حسن البنا والإضرابات

الإضراب والاعتصام والعصيان هو أحد وسائل الضغط التي يمارسها الشعب أو فئة أو فرد للحصول على حقوقه المهدرة، وهي وسيلة مشروعة ما لم يتخللها عنف أو تخريب أو تعطيل لمصالح العباد، أو مصالح الوطن.

وهذا ما نظر إليه الأستاذ حسن البنا، من كونه لا يترتب عليه تعطيل لمصالح الوطن أو توقف الإنتاج، أو جلب الخراب لمؤسسات الدولة.

فالإضراب هو التوقف عن العمل بصورة مقصودة وجماعية وهدفه الضغط على رب العمل من قبل الأجراء.

البنا والإضراب

لم يكن في فكر حسن البنا معنى العصيان المدني أو الإضراب إلا لمواجهة المحتل الغاشم الذي يسيطر على مقدرات البلاد سواء في مصر أو البلدان الإسلامية، ولم يدعو البنا إلى عمل إضراب أو عصيان مدني، لأنه كان يدرك أن هذا الإضراب يصب في صالح المستعمر الذي لا يريد لهذا الوطن تقدمًا، لكن لم يرفض الفكرة ولم ينكرها على أحد ما دامت لا تعطل إنتاج أو تؤدي للتخريب، أو التأثير على حياة الإنسان.

فلقد شارك حسن البنا وهو ما زال صغير في إضراب ثورة 1919م ضد المحتل البريطاني، وفي ذلك يقول: "لا زالت تتراءى أمام عينَي مناظر الإضراب الشامل الذي كان ينتظم البلد كله من أوله إلى آخره، ومنظر أعيان البلد ووجهائها وهم يتقدمون المظاهرات ويحملون الأعلام، ولا زلت أحفظ تلك الأناشيد العذبة التي كان يرددها المتظاهرون في قوة وحماس:

حب الأوطان من الإيمان                    وروح الله تنادينا 

إذ لم يجمعنا الاستقلال                    ففي الفردوس تلاقينا

ويضيف: ففي يوم 18 ديسمبر يوم ذكرى الحماية البريطانية أوعزنا للطلاب جميعًا بالتفرق في الحقول المجاورة طول اليوم، وتم الإضراب وانتهى اليوم بسلام، وخاب سعيُ الناظر ومدير البحيرة "محمود باشا عبد الرازق" في إقناع الطلاب بعدم الإضراب"([1]).

لكن كانت هذه الإضرابات للطلبة وهو ما شارك فيها حسن البنا لكون أن مثل هذه الإضرابات لا تعطل أعمالًا لكنها وسيلة ضغط على الحكومة من قبل الطلبة.

لكن لم يختلف البنا مع كون الإضراب حق مشروع لأي فرد، فقد شنت صحف الإخوان هجومًا حادًا ضد قانون النقابات الذي صدر عام 1940؛ لأنه حرم ومنع تكوين اتحادات عمالية، كما حرم العمال من حق الإضراب الذي هو سلاح العمال الوحيد في مواجهة الرأسماليين وأصحاب الأعمال.

لقد كانت مصر تقع تحت وطأة المحتل البريطاني ومن ثم كان من أهداف الإمام البنا هو تحرير الوطن من هذا المستعمر، والضغط عليه بأي وسيلة مشروعة في السبيل التحرر، ولذا نجده يوجه رسالة إلى شعب مصر مطالبًا فيه بالتخلص من هذا المحتل بشتى الطريقة المشروعة والتي لا تعطيه فرصة للتدخل في شئون الوطن أو أكثر أو يترتب عليها ضرر لمؤسسات الوطن، فيقول في رسالة للشعب المصري تحت عنوان (واجبنا الشعبي أمام تقصير الحكومة وعدوان الإنجليز):

 أيها الشعب الأبي العظيم: وأن تعلن من هذه اللحظة عدم التعاون مع الإنجليز اقتصاديًا والإضراب عن شراء كل ما هو إنجليزي أو البيع لأية جهة إنجليزية أو التعامل مع أي بيت أو شركة أو محل إنجليزي كائنًا ما كان، وثقافيا بمقاطعة الصحف والمجلات والكتب والجرائد الإنجليزية الامتناع من التحدث أو الاستماع للغة الإنجليزية، واجتماعيًا بقطع علائق المودة والصداقات الشخصية والعائلية، والانسحاب من عضوية الأندية أو الهيئات التي تضم العناصر البريطانية، وهكذا يجب أن يشعر الإنجليز المحليون والإنجليز الاستغلاليون والإنجليز في بلادهم، أن حرب السخط قد أعلنت، وأن وادي النيل غاضب ثائر لا يرضى بغير حقه بديلًا.

وهناك سلاح أقوى وأحد وأنكى وأشد هو سلاح التوجه إلى الله العلي الكبير، يذل الجبارين وقاصم المتكبرين، والإلحاح في الدعاء أن يرد عن الوطن كيد الكائدين وطغيان المعتدين، وأن يحقق له الآمال في الحرية والاستقلال، إنه نعم المولى ونعم النصير([2]).

بل لقد اهتم الإخوان بالإضرابات التي نفذها بعض العمال، والتحموا بهم وحاولوا حل مشاكلهم، كما فعل الأستاذ احمد السكري لمقابلة الإدارة العامة لشركة الترام، وقابل وزير الشئون الاجتماعية حيث أخذ من الوزير وعد بحل مشاكلهم، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل توجه للمسئولين عن إدارة الشركة لإزالة سوء التفاهم ([3]).

ويؤكد الإمام البنا هذا المعنى مع الحرص بالتذكير بأهداف الإضراب، والأوضاع التي لا يجوز فيها الإضراب فيقول:

ولقد تعددت خلال هذه الفترة حوادث إضراب العمال عن الطعام احتجاجًا على عدم تحقيق مطالبهم المشروعة، ومن هذه الإضرابات ما قام به ثمانية من العمال بمنتزه الملكة فريدة حتى تصدر التشريعات الخاصة بهم وتحقق مطالبهم، فطاردتهم الشرطة، واضطرتهم إلى الالتجاء إلى دار حزب الفلاح لمواصلة إضرابهم عن الطعام، واعتبر الإخوان أن وسيلة الإضراب عن الطعام إحدى وسائل الاحتجاج السلمي التي تلفت نظر الحكام لقضايا فئة مظلومة، ولكن لا يجب أن يستمر المضرب حتى الموت؛ لأن ذلك يتنافى مع تعاليم الإسلام ويصبح انتحارًا، ويمكن استخدام هذا الإضراب فترة ثم استخدام وسائل أخرى ([4]).

ويؤكد الإمام البنا على حق العمال في رسالة أخرى بقوله:

وعندما يقف العمال للمطالبة بحقوقهم أو الاعتراض على وضع مجحف من أجل تعديله بالطرق السلمية المشروعة ككتابة المذكرات للتحقيق في قضية عامة لدى قطاع من العمال، أو الإضراب عن العمل فترة محددة للفت انتباه المسئولين إلى مطالبهم، يكون الجزاء هو الويل والثبور والاعتقال والمحاكمة العسكرية والتشريد، وقد حدث هذا الأمر مرارًا وتكرارًا مثلما حدث مع عمال شركة المياه والتبريدات ([5]).

كما تابعت جريدة الإخوان نشر أخبار مشكلة عمال الترام وتحويل 58 عاملًا منهم للمحاكم أمام محكمة جنح الوايلي بتهمة الإضراب، كما تابعت الصحيفة الآثار المترتبة على تعنت الإدارة مع عمال الترام وتحويل بعضهم للمحاكمة، والحكم على بعضهم بالحبس والبعض الآخر بغرامات مالية متفاوتة، ولم يتوقف الأمر على إضراب عمال الترام بل وصل الإضراب إلى عمال شركة البترول في جميع أنحاء البلاد، كما أضرب موظفي شركة شل وتضامن معهم عمال فاكوم وسائقي السيارات، مما دفع مدير شركة شل لمقابلة رئيس الوزراء النقراشي باشا، والحديث حول موقف الشركة من العمال، كما اهتم قسم العمال بجماعة الإخوان المسلمين بمشاكل عمال النسيج بالمحلة والعمل على تضامن من معهم ([6]).

البنا والقضايا الإسلامية

وكما كانت قضية مصر تأخذ اهتمام البنا فقد كانت الدول العربية والإسلامية وقضاياها تنال مثل هذا الجانب، حيث كان محور الاهتمام مشترك والعدو واحد ألا وهو المستعمر الغربي.

ففي أحداث فلسطين وبعض البلدان الإسلامية أصدرت الهيئة التأسيسية بيانا توضح فيه هذه الأمور، فمما جاء فيها: أيتها الشعوب العربية والإسلامية:

إذا آثرت الحكومات القعود والتردد، ولم يكفها ما فات، ولم ترد أن تتدارك الموقف وتواجه الحوادث بالسرعة والحزم الواجبين، فإن الهيئة التأسيسية تهيب بكل شعب عربي وبكل أمة مسلمة أن تتخذ من جانبها هذه الخطوات:

1- إعلان استقلال فلسطين العربية وسيادتها وإعلان الجهاد ضد الصهيونية واليهودية العالمية.

2- إنشاء قيادة عسكرية شعبية لتنظيم التطوع والتسليح وتحويل حياة العبث واللهو إلى حياة جد وعمل وإيمان وجهاد وحقوق.

3- إنشاء هيئة شعبية اقتصادية لتنظيم مقاطعة اليهود المحليين مقاطعة شاملة.

4- إنشاء هيئة شعبية جامعة تضم كل الهيئات والأحزاب والطوائف لتنظيم حركة العصيان المدني إذا اعترضت الحكومات سبيل هذه الخطوات ([7]).

خاتمة

يرى الدكتور مازن النجار أنه لابد من الأخذ بالاعتبار أن رأسمالية السوق لم تكن متوغلة أيام الإمام البنا، ولم تظهر طبقات كالتي سيطرت على مصر وغيرها وجمعت بين السلطة والثروة.

ولو كان الإمام الشهيد قد مر بهذه التجربة لكان أكثر راديكالية مما تحدث عنه في هذا المضمون، ولابد أن نذكر أن أول قضية اجتماعية-اقتصادية كبيرة تبناها الإمام البنا كانت المطالبة بإنصاف مدرسي التعليم الإلزامي المظلومين، وهو الزعيم السياسي الوحيد الذي تبنى مطالبهم.

من الواضح أن الإمام البنا تعامل مع هذا الأمر وفق متطلبات المرحلة، ووفق الظروف التي كانت تعيش فيها مصر، فقد أيد الإمام البنا حق التظاهر والإضراب لكن دون حدوث ضرر على المجتمع أو التخريب لمصالح ومؤسسات الدولة، أو تعطيل المرافق الحيوية في الدولة مما يؤدي للفوضي.

 


([1]) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية

([2]) جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (135)، السنة الأولى، 15 ذو القعدة 1365/ 10 أكتوبر 1946، ص(1-4).

([3]) المصدر السابق: العدد 154 سنة الأولى/ 8 ذو الحجة 1365هـ, 2/11/1946ص5

([4]) مجلة النذير، العدد (18)، السنة الثانية، غرة جمادى الأولى 1358ﻫ/ 20يونيو 1939م، ص(23)

([5]) مجلة الإخوان المسلمين الأربعينيات: العدد (69)، السنة الثالثة، 29رمضان 1364ﻫ/ 6سبتمبر 1945م، ص(17)

([6]) جريدة الإخوان المسلمين اليومية: ديسمبر 1946، ديسمبر 1948م.

([7]) المصدر السابق: العدد (621)، السنة الثالثة، 30 جمادى الثانية 1367- 9 مايو 1948، ص(1).

 

المقال التالي حقيقة البيعة والطاعة عند الإخوان المسلمين
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر