الإمام حسن البنا والعنف

الإخوان قتلة، الإخوان مأجورين، الإخوان خائنين، الإخوان إرهابيون، الإخوان استحلوا الدماء، الإخوان ليس لهم وطن، الإخوان متأسلمون، الإخوان صنيعة المحتل.

كلمات رددت في كل عصر وزمن منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين، ففي الملكية ظل يرددها أتباع المحتل الإنجليزي سواء من وزراء أو صحفيين وكتاب، ولم يتوقف الأمر منذ فجر الحكم العسكري فقد رموهم بأقذع الألفاظ والتهم ليس لشيء إلا لمعاداتهم.

فقد جرت الأقلام على اتهام الإمام حسن البنا والإخوان بالعنف، وأنهم انتهجوا سبيل العنف سواء في تصريحاتهم وأفعالهم، وأن جماعات العنف خرجت من عباءة الإخوان المسلمين.

ولا يمر عام أو حقبة إلا وخرج من يعيد إلصاق التهم بالإخوان بالرغم من أن الجماعة موجودة على الساعة منذ عام 1928م تغيرت على هذه الجماعة حكومات متعددة سواء الحكومات الملكية ثم حقبة الناصرية فالسادات فمبارك، أو ما حدث لها على يد العسكر في عهد السيسي، وما زالت نفس النغمة في محاولة لتحجيم نشاط الإخوان المسلمين سواء من خلال تصريحات المسئولين أو الصحف أو المجلات وأخيرا الدراما.

وفي تصريح لمبارك لصحيفة لوموند الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا عام 1993م، ونقلت الحديث صحيفة الأهرام المصرية في صفحتها الأولى في العدد رقم39046 السنة 118 بتاريخ 1 نوفمبر 1993م الموافق 16 جمادى الأول 1414هـ حيث جاء في كلامه أن هناك حركة إسلامية في مصر تفضل النضال السياسي على العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح في انتخابات بعض النقابات مثل الأطباء والمهندسين والمحامين ...إلخ.

والأدلة على منهج جماعة الإخوان المسلمين الوسطي والسلمي منذ نشأتها حتى الآن كثيرة، فقد انتشروا داخل المجتمع بأعمالهم حتى نالوا ثقة الجموع، فلم يحمل تاريخهم أنهم قتلوا طفلا أو قبطيا أو شيخا، وما استخدموا القوة إلا أمام المحتل الإنجليزي واليهودي، وبعد الانقلاب العسكري 2013م لم تفلح أبواق النظام من تقديم فعلي يقنع الغرب بتبني الإخوان العنف حتى خرج التقرير البريطاني والتصريحات الأمريكية التي تبرأ الإخوان من تهمة العنف.

العنف في فكر حسن البنا

لقد تعرضت مصر بسبب موقعها الفريد للغزو المتتالي من قبل الدول الخارجية، وفي كل مرة كانت تفرض الدولة الغازية سياستها ومنهجها على الدولة المحتلة، وانتهت هذه الحملات الاستعمارية بالغزو البريطاني لمصر في سبتمبر عام 1882م، والذي سعى منذ اللحظة الأولى على تشكيل سياسة البلاد بما يتراءى لمصالحه، فسخر مقوماتها لخدمته وخدمة أهدافه الاستعمارية، وللأسف ساعده بعض المصريين الذين افتتنوا بحضارته، فارتموا في أحضانه، وسخروا كل جهودهم لتمكينه من السيطرة على كل مقومات البلاد واستعباد أهلها.

وفرض الإنجليز سياستهم منذ اللحظة الأولى على كل مصري، فأصبحت السياسة والقرارات السياسية تصدر من قصر الدوبارة، ومن مقر المندوب السامي البريطاني، حتى وصل الأمر بتدخلهم في عزل خديوي وتولية آخر على العرش، بل عملوا على عزل ونفي الملك فاروق في الحادثة الشهيرة في 4 فبراير 1942م إن لم يستجب لرغباتهم، فنزل لهم في مشهد مهين على هذه الرغبات وحققها لهم، كما أن الإنجليز فرضوا على السياسة المصرية مبدأ مصاحبة من يصاحب الإمبراطورية البريطانية ومعاداة من يعاديها، بل وصل الأمر لأخطر من ذلك عندما سيطرت بريطانيا على كل المقومات الاقتصادية للبلاد، فأصبح الجنيه المصري يسير في ركاب الجنيه الإسترليني، وأصبحت الخامات المصرية لا تصدر إلا إلى بريطانيا، وأصبحت المنتجات المصرية تساق لخدمة الجيش البريطاني، وحرم منها أبناء الوطن، فتفشت الأمراض والفقر والتسول والبطالة، وظهرت الطبقية، فعاش غالبية الشعب المصري حياة أشبه بالحياة التي تحياها المواشي، فحرم أبناؤهم من التعليم، ومن الترقي للوظائف العليا والتي أصبحت حكرًا على أبناء الأثرياء الذين يدورون في فلك المستعمر الإنجليزي ويخدمونه، وتقضي مصالحهم فعل ذلك على حساب أبناء الشعب الفقير.

كما تعرضت الحياة الاجتماعية لضربات قوية وزلازل عمت أركان الأسر بعد دخول المحتل، فسن البغاء بقانون وأصبح مشروعا في بلد دينه الأول الإسلام، كما فشت الرشوة والمحسوبية والانحلال الخلقي، واغتصبت الحرائر على يد ضباط وعساكر الجيش البريطاني، ولم يحرك ذلك حكومة ولا ملكًا، فباتت البلاد في فوضى، وساعد على ذلك شيوع ثقافة الغرب وسط أبناء الأمة، وهي الثقافة التي كان يقصد من ورائها شيوع الانحلال، والسعي وراء هذه الشهوات، وخدمتها على حساب التصدي لهذا المحتل، والتصدي لسياسته التدميرية.

وفي ذات الوقت لم يكتف الاستعمار بالسيطرة على الأمور السياسية والاقتصادية والفكرية، ونشر الفساد وسط الطبقات الاجتماعية، بل عمل على تدمير البنية التحتية لشعوبنا، وضرب الأخلاق في محرابها، فوجه سهامه إلى حصن الأمة الحصين وهم العلماء فأنقص من شأنهم، وعمل على شرائهم، فانساق وراء كلماته الزائفة نفر من العلماء، ودمر مناهج التعليم، ولقد اعترف القس زويمر في مؤتمر عالمي عام 1925م بهذا حين قال: "إن السياسة التي انتهجها "دانلوب" في مصر نحو التعليم ما تزال مثار شكوى لاحتوائها على شوائب كثيرة ضد مقاصد الدين والوطن"، كما حصر الاحتلال التعليم في أبناء الطبقة العليا، وفرّق بين التعليم الأزهري والتعليم العام.

كل ذلك أحدث تغييرات في تربية وتنشئة أبناء الوطن المحتل، فخرج منهم رجال تصدوا بكل طاقتهم إلى فكره المعوج الذي أراد به السيطرة على أبناء الأمة ورجالاتها، بل حملوا السلاح في وجهه وأذاقوه الويلات بين زقاقات وحواري الأحياء، حتى دفعوه إلى الخروج والتمركز في مدن القنال.

في هذا الزمن نشأت دعوة الإخوان المسلمين عام 1928م، وعمل حسن البنا منذ اللحظة الأولى على إيجاد جيل يعرف حق وطنه، وحدد مهمة الإخوان المسلمين في رسالة: "رسالة بين الأمس واليوم" والتي صدرت أوائل الأربعينيات فقال: "شهد الله أننا لا نريد شيئاً من هذا وما لهذا عملنا ولا إليه دعونا، ولكن اذكروا دائمًا أن لكم هدفين أساسيين: 

1 - أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لكل إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر. 

2 - أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة، تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها، ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دولة تهتف بالمبادئ الظالمة وتنادي بالدعوات الغاشمة، ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام".

بهذه الأهداف حدد الأستاذ البنا مهمة جماعة الإخوان المسلمين، وأخذ يعمل على تحقيق ذلك في كل المراحل التي مرت بها الدعوة من مرحلة التعريف بالدعوة لمرحلة التكوين، ثم أراد أن يختمها بمرحلة التنفيذ، واستطاعت الجماعة تحقيق المرحلتين الأوليين: التعريف من عام 1928م حتى عام 1938م، ثم كانت مرحلة التكوين من عام 1939م حتى استشهاد حسن البنا وإن كانت كل المراحل متداخلة في بعضها البعض، وبدأت في تحقيق أهدافها وإصلاح المجتمع فحاربت التبشير والبغاء وكل ما يهدم الدولة، كما طالبوا بإصلاح مجال التعليم، عملوا على إصلاح الناحية الاقتصادية، فأنشئوا الشركات والمصانع كشركة المعاملات الإسلامية سنة 1939م، والشركة العربية للمناجم والمحاجر عام 1946م، وشركة الإعلانات العربية والتي تأسست عام 1947م واشتغلت بالدعاية والإعلان والإخراج، وشركة الغزل والنسيج عام 1948م وهم بعيدين في البداية عن الأمور السياسية.

وقامت الجماعة بإنشاء دار التائبات بالإسماعيلية، وساعدت الجمعيات التي طالبت بإلغاء البغاء، ونتيجة لهذه الجهود التي بذلها الإخوان والشرفاء من هذه الأمة ألفت لجنة لبحث موضوع البغاء الرسمي بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في 12أبريل سنة 1932م، وقد عقدت تلك اللجنة أول اجتماع لها يوم 8 يونيو سنة 1932م برئاسة الدكتور محمد شاهين باشا وكيل الداخلية للشئون الصحية لدراسة هذا الأمر.

وفي المجال السياسي لم يرغب حسن البنا في بداية الدعوة أن يصطدم بالواقع الذي تحياه البلاد من كونها واقعة تحت الاستعمار.
 وحاول قدر المستطاع تجنب الدخول في مهاترات سياسية حزبية مما كانت معروفة وشائعة في تلك الفترة، وحتى لا تعد جماعته حزبًا من الأحزاب القائمة فينصرف عنها الناس، وقد كتب حسن البنا خطته في النهوض بالأمة فقال تحت عنوان: "في سبيل النهوض": "يجب أن تكون دعامة النهضة "التربية"؛ فتربى الأمة أولاً وتفهم حقوقها تمامًا، وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، وتربى على الإيمان بها، ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة، أو بعبارة أخرى تدرس نهضتها درسًا نظريًّا وعمليًّا وروحيًّا، وذلك يستدعي وقتًا طويلاً؛ لأنه منهج دراسة يدرس لأمة، فلابد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل، وكل أمة تحاول تخطي حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان".

لكنه كان مع ذلك يربي أفراد جماعته على معنى السياسة، وأنها إصلاح، وليست حربًا بين كل حزب وآخر، أو صراعًا على الكرسي، فلم تلتفت أية حكومة للإخوان المسلمين إلا على أنهم جماعة دينية تربي أبناءها على معاني الدين، غير أن الجماعة لم تكن بعيدة عن السياسة منذ نشأتها -كما يقول به بعض المؤرخين- لكن السياسة التي كان يقصدها حسن البنا في البداية هي السياسة الحزبية التي لا تجني سوى الصراعات والمهاترات، حتى إنه دفع العمال المنتمين للجماعة لاستقبال الملك فؤاد في الإسماعيلية؛ حتى يرى الغرب كيف أن المصريين يحترمون ملكهم.

وأوضح حسن البنا ذلك في رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، والتي صدرت في مايو 1934م حينما قال: "يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن في يميننا، والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة الصالحة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس -والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.

يا قومنا: لا تحجبنكم الألفاظ عن الحقائق، ولا الأسماء عن الغايات، ولا الأعراض عن الجواهر، وإن للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة، وتلك هي سياستنا لا نبغي بها بديلاً، ولا نرضى سواها دينًا، فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الدنيوية، والسعادة الأخروية، ولتعلمن نبأه بعد حين".

إذًا.. لم يكن الإخوان كما ذكر البعض قد تجاهلوا السياسة منذ نشأة الدعوة، وأنهم تغيروا عن مبادئهم، لكنهم ساروا بمرحلية دعوية حتى يستطيعوا تربية المجتمع تربية إسلامية، حتى يكون مؤهلاً للحكم على الوضع بما يرى.

ويوضح حسن البنا عن هذا بقوله: "يعمل الإخوان المسلمون لغايتين: غاية قريبة يبدو هدفها وتظهر ثمرتها لأول يوم ينضم فيه الفرد إلى الجماعة أو تظهر الجماعة الإخوانية فيه في ميدان العمل العام، وغاية بعيدة لابد فيها من ترقب الفرص وانتظار الزمن وحسن الإعداد وسبق التكوين، فأما الغاية الأولى فهي مساهمة في الخير العام أيا كان لونه ونوعه، والخدمة الاجتماعية كلما سمحت بها الظروف".

ثُمَّ قال: "ما غاية الإخوان الأساسية، أما هدف الإخوان الأسمى، أما الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيؤون له أنفسهم: فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوي الأمة جميعًا وتتجه نحوه الأمة جميعًا ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل".

إلى أن قال: "لقد جاء الإسلام نظامًا وإمامًا، دينًا ودولة، تشريعًا وتنفيذًا، فبقي النظام وزال الإمام، واستمر الدين وضاعت الدولة".

القوة في نظر حسن البنا

يصف حسن البنا القوة بقوله: تحتاج كذلك الأمم الناهضة إلى القوة وطبع أبنائها بطابع الجندية، ولاسيما في هذه العصور التي لا يضمن فيها السلم إلا بالاستعداد للحرب، والتي صار شعار أبنائها جميعًا: "القوة أضمن طريق لإحقاق الحق".

والإسلام لم يغفل هذه الناحية، بل جعلها فريضة محكمة من فرائضه، ولم يفرق بينها وبين الصلاة والصوم في شيء، ليس في الدنيا كلها نظام عنى بهذه الناحية -لا في القديم ولا في الحديث- كما عنى بذلك الإسلام في القرآن وفى حديث رسول الله، وإنك لترى ذلك ماثلا واضحا في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[الأنفال: 60]، وفى قوله تعالى:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْــئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾[البقرة: 216].

ثم يضيف: وكما تحتاج الأمم إلى القوة تحتاج كذلك إلى العلم الذي يؤازر هذه القوة ويوجهها أفضل توجيه.

ويقول في رسالة المؤتمر الخامس: ويتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟

ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني انتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا السؤال في وضوح وفى جلاء، فليسمع من يشاء:

أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي  صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، ويعلمه أصحابه، ويناجى به ربه: "اللّهُمّ إني أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمّ وَالْحَزَنِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَال"، ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف: ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر؟.. فماذا نريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء؟ فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة.

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا، وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا إلى أعماقها، ولا يزنوا نتائجها، وما يقصد منها ويراد بها، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.

هذه نظرة، ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام -والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال، أم حدد لذلك حدودًا، واشترط شروطًا، ووجه القوة توجيهًا محدودًا؟

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول علاج، أم أن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف، أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟

هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه، والثورة أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمين إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر.

وهكذا يرى حسن البنا _وفق رؤيته ووطنه قابع تحت المحتل_ أن استخدام القوة ضروري لمجابهة كل من أراد بالوطن التأخر سواء كانت حكومات من صلب البلد أو عميلة للمحتل لابد وقتها من التدافع معها واستخدام مظاهر القوة لردعها والعمل على تقدم هذا الوطن وليس استخدام القوة للتخريب أو القتل دون جريرة فهذا ليس من فهم ولا فكر الإخوان المسلمين ولا المنهج الذي تربوا عليه.

ولقد استخدم الإخوان القوة ضد المحتل الإنجليزي في حرب القنال عام 1951م واستخدموها تحت الصهاينة في حرب فلسطين عام 1948م فكان هذا التطبيق العملي للمعاني التي نادي بها إسلامهم، وحولها حسن البنا لمنهج عملي ضد كل من أراد بالوطن الإسلامي شرا.

 

 

المقال التالي رسالة الجهاد
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية