أ) ففي المدارس لابد من وضع سياسة ثابتة للتعليم يكون من شأنها: استقرار المناهج، والتقريب بين الثقافات، وتوحيد الأنواع المتشابهة من المعاهد توفيرا للمال والجهد والتبعات، وتحديد الاختصاصات، والتفريق بين منهج البنين والبنات، وتشجيع الناحيتين العملية والاستقلالية ما أمكن، والبعد عن مجرد النظريات، والفصل التام بين الجنسين فى دور التعليم وخصوصا فى الجامعة المصري، فإن من المستحيل أن يكون فى كلية الآداب -مثلا- نحو من مائتي فتاة كلهن فى السن الكاملة يختلطن صباح مساء بفتيان الكلية ثم لا يكون من ذلك فساد. وأي فساد! ولا نريد أن ندخل فى ميدان جدل، فالواقع أن ذلك قد أفسد من أخلاق الجنسين وأرواحهم مهما كابر المكابرون وأنكر المغرضون، كما يجب القضاء على الدروس التى تتنافى مع الفكرة الإسلامية فى المدارس الفنية كدروس الطبيعة الحية مثلا.

ويجب العناية كذلك بأقسام الحفاظ والتاريخ الإسلامي والقومي والسيرة النبوية والتربية الوطنية، وصبغ المدارس من بنين وبنات بروح إسلامي فاضل، يجعل المدرس والمدرسة والناظر والناظرة والطالب والطالبة وكل موظف بالمدرسة ومن ورائهم المراقبون والمفتشون بالوزارة، كلهم جميعا يستمسكون بآداب الإسلام فى مظاهرهم الخاصة؛ من الزي والهيئة وأداء الفرائض بمصليات المدارس ومساجدها، وفى مظاهرهم العامة، متجلية هذا الروح فى الحفلات والمجلات المدرسية والرحلات العلمية وما إلى ذلك من نواحي النشاط المدرسي.

(ب) وفى الصحف والمطبوعات والسينما والتمثيل والإذاعة تراقب كل هذه النواحي مراقبة فعالة منتجة، وينص فى القانون على عقوبات زاجرة رادعة، وأساس ذلك أن يختار المراقبون من الأمناء على دينهم الموثوق بأخلاقهم، بحيث لا تكون الناحية الفنية وحدها هى الأساس فى الاختيار، فكم يحارب الفن باسم الفن، وكم يعدل الفنيون عن الحقائق إلى الأهواء، وما كل فن يذاع، وليس كل ما درس فى أوروبا يطبق فى مصر، فلتختر الحكومة لجان المراقبة على أسس صالحة لتنتج مراقبة صالحة ولتوضع مناهج الإذاعة بدقة وإحكام، فإن "الراديو" بقدر ما أفاد غيرنا بقدر ما جنى على أخلاقنا، وحرام أن يستخدمه هتلر فى إنهاض شعبه وإلهاب شعور الحماسة فيه، ونستخدمه نحن فى الحب والغرام وأدوار العبث والهيام وهذه الأنواع الرخيصة من الأغاني التى تذاع.

ولتصادر الصحف الماجنة الخليعة التى يتشرب روحها أبناؤنا الأطهار وفتياتنا الصغار فتفسد عقولهم وأرواحهم وعواطفهم وشعورهم سواء كانت أجنبية أو مصرية، ولتهتم الحكومة بحركة التأليف والنشر، فتشجع المؤلفين الذين يعالجون النواحي الإصلاحية النافعة، وتعين اللجان لوضع البحوث والرسالات فى هذه النواحي، ولتهتم كذلك بتهذيب الأغاني والأناشيد، فأثرها فى تكوين الشعب الروحي جد خطير، بل لعلها أقرب الوسائل فى هذا الباب.. بذلك وأمثاله تصلح منابع الثقافة، ونقدم للشعب غذاء شهيا صالحا ينمو به أفضل النماء وتزكو عليه العواطف والعقول والأرواح.

(2) إصلاح القانون:

وإنما يكون ذلك الإصلاح بصبغه بالفكرة الإسلامية، وتأليف اللجان من جديد للنظر فى التوفيق بين القوانين القائمة والقوانين الشرعية، حتى يشعر الشعب بأنه محكوم بقانون الله السماوي لا بقانون الناس الوضعي، فيكون له من المهابة فى نفسه ما يتحقق به الغرض من وضعه، وبذلك تتوحد "المحكمة المصرية"، ويقضى على هذا الاضطراب فى الاختصاصات، وكل ما يعرض فى ذلك من عقبات تذللـه الهمة وتتغلب عليه العزائم.

(3) القضاء على الموبقات:

وما أكثر هذه الموبقات المهلكات فى المجتمع المصري!

البغاء بنوعيه السري والعلني يجب أن يزول من الوجود، وإنا لنشكر للحكومة خطوتها العملية لتحريم إعطاء الرخص للبغايا، ونلح فى المطالبة بالإسراع فى القضاء على هذا الداء وإيجاد الملاجئ لهؤلاء المسكينات. والقمار بأنواعه ومنها اليانصيب بكل صورة ولأي غرض مفسدة، وإضاعة للأموال، وزرع للضغائن والأحقاد، فيجب أن يحرم كذلك.

والخمر -وهي أم الخبائث وأصل الشر فى كل مجتمع- يجب أن تحارب كما حوربت المخدرات، وقد سبقتنا فى ذلك الهند، فما بال مصر زعيمة الشرق والإسلام تتلكأ وتتردد فى القضاء عليه.

والمراقص والصالات والأندية التى هى فى حقيقة أمرها بيوت سرية لا أندية أدبية، هذه الأماكن التى تنتحر فيها الفضائل، وتراق دماء الأخلاق، وتذهب باللب والقلب والعقل والمال، يجب أن تغلق وتباد.

التسول "والبلطجية" وكل احتراف غير شرعي: من دجل أو شعوذة باسم الدين أو الطب، والعادات الضارة فى المآتم والأفراح والزار والمجتمعات والمصايف وما فيها: من خلاعة ومجون وتهتك وفساد والأزياء الخليعة والاختلاط الشائن.

كل هذه وأمثالها من المهالك مما يجب على الحكومة أن تنشط لمحاربته، وأن تسن القوانين للقضاء عليه، وأن تعنى بنظام بوليس الآداب واختيار رجاله من الأمناء الأكفاء، وأخذهم أنفسهم بالعقوبات الرادعة إن قصروا فى واجباتهم أو أخلوا بشرف مهمتهم.

(4) الانتفاع بوقت الفراغ:

يأتى بعد ذلك كله توجيه الشعب إلى الانتفاع بوقت فراغه، وذلك يكون بوسائل كثيرة أهمها: تشجيع الروح العسكرية والرياضية فى نفوس الشباب، وتأسيس الملاعب والميادين وتوسيع نطاقها حتى تشمل عواصم المديريات والمراكز والقرى الكبيرة ثم الصغيرة، والعناية بالمدربين، وتأسيس وحدات عسكرية ورياضية تشرف على تنظيم هذه الحركة حتى يوجه إليها الشباب بكليته، بشرط أن تكون مؤسسة على الفكرة الإسلامية التى تحض على الجهاد، وأن يفرض فيها فرضا التمسك بالآداب الإسلامية والمحافظة على أداء الفرائض.

وقد بدأت مظاهر الاهتمام بذلك من الشعب لتأليف هذه المجتمعات الأهلية البسيطة، "كجماعة القرى" "وجماعة الدفاع الوطني" "وجمعية الطيران" "ونحوها فعلى الحكومة أن تشجع هذه الهيئات كل التشجيع، وأن تلفت نظرها إلى وجوب تركيز الفكرة الإسلامية فى نفس أعضائها والقائمين بشأنها، ويستخدم الموظفون الشبان والطلبة ورجال التعليم الأولى خصوصا فى تثقيف الشعب ومحو الأمية وإثارة الأذهان، مع جعل تعليم القراءة والكتابة إجباريا فى وقت محدود، وفرض عقوبة لمن لم يتعلم خلال هذه المدة، وتعتبر المساجد والمقاهي والأندية والحدائق من وسائل هذه الثقافة العامة، كل فيما يناسبه، وهو إعداد يتناسب مع هذه الغاية، وتحدد للقهاوى والأندية ونحوها مواعيد تجعلها من عوامل الإصلاح لا الإفساد، وإتلاف الصحة بالسهر الكثير والعبث الفارغ، وبذلك ينصرف الشعب إلى الجد وتستخدم أوقاته ومواهبه فى النافع المفيد، وقد بدأت مظاهر الاهتمام بذلك من الشعب.

توحيد القوى والجهود:

بقيت بعد ذلك كله ناحية هامة يتوقف عليها نجاح هذه المقاصد وتحقيق تلكم الغايات: ألا وهي وجوب تضافر جهود الأمة ومواهب أبنائها على تحقيق هذه الغايات وسيرها صفا واحدا إلى الهدف المنشود، وإنما يكون ذلك بالقضاء التام على الحزبية السياسية بشكلها الحالي البغيض، وما دامت هذه العصبية العمياء والتهاتر الحزبي فى الأمة، فسيشغل بعضها بعضا، وسيحبط بعضها عمل الآخر، فتتعاكس القوى ولا تتوحد، ويتعدد الهدف ولا يتحدد، ويضعف الأثر ولا يتمكن، وأول القوة الوحدة. وقد لمسنا أثر هذا الخلاف فى كل موقف، ولقد مزقت هذه العصبية الحزبية أوصال الشعب فى كل مكان، وفرقت بين الأسر المرتبطة فى القرية الواحدة والبلد الواحد..

وأنتم الآن -يا صاحب الرفعة- فى موضع يمكنكم من التقدم بهذه الخطوة، خطوة الدعوة إلى الوحدة، فالأحزاب القائمة كلها معكم وليس بعيدا عنكم إلا حزب واحد هو حزب الوفد الذى يرأسه رفعة النحاس باشا، وليس فى مناهج الأحزاب القائمة وجه مخالف، فكلها يدعى أنه سيتناول الإصلاح العام، مع أن المهمة التى أسست من أجلها قد انتهت وبدأنا عهدا جديدا فلم يبق مجال لقيامها بتلك الأوضاع السابقة، والتخاصم الآن إنما هو على الأسماء الموروثة، والألقاب المزعومة، والمسائل الشخصية التافهة، فاقترحوا -يا رفعة الباشا- على هذه الأحزاب -وأولها حزبكم- أن يتنازل كل واحد منه عن اسمه، وتتألف من الجميع هيئة وطنية أو حزب سياسي واحد -يضع للبلد منهاجا- إنشائيا صالحا تتوافر على رسمه وتنفيذه القوى والجهود، وتكون المعارضة فى داخل هذا الحزب بحسب آراء الأعضاء فى كل مسألة تعرض، ومن خرج على الوحدة وأباها فقد خرج على الأمة، فإن نجحتم فى هذا المسعى فذاك، وإلا فقد أديتم الواجب وخلصتم من التبعة، وحسب حكومتكم أن تسير الحكومة على منهاج قومي فى كل خطواتها، تكافأ المحسن لإحسانه، وتأخذ المسيء بإساءته بغض النظر عن لون كل امرئ الحزبي.

ذلك يا صاحب الرفعة ما بدا لنا فى الموقف الحاضر رفعناه إليكم، ولنا بعده مقترحات فى الناحية الإدارية والاقتصادية وما إليها ندعها الآن حتى نرى ما يكون من أثر هذا الخطاب، وإنا لتحقيق هذه الوجوه الإصلاحية لمنتظرون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(2)

 

أيها الزعماء عدلوا النفوس قبل المناصب

أصلحوا القلب يصلح الرجال والأعمال

الرجوع إلى الحق خير من هذا الباطل

 

﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11].

عدلت الوزارة المحمدية من جديد، وانضمت إليها عناصر جديدة من أحزاب جديدة، ومنذ أيام لهجت صحف وألسنة بأن الحكم فى حاجة إلى دماء جديدة وعناصر جديدة هى دماء الشباب، وحرارة الشباب، وتوثب الشباب، وهمة الشباب، وتعطش الشباب للحكم وللجد وللعمل وللإنقاذ. وسابق بعض الناس أحكام القدر، فأخذوا يرشحون للمجد فلانا وفلانا من الشباب الذي يكتب ويخطب ويرغى ويزبد ويظهر فى المجامع. أيها الناس كل هذا الكلام لا يساوى ثمن الحبر الذي كتب به، ولا يجدي الأمة فتيلا، ولا يغير فسادا ولا يأتى بإصلاح. أجل لابد من جديد فى هذه الأمة، أفتدرون ما هذا الجديد الذي لابد منه ولا إصلاح بدونه؟! هو تغيير القلوب وتبديل النفوس وتطهير الأرواح وتزكية السرائر والضمائر والعودة إلى الله من جديد ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11].

هذا الجديد هو تغيير هذه النظم المرقعة المهلهلة التى لم تجن منها الأمة إلا الشقاق والفرقة. هو قلب هذه الأوضاع البالية الفاسدة التى نقلت إلينا من أرض غير أرضنا وبلد غير بلدنا، ولم تصلح أهلها فضلا عن إصلاحنا. هو العودة إلى كتاب الله ونظم الإسلام وأوضاع الإسلام فى الحكم وفى القانون وفى السياسة والاجتماع. هو تعديل الدستور المصري تعديلا جوهريا يوحد فيه السلطات، ويقضى على الحزبيات، ويشحذ العزائم والهمم، ولا يوجد مجالا لهذه الرخاوة التى لا يمكن أن تنقذ أمة فى مستهل عصر جديد.

أيها الزعماء والوزراء والمترقبون والمنتظرون والآملون والمرشحون لمناصب الحكم ومظاهر السلطة:

ما دمتم ضعاف العزائم والإرادات فلن تصلح على أيديكم مصر، وما دمتم تحبون أنفسكم أكثر من هذا الوطن، وتعملون لمصالحكم الشخصية أكثر مما تعملون لهذه الأمة، وتؤثرون التردي فى هذه الهوات النفسانية، وتخشون الناس أكثر مما تخافون الله وتجاملون الإنجليز والأجانب وغير المسلمين أكثر مما تجاملون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده: فى دينها وشريعتها وقوانينها وأحكامها وأنتم تسمعون قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾[التوبة: 13] ما دمتم هكذا متحاقدين متباغضين، منصرفين عن الجد إلى اللهو والعبث، منغمسين فى الحفلات والولائم والتنقلات ما بين مصر والإسكندرية، لا يسمع الشعب منكم إلا الخطب والوعود والكلام، فلن تصلح على أيديكم مصر ولن تحققوا لها أملا صغيرا أو كبيرا، وسيظل هذا التعديل كل يوم وكل وقت مهما كان لون الوزارة ومهما كانت أشخاص الوزراء. ستظل الأمة هكذا كحمار الرحى يدور والمكان الذي بدأ منه هو الذي ينتهي إليه، وستحل وزارة بعد وزارة ويأتي حكام بعد حكام، والشأن هو هو؛ يربح هؤلاء وتغرم الأمة، وينعمون ويشقى الشعب المسكين، ومن فقد الوزارة فإلى عضوية الشركات حتى يصبح وزيرا جديدا، وهكذا دواليك. لن تغنى حكمة الشيوخ، ولن تنتج حرارة الشباب، ولن ينفع الدم الجديد أو القديم ما دام الفساد هكذا فى الصميم، وما دامت النفوس مريضة، وما دامت الأوضاع والقوالب فاسدة.

وأنت أيها الشعب: ماذا تنتظر؟ إن القوم كلهم -شيوخهم وشبابهم- يغررون بك ويخدعونك عن دينك، ويسلكون بك طريقا غير طريق الله والإسلام، ويسيرون فى نكباء عاصفة لا تبقى ولا تذر، والخطر أمامك داهم. فأعدوا أنفسكم أيها الناس واعتصموا بالله الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض، وتربوا على تعاليم القرآن الكريم، وارفعوها راية تدعون الوزراء والحكام إليها، فإن أجابوا ونفذوا فهو صلاح أمركم وأمرهم، وهو التعديل الذي لا يصلح سواه، وهو الدم الجديد الذي يقوى وينفع، وإن أبوا فجاهدهم به جهادا كبيرا.(3)

 

مقام الشريعة الإسلامية فى مصر الإسلامية

مهداة إلى رفعة رئيس الوزراء

زار رفعة رئيس الوزراء (محمد محمود باشا) فى الأسبوع الماضي نقابة المحامين الشرعيين، فتكلم فى حضرته بعضهم فحيا وشكر، وأفاض فى ذكر مطالبهم التى تمس نهضة المحاماة الشرعية وتكفل راحة أهلها، وتكلم نقيب المحامين الشرعيين، فختم كلامه بأن يكتفى بما ذكره أسلافه من حيث المطالب الخاصة أنه سيكون صريحا فى علاج قضية عامة، وذلك أن المحاماة الشرعية ونقابة المحامين الشرعيين تتصل أوثق اتصال بالشريعة نفسها، فإذا علا مقام الشريعة فى مصر علا مقام المحامين الشرعيين وارتفعت منزلتهم وزاد تقديرهم وحفظت كرامة نقابتهم وبالعكس.

ورد رفعة رئيس الوزراء على هذه التحيات الطيبات فقال: إنه سيعمل على تحقيق مطالب المحامين الخاصة فى حدود الطاقة، وقال: إن الحكومة تعمل على أن يكون للشريعة الإسلامية المقام الأول دائما. فأما مطالب حضرات أصحاب الفضيلة المحامين الشرعيين فلا نعرض لها، فهم أعلم بها وأعرف بطرق تحقيقها، وإن كنا نرفع الصوت عاليا بإنصاف كل مهضوم، وإعطاء كل ذي حق حقه، ووجوب المساواة بين الطوائف والهيئات فى حدود الممكن والمستطاع، ولكن الذي يهمنا ويعنينا هو هذا التصريح من رئيس الوزراء: إن الحكومة تعمل على أن يكون للشريعة المقام الأول دائما". هذا تصريح نتمنى أن يكون حقيقيا، وأن يكون صحيحا، ويوم يكون الأمر كذلك تكون مصر قد استعدت بحق لزعامة المسلمين بل الشرق كله، واستحقت أن يتم الله عليها نعمة الاستقلال والحرية والرخاء، ولكنا نقول -مع الأسف- إن الأمر بخلاف ذلك، ورئيس الوزراء فى هذا التصريح أحد رجلين: إما أنه غير متصل بشئون حكومته والأمة التى وكل إليه تصريف شئونها. وإما أنه غير عالم بحدود الشريعة وما تطلبه من كل مسلم يؤمن بالله ورسوله وكتابه ودينه. وثالثة لا تقل عن هذين: وهي أن رفعته يخدع من أمامه ويريد أن يتخلص من هذا الموقف بمثل هذا التصريح الذي لا يعبر عن الحقيقة.

يا رفعة الرئيس: أى شىء فى هذا البلد للشريعة الإسلامية فيه المقام الأول؟

أفي القوانين وهي أخص خصائص الشريعة، والإسلام زاخر فياض بها؟ وتعلم رفعتك أن قوانيننا التى يحكم بها فى الدماء والأموال والأعراض غير مستمدة من الإسلام وغير متفقة معه فى كثير من الأحكام فهي فرنسية أو إنجليزية أو رومانية أو غير ذلك من المقتبسات الغربية، ولم يبق للشريعة إلا طرف من الأحوال الشخصية والمواريث والشركات. فهل يقال بعد هذا إن للشريعة المقام الأول فى البلاد؟

أم فى التعليم والتثقيف والتربية؟ ورفعتك تعلم أن الهيئات الإسلامية ومن ورائها الشعب كله قد بح صوتها فى المطالبة بجعل التعليم الإسلامي مادة أساسية كبقية المواد فلم تجب إلى شىء من هذا. ولا زال التعليم الإسلامي فى المدارس الابتدائية والثانوية مادة إضافية لا يسأل التلميذ عنها ولا يمتحن فيها، أما فى الجامعة وفى التعليم العالي وفى المدارس الخصوصية والفنية، فإن طلبتها لا يسمعون بشيء اسمه درس التعاليم الإسلامية ولا يتصلون بثقافة الإسلام بقليل أو كثير. وهذه الصحف والمجلات التى تروج وتشجع وتنتشر طافحة بكل ما يفسد ويؤلم ويتنافى مع الإسلام والحكومة لا تحرك ساكنا. وهذه السينمات ودور التمثيل -وهي معدودة عند الناس من وسائل التثقيف- لا يوزن ما فيها بميزان الأحكام الإسلامية، بل يعرض على مسارحها ما يحمر له وجه الفضيلة ويقضى على ما بقي فى نفوس هذا الشعب المسلم من دين. وما لنا نذهب إلى المسارح والسينمات والجامعة أمامنا يجتمع فى مدرجاتها، وحجرات الدراسة فيها، وفى حرمها، وتحت ظل أشجارها الفينانة الفتيان والفتيات فى ثياب تشف وتصف مما يصرف هذه الناشئة البريئة عن الجد والعمل إلى اللهو والعبث والمجون، ولا أفيض فى أثر هذا الاختلاط فى الجامعة، ولكنى أرضى أن يذهب رفعة رئيس الحكومة بنفسه إلى حجرات الدراسة والمدرجات فيرقب عن كثب، كيف يتهافت الفتيان على أماكن الطالبات تهافت الفراش على السراج! فهل عملت الحكومة فى التعليم والتثقيف والتربية على أن يكون للشريعة المقام الأول فى البلاد؟

أم فى المظاهر الاجتماعية والشئون العامة؟ وهذا الحانات فى كل شارع وفى كل عطفة وكل زقاق منتشرة لا يكاد يخلو منها مكان فى مدينة من المدن، بل وصلت بكثرة شنيعة هائلة إلى القرى والأرياف، وهذه بيوت الفجور فى كل مكان يحميها القانون وتستمد وجودها وبقاءها من هذه الحماية، بعد أن قررت لجنة إلغاء البغاء وجوب هذا الإلغاء. وهذه الآداب العامة مهدورة الكرامة فى كل مكان.

أم فى المساجد والمعابد؟ وحتى هذه أيضا -يا رفعة الرئيس- وهي أخص مظاهر الإسلام، فهل رأينا وزارة الأوقاف تنهض بواجبها فى رعاية المساجد والعناية بشأنها ورفع مستوى أئمتها وخدمها؟ أم أنه يكفي أن يكون المسجد تابعا لوزارة الأوقاف حتى يظل متهدما إذا تصدع، معطلا إذا ألمت حادثة بدورته، أو طرأ عليه ما يستدعى بعض الإنفاق حتى يتداركه المحسنون من الناس فى الوقت الذي نبذر فيه الآلاف بلا حساب على غير الضروريات من الشئون ويختلس منها الآلاف كذلك. وهؤلاء أئمة المساجد وخدمها أقل الموظفين راتبا وأضألهم شأنا وأشدهم بؤسا. وهل يعلم رفعة رئيس الحكومة أن وزارة الأوقاف قد تكافئ بعض الوعاظ من العلماء الرسميين فيها مكافئات مالية قد لا يعدو مقدارها القروش على الدرس الواحد، فى الوقت الذي ينال فيه بعض الموظفين الجنيهات فى بدل السفر والانتقالات فهل فى هذا أيضا عملت الحكومة على أن يكون للشريعة المقام الأول فى البلاد؟

هذا وغيره كثير فى الوجهة العامة. ثم لتنظر بعد ذلك إلى الوجهة الخاصة، فهل امتنع كبار الحكام -أصلحهم الله- عن التجاهر بمعصية الله وسلكوا سبيل طاعته ومرضاته، أم لا زالوا على ما عرفهم الناس عليه من استهتار تام بتعاليم الإسلام وشرائع الله. فلا يراهم الناس فى صورة من الصور إلا بين الغادات والغانيات والنساء الإفرنجيات فى الحفلات الرسمية التى تقام بأموال الأمة المسلمة؟ حتى أنت يا رفعة الرئيس -وأنت الرجل المحافظ- ترى فى الحفلات الرسمية وعن يمينك ويسارك سيدات أجنبيات لا يبيح لك الدين أن تكون بينهن أو أن تنظر إليهن. وكثير من الحكام لا يزال يتردد على ميادين السباق ومواطن المقامرة، حتى معالي وزير المالية لم يكتف بأن يذهب وحده، فاصطحب مرة النائب العام، واصطحبك أنت يا رفعة الرئيس مرة أخرى. وكثير من الحكام الكبار فى القاهرة والأقاليم لا يزال يقضى الليل بين الكؤوس والأكواب والكواعب والأتراب، حتى إن أندية الموظفين فى الأرياف قد عرفت عند العامة والخاصة بأنها مبعث الإتلاف. وكثير من الوزراء والحكام الكبار لم يؤد فريضة الحج وما هم بمعذورين، وبعضهم لم يصم رمضان وما هو بمعذور، وكثير منهم لا يؤدى فرائض الصلوات لا فى أوقاتها ولا فى غير أوقاتها، وهذا كلام لا يحتاج إلى دليل، ففاعلوه لا ينكرونه والشعب لا يجهله ورفعتك تعلمه، والخبر به مستفيض بين الخاص والعام. فهل هذا أيضا تعمل الحكومة على أن يكون للشريعة المقام الأول فى البلاد؟!

يا رفعة الرئيس: نصارحك بأن الحق غير هذا، وأن الحكومة مقصرة كل التقصير فى هذه الناحية، وأنها لا تعمل على أن يكون للشريعة المقام الأول فى البلاد. وأنت رئيس الحكومة فأنت المسئول الأول بين يدي الناس وبين يدي الله، ونخوفك يا رفعة الرئيس موقفا رهيبا بين يدي الله يوم لا يغنى الجاه والسلطان شيئا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وليس معنى هذا أن حكومتك وحدها هى المقصرة فى هذه الناحية، أو أننا نحاول بذلك إحراجها. لا لا، فنحن نعلم أن الحكومات من قبلها لم تكن فى ذلك خيرا منها وأن الحكومات من بعدها- إن ظل الحال على هذا المنوال وظل ديدن الرؤساء والكبراء الانصراف عن مراقبة الله الكبير المتعال -لن تكون خيرا منها. ولكنا نريد أن نضع الحق فى نصابه بهذا المقال، وأن ننبه رفعتك- إن لم تكن تعلم- إلى أن الحكومة لم تعمل على أن يكون للشريعة المقام الأول فى البلاد.

يا رفعة الرئيس: يجب وجوبا لا مناص منه، أن يكون هذا التصريح حقا، وأن تعمل حكومتك على أن يكون للشريعة المقام الأول فى البلاد، ولا صلاح لمصر إلا إذا كان ذلك كذلك، وليست هناك عقبات كما يتوهم الواهمون أو يرجف المرجفون، فالسبيل ميسرة -والحمد لله- ويدكم مطلقة فى مثل هذه الأحوال، والإصلاح يجمع عليكم القلوب ولا يفرقها.

ماذا يمنعكم -معشر الحكام والوزراء- أن تصلحوا أنفسكم فتشاركوا الأمة فى طاعتها وعبادتها لله، وتضربوا لها المثل فى الاستقامة والبعد عن معصية الله جهارا. وما العقبة التى أمامكم فى هذا غير العزائم الضعيفة والاستسلام لوساوس الشيطان؟ وماذا يمنعكم أن تعدلوا القوانين فى البلاد تعديلا يقيم حدود الله، ويجعل الأمة المسلمة تحكم بما أنزل الله؟ وما العقبة فى هذا؟ إنكم حكام مصر لا روما ولا باريس. وشعبكم مسلم يؤمن بالله والقرآن، ويطالبكم بأن تحكموه على هذا الأساس، فلا تسخروا كل شىء فى مصر لغير مصر وأبناء مصر.

وما الذي يمنعكم أن تلغوا البغاء، وتحاربوا الخمور، وتحظروا السباق والقمار وتجعلوا تعليم الدين أساسيا فى المدارس، وتحولوا بين اختلاط الفتيان والفتيات فى المعاهد، وتحسنوا رقابة المسارح والملاعب، وتستأصلوا شأفة الصالات والمراقص، وتوجهوا سعيكم إلى الجد وصالح الأعمال؟ وما العقبة التى أمامكم فى كل هذا، وذلك لا يستدعى مالا ولا رجالا، ولا يمس حقوق الأجانب أو الأقارب، ولكنكم عن ذلك كله قاعدون.

يا رفعة الرئيس: إن الكلام وحده لا ينفذ حكما ولا ينفع شعبا، ولكنه العمل، فاعملوه؟ ولقد تقدم لكم الإخوان بمذكرة مستفيضة لأول عهدكم بهذه الوزارة، ولا يزالوا يرقبون أن تفئ الحكومة إلى الحق، وتعمل بحق على أن يكون للشريعة الإسلامية الغراء المقام الأول فى البلاد.(4)

 

استجابة الإخوان المسلمين لنداء الرئيس

كتاب إلى الرئيس الجليل من المرشد العام

بسم الله الرحمن الرحيم. 

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية.

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأحييكم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد تحدثتم رفعتكم إلى الأمة المصرية الكريمة حديثا رائعا جليلا ضمنتموه كثيرا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التى يسر كل مصري أن يحققها الله على يديكم.

فقد أشدتم بالصراحة والتعاون والإخلاص، ودعوتم الأمة إلى مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح، ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعا بهذه المعاني السامية، "فنحن أبناء أسرة واحدة هى الأسرة المصرية الكريمة".

وقررتم رفعتكم أن من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة فى هذه الظروف الدقيقة فى تنفيذ "سياسة داخلية بصيرة.. فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التى وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا، وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة.

كما أن الحكومة ساهرة على اتباع سياسة عمرانية عاجلة لخير الطبقات الفقيرة قبل غيرها.. ومن واجب الحكومة والبرلمان أن يضعا فى رأس برنامجهما درس المسائل الاجتماعية، والسعي إلى حلها حلا سريعا حاسما".

وقد أشرتم إلى التطور الجديد فى حياة العالم كله تطورا "هو مقدمة لتطور أعمق غورا وأبعد أثرا بجعل مظهر العالم فى غد غير مظهره اليوم".

ثم ختمتم هذا الحديث "بأن علينا أن نعبر الطريق المحفوف بالمكاره المحوط بالمخاطر، متعاونين متحدين مع الشعوب الشرقية وإخواننا أبناء العروبة الكريمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، مترقبين بزوغ فجر الحرية والإخاء بين الشعوب، فيقوم عدل الحكام على أنقاض الظلم والاستبداد، وتتفيأ الأمم ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام".

أصغينا إلى هذا الحديث القيم، ثم طالعتنا الصحف بنصائحكم الجليلة إلى حضرات المديرين والمحافظين ودعوتكم إياهم إلى "أن يكونوا أداة سلام ودعاة صلح وتفاهم بين العائلات، وأن يديموا التجوال فى البلاد ليتبينوا مطالب الأهلين وينظروا فيها بالعين المجردة عن كل ميل وهوى، وأن يستمعوا إلى شكاوى المظلومين ويعملوا على رفع المظالم عنهم".

وقرأنا فى الصحف أن معالي وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدا لتخليص مصر من وصمته الشائنة، وأنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء فى القرى والبنادر من أول مايو المقبل.

والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة والأعمال الطيبة النافعة يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم، وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة المصرية فى تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه، مستمسكين دائما بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القويمة وأخلاقه الفاضلة.

والله نسأل أن يهيئنا جميعا لخير هذا الوطن العزيز. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(5)

 

من الإخوان إلى رئيس الحكومة

حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحكومة المصرية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد وصل الموقف فى الداخل والخارج إلى الحال التى تعلمونها دولتكم من الضيق والحرج، وأصبح من الحتم اللازم على كل غيور على مصلحة هذا البلد أن ينسى نفسه وحزبه ويذكر شيئا واحدا، هو خير هذا الوطن والعمل السريع الحازم لعلاج هذه الحال.

كل تصرفات الإنجليز يا باشا فى لندن وفى السودان وفى أى مكان يدل على أنهم لا يريدون أن يسيروا مع المطالب المصرية خطوة واحدة إلى الحق، فهذه التصريحات المتوالية من رئيس الحكومة البريطانية ومن حاكم السودان العام، وهذه التصرفات العملية من إقصاء الموظفين المصريين والاستئثار بكل شىء دون حكومة مصر وجنوب الوادي، وهذا التحدي كل يوم بقول جديد وعمل جديد، كل هذه أدلة متوالية صريحة سافرة لا تقبل جدلا ولا تأويلا على أن القوم قد نفضوا أيديهم من الصداقة المزعومة والمجاملة الموهومة، وآثروا أن يفرضوا ما يريدون فرضا بالقهر أو بالغدر، ولن يستطيعوا بإذن الله.

وكل شىء فى الداخل مظهر سافر واضح من مظاهر الأسى والألم والأسف والحزن والضيق، هذه المعاهدة المعطلة، وهذه الحريات المكبلة، وهذا الرعب تمتلئ به الصدور، وهذا الحذر من الحاكم والمحكوم، وهذه القوات من البوليس السري والعلني ترابط فى كل مكان، وتبعث الرهبة والريبة فى كل جو، ولا يمكن أن تعيش فى هذا الوضع أمة مهما كان صبرها طويلا، ومهما كان صدرها واسعا وحلمها، والضغط يولد الانفجار.

لابد إذن من عمل شىء، والسبيل أمامنا -والحمد لله- مهيأة، والوسائل ممهدة، ولا ينقصنا إلا الحزم والإقدام فإلى الأمام. 

أعلن يا دولة الباشا فشل المفاوضات واقطعها فى عزة وكرامة، وصارح البريطانيين بأنهم أحوج إلى صداقتنا منا إلى صداقتهم، وأننا نعرف الوسائل التى ننال بها حقوقنا كاملة غير منقوصة، وأننا نؤثر سبيل المفاوضات إلا إقامة للحجة وإيثارا للمسالمة وإعذارا إلى الله والناس.

ثم اطلب إلى الإنجليز جلاء قواتهم عن أرض الوادي، فلا يليق بدولة عضو فى هيئة الأمم المتحدة أن تحتل قواتها أرض دولة أخرى هى عضو فى الهيئة كذلك، كما هو نص القرار، وإلا كان وجودهم عدوانا مسلحا على سيادة الوطن، وخروجا على ميثاق هيئة الأمم، وتهديدا للأمن والسلام فى الشرق الأوسط.

فإن لم يفعلوا فتقدم بقضية الوطن إلى مجلس الأمن، وإلى محكمة العدل، وإلى كل مجمع دولي تأنس فيه ميلا إلى الإنصاف، ونفورا من الظلم والعدوان بعد الدراسة الكاملة، والتمحيص الواسع، والتنظيم الدقيق، ورعاية كل الظروف والملابسات.

ثم أطلق الحريات كاملة، ولا تخش شيئا يا باشا، ولا تخف على الأمن والنظام، فإنك لن تجد شعبا يقدر الأمن ويحب النظام ويدين بالطاعة كهذا الشعب المصري الذي لا يعرف أن يحيا إلا فى ظل النظام والطاعة.

ثم وجه الدعوة إلى مواطنيك فى جنوب الوادي وشماله فى برنامج شامل مفصل، يوضح غايتك ووسيلتك لتحقيق المطالب التى أجمعت عليها البلاد (الجلاء الناجز عن الوادي كله، والحرص التام على وحدته) وادع الأمة جميعا إلى أن تكون معك على ذلك، وإلى أن تتألف من هيئاتها وأحزابها وجماعاتها ومفكريها جبهة قومية سودانية مصرية واحدة تتعهد الشعور الوطني وتسدده إلى الخير وتقف به عن العدوان، وتنظم الدعاية الشعبية فى الداخل والخارج، فتعمل الحكومة بوسيلتها الرسمية وتعمل تلك الجبهة القومية إلى جانبها بوسائلها الشعبية، والجميع يرمون عن قوس واحد، ويهدفون إلى غرض قائم واحد معروف مقدس عزيز.

ولا تستبعد هذا يا باشا ولا تظنه من الخيال، فقد رأيت وسمعت ولمست وأحسست استعداد الجميع العظيم لمثل هذا معارضين ومؤيدين، على أثر بيانك بمجلس النواب، فإذا خطوت بعد هذه الخطوة العملية فسيكون الجميع معك، لا بمجرد التصفيق والاستحسان ولكن بالقول والعمل واللسان والسنان، ولا يتخلف عنك فى ذلك، إلا من فى قلبه مرض فيخسر نفسه وجهاده وماضيه ويظل مع الخوالف.

وثق يا باشا بأنه لن يكون معك شعب وادي النيل وحده، ولكن سيكون معك سبعون مليونا من العرب، يؤازرهم ويمدهم ثلاثمائة مليون من المسلمين، تخفق قلوبهم لمصر، وتتحرك مشاعرهم وعواطفهم لمشاعرها، وتسكن بسكونها وليس ذلك بقليل.

دعني أصارحك يا باشا -وأنت لا شك عليم- بأن الأمة ليست اليوم كما كانت بالأمس، فقد امتلأت أفئدتها بشعور جياش فياض قوى، وأصبح الوعي الوطني اليوم تام الاكتمال، قوى الأثر والشعور والوعي قوة أية قوة، بل هما عدة الشعوب المجاهدة وسلاح الأمم المناضلة، كما أتاح الله لهذه الأمة من رجالها وهيئاتها من جمع كلمتها الشعبية فى تشكيل منظم مرتب، وفى وحدات مؤمنة باذلة. والتجميع والتنسيق والنظام الدقيق قوة أخرى -ولا شك- قوة تسرع إلى الخير، وقوة تحول دون الشر، فالزمام أبدا معقود ولن يفلت بإذن الله.

يا دولة الباشا، 

لقد تقدمت لدولتك بمثل هذه النصيحة من قبل منذ عام مضى، وها أنا ذا أتقدم بها اليوم، وأعتقد أنى بذلك قد أبرأت ذمتي وأديت أمانتي، والوقت من ذهب، فسر على بركة الله والله معك، وأقدم ولا تتردد فتفلت الفرصة السانحة وتعود من جديد إلى التجارب القاسية، وتستبين النصح ضحى الغد، حيث لا يفيد ولا ينفع. ألا قد بلغت اللهم فاشهد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(6)

 

خطاب خطير من المرشد العام إلى رئيس الوزراء

حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحكومة المصرية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقف الحكومة بعد التحكيم

وبعد: فقد شعر الإخوان المسلمون منذ عودة دولتكم من أمريكا بعد تعليق القضية الوطنية فى مجلس الأمن بأن تلك الحماسة الباهرة وتلك الصراحة الظاهرة قد خبت جذوتها ولانت حدتها، وراقبوا مواقف الحكومة وتصرفاتها فى شئون البلاد الحيوية. فلم يجدوا أنها خطت بالأمة خطوة حازمة فى تحقيق مطالبها، أو نهجت بها نهجا واضحا فى الإصلاح الداخلي يقضى على مظاهر التحلل والفساد فى حياتها الاجتماعية، وتقدموا بالنصيحة فى كل موقف وكشفوا عن وجه الصواب فى كل تصرف. ولما لم يجدوا أثرا لذلك لم يكن بدٌّ من أن يقولوا كلمتهم، ويؤدوا أمانتهم، ويلجئوا إلى رأى المليك المعظم وسامي حكمته لإنقاذ البلاد مما وصلت إليه، والدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

تحدى الحكومة للإخوان

وقد اعتبرت الحكومة عريضة الإخوان المرفوعة إلى جلالة الملك المعظم معارضة لها، فرتبت على ذلك خطوات إيجابية -على قاعدة الحكومات المصرية التى يضيق صدرها بكلمة الحق- وأصدرت أمرها إلى رجالها بمصادرة حرية الإخوان والوقوف فى طريق نشاطهم. وكان من ذلك أن صودر حفل فرع هيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين بالمنيا بمجرد أن تبينت الإدارة أن للإخوان يدا فى إقامته، كما قبض على بعض طلاب الجامعة من الإخوان وزج بهم فى السجن وعوملوا أسوأ معاملة، فى الوقت الذي ترك فيه المعتدون المشاغبون يسرحون ويمرحون ويظهرون بمظهر المعتدى عليهم، وطارد البوليس طلاب مدرسة السنطة الصناعية بحجة التظاهر، وأطلق عليهم أكثر من مائة طلقة وأصاب منهم أكثر من عشرين طالبا لأن معظمهم طلاب الإخوان.

ولا شك أن للحكومة أن تضع الإخوان فى أى صف شاءت، ولها أن تدافع عن كيانها بالأسلوب الذي تراه، ولكن بشرط ألا يتعارض ذلك مع حقوق الآخرين المقررة بالقانون وحرياتهم المكفولة بالدستور.

الإخوان وقضية فلسطين

ولما كان الظرف فى غاية الدقة والحرج، وكنا جميعا أمام قضايا هامة يتصل بها مستقبل العالم العربي والإسلامي كله ويتوقف عليها مصيره، وأهمها قضية فلسطين المقدسة، وكان نشاط الإخوان فى هذه النواحي هاما وأساسيا وعظيما؛ لأنهم الهيئة التى حملت هذا العبء منذ أكثر من خمس عشرة سنة، ونهضت به ونبهت الأذهان إليه، وجمعت القلوب والجهود من حوله، والتي هى على استعداد كامل لمواصلة هذا الجهاد حتى يتحقق النصر بإذن الله. لهذا أحببت أن أكتب إلى دولتكم حتى تتحدد الأمور والمواقف تحديدا لا لبس فيه ولا غموض، فإنى أحب أن يكون كل ما أقول وما أعمل واضحا كل الوضوح، مفهوما على حقيقته، ليتحمل كل تبعات قوله وعمله كاملة بين يدي الله والناس.

الإخوان معارضون للحكومة

فأما أن الإخوان المسلمين معارضون للحكومة فهذا حق لا شك فيه. وأقول بكل وضوح: إنهم لم يكونوا يوما من الأيام مع أية حكومة من الحكومات فى غير هذا الوضع؛ لأن دعوتهم الجامعة وأهدافهم الإصلاحية ومبادئهم الإسلامية لا تسلم أبدا بهذه الأوضاع الحزبية المفرقة، ولا تستسيغ هذا التناقض فى نظام الحكم فى بلد يقرر دستوره أن دينه الإسلام ثم تجرى فيه كل الأمور على نقيض ذلك.

قاعدة الإخوان فى المعارضة

ولكن هذه المعارضة تكون قوية واضحة أو هادئة لينة بحسب ما يترتب عليها من خير للوطن والإسلام، فإذا ظهر من إحدى الحكومات استعداد لتقبل النصح وعزم على الاتجاه إلى الخير، وكانت تصرفاتها لا تؤدى إلى كارثة من الكوارث الوطنية أو الاجتماعية، كانت معارضة الإخوان إياها هادئة لينة أخذا بأدب القرآن الكريم: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾[طه: 44]. أما إذا كانت الظروف والملابسات والأعمال والتصرفات ستؤدى إلى نكسة وطنية يضيع معها حق وطني وتكبل نهضته بالقيود والأغلال، فإن الإخوان لا يسعهم فى دينهم ولا فى وطنيتهم أن يسكتوا عن ذلك ساعة من نهار أخذا بأدب القرآن الكريم أيضا: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾[الأنفال: 58]، وهم حينئذ لا يهربون من تبعات، ولا يتنصلون من مسئوليات، ويعتبرون كل ما يصيبهم جهادا فى سبيل الله لهم أجره ومثوبته ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 121].

تلك قاعدة الإخوان المسلمين العامة التى طبقوها مع كل الحكومات على السواء، لم يلينوا يوما من الأيام لرغبة، ولم يعنفوا لرهبة، ولم يمالئوا أحدا على حقوق الوطن، ولن تستطيع حكومة من الحكومات -كائنة ما كانت- أن ترى لها عليهم يدا يغضبون لها حين تغضب، وذلك بعينه هو مسلكهم مع حكومتكم أولا وآخرا، وهو الذي حدا بهم إلى إعلان رأيهم فى هذا الظرف الدقيق.

واجب الحكومة فى احترام القانون والدستور

ولكن الإخوان -مع هذا- لم يعلنوا -بعد- أنهم خارجون على القانون، فهم سيجعلون معارضتهم فى حدودها القانونية، يكتبون فى صحفهم، ويجتمعون فى أنديتهم، وينشرون رأيهم بكل وسيلة مشروعة. وهم يريدون من الحكومة أن تسلك معهم هذا المسلك وترتفع بأساليبها عن التصرفات الصغيرة التى تتعارض مع القانون وتعتبر عدوانا عليه. فلا تمنع اجتماعا بغير حق، ولا تقبض على أحد بلا مبرر، لتكون قدوة للأمة، ولا تضطر غيرها لارتكاب هذا الخطأ فتسقط هيبة النظم وتضييع حرمة القوانين. وإذا لم تأخذ الحكومة بهذا التوجيه السليم والنصح المحض فلها أن تتعسف كما تشاء وعليها تبعة عملها، وعلى الباغي تدور الدوائر.

الإخوان والخدمة الاجتماعية

وللإخوان نواحي نشاط أخرى غير نشاطهم الوطني الذي تعتبره الحكومة معارضة لها؛ ذلك هو نشاطهم فى أعمال الخير والبر والخدمة الاجتماعية والثقافة العامة، وهو محمى بالقانون 49 لسنة 1945، ومن هذا النشاط هذه الاجتماعات التى يعقدها الإخوان احتفالا بالمناسبات الإسلامية كمناسبة المولد النبوي الكريم. وأنا أعد الحكومة وعدا صادقا أن هذا النشاط لم يستخدم فى غير ما خصص به ولن يكون وسيلة إلى دعاية سياسية، وأنا رجل أستطيع -بحمد الله- أن أضع كل شىء فى موضعه، فما هو للبر لن يكون لغيره، وما هو للوطنية فسيظل للوطنية.

لا خلط بين فلسطين والحزبية

والإخوان يجاهدون وحدهم تارة، ومع المجاهدين تارة أخرى فى سبيل فلسطين عربية، وقد أعلنت الحكومة اهتماما بهذه القضية وتشجيعها للعاملين فى سبيلها، والإخوان المسلمون حين يعملون لفلسطين يعملون لها مخلصين، ولا يسمحون لأنفسهم بأن تعلق بهذا الجهاد شبهات السياسة المحلية، وهم على استعداد لشكر الحكومة المصرية فى هذا المعنى إذا قامت بواجبها، ولتنبيهها إذا قصرت، ولنقدها أشد النقد إذا أصرت على التقصير.

وضوح وإعذار يا صاحب الدولة: 

نحن معارضون لحكومتكم أشد المعارضة فى موقفها السلبي الراكد من القضية الوطنية وفى حيرتها وإهمالها لوسائل الإصلاح الداخلي السليمة، ولكننا لن نتستر وراء الخدمات الاجتماعية، ولن نتخذ من عملنا للقضايا الإسلامية سبيلا إلى مناهضتها بغير حق، ونريد أن تعاملنا الحكومة على هذا الأساس، وأن تفرق بين ما ترى معارضته وما يجب عليها تشجيعه من الأعمال [    ] فهل أنتم فاعلون!! أرجو أن يكون ذلك.

فإن لم يكن فللحكومة ما تريد، ويفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين، وحسبي أن أكون أبنت عن خطتي وسجلت على الحكومة نتائج تصرفاتها، وسلكت بالمعارضة سبيلا خالصة بريئة أبعد ما تكون عن الإبهام والغموض. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾[يوسف: 21]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(7)

 

من صاحب الفضيلة الرئيس العام للإخوان المسلمين

إلى صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا

رئيس الوفد المصري

بمناسبة قراري الوفد الخاصين بمساعدة فلسطين

ودعوة ممثلي الشعوب الشرقية للاشتراك فى المؤتمر الوفد

حضرة صاحب المقام الرفيع [مصطفى النحاس باشا]:

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأحييكم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[شكر مقبول...! ونصح مرفوض!]

وبعد: فأبدأ هذا الخطاب بشكر أعضاء الوفد المصري الموقر فى شخص رفعتكم على قراريهم الحكيمين الخاصين بمساعدة إخواننا الأبطال المجاهدين عرب فلسطين، وبدعوة ممثلي الشعوب الشرقية المظلومة إلى المؤتمر الوفد المزمع عقده فى عيد الفطر القادم إن شاء الله. هذا عمل حميد حقا واتجاه مشكور يا باشا.

[ضمير لم يستيقظ]

وبهذه المناسبة أتقدم إلى رفعتكم بهذه الكلمات راجيا أن تتفضل بإنعام النظر فيها والحكم عليها بدافع من وحي ضميرك وحده، بعيدا عن كل المؤثرات، وعن تزيين أو تزييف أهل الأهواء والأغراض مهما كانت صلتهم بكم، فإن العاطفة التى أوحت بها والروح الذي سكبها على صفحات هذا الخطاب لأطهر وأبقى من أن يبتغى بها غير وجه الله وحده وخير هذا البلد. وفى الوقت نفسه لا يضمر لكم ولا لأحد من العاملين لقضية هذه الأوطان إلا التمنيات الطيبة والخير العميم، وليس بينه وبينكم خصومة تجور به عن الحق أو تعدل برأيه عن جادة الصواب والإنصاف. وسأكون صريحا واضحا فى كل ما أكتب، ولئن كان فى الصراحة قسوة وشدة ففيها مع ذلك راحة وشفاء وبيان واهتداء. فمعذرة إذا ورد فى كلامي بعض الحقائق المؤلمة، فإن الحق المر خير من الباطل الناعم الملمس فيكشف بعد حين عن سم زعاف.

[موقف النحاس باشا من الإسلام]

يا باشا: يوم اعتقد الناس أن مصطفى النحاس باشا والوفد المصري وحكومة الوفد تقف من الإسلام موقف المنصرف عن نصرته، المتبرم بمظاهره، العامل على إضعاف تأثيره رغم ما يعلمون عن ماضيكم المشرق الصفحات منذ كنت طالبا فى مدرسة الحقوق فوكيلا للنيابة فقاضيا نزيها فعاملا مجدا للنهضة المصرية فى فجرها بنادي طلبة المدارس العليا، وإلى جانب مصطفى كامل ومحمد فريد وأضرابهما، ورغم مواكبتكم على أداء الصلوات فى المساجد.

[اعتقاد لن يتزعزع]

يوم اعتقد الناس هذا -ولا يزال كثير منهم يعتقدونه وأنا واحد منهم- لم تكن هذه العقيدة وليدة خلاف حزبي ولا حزازة شخصية، ولم يكن يعوزهم الدليل على صحة عقيدتهم هذه، بل كانت الأدلة المنطقية والمادية قائمة بين أيديهم متوافرة لديهم، ملء السمع والبصر والفؤاد وإليكم بعضها:

[عنصرا الأمة] 

أولا: نادى الوفد بالفكرة القومية والوحدة الوطنية بين عناصر الأمة الواحدة حتى تقوى الكتيبة ويتوحد الصف أمام الغاصبين والمستعمرين. وهذا موقف طبيعي وعمل جليل وأساس صالح للمطالبة بالحرية فى بلد مغصوب، وقد عمل لذلك الزعماء الوطنيون من قبل ونادوا بطرح الخلافات المذهبية أمام مطالب الوطن ومستلزمات الجهاد فى سبيل خلاصه، والإسلام الحنيف السمح يقر هذا ولا يعارضه ويدعو إليه ويأمر به، بل يتجاوز مجرد الوحدة إلى حسن المعاملة والبر بالمخالفين فى العقيدة فيقول تبارك وتعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة:8]

[تهاون مستمر] 

ولكن الموقف الغريب المؤلم هو أن أعضاء الوفد وأنصاره فهموا هذه الوحدة فهما خاطئا، وظنوا أنها لا تتحقق إلا بأن يتهاونوا فى واجباتهم الدينية، وأن يهملوا العمل على إحياء شرائع الإسلام ومظاهر الإسلام، وأن يحذفوا من برامجهم خدمة الإسلام حتى لا يكون فى هذا إيلام لغير المسلمين من المواطنين، ودام هذا الشعور بأنفسهم ودأبوا على تغذيته والاقتناع به، حتى فترت تماما حرارة حماستهم للإسلام، وبردت غيرتهم عليه برودة لم تجعلهم يفكرون فى مصلحته وذلك حكم إن شمل المجموع فلن يشمل الجميع طبعا. ولكن هذا هو الذي شاهده الناس ولمسوه، ومن هنا رأينا أن كل صوت يرتفع مطالبا بحق إسلامي فى ناحية من النواحي -أيا كانت- يقابل بجواب واحد: هو أن ذلك لا يتفق مع الوحدة الوطنية ولا نريد أن نمس شعور إخواننا المواطنين من غير المسلمين، حتى خيل إلى جمهرة المسلمين اليقظين لمجريات الأمور والحوادث أنه لن يتحقق مطلب فيه خير للإسلام وأبناء الإسلام ما دام هذا السلاح مشهورا فى وجه كل من يريد الإصلاح.

ومن هنا كذلك رأينا كثيرا من رجال الوفد فى الحكم وخارجه يهتمون لمصالح غير المسلمين مادية وأدبية أفرادا وجماعات وهيئات، أكثر مما يهتمون لمصلح المسلمين بحجة دفع تهمة التعصب الديني.

[انصراف عن الدين]

ومن هنا كذلك رأينا أن الاجتماعات الفدية والتشكيلات والفدية بعيدة كل البعد عن الاهتمام بالشعائر الدينية والمظاهر الإسلامية، فليس ما يمنع عندها من أن تكون الاجتماعات فى أوقات الصلوات، وليس ما يمنع من أن تفعل بعض ما يخالف تعاليم الدين فى سبيل المجاملات، وليس ما يدعو إلى تشجيع روح التمسك بالإسلام والعناية به بين اللجان والتشكيلات. ومن هنا كذلك رأينا كثيرا من كبار رجال الوفد يوعزون إلى كثير من أنصاره ورجاله الذين يشتركون فى الحركات الإسلامية أو يعملون مع بعض الجماعات الإسلامية أو يشتغلون فى الأغراض الإسلامية فى المدن والقرى، بالبعد عن هذه الجماعات والانصراف عن تأييدها أو النهوض بها أو الأخذ بيدها، كل ذلك وقع يا باشا، والأمثلة عليه كثيرة لا داعي لذكرها، وسببه ومصدره شىء واحد، هو توهم أن مناصرة الفكرة الإسلامية يتنافى مع أساسي الوحدة الوطنية والفكرة القومية، وهو وهم خاطئ وظن بعيد عن الصواب.

[خطة فاشلة] 

ومواطنونا الأفاضل من غير المسلمين لا يريدون هذا ولا يهتمون له وكل الذي يعنيهم أن يتمتعوا بحقوقهم وحريتهم كاملة، وذلك مالا يعارض فيه أحد أو يأبها عليهم عاقل ولا يتبرم به منصف غيور. وأؤكد لكم أن هذا الموقف أضر بالمسلمين وغير المسلمين، فأما ضرره بالمسلمين، فهو أنه ضيع عليهم وقتا كبيرا لم يتحقق لهم فيه أمل إصلاحي. وأما ضرره بغير المسلمين، فهو أنه أحفظ عليهم القلوب وأثار ضدهم ثائرة النفوس وكاد يؤدى إلى عكس المطلوب من الوحدة ويدعو إلى الانقسام والفرقة.

[الوفد يشجع اللادينية]

ثانيا- جاء تصريح رفعتكم فى يونيو سنة 1935 لمكاتب شركة الأنباء الأناضولية وفيه تقولون بالنص:

"أنا معجب بلا تحفظ بكمال أتاتورك ليس فقط بناحيته العسكرية، ولكن لعبقريته الخالصة وفهمه لمعنى الدولة الحديثة التى تستطيع وحدها فى الأحوال العالمية الحاضرة أن تعيش وأن تنمو".

جاء هذا التصريح قنبلة مدوية وإن لم يشعر بها إلا القليل من أهل اليقظة وصدمة عنيفة لآمال وقلوب رجال الإصلاح الإسلامي والغيورين على الدين فى مصر خاصة وفى العالم الإسلامي عامة، وكتبت لدولتكم -إذ ذاك- راجيا أن تلحقوا هذا الكلام بما يبين للناس أنكم لا تقصدون به إلا ناحية وطنية صرفه أو إصلاحات فى بعض النواحي المادية البحتة، أو نحو هذا من وجوه التأويل والتخريج فلم أظفر بجواب.

هذا التصريح ليس تصريحا أجوف، وليس تصريحا يصدر هكذا عن مجاملة أو عن غير روية سابقة وفكرة مستقرة تريد أن تبرز إلى حيز الوجود فى الوقت المناسب حين تتهيأ لهذا الظروف، وإن سبق اللسان فأظهر مكنون الضمير، فأنتم تسجلون فى هذا التصريح أن هناك شيئا اسمه الدولة 1لحديثة وهي التى فهمها كمال أتاتورك وشكل على غرارها تركيا، وتسجلون فى هذا التصريح كذلك أن هذه الدولة هى التى تستطيع وحدها فى الأحوال العالمية أن تعيش وتنمو. ومعلوم أن أتاتورك فى دولته الحديثة قد تجرد من كل المظاهر الإسلامية، فكأنكم فى هذا تعلنون فى صراحة أن مصر لا تستطيع أن تعيش وأن تنمو فى الأحوال العالمية الحاضرة إلا إن تجردت من كل المظاهر الإسلامية كما فعلت تركيا، وكأن هذا هو عنوان منهاجكم ومحور الإصلاح الذي تريدونه لهذا الوطن بعد الانتهاء من قضاياه الخارجية، ولست رجلا من آحاد الناس، بل أنتم زعيم يؤول إليه الحكم وتلقى إليه مقاليد الأمة.

[تشبه مع الفارق]

واسمح لى يا رفعة الباشا أن أنبه هنا إلى نقطة قد تكون خافية، وهى أن كمال أتاتورك جاهد بالسيف فى سبيل تحرير بلاده، وطرد منها الأجانب، وبث فيها روح العزة والكرامة، ووفر لها بعض الراحة فى الاقتصاد والماديات، وهذا جميل لا غبار عليه، وقد وصل إليه أتاتورك وهو مسلم يحمل المسبحة، ويتلو القرآن فى المصحف، ويسجد لله على رمال الصحراء بين أعراب الأناضول ومسلميه، حتى إذا مكن الله له فى الأرض نسى ما كان يدعو إليه من قبل، وقد كان يتيسر له كل ما أراد من إصلاح -بل وأضعافه معه- لو كان متمسكا بدينه وإسلامه، فلم يكن الإسلام حائلا يوما ما دون الوصول إلى المجد، ومن ظلم الحقيقة أن ينسب إصلاح مصطفى كمال لتركيا إلى الجحود والفجور والإلحاد والرقص والقبعة وغير ذلك من المظاهر الفارغة الخادعة التى لا تقدم ولا تؤخر.

هذا التصريح دليل مادي بين يدي الذين يرون أن الوفد يعمل على سياسة إن لم تكن تناوئ الإسلام، فهي على الأقل لا تستمد منه ولا تعنى بشأنه، ويسرها أن تتخلص من تبعاته.

ألقيت مقاليد الأمة إلى الوفد منذ بدء النهضة الأخيرة، وقاد الرأي العام فيها، وتعاقبت حكوماته على كراسي الوزارة مرات، فماذا فعل للإصلاح الإسلامي وماذا حقق من آمال المسلمين؟ لا شىء.. بل بالعكس فإن كثيرا من مشروعات الحكومة يراد بها تقلص النواحي الإسلامية كمشروع إصلاح المجالس الحسبية مثلا.

وهذا الإهمال التام والتناسى المطلق لمطالب المصلحين الإسلاميين مع التصريح بعكس ما يريدون والعمل عليه ودليل آخر على ما يرى الناس ويظنون.

قد يقال: إن الوفد كان طول هذه المدة مشغولا بالقضية السياسية الكبرى -قضية الاستقلال- وهو كذلك، ولكن مهما كانت المشكلة كبيرة فإنها لن تنسى القائمين بالأمر علاج هذه الموبقات التى تصطدم مع أبسط المبادئ الإسلامية، ولا يستدعى القضاء عليها وقتا ولا مالا ولا يحتاج إلا إلى تأشيرة من وزير.

وقد تقدمت إليكم بخطاب إصلاحي شامل وزع على الوزراء جميعا وعلى أعضاء البرلمان جميعا فكان مصيره مصير سوابقه من الخطابات والمذكرات.

وقد يقال: إن هذا هو شأن الهيئات السياسية جميعا فى مصر، فلماذا يلام الوفد وحده ويكون هذا شأنه عندكم؟ وهو كذلك، فلتكن كل الهيئات على هذا الغرار، ولكن واحدة منها لم تنل يوما ما منذ فجر النهضة من السلطان والنفوذ ما نال الوفد، ولم يكن زمام الرأي المصري التام فى يدها كما كان فى يد الوفد، فهو وحده الذي تقع عليه التبعة ويتوجه إليه اللوم.

يا رفعة الباشا: تناولت فى هذا الخطاب ناحية واحدة هى موقف الوفد من الإسلام وأعرضت عن الناحية السياسية، إذ كان أهم ما يعنيني سلامة البناء الداخلي، وإذ كنا قد انتهينا فى قضية الاستقلال إلى حد ما وصار علينا الآن أن نفكر فى ترتيب البيت كما يقولون، والآن وقد انتهينا فى قضية الاستقلال إلى الحد المعلوم.

وقد رأيتم أن موقف الوفد من الإسلام قد أضر به، وأن أمضى سلاح استخدمه خصومكم ضدكم هو الدين، فحولوا بذلك وجهة الرأي العام عنكم. وإن الشعب المصري تربة غير صالحة بوجه من الوجوه للانقلابات الملحدة الفاجرة، فهو شعب مؤمن بفطرته متدين بما ورث من آبائه وأجداده، معتز بمجده الإسلامي وزعامته لأمم الإسلام. والآن وقد فكرتم فى الاتجاه إلى الناحية الإسلامية العربية فأصدرتم قراركم بخصوص فلسطين الباسلة وبخصوص دعوة ممثلي الأمم الشرقية.

الآن والأمر كذلك، هل لنا أن نأخذ من هذا أن الوفد جاد فى تعديل موقفه الماضي من الإسلام؟ أم لا زالت هذه المظاهرات مناورات سياسية اقتضتها الظروف والحوادث يراد بها الانتصار السياسي على خصوم الوفد والعودة إلى قيادة الرأي العام ثم إلى الحكم، حتى إذا تم ذلك عاد سيرته الأولى من الإغضاء والتجاهل والإهمال لكل إصلاح يمت بصلة إلى الإسلام!

ثق يا باشا بأنه إذا كانت هذه هى الغاية فإن الله لا يؤيد إلا من أخلص له وصدق توجهه إليه، ولن ينال الوفد شيئا مما يفكر فيه أو يتطلع إليه، فإن الله أشد غيرة على دينه من أن يكون سلما للمطامع ومطية للأهواء والشهوات، وإن كانت الأولى فندع الماضي جانبا ولننسه بخيره وشره ولنضع منهاج المستقبل فذلك هو الذي يعنى الأمة ويؤدى إلى النجاح، وليكن هذا المنهاج مرتكزا على قواعد الإسلام، مستمدا من تعاليمه السامية وأصوله النبيلة الدقيقة. ولذلك -إن صح العزم عليه- علامات ودلائل نطالبكم بها ونحاسبكم عليها فلا قيمة لدعوى بغير دليل وبرهان. ومن هذه الدلائل:

أولا: أن يكون أعضاء الوفد والهيئة الوفدية -وعلى رأسهم رفعتكم- نماذج صالحة للاستمساك بالإسلام فى أنفسهم وبيوتهم وكل مظاهر حياتهم، فيؤدون الفرائض، ويؤمون المساجد، ويمتنعون عن غشيان الأندية الفاجرة والذهاب إلى الصالات الخليعة ويصدرون عن هذه المسالك فى تصرفاتهم العامة والخاصة، وتزدان اجتماعات الوفد ومؤتمرات الوفد بملاحظة الأوقات وأداء الصلوات، وينبه على ذلك تنبيها جادا فى كل اللجان الوفدية صغيرة أو كبيرة، ويراقب أعضاؤها فى هذا ويؤخذون به على أن القدوة الحسنة من جانبكم وجانب أعضاء الوفد البارزين فيها الكفاية فى التأثير وحمل الأنصار على انتهاج هذه الخطة القويمة والتمسك بآداب الإسلام وشعائره ومظاهره.

ثانيا- أن يعلن الوفد منهاجه الإصلاحي مستمدا من قواعد إسلامية متضمنا لما يأتى:

1- العناية بإصلاح التشريع وتوحيد المحكمة المصرية فى ظل الشريعة الإسلامية.

2- العناية بإصلاح التعليم وتوحيد المدرسة المصرية فى ظل الشريعة الإسلامية كذلك.

3- العناية بتجنيد القادرين فى الأمة جميعا تجنيدا تطوعيا لا يكلف الحكومة شيئا باسم الواجب الديني المفروض على كل مسلم، واجب الجهاد المقدس الذي يدوي به النفير العام فى قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾[التوبة:41].

4- محاربة الموبقات التى يحرمها الله والتي أفسدت أخلاقنا وهددت مجتمعنا والقضاء عليها قضاء تاما؛ كالبغاء والقمار والخمور والتهتك والمراقص والصالات والأندية الداعرة.. إلخ، وأخذ كل خارج عن أدب الإسلام بالعقوبة الرادعة.

5- العناية بمشروعات الإصلاح الاقتصادي والاستعانة فى تحقيق ذلك بتنظيم الزكاة جباية ومصرفا.

6- مقاومة روح التقليد الأوروبي وتعويد الشعب الاعتزاز بكرامته وقوميته.

7- العناية بإصلاح الإدارة والأسرة والقرية وتطهير ذلك كله من كل ما يتنافى مع أدب الإسلام وتعاليمه.

8- العناية بالسياسة الخارجية التى تربط مصر بغيرها من الأمم الإسلامية والعربية تمهيدا لعودة الخلافة وتوكيدا للوحدة التى فرضها الإسلام.

9- دعوة خصوم الوفد السياسيين إلى انتهاج هذا النهج وبذلك يقضى على الحزبية السياسية.

هذه نماذج مما يجب أن يعلنه الوفد فى منهاجه الجديد على الأمة، لم نقصد بإيرادها الاستقراء التام ولا الاستقصاء الكامل، ولكن نسوقها كأمثلة مما يجب أن يكون.

إذا وافقتم على هذه الخطة -يا رفعة الرئيس- فتقدموا بها إلى هيئة الوفد الموقرة، واطلبوا إليها إقرارها وإعلانها وإذاعتها على لجانها وهيئاتها وأنصارها، وحينئذ ثقوا بأنكم سترون من الشعب المصري الكريم -وعلى رأسه جلالة الملك الصالح أيده الله- نجاحا تاما وتأييدا كاملا وموافقة شاملة، وحينئذ تتوحد القوة وتتجه الأمة إلى الخير مجتمعة ويكتب الله لكم أجر العاملين المخلصين.

هذه كلمة ليس مصدرها حب الشهوة ولا التشهير وإنما هى النصيحة الخالصة يتقدم بها إليكم قلب يضن بخطواته أن تكون لغير الله والإسلام فانظروا ماذا ترون؟

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ*الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾[الحج:40-41]، والسلام عليكم ورحمة الله.(8)

 

نصيحة ... وإعذار

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا -رئيس الوفد المصري.

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين.

وأحييكم فسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته:

وبعد فللمرة الثانية أو الثالثة يعلن الوفد خصومته للإخوان المسلمين، ودعوة الإخوان المسلمين، ويحاربهم بأسلحة غريبة عجيبة، وأساليب لا تتفق مع خلق أو دين أو مصلحة أو سياسة أو وطنية.

الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها:

فتفترى عليهم صحفه وجرائده الاتهامات والأكاذيب، وتعلن عن استقالات من شعبهم كاذبة أو لأشخاص وهميين لا وجود لهم، وتنتهز كل فرصة لتخلق من الحبة قبة، وتنفخ فى بوق الخلاف والفتنة، تريد أن تغرى بذلك كرام أبناء الأمة بعضهم ببعض ولا مصلحة فى هذا لأحد -والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها- وتفيض أنهارها وصحائفها بألفاظ جافية نابية تشمئز لها كل نفس مهذبة، وينفر منها كل ذوق سليم وطبع مستقيم ويستنكرها الإسلام الذى يقول كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات: 11] كما يعاقب عليها القانون الذى حرم القذف وقام على صيانة الأعراض، ولقد كان مما أدب به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته أن قال: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله".

افتراء:

كما كان من هذه الأسلحة التشهير بسمعة الإخوان فى كل مكان، وإلقاء إشاعات كاذبة إلى اللجان الوفدية تقنع بها أعضاءها بالباطل، فيقال لهم: إن الإخوان أخذوا من حكومة صدقي كذا ألفا من الجنيهات، وأخذوا من حكومة النقراشي ألوفًا أخرى، وطلبوا من الوفد مبالغ طائلة ليجاهدوا معه فى سبيل الوطن، والوفد وأعضاؤه وحكومته أول من يعرف ويؤمن بنزاهة الإخوان، وعفة رجالهم وطهارة أيديهم، وبعدهم عن كل هذه المغريات الفارغة التى تذل لها أعناق الرجال.

الإسلام نظام وإمام:

ويقال لهم: إن الإخوان قد انحرفوا عن الدين إلى السياسة، ورفعتكم أعرف الناس بأن الإسلام نظام وإمام، وقد جعل السياسة أعلا أجزاء الدين، وأن أمر المسلمين لن يستقيم إلا على هذا الوضع، وأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها وأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده كانوا أئمة الدين وحكام الدنيا، وأن كل مسلم صادق الإسلام مفروض عليه أن يعمل لقضية الوطن وللجهاد فى سبيل حريته واستقلاله كفريضة الصلاة والصوم سواء بسواء؛ بل إن ذروة سنام الإسلام هذا الجهاد، والإخوان المسلمون من أول يوم ينادون بهذه المعاني، ويعملون لها، ويسيرون على أساسها ورسائلهم ومجلتهم الأولى، وآثار جهادهم الماضي فى سبيل قضية الوطن الخاصة، والأوطان العربية والإسلامية بصفة عامة أعدل شاهد على ذلك.

قوميون لا حزبيون:

ويلقى فى روعهم أن الإخوان أصبحوا حزبًا يسير على نمط هذه الأحزاب، وينافسها ويضع مناهجه العملية من لا صلة له بالإخوان مع أن الإخوان قد أعلنوا رسميًّا فى جمعيتهم العمومية، وفى كل مناسبة أنهم ليسوا حزبًا من الأحزاب؛ لأنهم يرتفعون بدعوتهم عن دعواتها المحدودة وأحيازها الضيقة، ويوجهونها إلى الجميع إسلامية صافية إنسانية عالية كما جاء بها محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وأنهم حين يجاهدون فى سبيل الوطن يعملون قوميين لا حزبيين بدافع شعورهم بالواجب الذي لا محيص عنه ولا مناص منه.

كل ذلك وأمثاله يلقى إلى هؤلاء البرآء فيؤمنون به ويذيعونه فى الناس إن من أكبر الكبائر أن تحدث أخاك حديثًا هو لك فيه مصدق، وأنت عليه كاذب ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾[النور: 15].

عبث صبياني:

ويؤمر بعض الشباب الوفدى بمعاكسة الناس فى الترام أو السيارات العامة أو الشوارع أو المعابد، فإذا اعترضهم صاحوا فى وجهه بهتاف الإخوان، وقابلوه بالشتائم والعدوان فيسخط على هذه الجماعة المعتدية ويرميها بكل زور وبهتان.

وقد يتعمد بعض هذا الشباب الوفدى تضليل الإخوان بالاتصال بشعبهم أو جريدتهم تليفونيًّا بنقل أخبار كاذبة وتبليغ أحاديث مختلقة ما أنزل الله بها من سلطان.

وكل ذلك يهون لأنه عبث صبياني لا يلبث أن ينتهى أمره ويزول أثره، ولكن ثالثة الأثافي أن يحرض الطلاب الوفديون فى المدارس الثانوية ويحرض بعض المنتسبين إلى لجان الوفد أو المأجورين فيها على التحرش بالإخوان واستثارتهم بالقارص من القول, والمستهجن من العبارات، ثم بمحاولة الاعتداء باليد بعد اللسان، والإخلال بالنظام فى حفلات الإخوان، وإثارة الشغب فى الاجتماعات والدروس والمحاضرات كما حدث قديمًا فى بعض البلدان، وحديثًا فى المدرسة الخديوية ومدرسة بنبا قادن الثانوية، وفى حفل الإخوان فى مولد السيدة سكينة، وحفلهم بافتتاح شعبة سوق السلاح، وهذا شىء محزن للغاية، فإنى لا أكاد أتصور طلابًا فى معهد واحد تشرق نفوسهم براءة وطهرًا، وتفيض قلوبهم إخلاصًا وبرًّا، وتجمعهم الأخوة، وتوحد بينهم زمالة الدراسة تفسد نفوسهم الحزبية، وتلوث ضمائرهم الطاهرة الأغراض الشخصية، فيعتدى بعضهم على بعض، وتكون مشاجرة تسيل فيها الدماء، ويؤخذ بجريرتها الأبرياء، وأين هذا مما نصبوا إليه، وننادى به من أننا فى عصر الديمقراطية وحرية الآراء وأين هذا مما أوصى به الدين الحنيف من محبة ومودة وإخاء، وإذا كان هذا مظهر الوطنية ودعامة الحزبية فعليهما وعلى الدنيا العفاء.

أخوة.. وترفع:

ويعلم الله، وكثير ممن سمعوا أننى قلت وأقول دائمًا للطلاب من الإخوان: إن أول واجباتكم أن تطرحوا هذه الألوان فى خارج المعاهد والمدارس، وأن تذكروا فيها شيئًا واحدًا هو أنكم أخوة زملاء جمعكم طلب العلم فى أفضل أيام العمر على أنبل المقاصد وأكرم الغايات، فكونوا إخوانًا لكل إخوانكم، واقبروا كل فتنة فى مهدها تقدموا بذلك لأنفسكم وأوطانكم أجل الخدمات، كما أننى أوصى الإخوان فى كل الشعب بألا يكون الخلاف فى الرأي سببًا فى خصومتهم لأحد أو كراهيتهم لإنسان، فضلاً عن الاعتداء بقول أو عمل، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وبغير هذا لا يكون إلا الفساد فى الأرض وتقطيع الأرحام، ودوام الخصام الذى لا يستقيم معه أمر دنيا أو دين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصوم, (وفى رواية: والصدقة)؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هى الحالقة. لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".

وهذه جريدة الإخوان تسير على هذا النهج وتتابع هذه الخطة، فلا تنزل إلى درك المهاترات ولا تؤرث نيران الأحقاد والحزازات.

إيحاء من القيادة...!!

هذه نماذج من الأساليب التى يحارب بها الوفد الإخوان ودعوتهم ذكرتها على سبيل المثال لا الحصر، ولقد كنت أظن أن هذا من الأعمال الفردية أو الشخصية، وأربأ بقيادة الوفد أن يكون لها توجيه فى اتخاذ مثل هذه الوسائل التى لا يقدم عليها من يشعر شعورًا صادقًا بتبعته كقائد مسئول عن أخلاق هذا الشعب، وحسن توجيهه ودوام إخوته ووحدة أبنائه وجماعاته، لولا أننى علمت من مصادر صادقة أنها خطة مرسومة يوحى بها الكبار إلى الصغار وهذا ما دعاني إلى أن أبعث إليكم بهذا الخطاب.

لحساب من...؟ 

يا رفعة الباشا...

أؤكد لكم أن الإخوان المسلمين -ورفعتكم وكثير من حضرات أعضاء الوفد يعلمون ذلك- هم الصفوة من أبناء هذه الأمة الذين يعملون جاهدين فانين فى سبيل الوطن والدين ابتغاء مرضات الله تبارك وتعالى، لا لرغبة ولا لرهبة، وقد تركت دعوتهم فى وادى النيل وفى غيره من بلاد العروبة والإسلام أنفع المنشآت وأجمل الآثار، وليس هنا موضع الإفاضة فى ذلك، وتناوله بالإفصاح والبيان، وقد سبق الإخوان -بفضل الله- سبقًا بعيدًا، وأتعبوا من خاصمهم إتعابًا شديدًا، ودون تحطيم جماعتهم التى تدعمها الأخوة، والقضاء على فكرتهم التى يمدها الإيمان خرط القتاد، ولا مصلحة فى هذا لأحد فيما أظن إلا لأعداء هذا الوطن والمتربصين الدوائر بالإسلام وأبناء الإسلام، ففيم هذه الخصومة ولحساب من هذا العداء...

تخلف عن الركب:

لقد فكرت طويلاً فى الدافع إلى هذه الخصومة بين الوفد والإخوان فلم أهتد إلا إلى أحد سببين، أو هما معًا: فإما أن رجال الوفد لا زالوا يفكرون بعقلية عام 1920 فيقولون: إن الأمة هى الوفد، والوفد هو الأمة، وأن الشعب قد منحه توكيلاً لا نقض فيه ولا إبرام، ويسقطون من حسابهم ربع قرن فى حياة هذا الوطن، تبدلت فيه الأرض غير الأرض، وتغيرت النفوس والعقول والأوضاع، وأعلن الدستور، ونشأت الأحزاب، وقامت المجالس النيابية، وانتقل إلى الدار الآخرة أكثر الوكلاء والموكلين على السواء، وظهرت أفكار ودعوات، وشب عن الطوق هيئات وجماعات، وهذا التفكير تخلف عن ركب الحياة، ومغالبة لسنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وعلى هذا الأساس يحارب الوفد الإخوان، كما حارب الشبان بالأمس، وكما حارب جمعية القرش من قبل، وكما حارب كثيرًا من الجماعات والهيئات، ولكن النتيجة اليوم لن تكون كما كانت حين ذاك والعاقبة للمتقين.

المبادئ الهدامة:

هذا سبب والسبب الثاني -ودعني يا رفعة الباشا أتحدث إليك عنه بكل صراحة، فالدين النصيحة- أن الوفد فى أيامه الأخيرة قد تخللت صفوفه طوائف وأفواج من ذوى الآراء الخطرة والمبادئ الهدامة الذين لا يدينون بغير الشيوعية مذهبًا ولا يؤمنون بغير موسكو قيادة وتوجيهًا، وقد رأوا فى الوفد -الذى يعوزه الدم الجديد، والمنهاج الجديد- خير ستار يعملون خلفه ويمثلون ما يريدون من مهازل على مسرحه، فيلعبون على الحبلين، ويبتزون المال من الجهتين، ويتمرغون فى أحط الشهوات باسم الأحزاب والدعوات، ونظرة دقيقة واحدة من رفعتك إلى حضرات المحررين فى صوت الأمة وفى رابطة الشباب أو الطليعة الوفدية وفى هيئة تحرير الحوادث والجماهير، وفى ممثلي الطلاب الوفديين فى المدارس والمعاهد تكشف لك عن أن هؤلاء جميعًا ليس فيهم من الوفدية إلا اسمها الذى يتبرمون به فى مجالسهم الخاصة، ويسخرون منه حين يخلوا بعضهم ببعض فى أنديتهم الثانية، وذلك خطر داهم يتهدد كيان الوفد فى الصميم أولاً، ويهدد المجتمع المصري كله بعد ذلك، فحلفاء اليوم هم ألد أعداء الغد القريب، دعاة الشيوعية الآن هم أصبع المستعمر الجديد الغريب، وإني لأستكثر أن تسمح وطنية رجال الوفد بأن يكونوا حماة هذا الشر المستطير، والوسطاء الأقربين فى ظل هذه الجرائم المهلكة إلى عقول شباب هذه الأمة الأبرياء، وتسميم نفوسهم بهذه الأدواء حتى لقد تعالى الهتاف فى بعض المدارس "الشيوعية فوق الإسلام" وعبارات أخرى لا محل لذكرها فى هذا الخطاب.

طهروا صفوف الوفد...!!

وهذا الصنف من الأغرار المفتونين بالإلحادية المحطمة، والإباحية المدمرة والأجر الحرام أشد الناس عداوة للإسلام؛ لأنه دين، والأديان فى عرف الشيوعية مخدر الأمم والشعوب، وهم كذلك أشد الناس عداوة للإخوان المسلمين مع أن الإخوان إلى الآن لم يحتكوا بهم، ولم يعلنوا خصومتهم، ولم يكشفوا للناس عن أباطيلهم حتى لا يكون فى ذلك نشر لدعوتهم وإعلان عن فتنتهم وإن لهم من الإخوان ليومًا قريبًا إن لم يفيئوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيهم فلعل هؤلاء هم الذين يمشون بالنميمة بين الوفد والإخوان، ويلقون الوفد فى نار الخصومة والخلاف، مع أنهم أشد عداوة للوفد من عداوته للإخوان، ومهما بلغت الخصومة بين الإخوان والوفد فللإخوان دين يكفهم عن المحارم، وخلق يمنعهم من العدوان أما هؤلاء فلا خلق ولا دين، فطهر منهم صفوفك -يا باشا- ولا تصغ إلى أباطيلهم، ولا يلهينك مظهر عاجل عن بلاء آجل ولعلى وأنا أقول هذا أخلص نصيحة لك من كثير ممن حولك من أخلص الوفديين.

موقف سلبي...!!

بعد هذا كله فهل ترون أن الوفد قد أدى واجبه بهذا الموقف السلبى الذى يقفه هذه الساعات العصيبة من تاريخ الوطن مع أنه كان ولا زال فى وسعه أن يعمل الكثير لو أراد، وأية فائدة تعود على الشعب من مهاجمة صدقي باشا فى سهوم جيانوتى وشغل الناس بهذا الهراء وكل صغير وكبير يعلم الكثير من أمثال هذه المؤامرات بين الخواجات والباشوات أو من مهاجمة حافظ باشا رمضان بغير الحق، وهو الرجل العف اليد واللسان أو من خصومة الإخوان المسلمين، وهم فورة الحماسة الوطنية وشعلتها والعضو النابض بالحياة فى جسم طال به التخدير، وصرفته الحوادث عن اليقظة والوعى والانتباه، وشغله توجيه الزعماء إلى المنفعة الخاصة عن التضحية والبذل فى سبيل القضية العامة.

إلى العمل الإيجابي...

إن من الخير للوفد أن ينصرف عن هذا كله إلى العمل الإيجابي إن استطاع، فيحدد خطته ووسيلته تحديدًا دقيقًا واضحًا لا غموض فيه ولا التواء، ويرسل الوفود إلى عواصم الدول الأجنبية، وإلى مقر هيئة الأمم المتحدة تناضل عن حق مصر، وتجليه لهذه الشعوب التى لا تدرى عنه شيئًا وعنده المال والرجل، ويتناول فى صحفه تاريخ القضية الوطنية، ومساوئ الاحتلال ومظاهر الضعف، ويسجل ذلك فى رسائل وكتيبات، ويجمع من شبابه من يلقى إليهم بهذه الدروس ليبلغوها للناس، ويمد يده إلى كل الهيئات الشعبية؛ ليعمل معها على خطة سواء يكون معها فيها على قدم المساواة، وينصح للحكومة وينبهها إلى واجبها فى صدق وإخلاص لا بمجرد المهاترة والانتقاص وتدرس لجانه المختصة مختلف الشئون والمشروعات، وتضعها بين يدى الجميع ملحة فى تنفيذها، محملة الحكومة تبعة التقصير فيها حتى يأتى أمر الله وهكذا تفعل أحزاب المعارضة فى كل مكان.

فإن لم يستطع الوفد أن يفعل هذا أو أن يقدم للوطن عملاً إيجابيًّا نافعًا فى محنته الحاضرة، فلا أقل من أن يكف ضرره عن العاملين، ورحم الله امرأً قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم وصدق رسول الله.

نصيحة واعتذار:

وختامًا -يا رفعة الباشا- لقد أردت بهذا الخطاب أن أتقدم إليكم بالنصيحة، وأن أعذر إلى الله وإلى الناس وأن أبرئ ذمتي من تبعة فتنة.

لم أكن من جناتها علم الله                وإني بحرها اليوم صالي

فإن أنتج الأثر المطلوب فذاك وإن كان الأخرى، فقد أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير... وسنستعدى على الباغين سهام القدر ودعاء السحر، وكل أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره...

﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ*إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[الشورى: 41-42]- والله أكبر ولله الحمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(9)

 

بين مصر وتركيا

إلى دولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا

 

عن الأهرام- يوم 15ربيع الأول

اسطنبول فى 8- نشرت جميع الصحف التصريحات التى أدلى بها النحاس باشا إلى المراسل الخاص لوكالة الأناضول التلغرافية بالقاهرة: قال النحاس باشا: "أود قبل كل شىء أن أقول: إنني من المعجبين بلا تحفظ بكمال أتاتورك الذى صاغ بعبقريته الخالقة تركيا الجديدة التى يلذ للعالم أن يسميها تركية أتاتورك، فلقد أوجد من دولة كانت بنوع ما قد امحت من خريطة العالم دولة شابة ذات حيوية فائقة غدت عاملاً يحسب حسابه فى الشئون الأوروبية، ولست أعجب فحسب بعبقريته العسكرية، بل أعجب أيضًا بعبقريته الخالقة وفهمه لمعنى الدولة الحديثة التى تستطيع وحدها فى الحالة العالمية الحاضرة أن تعيش وأن تنمو".

وقد كتب الأستاذ المرشد إلى دولة الرئيس الجليل الخطاب التالي.

حضرة صاحب الدولة مصطفى النحاس باشا زعيم الأمة ورئيس الحكومة

 أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد خير الهداة، وعلى آله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد..

فدولتكم أكبر زعيم شرقي عرف الجميع فيه سلامة الدين وصدق اليقين، وموقف الحكومة التركية الحديثة من الإسلام وأحكامه وتعاليمه وشرائعه معروف فى العالم كله لا لبس فيه، فالحكومة التركية قلبت نظام الخلافة إلى الجمهورية، وحذفت القانون الإسلامي وحكمت بالقانون السويسري مع قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 43]، وصرحت فى دستورها بأنها حكومة لا دينية، وأجازت بمقتضى هذه التعاليم أن تتزوج المسلمة غير المسلم، وأن ترث المرأة مثل الرجل، واصطدمت فى ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾[الممتحنة:10]، وقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾[النساء: 176]، وهذا قليل من كثير من موقف الحكومة التركية من الإسلام، وأما موقفها من الشرق فقد صرحت فى وقت من الأوقات بلسان وزير خارجيتها بأنها ليست دولة شرقية، وقد قطعت صلتها بالشرق حتى فى شكل حروفه وفى أزيائه وعاداته وكل ما يتعلق به.

فهذه أمور إن كانت مجال خلاف فى الماضي فهي فى الحاضر موضع تسليم من أصدق أصدقاء تركيا الحديثة، لهذا كان وقع تصريح دولتكم للمراسل الخاص لوكالة الأناضول التلغرافية بالقاهرة، وقد نشرته جريدة الأهرام بتاريخ 9/6/1936م من أنكم تعجبون بكمال أتاتورك بلا تحفظ، ومن أنكم لا تقصرون هذا الإعجاب على الناحية العسكرية فقط، بل يتجاوزها إلى عبقريته الخالقة وفهمه لمعنى الدولة الحديثة التى تستطيع وحدها فى الحالة العالمية الحاضرة أن تعيش وأن تنمو، غريبًا على الذين لم يعرفوا دولتكم إلا زعيمًا شرقيًا مسلمًا فخورًا بشرقيته متمسكًا بإسلامه قائدًا لأمة تعتبر زعيمة أمم الشرق جميعًا.

ولقد أخذ كثير ممن طالعوا هذا التصريح يتساءلون: هل يفهم من هذا أن دولة النحاس باشا وهو الزعيم المسلم الرشيد يوافق على أن يكون لأمته -بعد الانتهاء من القضية السياسية- برنامج كالبرنامج الكمالي يبدل كل الأوضاع فيها، ويفصلها عن الشرق والشرقيين، ويسقط من يدها لواء الزعامة؟ وإنا نعيذ دولة الرئيس من هذا المقصد الذي نعتقد أنه أبعد الناس عنه.

يا دولة الرئيس: مصر الحبيبة المجيدة تجتاز دورًا من أخطر الأدوار على حياتها المستقبلية، إنها تجتاز دور الانتقال، والأهواء والفتن والغايات والشهوات تتجارى بالناس كما يتجارى الكلب بصاحبه، والشكوى صارخة مريرة من اندحار الأخلاق وتدمير الفضائل.

ومثل هذا التصريح يتخذه كل ذي هوى تكأة إلى غايته، ولقد كان من أعز الأماني أن يؤيدكم الله فيؤيد بكم الدين والأخلاق وتسلكون بالأمة مسلكًا يعيد إليها ما فقدته من استقلالها السياسي وتشريعها الإسلامي وخلقها الاجتماعي.

ولهذا -يا صاحب الدولة- نتوجه إليكم بهذه الكلمة، وهي كلمة الولاء المحض والنصح الخالص والإشفاق الكبير رجاء أن تتفضلوا بإلحاق هذا التصريح بما يطمئن نفوسًا قلقة، ويقر أفئدة مضطربة، ويسد الطريق أمام الظنون والأوهام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

القاهرة فى 24 ربيع الأنور سنة 1355 = 14 يونية سنة 1936. (10)

 

من المرشد العام

إلى النحاس باشا

(بعث الإمام البنا بهذه الرسالة بعدما تعرض منزل النحاس باشا للنسف من قبل مجهولين جاء فيه):

صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا.

بجاردن سيتي

يستنكر الإخوان المسلمون هذا الاعتداء الأثيم، وما كانت الجريمة يوما سلاحا للحق، والحمد لله على لطفه الجميل.(11)

 

من فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين

إلى رفعة رئيس الوزراء

حضرة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا رئيس الحكومة المصرية:

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأصلى وأسلم على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: فقد نشرت الصحف نص الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الإنجليزية عن فلسطين، وقرأ الإخوان المسلمون ذلك الكتاب المشئوم فى ألم واستنكار وقوة.. أما الألم فلتلك النكبات المتلاحقة التى تحل بفلسطين الأبية المجاهدة، ذلك الجزء العزيز الغالي من الوطن الإسلامي العام... وأما الاستنكار فلذلك التحدي الصريح لشعور المسلمين، وتلك الإهانة القاسية لزعمائهم ورؤساء حكوماتهم. ولقد كانت للحكومة المصرية من هذه الإهانة الحظ الأوفر إذ ساهمت فى محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب... وأما الثورة فسأكون يا صاحب المقام الرفيع صريحا معكم فى بيانها إلى أبعد حدود الصراحة:

منذ قامت الثورة الإسلامية بفلسطين والإخوان المسلمون يساهمون مع جنود تلك الثورة الرائعة الكريمة بأموالهم وإن قلّت جهودكم وإن انحصرت فى نطاق ضيق. وكنا نحاول دائما أن نهدئ من ثائرتهم آملين أن تصل الحكومات العربية إلى حل لقضية الإسلام والعروبة يحقق للمسلمين آمالهم وللعرب حقوقهم. ولقد شجعنا على انتهاج سبيل التهدئة ما كنتم تصرحون به رفعتكم من أن مصلحة القطر الإسلامي الشقيق تقتضي سير المفاوضات فى جو هادئ، ولقد كنا متوقعين -برغم ذلك- طوال تلك الفترة العصيبة من أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هى لغة الثورة والقوة والدم... ولكنا تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتى لا يكون لأحد حجة علينا إن اضطرتنا الحوادث فيما بعد إلى أن نسلك السبيل الذي ترضاه ضمائرنا.

والآن وقد جاهر الإنجليز واليهود فى كل أنحاء العالم حتى يهود أميركا التى تتخذ الحياد شعارا لها فى كل مشاكل العالم- الآن وقد جاهر الإنجليز واليهود المسلمين بالعداء أصبح لزاما على كل أخ مسلم أن يؤدى واجبه بما يرضى الله ورسوله، وبما يحفظ للإسلام كرامته وللدين قداسته، ولذلك الجزء الطاهر من الوطن الإسلامي حريته.

يا صاحب المقام الرفيع:

إن الدماء التى خضبت أرض فلسطين. إن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم فى سبيل المثل الإسلامي الأعلى. إن شباب العرب الذين أرسل بهم الإنجليز إلى المشانق مئات أثر مئات. إن الشيوخ الذين أنزل بهم المستعمرون ألوانا وحشية من التعذيب الذي أعاد إلى الأذهان صور محاكم التفتيش فى أسوأ عهودها. المسجد الأقصى الذي انتهكت حرمته واعتدى الجنود الإنجليز على قداسته.. إن كرامة زعماء المسلمين وملوكهم وأمرائهم الذين تدخلوا فى هذه القضية، فلم يسمع لهم مشورة ولم يطع لهم قول، بل كرامتكم أنتم شخصيا وقد كنتم محل أمل كبير فى ذلك.. إن كل أولئك ليهيب بكل مسلم أن ابذل فى سبيل الله ما وهبك الحق تبارك وتعالى من روح ومال لتكون جديرا بالاسم الذي تحمل، وباللواء الذي ترفع، وبالزعيم الذي أنت به مؤمن، ويجعل من الواجب على الحكومة المصرية وقد لحقت بها تلك الإهانة البالغة أن تحافظ على كرامتها، وكرامتها من كرامة الشعب. وليس يكفي أن تعلن أنها لا توصى أبناء فلسطين بقبول الكتاب الأبيض، فهناك وسائل كثيرة أقلها استقالة الحكومة حتى لا تتعاون مع الإنجليز فى الوقت الذي تلعب فيه السياسة الإنجليزية ببقعة غالية من الوطن الإسلامي العزيز، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(12)

 

بمناسبة إعانة منكوبي فلسطين

مذكرة الإخوان المسلمين إلى رفعة رئيس الحكومة...

حضرة صاحب المقام الرفيع على ماهر باشا رئيس الحكومة المصرية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد قرأنا اليوم نبأ الإعانة التى قررتها الحكومة المصرية للأسر الفلسطينية فشكرنا للحكومة أن تنبهت لهذا الواجب الذي تأخر به الزمن لديها كثيرا، وقد كان من الحق على حكومة مصر- وهي التى تقدمت بالإعانات فى كثير من المناسبات إلى شعوب وجماعات لا تربطها بها أضعف الوشائج التى تربطها بعرب فلسطين- أن تكون فى مقدمة من يمد يد المساعدة للمجاهدين. وعلى كل حال فهذا العمل من الحكومة المصرية لا يقابل بغير الشكران، فجزى الله العاملين خيرا.

حبذا لو أسرعت الحكومة بإرسال المبلغ المقرر وحققت ما وعدت به من إمداد أسر الإخوان المجاهدين بالأقوات والملابس، وأضافت ذلك العطف الأدبي على أبنائها بقبولهم فى المدارس والمعاهد المصرية بالمجان، متى ثبت لها أن عائليهم قد استشهدوا فى سبيل الله والوطن الإسلامي المحبوب.

وننتهز هذه الفرصة فنلفت نظر الحكومة المصرية إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن تقرير الإعانة ليس أهم فى الحقيقة من الإشراف على توزيعها توزيعا يكفل وصولها إلى المستحقين لها من أبناء المجاهدين، وضمانا لذلك يجب أن يكون هذا التوزيع بمعرفة الهيئات العربية الصميمة؛ كاللجنة العربية العليا، أو لجنة السيدات العربيات مثلا، وأن يكون بعيدا كل البعد عن تدخل الحكومة الفلسطينية وعن أيدي الخوارج ومطايا الاستعمار، حتى لا يفوت الغرض المقصود وتتسرب الإعانة إلى يد من لا يستحقها.

وثانيهما: أن هذا المسعى الإنساني المشكور ليس هو كل شىء فى القضية العربية، فإن الفلسطينيين الأمجاد ضحوا بالأموال والأرواح فى سبيل غاية سلمية معلومة، هى أن يصلوا إلى استقلالهم وحريتهم، وأن ينقذوا وطنهم من خطر الطغيان اليهودي الصهيوني، وقد شاركهم المسلمون والعرب فى كل أقطار الدنيا هذا الشعور وأيدوهم فيه، وكان للحكومة المصرية -وكان لرفعتكم بالذات- نصيب فى هذا الجهاد المبرور.

وعلى هذا فالمسعى السياسي لحل قضية فلسطين أهم بكثير من هذا المسعى الإنساني على جلاله ورحمته، ولعل الظروف الحالية هى أنسب الظروف لإعادة النظر فى هذه القضية. وليس عليكم -يا رفعة الرئيس- إلا أن تكاشفوا الساسة البريطانيين بوضوح وجلاء بحقيقة الموقف وتطلبوا إليهم حل القضية الفلسطينية على هذه القواعد: 

1-     إيقاف الهجرة اليهودية القانونية إيقافا تاما وأخذ المهربين بأقصى الشدة حتى تظل الغالبية فى فلسطين عربية.

2-     العفو الشامل عن كل المعتقلين والمبعدين والمجاهدين، والسماح بالعودة للمهاجرين وفى مقدمتهم: سماحة زعيم فلسطين المفتي الأكبر الحاج محمد أمين الحسيني، وإن أى مهاجر لا يرضى أن يعود إلى الوطن إلا إذا أعطى هذا الحق لسماحة المفتي.

3-     إظهار عطف الحكومة الفلسطينية على أسر المجاهدين بمنحهم الإعانات والتسهيلات التى تعوض عليهم بعض ما فقدوا من أرواح وأموال، وتضمن لهم الراحة فى معيشتهم وظروف حياتهم.

4-     اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال فلسطين عربية مسلمة والتعاقد معها تعاقدا شريفا على نحو ما حدث فى مصر والعراق مثلا.

ونحن نعتقد أنكم بذلك تقدمون لبريطانيا خدمة جليلة بقدر ما تخدمون عرب فلسطين، فالفائدة للطرفين معا. ونعتقد كذلك أنكم إذا جليتم للساسة البريطانيين حقيقة شعور الشعب المصري، وهو بلا شك صورة من شعور غيره من الشعوب الإسلامية، وأقنعتموهم بأن بريطانيا حين تفعل هذا تظفر إلى أبعد حد بالتأييد القلبي والعملي من الشعوب الإسلامية والعربية كلها، وتسد الباب على الطاعنين عليها، وتقدم بذلك دليلا على أنها تقدر العدالة والإنصاف -كان ذلك سببا للعمل من جديد على إنصاف فلسطين الباسلة والاعتراف بحقوقها كاملة.

وفقكم الله للخير ويسره على يديكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(13)

 

بعد وقف المفاوضات

من الإخوان المسلمين إلى رئيس الوزراء

حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس مجلس الوزراء:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد كان لزاما على الحكومة السابقة بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها منذ عام مضى، أن تبادر فتعلن أن معاهدة سنة 1936 قد أصبحت باطلة بحكم تغير الظروف، والملابسات التى اقتضتها، واتصلت بها، وأن تطلب إلى الحكومة البريطانية الجلاء التام عن وادي النيل، وسحب جميع قواتها بغير قيد ولا شرط، وألا تنتظر مفاوضات أو مراوغات، ولكنها لم تفعل ذلك، وضاع على الأمة هذا الوقت الطويل.

وجئتم دولتكم، وشرعتم فى المفاوضة، وانتظر الناس النتائج فإذا بهم يفاجئون بهذه الأساليب الاستعمارية، والمناورات البريطانية التى يعرفون ما وراءها تمام المعرفة، وليس وراءها إلا تخدير الأعصاب واختلاف الآراء، فتوقفت المفاوضات بطلب الوفد البريطاني، وقيل فى البلاغ الرسمي: إن الأمر يتطلب بعض الوقت.

وهي ولا شك فرصة أتاحها الله لكم؛ لتبادروا بتصحيح مواقف الضعف والتردد والمجاملة الفارغة التى جربناها طويلا فلم نفد منها شيئا.

ولهذا أكتب إلى دولتكم باسم الإخوان المسلمين راجيا أن تبادروا فتعلنوا أن الحكومة المصرية لا تعتبر معاهدة سنة 1936 قائمة بعد أن أصبحت غير ذات موضوع- الأمر الذي سجله فى مجلس النواب الحالي وزير خارجية الحكومة التى ترأسونها- وتطلبوا إلى الحكومة البريطانية أن تقرر الجلاء التام بغير قيد ولا شرط عن أرض الوادي وجوه ومائة فى الوقت الذي حدده الخبراء العسكريون المصريون، وإنكم فى انتظار الجواب خلال أسبوع من تاريخ التبليغ وإلا رفعتم الأمر إلى مجلس الأمن، وكان على الأمة أن تجاهد فى سبيل حقها المهضوم.

يا صاحب الدولة:

إن الوقت من ذهب فلا تضعف ولا تتردد، والأمة على أتم استعداد لبذل كل شىء فى سبيل حريتها الكاملة واستقلالها التام ووحدتها الصحيحة، ولن تسمح للمستر تشرشل ولا للمارشال سمطس ولا لأمثالهما من غلاة المستعمرين أن يرسموا لها طريق حياتها، أو يتحكموا فى حرية أبنائها وأحفادها، وليس من سبيل إلى مفاوضة أخرى بعد أن أعلنت الأمة أنها لن تلجأ إلى هذه الوسيلة بعد هذه المرة وبعد أن كشف الإنجليز عن نياتهم، وأنهم لا يقصدون بالمفاوضة إلا كسب الوقت، وتفكيك كلمة الأمة ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

ألهمكم الله الرشد ووفقكم للخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(14)

 

إلى رئيس الوزراء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فلقد أسندت إلى دولتكم مقاليد الحكم فى فبراير سنة 1946، وكان معروفا أن المهمة الأولى للحكومة هى مفاوضة الإنجليز، واستخلاص حقوق الوطن من أيديهم على أساس المطالب الحقة التى أعلنتها الأمة وسلمت بها الحكومة (الجلاء التام ووحدة وادي النيل)

وكان المفروض ألا تستغرق هذه المفاوضة أكثر من شهر أو شهرين أو ثلاثة فى نظر أطول الصابرين صبرا، وخصوصا وحقوق الوطن واضحة لا تحتاج إلى كثير لف أو دوران، وقد درست القضية درسا وافيا من الجانبين، وضاع على الأمة عام كامل أو يزيد بتفريط الحكومة الماضية، وعدم مبادرتها إلى المطالبة بحقوق البلاد منذ وضعت الحرب أوزارها فى وقت تتقرر فيه مصائر الأمم، وتقف فيه الشعوب على مفترق الطرق أحوج ما تكون إلى الدقائق والساعات بله الشهور والسنوات.

ولكن المفاوضات طالت حتى أسأمت وأملت فتوقفت، واستؤنفت ثم انقطعت، ووصلت ثم يتجنى علينا المفاوضون الإنجليز فهزوا أكتافهم وجمعوا أوراقهم، وانصرفوا عنا إلى بلادهم هازئين ساخرين.

وكان المنتظر بعد هذه اللطمة القاسية، وبعد أن عبث الغاصبون بحقوقنا ووقتنا ورجالنا هذا العبث وأضاعوا علينا كل هذا الوقت الطويل، وارتفعت الأصوات من كل مكان تهيب بالحكومة أن تعدل عن هذه الخطة التى لا خير فيها ولا فائدة ترجى من ورائها، وبلغت إليها قرارات الجمعية العمومية للإخوان رسميا وهى إنما تعبر تعبير صادقا عما يختلج فى صدور الأمة بأجمعها من الشمال إلى الجنوب، ووضح أن المشروع الإنجليزي أو المشروع المصري لا يحققان مطالب البلاد ولا يزيد كل منهما عن أنه تنظيم مهذب الحواشي للحماية والاحتلال، وأن الإنجليز غير مستعدين إلى أى تغيير جوهري فيما عدا الصيغ والألفاظ.

كان المنتظر من الحكومة أمام هذا كله أن تصغى إلى هذه الأصوات الوطنية القوية المخلصة، وتحترم إرادة الشعب الذي تدعى أنها تحكم باسمه، وتبادر فتتخذ هذه الخطوات: إعلان فشل المفاوضات الحالية، وأنها لن تقبل بعد الآن أن تدخل مع الإنجليز فى مفاوضات أخرى. بعد أن أثبتت الحوادث كلها أن بريطانيا لا تريد من وراء أية مفاوضة إلا التعاقد والاعتراف بمصالح تدعيها تتعارض كل التعارض مع حريتنا واستقلالنا وحقوقنا الثابتة المقررة.

وإعلان سقوط معاهدة سنة 1936 التى ألغتها الحوادث العالمية، وأقر وزير الخارجية المصرية فى مجلس النواب أنها أصبحت غير ذات موضوع.

وأن تطلب إلى الإنجليز وغيرهم فى عزم وإصرار سحب جميع قواتهم البرية والبحرية والجوية عن الوادي كله، وإلا اعتبر وجود هذه القوات اعتداء مسلحا على سيادة البلاد تترتب عليه آثاره العملية من عدم التعاون مع بريطانيا، والقانونية من قطع العلاقات الدبلوماسية بيننا وبينها 

دعوة الأمة إلى الجهاد

وتدعو الأمة إلى الجهاد فى سبيل حقوقها، وتنظم معها وسائله وأساليبه، كما تفعل كل أمة ترجو الحياة العزيزة، وتؤثر الموت الكريم فى ظل الاستشهاد على الاستكانة والذل والاستعباد، ولكن حكومة دولتكم لم تفعل شيئا من هذا، بل أصرت إصرارا عجيبا على موقفها الضعيف المتخاذل، وأمعنت فى الإصرار والتمسك بأهداب أمل خائب.

باعتزامكم السفر إلى لندن لاستئناف المفاوضات هناك، وأخذت تكبت شعور الهيئات والجماعات والأفراد، وتصادر الحريات وتمنع الاجتماعات، وتتهيأ لقطع الحركات الشعبية المخلصة بالحديد والنار.

وأمام هذا الموقف الضار بقضية الوطن ومصالحه فى الداخل والخارج، وأما قرار الجمعية العمومية للإخوان المسلمين الذي يقضى بأن الحكومة المصرية إذا أصرت على المفاوضة، ولم تنزل على رأى الأمة، ولم تعلن الخطوات السابقة خلال شهر سبتمبر الماضي، فإن الأمة تعتبرها متضامنة مع الغاصبين فى الاعتداء على استقلال الوطن وحريته وتجاهدها معهم سواء بسواء.

يسجل المركز العام للإخوان المسلمين على حكومة دولتكم أنكم بإصراركم هذا تفوتون على هذه البلاد أثمن الفرص، وتكونون بذلك قد تضامنتم بقصد أو بغير قصد مع الغاصبين فى الاعتداء على استقلال الوطن وحريته، وأن هذه الحكومة لا تمثل رأى البلاد فى شىء، وكل إجراء تتخذه باطل أساسا، وعليكم أن تدعوا أعباء الحكم لمن هو أقدر منكم على سلوك النهج القويم، وإعلان حقوق الوطن كاملة من غير حاجة إلى تصديق الغاصبين، وتنظيم قوى الأمة لتكافح الظالمين المعتدين.

وستجاهد الأمة كل معتد على حقوقها من أبنائها أو من الأجانب عنها بكل وسيلة مشروعة، حتى تصل إلى ما تريد، وهي واصلة بإذن الله، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.(15)

 

خطاب مفتوح

من المرشد العام للإخوان المسلمين

إلى دولة صدقي باشا

حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الحكومة المصرية:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: ففي هذه الساعات التى تبرح فيها أرض الوطن، أبعث إلى دولتك بهذا الخطاب للذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، والدين النصيحة.

وعلم الله يا دولة الباشا أننا رغم سخطنا الشديد على الاستمرار فى المفاوضة، واحتجاجنا البالغ على سفرك إلى لندن، واقتناعنا بأن هذه المحاولات لن تفيد الوطن شيئا –رغم هذا كله- نسأل الله أن يوفقك وأن يكتب لك النجاح فى تحقيق مطالب البلاد كاملة غير منقوصة، فكل الذي نحرص عليه أن يصل الوطن إلى حقه، وليس يعنينا فى كثير ولا قليل على يد من كان هذا الوصول.

ونود أن نذكر دائما هذه الحقائق، ففي تذكرها عظة وعبرة:

فتذكر -يا باشا- أن الأمة لخصت مطالبها فى كلمتين: "الجلاء التام، ووحدة وادي النيل" فلن ترضى بأقل من ذلك، ولن توافق على أية صيغة أو صورة فيها التواء أو إرجاء.

وتذكر -يا باشا- أن شعب وادي النيل الأبي لا يمكن أن يسلم لأحد.. كائنا من كان، بأن يربط مصيره وحياته واستقلاله بمشاكل الإمبراطورية البريطانية التى لا تنتهي.

وهو لهذا يرفض بكل شدة كل محالفة عسكرية، أو لجنة دفاع مشترك، كما أنه لا يرضى بحال بأية معاهدة فى ظل الاحتلال والإكراه، ولن يتقيد بشيء مما تتفقون عليه حتى تؤخذ فيه كلمته، وتنضح إدارته فى غير تزييف ولا إكراه.

وتذكر -يا باشا- أن هذا الشعب اليوم غيره بالأمس، فقد تنبه حسه، وتم وعيه، وأدرك الأمور على وجهها، فلم يعد يخدعه تضليل الزعماء، أو ترهبه صولة الحكام والرؤساء، وقد عاهد الله أن يعيش لحريته، أو يموت كريما دونها، موت الأباة الشهداء.

وتذكر -يا باشا- أن إنجلترا اليوم غيرها بالأمس كذلك، وأن الظروف الدولية مواتية؛ لتحقيق مطالبا كل المواتاة، وأن هذه الفرصة السانحة لا يمكن أن تعوض، فلا تضع الوقت سدى، فالوقت أمضى من السيف.

وتذكر -يا باشا- أن عودة فى ظلال الإباء والشرف، وقد استمسكت بحقوق البلاد فلم تفرط فيها أكرم وأعز وأنبل من معاهدة لا تتفق مع مطالب الأمة، توقعها وتمضيها.

وتذكر -يا باشا- لحظات الشعب الأخيرة قبيل سفرك، وقد أعلن إرادته قوية داويه على لسان أفراده وآحاده، فى الشوارع والطرقات، بعد أن أذاعها على لسان هيئاته وجماعاته فى الصحف والمجلات.. فاتق الله -يا باشا- فى هذه النفوس العزيزة التى ورثت ذخائر المجد، وأقسمت أن تحيا لها، وتموت فى سبيلها..

ألهمنا الله وإياك الرشد وهدانا جميعا سواء السبيل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.(16)

 

من الإخوان إلى رئيس الحكومة

ضرورة قطع المفاوضات والالتجاء إلى مجلس الأمن

حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا ... رئيس الحكومة المصرية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد: فقد وصل الموقف فى الداخل والخارج إلى الحال التى تعلمونها دولتكم من الضيق والحرج، وأصبح من الحتم اللازم على كل غيور على مصلحة هذا البلد أن ينسى نفسه وحزبه ويذكر شيئا واحدا هو خير هذا الوطن والعمل السريع الحازم لعلاج هذا الحال.

تصرفات الإنجليز

كل تصرفات الإنجليز -يا باشا- فى لندن وفى السودان وفى أى مكان تدل على أنهم لا يريدون أن يسيروا مع المطالب المصرية خطوة واحدة إلى الحق، فهذه التصريحات المتوالية من رئيس الحكومة البريطانية ومن حاكم السودان العام، وهذه التصرفات العملية من إقصاء الموظفين المصريين، والاستئثار بكل شىء دون حكومة مصر فى جنوب الوادي، وهذا التحدي كل يوم بقول جديد وعمل جديد، كل هذه أدلة متوالية صريحة سافرة لا تقبل جدلا ولا تأويلا على أن القوم قد نفضوا أيديهم من الصداقة المزعومة والمجاملة الموهومة، وآثروا أن يفرضوا ما يريدون فرضا بالنهر أو بالغدر ولن يستطيعوا بإذن الله.

قلق وعمل

وكل شىء فى الداخل مظهر سافر واضح من مظاهر القلق والألم والأسى والأسف والحزن والضيق، هذه المعاهد المعطلة وهذه الحريات المكبلة، وهذا الرعب تمتلئ به الصدور، وهذا الحذر من الحاكم والمحكوم، وهذه القوات من البوليس السري والعلني نراها فى كل مكان تبعث الرهبة والريبة فى كل جو، ولا يمكن أن تعيش فى هذا الوضع أمة مهما كان صبرها طويلا، ومهما كان صدرها واسعا وحلمها عظيما، والضغط يولد الانفجار.

لابد إذن من عمل شىء، والسبيل أمامنا والحمد لله مهيأة، والوسائل ممهدة ولا ينقصنا إلا الحزم والإقدام، فإلى الأمام.

فشل المفاوضات

أعلن -يا دولة الباشا- فشل المفاوضات، واقطعها فى عزة وكرامة، صارح البريطانيين بأنهم أحوج إلى صداقتنا منا إلى صداقتهم، وأننا نعرف الوسائل التى ننال بها حقوقنا كاملة غير منقوصة وأننا لم نؤثر سبيل المفاوضات إلا إقامة للحجة وإيثاراً للمسالمة وإعذارا إلى الله والناس.

الجلاء

ثم اطلب إلى الإنجليز جلاء قواتهم عن أرض الوادي فلا يليق بدولة عضو فى هيئة الأمم المتحدة، أن تحتل قواتها أرض دولة أخرى هى عضو فى الهيئة كذلك، كما هو نص القرار، وإلا كان وجودهم عدوانا مسلحا على سيادة الوطن، وخروجا على ميثاق هيئة الأمم، وتهديدا للأمن والسلام فى الشرق الأوسط.

إلى الهيئات الدولية

فإن لم يفعلوا فتقدم بقضية الوطن إلى مجلس الأمن وإلى محكمة العدل وإلى كل مجمع دولي تأنس فيه ميلا إلى الإنصاف، ونفورا من الظلم والعدوان بعد الدراسة الكاملة، والتمحيص الواسع، والتنظيم الدقيق، ورعاية كل الظروف والملابسات و.

الحريات

ثم أطلق الحريات كاملة ولا تخش شيئا يا باشا ولا تخف على الأمن والنظام، فإنك لن تجد شعبا يقدر الأمن ويحب النظام ويعين بالطاعة كهذا الشعب المصري الذي لا يعرف أن يحيا إلا فى ظل النظام والطاعة..

دعوة إلى الوحدة

ثم وجه الدعوة إلى مواطنيك فى جنوب الوادي وشماله فى برنامج شامل مفصل يوضح غايتك ووسيلتك لتحقيق المطالب التى أجمعت عليها البلاد (الجلاء الناجز عن الوادي كله والحرص التام على وحدته)، وادع الأمة جميعا إلى أن تكون معك على ذلك، وإلى أن تتألف من هيئاتها وأحزابها وجماعاتها ومفكريها جبهة قومية سودانية مصرية واحدة تتعهد الشعور الوطني وتسدده إلى الخير وتقف به عن العدوان، وتنظم الدعاية الشعبية فى الداخل والخارج، فتعمل الحكومة بوسيلتها الرسمية وتعمل تلك الجبهة القومية إلى جانبها بوسائلها الشعبية، والجميع يرمون عن قوس واحدة ويهدفون إلى غرض قائم واحد معروف مقدس عزيز.

ولا تستبعد هذا -يا باشا- ولا تظنه من الخيال، فقد رأيت وسمعت ولمست وأحسست استعداد الجميع العظيم لمثل هذا، معارضين، ومؤيدين، على أثر بيانك بمجلس النواب، فإذا خطوت بعد هذه الخطوة العملية فسيكون الجميع معك لا بمجرد التصفيق والاستحسان ولكن بالقول والعمل واللسان والسنان، ولا يتخلف عنك فى ذلك إلا من فى قلبه مرض فيخسر نفسه وجهاده وماضيه ويظل مع الخوالف.

وثق -يا باشا- بأنه لن يكون معك شعب وادي النيل وحده، ولكن سيكون معك سبعون مليونا من العرب يؤازرهم ويمدهم ثلاثمائة مليون من المسلمين تخفق قلوبهم لمصر، وتتحرك مشاعرهم وعواطفهم لمشاعرها وتسكن بسكونها، وليس ذلك بقليل..

أمة قوية

دعني أصارحك يا باشا- وأنت لا شك عليم- بأن الأمة ليست اليوم كما كانت بالأمس، فقد امتلأت أفئدتها بشعور جياش فياض قوى، وأصبح الوعي الوطني اليوم تام الاكتمال، قوى الأثر، والشعور والوعي قوة أية قوة، بل هما عدة الشعوب المجاهدة وسلاح الأمم المناضلة.

كما أتاح الله لهذه الأمة من رجالها وهيئاتها من جمع كلمتها الشعبية فى تشكيل منظم مرتب، وفى وحدات مؤمنة باذلة، والتجميع والتنسيق والنظام الدقيق قوة أخرى. ولا شك- قوة تسرع إلى الخير، وقوة تحول دون الشر فالزمام أبدا معقود ولن يفلت بإذن الله.

يا دولة الباشا: لقد تقدمت لدولتك بمثل هذه النصيحة من قبل منذ عام مضى، وهأنا ذا أتقدم بها اليوم، وأعتقد أنى بذلك قد أبرأت ذمتي وأديت أمانتي، والوقت من ذهب، فسر على بركة الله والله معك، وأقدم ولا تتردد، فتفلت الفرصة السانحة، وتعود من جديد إلى التجارب القاسية، وتستبين النصح ضحى الغد حيث لا يفيد ولا ينفع، ألا قد بلغت اللهم فاشهد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 12 صفر سنة 1366، المخلص: حسن البنا المرشد العام لهيئة الإخوان المسلمين.(17)

 

خطاب الإخوان إلى دولة رئيس الوزراء

توجه بالأمس الأستاذان صالح عشماوي وعبده أحمد قاسم إلى رئاسة مجلس الوزراء حيث سلما الخطاب التالي الذي قرر مكتب الإرشاد العام إرساله لدولة رئيس الحكومة المصرية:

حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحكومة المصرية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد كانت خطوة موفقة تلك التى خطتها الحكومة المصرية استجابة لنداء الأمة فأعلنت انتهاء عهد المفاوضات مع الإنجليز، ورفع قضية الوطن إلى الهيئات الدولية التى يستقر عليها رأى الأخصائيين من رجال القانون والتشريع.

والإخوان المسلمون يرون أن إعلان العزم على اتخاذ هذه الخطوة لا يفيد شيئًا ما لم يتبعه الإسراع فى الدراسة – فقد بلغ القلق بالأمة منتهاه- وما لم تعززه فورًا خطوات أخرى يقتضيها الموقف ويفرضها هذا الاتجاه ومنها:

أولاً: دراسة الناحية القانونية التى تؤدى إلى إعلان بطلان معاهدة سنة 1936م واتفاقية عام 1899م وجميع القيود والعقود، والاتفاقات السياسية والودية المترتبة عليهما، ومطالبة الحكومة البريطانية بسحب قواتها فى الحال من أرض وادي النيل على اعتباره دولة مستقلة تامة السيادة.

ثانيًا: أن تتصرف الحكومة المصرية فى شؤون السودان التصرف الذي يصون حقوق أبناء الوادي، ويحفظ كرامته، واستقلاله، فتعلن من جانبها عدم تمثيل الحاكم العام لها، وبطلان تصرفاته، وأنها غير مقيدة بشيء منها فى الحاضر والمستقبل.

ثالثًا: تنظيم الدعاية فى الخارج فى جميع عواصم الدول الكبرى.

رابعًا: تنظيم الدعاية فى الداخل، وتغذية الشعور الوطني، وعدم مصادرة الحريات.

خامسًا: تنظيم الدعاية فى البلاد العربية والإسلامية.

سادسًا: تنظيم ناحية عدم التعاون الأدبي مع البريطانيين.

سابعًا: دراسة ناحية عدم التعاون الاقتصادي، والتخلص من قيوده الداخلية والخارجية.

كما يرى "الإخوان" كذلك أن العمل يكون أدعى إلى النجاح، وأقرب إلى التوفيق، وإذا تحددت وجهته ورسمت خطواته، ثم اجتمعت عليها الكلمة، وتضافرت عندها الجهود.

فإذا كانت الحكومة ترى أن تتخذ هذه الخطوات فإن عليها أن تتقدم بهذا الرأي كمنهاج يحدد الغاية والوسيلة إلى رؤساء الهيئات، والأحزاب بصفة رسمية، وتطلب إليهم معاونتها فى التنفيذ، فمن أجاب فبها، ومن أبى فعليه إثمه.

ويرجو الإخوان أن يتم هذا العمل فى القريب العاجل؛ حتى لا تضيع الفرصة وتتعقد الأمور، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.(18)

المصادر

  1.  مجلة النذير، العدد (33)، السنة الثانية، 25 شعبان 1358ﻫ/ 10 أكتوبر 1939م، صـ4-8.
  2. مجلة النذير، العدد (3)، السنة الأولى، الاثنين 14 ربيع الثاني 1357ﻫ- 13 يونيو 1938م، صـ3-10.
  3. مجلة النذير، العدد (5)، السنة الأولى، 28 ربيع الثاني 1357ﻫ/ 27 يونيو 1938م، صـ3-4.
  4. مجلة النذير، العدد (32)، السنة الأولى، 18 ذو القعدة 1357ﻫ/ 10 يناير 1939م، صـ3-5، 8.
  5. مجلة الوفد المصري، 6 ربيع الأول 1361ﻫ/ 23 مارس 1942م، صـ3.
  6. مجلة المجتمع، السنة الأولى، 9 ربيع الأول 1366ﻫ- 12 فبراير 1947م.
  7. مجلة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (526)، السنة الثانية، 7 ربيع الأول 1367ﻫ- 18 يناير 1948م، صـ1.
  8. مجلة النذير العدد (13)، السنة الأولى، 26جمادى الثانية 1357ﻫ- 22أغسطس 1938م، صـ3-8.
  9. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (312)، السنة الثانية، 18جمادى الآخرة 1366ﻫ- 9مايو 1947م، صـ(1).
  10. جريدة الإخوان المسلمين: العدد (11)، السنة الرابعة، 4 ربيع الثاني 1355ﻫ/ 23يونيو 1936م، صـ9-10.
  11. الإخوان المسلمون اليومية، العدد (611)،السنة الثانية، 17جماد ثان 1367ﻫ / 26 إبريل 1948م، ص(3).
  12. مجلة النذير، العدد (15)، السنة الثانية، 10 ربيع الثاني 1358ﻫ- 30 مايو 1939م، صـ14-15
  13. مجلة النذير، العدد (35)، السنة الثانية، 10 رمضان 1358ﻫ- 24 أكتوبر 1939م، صـ 8-10.
  14. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (18)، السنة الأولى، 23 جماد ثان سنة 1365ﻫ/24 مايو 1946م، صـ2.
  15. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (133)، السنة الأولى، 13 ذو القعدة سنة 1365ﻫ/8 أكتوبر 1946م، صـ1.
  16. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (141)، السنة الأولى، 22 ذو القعدة سنة 1365ﻫ/17أكتوبر 1946م، صـ2.
  17. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (206)، السنة الأولى، 13 صفر سنة1366 ﻫ/5 يناير 1947م، صـ1
  18. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (240)، السنة الأولى، 22ربيع أول 1366ﻫ/ 13فبراير 1947م، ص(2).
المقال التالي رسائل الإمام الشهيد حسن البنا إلى الملك
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر