خواطر الإمام حسن البنا حول سورة الحجرات

إعداد موقع الإمام حسن البنا

سورة الحجرات لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقا عالية وآمادا بعيدة; وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة; وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات.

يقول الشهيد سيد قطب: (المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع ، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس ، لأن الجماعة كلها وحدة ، كرامتها واحدة).

ولقد حاول الإمام البنا تفسير السورة وفق آدابها وأخلاقها التي اشتملت عليها آيات سورة الحجرات

 

من آداب الحديث مع النبى: غض الصوت

بسم الله الرحمن الرحيم

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِييعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبى وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 1-3].

فلنتدارس هذه الآية الكريمة معًا، اقرأها كما قرأتها بتدبر وإنعام، وسل نفسك بعد ذلك هذه الأسئلة كما سألتُ نفسى من قبلك، وسأجيبك عنها، فإن طابقت إجابتى ما وصلت إليه فيها وإن فتح الله عليك بخير بما فتح به على فاحمد الله، وإن شئت أن تفيدنى إياه فافعل وأنت فى حِلٍّ إن لم تشأ ذلك، وسأمدك فى هذه الإجابة بما عرفت من أسباب النزول والمأثور فى الآية الكريمة، وأظنك بعد هذا عرفت أن ما أكتبه إلى مدارسة القرآن أقرب منه إلى التفسير، ولِمَ لا نتدارس القرآن على صفحات هذه الجريدة الغراء؟ ولم لا تكون هذه المدارسة نوعًا آخر من أنواع التفسير ومسلكًا مبتكرًا من مسالكه؟ ولأعد بك بعد ذلك إلى المدارسة.

معاني بعض المفردات:

الجهر: رفع الصوت.                    وحبوط الأعمال: فسادها وضياع ثوابها.

وغض الصوت: خفضه.         والامتحان: الاختبار.

وبعد أن عرفت معانى هذه الألفاظ سألت نفسى عدة أسئلة. هل هناك ارتباط بين هذه الآيات الكريمة وما قبلها؟ وما سبب نزولها؟ وما المقصود بها؟ وكيف نستفيد منها؟ وإليك الجواب.

أ-ارتباط هذه الآيات بما قبلها:

يقول الله -تبارك وتعالى- فى آخر سورة الفتح: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فى الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

فها أنت ترى أن فى هذه الآية كلامًا عن منصب الرسول صلى الله عليه وسلم ومهمته، وعن صفات المؤمنين ومظاهر الكمال فيهم، فناسب بعد ذلك أن تحدد الصلة بين مقام الرسالة العظيم المحفوف بجلال الزعامة الدينية والدنيوية، ويبرز غيره من المقامات مع بيان ما يجب لهذا المقام الكريم من تكريم وتعظيم، وهو ارتباط قوى متين وصلة وثيقة تجعل الآية الثانية أَوْلى ما يتبع الآية الأُولى.

ب- سبب النزول:

أما سبب نزول هذه الآية الكريمة فقد قال قوم: إنها نزلت حين جادل أبو بكر عمر رضى الله عنهما فى شأن وفد تميم فارتفعت أصواتهما، وحجة هؤلاء ما رواه البخارى وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما، قال: قدم ركب من بنى تميم على النبى  صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر  رضى الله عنه: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر  رضى الله عنه: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر  رضى الله عنه: ما أردت إلا خلافى، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1]. 

وقال قوم: إنها نزلت حين ذبح بعض المسلمين أضحيتهم قبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم، واستدل هؤلاء بما رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أن أناسًا ذبحوا قبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأمرهم -عليه الصلاة والسلام- أن يعيدوا ذبحًا، فأنزل الله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}. قالوا: ومن هؤلاء الذين ذبحوا أبو بردة بن نيار.

وقال آخرون: إنها نزلت حين توالت وفود العرب على رسول الله  صلى الله عليه وسلم فأكثروا من مسألته  قبل أن يكون هو البادئ بالكلام، فنهاهم الله عن ذلك حتى يبتدئهم  صلى الله عليه وسلم بما يريد من الأحكام.

وقال غيرهم: إن أناسًا كانوا يتعجلون فيقولون: لو أنزل الله فى كذا لكان كذا، فنهاهم الله عن هذا التمنى بهذه الآية، وروى ابن جرير هذا عن قتادة وغيره، وفى سبب النزول أقوال أخر لا تخرج عن مثل ما ذكرنا، ولا نخرج عن القصد من هذه المدارسة بسردها، وحسبك ما تقدم.

الرأى المختار:

وأعتقد أنه ليس ما يمنع من إرادة هذه المعانى جميعًا، فكلها لا تخرج عن مقصد واحد هو الانتظار حتى يكون الرسول  صلى الله عليه وسلم البادئ بالكلام وبالسؤال وبإيراد الأحكام وبتأويلها وهكذا، وعلى ذلك يكون معنى الآيات الكريمة -والله أعلم بمراده-: يا أيها الذين آمنتم وصدقتم بمحمد ورسالته، واعتقدتم دينه وعقيدته أجلِّوا قدر هذه المهمة العظمى فى شخصه الكريم، وتأدبوا معه بالأدب السامى العالى؛ فلا تكونوا بادئيه بشىء حتى يتقدم إليكم فيه بأمر، ولا ترفعوا أصواتكم فى حضرته كما يرفع أحدكم صوته فى حضرة أخيه، ولا تنادوه بما ينادى به بعضكم بعضًا بل نادوه نداء يشعر بالتعظيم والتكريم والإجلال والاحترام؛ حتى لا تكون غفلتكم عن تقديس هذه المنزلة سببًا فى تقصيركم ومؤاخذتكم بما يزيد على طاعتكم فيبطل ثوابها ويربى على جزائها فتهلكون وأنتم لا تشعرون، فإن امتثلتم وغضضتم أصواتكم وخفضتموها فى حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلا على أن الله -تبارك وتعالى- قد اختبر قلوبكم وصفاها وطهرها وامتحنها فوجدها صالحة لأن تكون مهبطًا لتقواه ومستقرًا لرحمته وأهلا لمغفرته وثوابه.

فهم جديد للآيات الكريمة:

ويتردد فى نفسى معنى لهذا الاستفتاح سأقصه عليك، وإن لم أره من قبل؛ ذلك أن الحق -تبارك وتعالى- شرع للمسلمين فى أول الإسلام أنهم إذا أرادوا مناجاة الرسول  صلى الله عليه وسلم والدخول عليه أن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة؛ رمزًا إلى أن هذا مقام كريم لا يقربه بين يدى رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلا الكرام المتطهرون بالصدقات، ثم خفف ذلك عمن لا يستطيع رحمة به ورأفة، فذلك قول الله -تبارك وتعالى- فى سورة المجادلة }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المجادلة: 12] حتى إذا استقر تمجيد الرسول  صلى الله عليه وسلم فى نفوسهم، واطمأنت إلى تعظيمه قلوبهم، وصار ذلك دأبًا لهم رفع الله عنهم هذا الحكم، وأباح لهم المناجاة بغير صدقة قبلها، فذلك قول الله -تبارك وتعالى-: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُووا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13].

وأراد الحق -تبارك وتعالى- أن يقرر هذا المعنى فى نفوسهم بمناسبة ما تقدم من الحوادث، فذكرهم برحمته إياه فى أنه خفف عنهم فى تقديم الصدقات، وأخذ عليهم أن يطيعوا ويتقوا، فعليهم أن يفوا بذلك ويعملوا عليه، وأردف ذلك بما يتلوه من الآداب والتعاليم، ويكون المعنى حينئذ: لا تقدموا بين يدى الله ورسوله؛ أى لا تقدموا الصدقة التى أمرتم بها من قبل.

ومهما يكن فإن فى حذف المفعول هنا كثيرًا من معانى الإعجاز والخلود والإبهام الذى يؤدى إلى أوضح من الوضوح مما امتاز به القرآن الكريم.

لطائف فى الآيات الكريمة:

وفى الآية الكريمة بعد ذلك لطائف كثيرة يتذوقها من صفا قلبه وطهر لبُّه، من ذلك قوله -تبارك وتعالى-: }بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ}، والمعروف أن الكلام فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وأن التقديم لم يكن إلا بين يديه إشعارًا للمؤمنين بأن قيامهم بهذه الحقوق للرسول صلى الله عليه وسلم إرضاء للحق -تبارك وتعالى- وكأنهم إنما يقومون به معه -جل شأنه- ذلك إلى ما فيها من الإشارة إلى صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بربه وقربه منه، وقد ورد كثيرٌ من هذا المجاز فى الكتاب الكريم وفى السنة.

من ذلك ما ورد من قول الرسول  صلى الله عليه وسلم "من آذى مسلمًا فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله عز وجل"؛ لأن هذا الوصف فضلا عن أنه يشعر بعظمته  صلى الله عليه وسلم الذاتية أولا، ثم بفضل الله -تبارك وتعالى- عليه ثانيًا يشعر بعظيم الصلة وكبير القرب بينه وبين الحق -تبارك وتعالى- وبين أن صلته بالخلق إنما جاءت عن هذا الطريق الإلهى الكريم، وفى ذلك ما فيه من تشريف تتذوق حلاوته نفوسُ الصادقين من المؤمنين.

ومنها نداء الحق -تبارك وتعالى- عباده بوصف الإيمان تنبيهًا على أن أداء حق رسول الله  صلى الله عليه وسلم من صميم الإيمان ولب الإيمان، ومنها الأمر بالتقوى بعد هذا النداء كأن الذى يتنكب طريقه غير تقى، وليس بينه وبين نقمة الله حاجز.

ج- ما الذي نستفيده من الآيات الكريمة؟

أما الذي استخلصته من الآيات الكريمة من روائع الآداب ودقيق الأحكام هو: 

1-     إحاطة مرتبة الزعامة العادلة الصحيحة العاملة لخير الدنيا والآخرة بهالة من الاحترام والإجلال تحول بينهم وبين زراية الزارين وتهجم الغافلين، وهى للرسول  صلى الله عليه وسلم بالأصالة ولغيره من أئمة الأمة بالوراثة مع تفاوت المراتب، وقد ألَمَّ بذلك أبو حيان فكَرِه رفع الصوت فى حضرة العالم ومن فى منزلته.

وقد كان  صلى الله عليه وسلم إذا قدم عليه الوفود أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار بين يدى رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك يا أخى تعلم أن القرآن الكريم عرض -فيما عرض له- لقواعد "البروتوكول" أو التشريفات، وأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم عمل بذلك فيما عمل، ولكن هناك أمرين أساسيين لا تنسهما أبدًا؛ أولهما: أن هذه المظاهر التكريمية لا يصح أن تكون إلا لمن يستحقها من صالحى أئمة المسلمين ورؤسائهم، وأنه لا يصح أن يكون فيها محظور شرعى كالمبالغة فى التعظيم إلى حد يشبه العبادة، وما عدا ذلك فجائز أرشد إليه كتاب الله وسنة رسوله.

2-     هذا التعظيم والتكريم لرسول الله  صلى الله عليه وسلم كما يكون من حقه وهو فى هذه الحياة الدنيا فهو من حقه  صلى الله عليه وسلم وهو فى الرفيق الأعلى، ومن هنا استدل العلماء بالآية على وجوب خفض الصوت عند قبره الشريف وعند قراءة حديثه  صلى الله عليه وسلم.

3-     أن من تعظيم الزعامة وإجلالها أن ينتظر الإنسان حتى تتقدم بأمرها، وألا يدعوها بما يدعو به آحاد الناس، وألا يرفع صوته فوق صوت الكبير، وألا يجادل الناس أمامه ويماريهم، وإجمالا يكون على حالة من الوقار فى حركاته وحديثه ونقاشه ومطالبه تتناسب مع مقام الكبير وحرمته.

4-     أن الخروج على هذه الآداب مفسد للخطط مضيع للجهود، يجعل الطريق ملتوية أمام الزعيم بعيدة على أتباعه ومريديه.

5-     أن التخلق بهذه الآداب مقرب للغاية مستجلب لرضوان الله تبارك وتعالى.

إذا عرفت هذا فاعلم يا أخى أن من الواجب أن نتخلق بهذه الأخلاق، وألا يكون فى القرآن ومدارسته مسلاة نقرأ ونسمع، ولا نعمل ولا نتأدب؛ فنكون بذلك ممن ينطبق عليهم الحديث الشريف "رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه".

أثر هذه الآيات فى نفوس المسلمين الأوائل:

1-     أخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة أن أبا بكر رضى الله عنه قال بعد نزول هذه الآية: "والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخى السِّرار حتى ألقى الله تعالى" يريد لا أكلمك إلا كما يكلم الإنسان شخصًا يساره ويهمس فى أذنه بما لا يحب أن يسمعه غيره.

2-     وفى صحيح البخارى وغيره عن ابن الزبير أن عمر  رضى الله عنه "كان إذا تكلم عند النبى صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه".

3-     وروى البخارى ومسلم وغيرهما من طرق عدة أنه لما نزلت هذه الآية الكريمة دخل ثابت بن قيس بن الشماس بيته، وأغلقه عليه وطفق يبكى، فافتقده رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن ثابت؟ قالوا: يا رسول الله، ما ندرى ما شأنه، غير أنه أغلق باب بيته، فهو يبكى فيه. فأرسل رسول الله  صلى الله عليه وسلم إليه، فسأله: ما شأنك؟ فقال: يا رسول الله، أنزل الله عليك هذه الآية وأنا شديد الصوت (وكان  رضى الله عنه فى أذنه صمم)، فأخاف أن أكون قد حبط عملى، فقال صلى الله عليه وسلم: لست منهم؛ بل تعيش بخير وتموت بخير. وفى رواية: "أما يرضيك أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟"، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتى أبدًا عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم فأنزل الله -تبارك وتعالى-: }إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ} [الحجرات: 3]  تشمل ثابتًا والشيخين وغيرهم من الأصحاب الكرام رضى الله عنهم جميعًا.

أسمعت يا أخى؟ وهل عرفت من كل هذا أن من واجب كُتَّابنا وخطبائنا وشعرائنا ومؤلفينا أن يتأدبوا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم ؟ اللهم ألهمنا حسن الأدب(1).

 

صورة من غلظة الأعراب مع النبى

{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 4-5].

تحدثت إليك فى الآية السابقة عما أدب الله به المسلمين فى مخاطبة نبيهم  صلى الله عليه وسلم والتحدث فى حضرته، وسنتدارس الآن هذه الآية الكريمة على الأساس السابق، فاسمع والله ولى توفيقى وتوفيقك.

الحجرات: جمع حجرة وهى الغرفة. وليس فى الآيات ألفاظ تحتاج إلى بيان.

ارتباط الآية بما قبلها:

وارتباط هذه الآية بالآيات السابقة واضح، فإنما كانت تلك بيانًا لواجب الصغير فى خطاب الكبير فى الحديث والقول، وهذه بيان لما يجب أن يتأدب به الناس مع أئمتهم وعلمائهم فى الاستئذان عليهم وطلب لقائهم.

سبب النزول:

وسبب نزول الآية أنه لما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمى فى أشراف بنى تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمى -أحد أبناء سعد- وعمر بن الأهتم، والحتحات بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بنى سعد فى وفد عظيم من بنى تميم، قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينًا والطائف، فلما قدم وفد بنى تميم كانا معهم، ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله  صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: "قد أذنت لخطيبكم فليقل"، فقام عطارد بن حاجب فقال: "الحمد لله الذى له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذى جعلنا ملوكًا ووهب لنا أمولاً عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددًا وأيسره عدة، فمن مثلنا فى الناس، ألسنا برؤوس الناس وأولى فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وأنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكن نخشى من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا"، ثم جلس.

فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: "قم فأجب الرجل فى خطبته"، فقام ثابت فقال: "الحمد لله الذى السماوات والأرض خَلْقُه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شىء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خيرته رسولا، أكرمه نسبًا، وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابًا، وائتمنه على خلقه؛ فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوى رحمه؛ أكرم الناس احتسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالاً، ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله  صلى الله عليه وسلم نحن؛ فنحن أنصار الله، ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا؛ فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه فى الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا. أقول قولى هذا، وأستغفر الله لى ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم".

فقام الزبرقان بن بدر فقال:

نحن الكرام فلا حَىٌّ يعادلنا               منا الملوك وفينا تُنْصَبُ البِيَعُ

وكم قَسَرْنا من الأحياء كلهم              عند النِّهابِ وفضلُ العزِّ يُتَّبَعُ

ونحن يُطْعَمُ عند القحط مُطْعَمُنا          من الشِّواء إذا لم يُؤْنَسِ القَزَعُ

بما ترى الناس تأتينا سَرَاتُهم              من كل أرض هُوِيّا ثم نَصْطَنِعُ

فننحر الكوم عُبْطًا فى أَروُمَتنا            للنازلين إذا ما أُنزِلُوا شَبِعُوا

فما ترانا إلى حى نفاخرهم                إلا استفادوا وكانوا الرأسَ تُقْتَطَعُ

فمن يفاخرنا فى ذاك نعرفه               فيرجعُ القومُ والأخبارُ تُسْتَمَعُ

إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد          إنا كذلك عند الفخر نرتفع

قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبًا فبعث إليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم، قال: فلما انتهيت إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت فى قوله وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: قم يا حسان، فأجب الرجل فيما قال، فقال حسان رضى الله عنه:

إن الذَّوائِبَ من فهرٍ وإخوتَهم             قد بينوا سنةً للناس تُتَّبع

يرضى بها كل من كانت سريرته         تقوى الإلهِ وكلُّ الخير يصطنع

قوم إذا حاربوا ضَرُّوا عدوَّهمُ              أو حاولوا النفعَ فى أشياعهم نفعوا

سجيةٌ تلك منهم غير مُحْدَثة              إن الخلائق –فاعلم– شرها البدع

إن كان فى الناس سباقون بعدهم         فكلُّ سَبْقِ لأدنى سَبْقِهم تَبَعُ

لا يَرْقَع الناس ما أوهت أكفّهُمُ            عند الدفاع ولا يُوهُون ما رقعوا

إنْ سابقوا الناس يومًا فاز سبقُهمُ          أو وازنوا أهل مجدٍ بالندى مَتَعُوا

إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد          إنا كذلك عند الفخر نرتفع

أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فى الوحى عفتُهم             لا يُطْعَمون ولا يُرديهمُ طمع

لا يبخلون على جار بفضلهمُ             ولا يمسهمُ من مَطْمَع طبع

إذا نصبنا لحى لم نَدِبَّ لهم               كما يدب إلى الوحشية الذَّرَعُ

نَسْمو إذا الحرب نالتنا مخالبُها           إذا الزعانفُ من أظفارها خَشَعوا

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم               وإن أصيبوا فلا خَوْرٌ ولا هَلَعُ

كأنهم فى الوغى والموتُ مُكْتَنَعُ           أُسد بِحَلْيةَ فى أرساغها فَدَعُ

خذ منهمُ ما أتوا عفوا إذا غضبوا         ولا يكن همك الأمر الذى منعوا

فإن فى حربهم -فاترك عداوتهم-                 شرًّا يُخَاضُ عليه السُّمُّ والسَّلَعُ

أكرم بقومٍ رسولُ الله شيعتهُم              إذا تفاوتت الأهواء والشيع

أَهْدَى لهم مِدْحَتِى قلبٌ يؤازره             فيما أحب لسانٌ حائك صَنِعُ

فإنهم أفضل الأحياء كلهم                إن جد فى الناس جدُّ القول أو شَمَعُوا

وقال ابن هشام: وأخبرنى بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله  صلى الله عليه وسلم فى وفد بنى تميم قام فقال:

أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا            إذا اختلفوا عند احتضار المواسم

بأنا فروع الناس فى كل موطن           وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم

وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا             ونضرب رأس الأصيد المتفاقم

وإن لنا المرباع فى كل غارة              تغير بنجد أو بأرض الأعاجم

قال: فقام حسان رضى الله عنه فأجابه فقال:

هل المجد إلا السؤدد العود والندى                وجاه الملوك واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا النبى محمدًا                على أنف راض من معدٍّ وراغم

بحى حريد أصله وثراؤه          بجابية الجولان وسط الأعاجم

نصرناه لما حل بين بيوتنا               بأسيافنا من كل باغ وظالم

جعلنا بَنِينَا دونه وبناتنا          وطبنا له نفسًا بفىء المغانم

ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا          على دينه بالمرهفات الصوارم

ونحن ولدنا من قريش عظيمها           ولدنا نَبِىَّ الخير من آل هاشم

بنى دارمٍ لا تفخروا إن فخركم            يعود وبالاً عند ذكر المكارم

هَبِلْتُم علينا تفخرون وأنتمُ         لنا خَوَلٌ من بين ظئر وخادم

فإن كنتمُ جئتم لحقن دمائكم              وأموالكم أن تقسموا فى المقاسم

فلا تجعلوا لله ندًّا وأسلموا         ولا تلبسوا زيًّا كزىِّ الأعاجم

قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: "وأبى إن هذا لمُؤتَى له، لَخطيبُه أخطب من خطيبنا، ولَشاعرُه أشعر من شاعرنا، ولأصواتُهم أعلى من أصواتنا"، قال: فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم فى رحالهم وكان أصغرهم سنًا، فقال قيس بن عاصم -وكان يبغض عمرو بن الأهتم-: يا رسول الله كان رجل منا فى رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به، فأعطاه رسول الله  صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم.

فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسًا قال ذلك يهجوه:

ظَللْتَ مفترش الَهلْبَاءَ تشتمنى            عند الرسول فلم تَصْدق ولم تُصِبِ

سُدْنَاكم سُؤْدَدًا رهوًا وسُؤددكم             بادٍ نواجذُه مُقِعٍّ على الذَّنَبِ

قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 4-5] .

قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزى، حدثنا الفضل بن موسى عن الحسن بن واقد عن أبى إسحاق عن البراء فى قوله: }إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} قال: جاء رجل إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد حَمْدى زين، وذمى شين. فقال: "ذاك الله عز وجل". وهذا إسناد جيد متصل.

وقد روى عن الحسن البصرى وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة، عن أبى سلمة، عن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد.. يا محمد. وفى رواية: يا رسول الله، فلم يجبه، فقال: يا رسول الله، إن حمدى لزين، وإن ذمى لشين، فقال: "ذاك الله عز وجل".

معنى الآية الكريمة:

ومعنى الآية على هذا واضح، فإنما هى تعليم للأمة أن تتخلق بالصبر والأناة والرفق والحلم، وألا تشق على الرؤساء فى الحديث واللقاء، فإن الرئيس كثير المشاغل عظيم المهام لا يتسع وقته لها جميعًا، ولا يمكن أن يكون وقته موزعًا وفق أهواء الناس ومطالبهم، فعليهم أن يدعوا له وقته ليصرفه فيما يراه خيرًا لجماعته، ولا يتألموا من ذلك ولا يظنوا به الظنون؛ فإنما تلك ضرورة من ضرورات تنظيم الأعمال، لا بد من النزول على حكمها؛ حتى لا تفوت المصالح باضطراب الأوقات وخلل نظامها.

ما يستفاد من الآية الكريمة:

والذى نستفيده من هذه الآية الكريمة بعدما تقدم من بيان معناها هذا الأسلوب الرائع الجميل المثمر فى التربية والتأديب، يعلم المؤدب ذنب المذنب فيصارحه به فى حزم وعزم، ويعرفه إياه حتى يكون على بينة منه، ويبين له بعد ذلك آثار هذا الذنب ونتائجه حتى يعلم خطرها ويستشعر ضررها، ثم يرشده بعد ذلك إلى ما كان يجب أن يفعل حتى يسير على هذا المنهج فيما بعد، ثم يظهر له الرفق والرحمة واللين والعطف حتى يتقبل بذلك النصيحة، وحتى تبرز إليه فى ثوب الإرشاد لا فى ثوب الانتقام إلا أن يكون مدمنًا على الإجرام فذلك له طريق آخر، فقوله تعالى: }يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} بيان لذنبهم، وقوله: }أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} توبيخ وبيان لنتائج هذا العمل، وقوله: }وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} تعليم لما يجب أن يكون، وقوله: }وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لطف بهم ورحمة. ألا فليأخذ من هنا المربون كيف يُقَوِّمون الأخلاق، ويُصلحون النفوس، ونعم المعلم كتاب الله.

موقف السلف من هذا الأدب:

واعلم يا أخى أن السلف -رضوان الله عليهم- على عادتهم أخذوا بهذا الأدب، وعملوا به على سنتهم فى اتباع أمر الله ورسوله..

1-     نقل عن أبى عبيد القاسم بن سلام قال: "ما دققت بابًا على عالم حتى يخرج فى وقت خروجه".

2-     وروى عن ابن عباس  رضى الله عنه أنه كان يذهب إلى أبىّ فى بيته يأخذ عنه القرآن، فيقف عند الباب، ولا يدق الباب عليه حتى يخرج، فاستعظم ذلك أبىٌّ منه، فقال له يومًا: هلا دققت الباب يا ابن عباس؟ فقال: العالم فى قومه كالنبى فى أمته، وقد قال الله -تبارك وتعالى- فى حق نبيه عليه الصلاة والسلام: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} [الحجرات: 5].

يا أخى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده(2).

 

أهمية التثبت مما يقال

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فى كَثِيرٍ مِّنَ الأممْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 6-8].

معاني بعض المفردات:

الفسق: الخروج عن طاعة الله تبارك وتعالى.

والعنت: دخول المشقة على الإنسان، وهو الفساد والهلاك وما فى هذا المعنى.

سبب النزول:

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت فى الوليد بن عقبة بن أبى معيط حين بعثه رسول الله  صلى الله عليه وسلم على صدقات بنى المصطلق، وعلى رأسهم الحارث بن ضرار والد أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحارث، وحجتهم فى ذلك ما رواه الإمام أحمد بسنده عن الحارث بن ضرار الخزاعى، قال: قدمت على رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فدعانى إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعانى إلى الزكاة، فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع [إلى قومى] اليوم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة؛ فمن استجاب لى جمعت زكاته، وترسل إلى يا رسول الله رسولا إبَّان كذا وكذا (أى وقت) ليأتيك بما جمعت من الزكاة.

فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذى أراد رسول الله  صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله –تعالى- ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم كان وقَّت لى وقتًا يرسل إلى رسوله ليقبض ما كان عندى من الزكاة، وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسول الله إلا من سخطه، فانطلقوا بنا نأتى رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله  صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرَقَ (أى خاف)، فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعنى الزكاة، وأراد قتلى. فغضب رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وبعث البعث إلى الحارث  رضى الله عنه وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث "أى الجيش الذى بعثه الرسول  صلى الله عليه وسلم ليحاربه على منعه الزكاة"، وفصل عن المدينة قالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته من الزكاة وأردت قتله، فقال  رضى الله عنه: لا والذى بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتة ولا أتانى، فلما دخل الحارث على رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولى؟ قال: لا والذى بعثك بالحق ما رأيته ولا أتانى، وما أقبلت إلا حين احتبس علىَّ رسولُ رسول الله  صلى الله عليه وسلم خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله. قال: فنزلت الحجرات }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].

وروى هذا الأثر على هذا الوجه من طرق كثيرة، ورواه ابن جرير الطبرى بنحوه، وزاد فيه أن الوليد وصل إليهم فسُرُّوا به وهشوا له واجتمعوا حوله، ولكن خيل إليه الشيطان أنهم يتآمرون بقتله فانقلب راجعًا وقال ما قال.

هذا ما ذكره المفسرون فى سبب نزول هذه الآية على هذا الوجه، وعليه تكون الآية إرشادًا للرسول  صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه أن يتبينوا فى مثل هذه الأنباء حتى يتأكدوا من صحتها.

وهناك رواية أخرى فى سبب النزول هى ما أخرجه عبيد بن حميد عن الحسن، قال: أتى النبى  صلى الله عليه وسلم (هكذا بدون ذكر الآتى) فقال: يا نبى الله إن بنى فلان (حى من أحياء العرب – وكان فى نفسه عليهم شىء، وكان حديث عهد بالإسلام – قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله تعالى، فلم يعجل رسول الله  صلى الله عليه وسلم ودعا خالد بن الوليد فبعثه إليهم، ثم قال: "ارمقهم عند الصلوات، فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم، وإلا فلا تعجل عليهم".

 فدنا منهم بعد غروب الشمس، فكَمَن حتى يسمع الصلاة فرمقهم، فإذا هو بالمؤذن قد قام عند غروب الشمس، فأذن، ثم أقام الصلاة فصلوا صلاة المغرب، فقال خالد: "ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا صلاة غير هذه"، ثم كمن حتى إذا جنح الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا، فقال: "لعلهم تركوا صلاة أخرى"، فكمن حتى إذا كان جوف الليل تقدم حتى أطلع الخيل بدورهم، فإذا القوم تعلموا شيئًا من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرءونه، ثم أتاهم عند الصبح، فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن، وأقام فقاموا وصلوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصى الخيل فى ديارهم، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: خالد بن الوليد، قالوا: يا خالد ما شأنك؟ قال أنتم والله شأنى، أتى النبى  صلى الله عليه وسلم فقيل له: إنكم تركتم الصلاة، وكفرتم بالله تعالى، فجثوا يبكون، فقالوا: نعوذ بالله تعالى أن نكفر أبدًا. فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى النبى صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ} الآية، وعلى هذا تكون الآية تقريرًا من الله -تبارك وتعالى- لفعل النبى  صلى الله عليه وسلم وإرشادًا للمؤمنين أن يقتدوا به  صلى الله عليه وسلم. 

وفى هذا الخلق الفاضل خلق التثبت والتبين قبل البت والقطع وهذا السياق فضلاً عما فيه من هذه اللطيفة هو المتسق مع نظم القرآن الكريم فى الآيات التالية المتممة للموضوع، وإن كانت الرواية الأولى أشهر وأعرف عن جمهور المفسرين.

الرأى المختار:

وعندى أنه ليس ما يمنع من أن تكون الثانية متممة للأولى بأن يكون الرسول  صلى الله عليه وسلم قد أرسل الوليد بن عقبة وفقًا للرواية الأولى، فلما خاف وعاد وكان منه ومن القوم ما كان وشى بهم إلى الرسول  صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم الرسول  صلى الله عليه وسلم خالدًا وأوصاه بالتبين وفقًا للرواية الثانية، وبذلك يجمع بين الروايتين ولا سيما ورئيس البعث فى كلتيهما خالد، والسبب فيهما واحد، والواشى مجهول فى الثانية مذكور فى الأولى، ومهما يكن فقد عرفت أن السبب أن واشيًا وشى بقوم إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فأرشد الله عباده إلى ما يجب أن يكون فى مثل هذه القضية.

معنى الآية:

ومعنى الآية الكريمة على هذا: يا أيها الذين آمنتم وصدقتم بكتاب الإسلام ورسول الإسلام ليكن شأنكم إذا نقلت إليكم الأخبار والأنباء أن تتأكدوا من صحتها، وتتبينوا حقيقة شأنها، ولا تأخذوها على علاتها؛ فقد يؤدى ذلك إلى عمل غير محكم يؤدى إلى الندم، فعليهم أن يقلِّبوا الأمور على وجوهها، ويزنوها بميزان العقل والحكمة والتبصر، ثم بين لهم -تبارك وتعالى- بعد ذلك أن بين ظهرانيهم ميزانًا آخر عليهم أن يزنوا به هذه الأمور فيرجعوا إلى أمره وينزلوا عند حكمه، ذلكم هو الوحى والرسول  صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت القاعدة العامة فى إدراك حقائق الأشياء نلمسها بنور العقل فليعلم المؤمنون أن بين ظهرانيهم طريقًا آخر لإدراك هذه الحقائق هو الرسول  صلى الله عليه وسلم الذى ينزل عليه أمر الله ووحيه، فعليهم أن يطيعوه، وأن يرجعوا إلى رأيه فى مثل هذه الشئون، ولو أنه  صلى الله عليه وسلم أطاعهم ونزل على رأيهم -وهم لم يتبينوا فى كثير من الشئون حقيقتها- لأصابهم من ذلك جهد ومشقة، ولكن الله -تبارك وتعالى- حبب الإيمان والتصديق والتفويض والتسليم لرسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى نفوس المؤمنين وزينه فى قلوبهم، وبغض إليهم الخروج على رسول الله  صلى الله عليه وسلم ودينه القويم سواء كان ذلك الخروج كفرًا وهو أشد المعاداة للدين، أو فسقًا وهو المخالفة فى الكبائر، أو عصيانًا وهو مطلق المخالفة. فقد تدرج من الكبير إلى الصغير، فكأن المخالفة بكل أنواعها بغضها الله إلى المؤمنين وهم بذلك فى رشاد وهدى؛ فضلا من الله تفضَّل به عليهم، ومنة قدمها إليهم، وهو عليم بجميع شئونهم، حكيم فى منحهم فضله ومنته، وإذا كان هذا هو شأن المؤمنين فعليكم يا أصحاب محمد  صلى الله عليه وسلم ويا من جاء بعدهم أن تكونوا على هذا الوصف حتى تكونوا من الراشدين الفائزين بفضل الله ومنته.

ما يستفاد من الآية الكريمة:

ونستطيع أن نستفيد من الآية الكريمة هذه الأحكام جميعًا وفوق كل ذى علم عليم:

1-     أن النميمة والوشاية وتقوُّل الوقائع الكاذبة على الناس بغير حقيقةٍ نوعٌ من أنواع الفسق يدمغ صاحبه بوصف من أوصاف العار، ويجعله بعد أن كان طائعًا فاسقًا؛ فهو عمل من أكبر الكبائر، ومن علامات الكبائر فى الدين أن يرد فيه وعيد أو يوصف بوصف كهذا الوصف المقيت البغيض.

2-     أن من واجب المؤمنين أمام هذه الأخبار أن يتثبتوا من صحتها وألا يعملوا بها حتى تثبت لديهم، فإن الواشين هم آفة الصلات، وهم الذين يشقون العصا، ولا يتركون أديمًا صحبته، وما تهدمت الروابط ولا انقطعت الأواصر ولا تحركت فتنة نائمة إلا وكان سبب ذلك فرية منقولة، أو وشاية منقولة. ولقد وشى بعضهم برجل إلى أمير المؤمنين على -كرم الله وجهه- فقال للواشى: يا هذا، إن شئت جمعنا بينك وبين الرجل، فنظرنا صدق ما جئت به، وإن شئت أقلناك ولا تعد. فقال: أقلنى أقالك الله يا أمير المؤمنين، فتركه فقام يجر أذياله خجلا. ووشى بعضهم بصاحب له إلى أحد الخلفاء، فلما جمع بينهما تمثل الموشى به بقول القائل:

وأنت امرؤ إما ائتمنتك صادقًا            فخنت وإما قلت قولا بلا علم

فَأُبْتَ من الأمر الذى كان بيننا           بمنزلة بين الخيانة والإثم

ثم قال: يا أمير المؤمنين أما إن كان صادقًا فقد خان الأمانة وأفشى السر، وإن كان كاذبًا فقد افترى، وقد سمى الله الناقل فاسقًا، فما كان الحق ليصفه بالفسق ويكون قوله عند أمير المؤمنين حجة، فوبخ الخليفة النمام ولم يأخذ بقوله. فمن أدب الإسلام ألا يشجع المسلمون المتقولين؛ بل عليهم أن يتأكدوا قبل أن يقدموا.

3-     أن من واجب المؤمنين أن يرجعوا إلى قول الله ورسوله، وأن يجعلوا قواعد الإسلام فى كل شأنهم هى الأساس الذى تدور عليه تصرفاتهم، فإنها من وضع الحكيم العليم الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وهم إذا فعلوا ذلك فقد رشدوا وصاروا فى عداد المؤمنين الذين تفضل الله عليهم بنعمة الإيمان الكامل، وامتن عليهم بحلاوتها وزين قلوبهم بأنوارها 

وهنا مسألتان:

أ- هل التبين والتثبت واجب أمام خبر الفاسق الذي عرف بالفسق قبل النقل أم هو واجب مطلقًا، ولا يثبت وصف الفاسق للناقل إلا بعد ثبوت كذبه وافترائه؟ والذي يمكن أن نستفيده من الآية الكريمة أن التثبت واجب أمام خبر الفاسق الذي عرف بالفسق قبل النقل وجوبًا مؤكدًا.

وواجبٌ أمام الأخبار مطلقًا وجوب احتياط، وأن الوصف لا يثبت إلا بأحد أمرين: إما أن يقصد الإفساد بنقله هذا ولو كان صحيحًا، وإما أن يثبت كذبه.

ب- وهل يستدل بهذه الآية الكريمة على أن من الصحابة -رضوان الله عليهم- من ليس بعدل، وفى هذه المسألة أقوال كثيرة لا نفيض فى ذكرها، ولكنا نجمل ونقف مع الآية الكريمة، فنقول: إن الصحابة -رضوان الله عليهم- ليسوا بمعصومين عن الوقوع فى الخطأ، وهذه الآية تدل على أن واحدًا منهم ارتكب خطأ وأذنب، ولكنهم مع هذا أقرب الناس إلى التوبة وأرجاهم قبولا عند الله -تبارك وتعالى- والتوبة النصوح تمحو ما قبلها، فلئن كان الناقل فاسقًا حين النقل فهو عدل بعد التوبة النصوح، وأنت عليم أن ماعزًا  رضى الله عنه قد ارتكب وزرًا عظيمًا وهو جريمة الزنا، ولكنه بعد ذلك تاب توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم بشهادة رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

وأن حاطب بن أبى بلتعة نقل إلى الكفار بعض أنباء الرسول  صلى الله عليه وسلم ثم صرح رسول الله  صلى الله عليه وسلم بعد اعتذاره بأن الله عفا عنه وغفر له. وهؤلاء الثلاثة المخلفون من خيار الأنصار تخلفوا فى ساعة العسرة، ثم نزل القرآن بتوبة الله عليهم توبة خلدها لهم القرآن ما دامت السماوات والأرض؛ فليس فى الآية ما يدل على تنقص قدرهم -رضوان الله عليهم- وهم مصابيح هذه الأمة ومفاتيح الخير لها، رضى الله عنهم وغفر لنا ولهم.

وقد ورد أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم حين نزلت الآية قال: "التبين من الله، والعجلة من الشيطان". فتمسك بهذا الخلق الفاضل، وخذ فى كل أمر بالتثبت والأناة والرفق واللين يعصمك الله من الزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل(3).

 

أهمية الإصلاح بين المؤمنين

{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا التى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].

معاني بعض الآيات:

الطائفة: الجماعة والفئة من الناس.

والبغى: الظلم والعدوان.

والفىء: الرجوع والامتثال.

 والقسط: العدل والإنصاف.

سبب النزول:

وسبب نزول هذه الآية خلاف وقع بين الأوس والخزرج -رضوان الله عليهم- جميعًا أو هو بين جماعتين من الأنصار مطلقًا.

روى البخارى فى كتاب الصلح عن مسدد، وروى نحوه مسلم فى كتاب المغازى عن عبد الأعلى، وروى الإمام أحمد فى مسنده عن أنس قال: قيل للنبى صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبى، فانطلق إليه النبى  صلى الله عليه وسلم وركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون فى أرض سبخة فلما انطلق النبى صلى الله عليه وسلم إليه قال: "إليك عنى، فوالله لقد آذانى ريح حمارك"، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله  صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك، قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدى والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

وفى بعض روايات هذا الحديث أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم ما كان زائرًا لعبد الله بن أبى، ولكنه كان يعود مريضًا، فمر به، فقال ما قال؛ فكان ما كان. وفى بعض الروايات أيضًا تصريح باسم الرجل الذى انتصر لنبى الله  صلى الله عليه وسلم وهو عبد الله بن رواحة  رضى الله عنه.

وذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال ولم يذكر سببه، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمره أن يصلح بينهما.

وقال السدى: إن رجلا من الأنصار اسمه عمران كانت له امرأة تدعى أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها، وجعلها فى مكان عال لا يدخل عليها أحد من أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها، وأنزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل كان قد خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية، فبعث إليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله.

موقف المؤمنين من الطائفتين المختلفتين:

ذلك مجمل ما ذكر فى أسباب نزول الآية الكريمة، وهاأنت ترى أن سببها أن قومًا اختلفوا فبين الله -تبارك وتعالى- موقف بقية المؤمنين من الفئتين المختلفتين بهذه الآية الكريمة، ويتلخص هذا الموقف فيما يأتى:

أولا: أن المؤمن قد أعطاه الله حقا عليه أن يستخدمه ويقوم بواجبه، هذا الحق هو أن يكون داعية السلام ونصير الحق فى أى موطن وفى أى وقت، فمن واجب المسلم الدينى على هذا أن يكون دائمًا مصدر توفيق وهداية وأمن وسلام، وأن يعمل لذلك ما استطاع إليه سبيلا، وأن من واجبه كذلك إذا أبى الناس عليه الحق الأول أن يستخدم القوة حتى يعود الحق إلى نصابه؛ فالإسلام لا يرضى للمسلم بهذا الموقف السلبى أمام حق يغتصب ولو من غيره، وباطل يطغى ولو على سواه، وسلام تعبث به المطامع وإن كان ذلك بعيدًا عنه، بل عليه أن يعمل للخير فى ذاته وإن كان خيرًا للجماعة لا لشخصه.

وثانيًا: أن من واجب المسلم فى مثل هذا الموقف أن يتقدم بالنصيحة أولا، وأن يبين الحقائق بالدليل والبرهان، وأن يزيل ما عساه أن يكون من شبهة بين الفريقين.

وثالثًا: أن الأساس الذى يجب أن يدعو إليه المصلح ويرجع إليه المتخاصمان محدود معروف واضح؛ هو حكم الله وأمره من غير أن تحرفه الأهواء، أو تعطله الغايات والأغراض؛ فذلك هو الدستور الذى لا يقدح فيه ولا يخرج على حكمه إلا كل معتد أثيم.

رابعًا: أن من حق المسلم إذا أهملت الفئة القوية الباغية هذا الأساس أن ينضم إلى الفئة الأخرى، فيكون فى صفها؛ حتى تنتصف ويرتد عنها عدوان المفسدين وحيف الظالمين، فإن أبت الفئتان جميعًا النزول على حكم الله فهما خارجتان؛ فمن واجبه أن يردهما جميعًا إلى الحق، وأن يقف منهما موقف الخصومة حتى يخضد شوكتهما، ويفل غربهما، وتضعف قوتهما، وترجعا إلى حكم الله، فإن الحق لا يرهب صولة أحد، ولا يدخر المؤمنون فى سبيل نصرته نفسًا أو مالا، وإنما يعيش المسلم فى هذه الحياة بالحق للحق.

خامسًا: إذا رجعت الفئتان إلى حكم الله فمن واجب المحكمين أن يتحروا العدل والقسط والإنصاف، وألا يجوروا فى حكم أو يظلموا فى قضية أو يتأثروا بهوى، فإن الحق أحق أن يتبع، ولن يجتمع الحق والهوى فى قرن، والله يحب المقسطين العادلين الذين لا يتأثرون فى حكمهم، ولا يهضمون العدل فى قضاياهم.

الآية خطاب لكل مؤمن:

واعلم يا أخى أن المخاطب بهذا الخطاب فى الأمة الكريمة هم المؤمنون جميعًا، فكل مسلم مكلف كفرد بإنفاذ مضمون هذه الآية تحقيقًا لمدلولات القرآن الكريم وأوامره ونصوصه، ولكن كيفية هذا التنفيذ تختلف باختلاف البيئات والظروف وطبائع الأشياء، فإذا كان الخلاف بين أفراد الأسرة فولى أمرها وراعيها وجيرانها ومعارفها مخاطبون بهذه الآية الكريمة وعليهم إنفاذها، فإن لم ينفذها أفراد الأسرة رفعوا أمرهم إلى من يستطيع إلزامهم الحق، وساعدوا ما استطاعوا على أن يعود الحق إلى نصابه بكل الوسائل الممكنة لهم.

وإذا كان الخلاف بين أفراد القرية أو البلد كان ذلك واجب الرؤساء والوجهاء وذوى الرأى والمكانة فيهم، وإذا كان بين أفراد الأمة وهيئاتها كان ذلك واجب الإمام، وهو الحاكم العام للمسلمين سواء كان خليفة أو ملكًا أو أميرًا، وعليه أن يستخدم فى ذلك الجيش الإسلامى، ويكون من يجاهد البغاة فى تلك المواقف بسبب بغيهم مجاهدًا فى سبيل الله.

وهكذا ترى دائرة التنفيذ تتسع وتضيق بحسب حدود الخلاف وأقطاره.

وأظنك عرفت من هذا أن القرآن الكريم -وهو دستور العالم الشامل الكامل- قد وضع بهذه الآية الكريمة نظام التحكيم (بروتوكول التحكيم) قبل أن يفكر الغربيون فى عصبة الأمم بأكثر من ألف عام، وأظنك عرفت أيضًا أن الآية قد أحاطت هذا النظام بسياج من العدالة والقداسة جعلته للحق وحده على حين نرى التحكيم الغربى كلمة حق يراد بها باطل، ووسيلةً كلُّ ما يقصد من ورائها تلمُّسُ الحيل ليصطبغ عدوان القوىِّ على الضعيف بصبغة يقولون إنها شرعية.

مبادئ اجتماعية مستفادة:

وقد قررت الآية الكريمة للمسلمين عدة مبادئ من أسمى المبادئ الاجتماعية وأعظمها نفعًا للأمم والشعوب، منها:

أولا: وجوب وحدة الأمة والعمل على سلامة هذه الوحدة وصيانتها من العبث والبغى، وفى ذلك يقول الله -تبارك وتعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].

ثانيًا: وجوب إصلاح ذات البين، وهو خلق شريف وعمل فاضل حث عليه الإسلام ورفع من قدره الكتاب والسنة، يقول الله -تبارك وتعالى-: {لاَ خَيْرَ فى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ ففَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].

وروى أبو داود والترمذى وابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هى الحالقة". وزيد فى رواية: "لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".

وروى البزار والطبرانى عن أنس أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال لأبى أيوب: "ألا أدلك على تجارة؟ قال: بلى، قال: صِلْ بين الناس إذا تفاسدوا، وقرِّب بينهم إذا تباعدوا". والآثار فى ذلك أكثر من أن تحصر.

ثالثًا: الانتصار للمظلوم حتى ينال حقه، وهذا خلق إذا نما فى الأمة علَّمها العزة، ورفع عنها الذلة، وزادها ارتباطًا وحبًّا وأخوة وقربًا، وقد حث عليه كذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ فقد قال الله تعالى فى وصف المؤمنين: }وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} [الشورى: 39]. وروى أبو داود فى الحديث الشريف عن جابر وأبى طلحة -رضى الله عنهما- أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يخذل امرءًا مسلمًا فى موضع تُنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا فى موضع يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته".

رابعًا: وجوب تغيير العدوان وإقامة العدل مهما كانت العوائق فى سبيل ذلك، وروى الطبرانى والبزار فى الحديث "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوى غير متعتع".

ومن أروع المثل النبوية الشريفة فى هذا المعنى ما رواه البخارى عن النعمان بن بشير -رضى الله عنهما- أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا فى سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها؛ فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا؛ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".

وبعد.. فهذه بعض المبادئ السامية التى أشارت إليها آية واحدة من كتاب الله.. فهل تطمع أمة تتعشق الكمال فى أروع من هذا السمو؟ اللهم لا(4).

 

إنما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10].

بعد أن ألزم الحق -تبارك وتعالى- المؤمنين أن يقيموا قسطاس العدل، ويحافظوا على وحدة الأمة الإسلامية أرشدهم من طريق آخر إلى معنى ثانٍ يوجب المحافظة على هذه الوحدة والعمل على سلامتها، ذلك المعنى هو الصلة التى ربط بها الإسلام بين قلوبهم، وهى أخوة الإيمان.

والعقيدة يا أخى أقوى من الروابط بين الناس إذا سلمت وصحت وقويت فى نفس صاحبها، ومنشأ ذلك أن صاحب العقيدة القوية يرى نفسه مفردًا بسبب هذه العقيدة عن الناس وحيدًا بينهم غريبًا فيهم، فهو فى مسيس الحاجة إلى من تسكن إليه نفسه ويأنس به قلبه ويشتد به أزره، وليس فى ذلك إلا رجل اعتقد مثل عقيدته وآمن بمثل ما آمن به، هنالك يلتئم الروحان ويتحد القلبان وتسكن ثائرة النفس ويستشعر كل منهما بالآخر روح الأنس، ويود أحدهما لو يفتدى الآخر بالدنيا وما فيها، وما قيمة الدنيا وما فيها إذا خلت من أنيس يرتاح إليه القلب وتسكن معه النفس، هذا هو منشأ الوحدة والارتباط فى نفوس أهل العقيدة الواحدة والمبدأ المتفق.

 وإنك لترى بين الناس روابط كثيرة من نسبية وعصبية وصداقة ومعرفة واشتراك فى تجارة أو مصلحة أو غاية مما يرتبط بهذه الأغراض الزائلة، فترى كل الروابط سريعة الزوال وشيكة الانحلال، على حين ترى أهل العقيدة الواحدة على قلب واحد وشعور واحد، والله -تبارك وتعالى- يقول: }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] على حين وصف المنافقين وهم الذين تذبذبت عقائدهم واضطرب ميزان إيمانهم بقوله: }تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: 14].

وهناك معنى آخر من معانى توحيد العقيدة بين قلوب أبنائها الذين أخلصوا لها ذلك؛ أن كلا منهم قد فنى فيها، وامتزج بها، فصار جزءًا منها، وصارت جزءًا منه؛ فهم جميعًا يفتدونها، وهم جميعًا يفتدى كل منهم الآخر؛ لأن افتداءه إياه افتداء للعقيدة نفسها، وذلك تعبير قد لا يراه واضحًا إلا مؤمن غربته عقيدته بين الناس فرأى كيف يسعد بمن يجد ممن على شاكلته، وكيف يلذ له أن يفتديهم بنفسه معتقدًا أن فى ذلك خدمة جُلى لعقيدته.

سر قوة المسلمين الأوائل:

هذا الارتباط بين أبناء العقيدة الواحدة هو الذي جعل من الصفوف الإسلامية الأولى كتلة متراصة يتجلى عليها الحق -تبارك وتعالى- بمحبته ويصفها بقوله: }إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4]. وهذا الارتباط هو الذى جعل كل أنصارىٍّ يحرص على أخ مهاجر لم يتصل به من قبل، ولم يتعرف عنه شيئًا إلا أنه أخوه فى العقيدة حتى روى البخارى: "ما نزل مهاجر على أنصارى إلا بقرعة"، وحتى خلد الله هذه المنقبة للأنصار بالآية الكريمة:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

وبإزاء هذا الارتباط ترى التنابز والخلاف بين أبناء العقائد المتباعدة حتى إن كثيرًا من الناس من ضحى بأهله ونازلهم وجالدهم ونال منهم فى سبيل عقيدته، وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟ هذا أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة  رضى الله عنه يقتل أباه فى سبيل الله والله -تبارك وتعالى- يقول: }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فى إِبْرَااهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، ثم حكى الحق -تبارك وتعالى- عن إبراهيم أنه حين تبين له أن أباه عدو لله تبرأ منه، هذا إيمان صادق قوى لا خداع فيه ولا تذبذب، وإنما يعيش المؤمنون بقلوبهم وعقائدهم، فاللهم ارزقنا صدق الإيمان.

الأخوة الإسلامية فى السنة الكريمة:

واعلم يا أخى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدنا فى أكثر من حديث إلى جليل قدر الأخوة الإسلامية، وصورها لنا فى أكثر من حديث أروع تصوير وأدقه، وإليك بعض ذلك وكله فى الصحيح:

1-     "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

2-     "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا"، وشبك بين أصابعه  صلى الله عليه وسلم.

3-     "إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما فى الرأس" (وهذا الحديث انفرد به أحمد ولا بأس بإسناده)، ثم إن الحق -تبارك وتعالى- أكد بهذه الآية ما أرشد المسلمين إليه فى التى قبلها من وجوب السعى بالصلح بين المختلفين منهم، فقال -تبارك وتعالى-: }فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، فشد يدك يا أخى على أخوة أهل الإيمان، وسنبين بعض حقوق هذه الأخوة فيما يلي إن شاء الله(5).

 

السخرية واللمز والتنابز ليست من أخلاق المؤمنين

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

سبب النزول:

قال ابن عباس -رضى الله عنهما-: نزلت هذه الآية فى ثابت بن قيس بن الشماس، وذلك أنه كان فى أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر، فلما انصرف النبى  صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد؛ فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسًا يجلس فيه قام قائمًا كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله  صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا، فقال له الرجل: قد أصبت مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبًا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقال له ثابت: ابن فلانة؟ وذكر أمًّا له يعيره بها فى الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله هذه الآية.

وقال الضحاك: نزلت فى وفد بنى تميم الذين تقدم ذكرهم فى الآية قبلها، وقد كانوا يستهزئون بفقراء الصحابة -رضوان الله عليهم- مثل: عمار، وخباب، وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى أبى حذيفة لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله تعالى فى الذين آمنوا منهم الآية.

وروى عن أنس أنها نزلت فى نساء رسول الله  صلى الله عليه وسلم حين عيرن أم سلمة بالقصر؛ فقد روى أن عائشة وحفصة -رضى الله عنهما- رأتا أم سلمة ربطت حقويها بثوب أبيض وسدلت طرفه خلفها، فقالت عائشة لحفصة تشير إلى ما تجر أم سلمة خلفها: كأنه لسان كلب، فنزلت الآية، وقد روى كذلك أن عائشة -رضى الله عنها- كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة فنزلت الآية.

وعن عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت فى صفية بنت حيى حين قال لها النساء: "يهودية بنت يهوديين" فنزلت. وقيل: نزلت بسبب عكرمة بن أبى جهل وكان يمشى بالمدينة فقال له قوم: "هذا ابن فرعون هذه الأمة"، فعز ذلك عليه وشكاهم إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فنزلت.

الرأى المختار:

وكل ذلك محتمل جائز، وكما أن كل رواية من هذه الروايات تصلح سببًا للنزول؛ فجميعها كذلك يصلح سببًا للنزول. وروى أبو داود والإمام أحمد بسنده عن أبى جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت، فى بنى سلمة }وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ}. قال: قدم رسول الله  صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدهم منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت.

معاني بعض المفردات:

والسخرية: الاحتقار والاستهانة وذكر العيوب والنقائص على وجه فيه تهكُّم وزراية، وكما تكون بالقول تكون بالمحاكاة والإشارة والتقليد ونحوها.

والقوم: الجماعة من الناس رجالا ونساء، وإطلاقه على الرجال أكثر كما فى قول زهير:

وما أدرى ولست إخال أدرى              أقوم آل حصن أم نساء

واللمز: العيب، قيل: اللمز بالمقال، والهمز بالفعال، وهما صفتان مذمومتان؛ فقد قال تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1].

والتنابز بالألقاب: التداعى بالألقاب المكروهة بقصد الإيذاء والنيل من صاحبها؛ سواء كانت له شخصيًّا أو لأسرته أو لأبيه أو لأمه. قال النووى: أجمع العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء كان صفة له أو لأبيه أو لأمه أو غيرهما.

معنى الآية الكريمة:

ومعنى الآية الكريمة على هذا: أن الله -تبارك وتعالى- ينهى المؤمنين عن عدة خصال من خصال الشر التى يترتب عليها شق العصا، ووقوع البغضاء والكراهية بين الناس، وتفريق وحدة المسلمين، والقضاء على أخوتهم ومحبتهم. من هذه الخصال أن يحقر بعضهم بعضًا سواء أكانوا رجالا ينتقصون رجالا أم نساء ينتقصن نساء، وأن يعيب بعضهم بعضًا بقول أو إشارة أو لقب بغيض إليه أو نحو ذلك. ثم بين لهم -تبارك وتعالى- أن ظلمة هذا الشر لا تتفق مع نور الإيمان، وأن نعمة الأخوة لا تقابَل بأسباب القطيعة؛ فمن فعل شيئًا من ذلك ثم لم يتب منه فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية، وظلموا غيرهم بهذا الأذى.

السنة تنهى عن هذه الصفات:

وكما ورد النهى عن هذه الخصال فى الآية الكريمة فقد أكد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فى عدة أحاديث من أحاديثه الشريفة.

1-     روى مسلم عن أبى هريرة  رضى الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، -ويشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله".

2-     وروى أحمد عن أبى ذر  رضى الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال له: "انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى".

3-     وروى الترمذى عن أنس قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "كم من أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره منهم: البراء بن مالك"، والأحاديث فى ذلك كثيرة.

الارتباط بين هذه الآية وما قبلها:

والارتباط بين الآية الكريمة والآيات قبلها واضح، فإنه -تبارك وتعالى- حين بَيَّن صلة المؤمن بالمؤمن، وأنها أخوة فوق أخوة النسب أرشد المؤمن إلى حقوق هذه الأخوة، وأولها أن يحافظ بعضهم على كرامة بعض محافظة دقيقة؛ فلا ينتقصها بسخرية ولا لمز ولا نبز. وأنت إذا أنعمت النظر رأيت أن هذه الثلاثة هى أول أبواب الشر والخصومة بين الناس.

يستهين أحدهم بأخيه فيهزأ منه ويسخر، ثم يلمزه ويعيبه، ثم يناديه بلقب يكرهه، فتتولد من ذلك كراهية وبغضاء؛ لهذا أدب الله المؤمنين بترك هذه الخصال، وسد هذا الباب حتى تظل وحدتهم سليمة وكلمتهم مجتمعة.

حكم فقهى:

واعلم يا أخى أن الألقاب المستقبحة إذا جرت مجرى الأعلام ولم يكن صاحبها يتأذى بها لاستملاحها؛ فإن نداءه بها لا يكون نبزًا؛ كما يقال سليمان الأعمش، وواصل الأحدب وهكذا. وقد قال ابن مسعود لعلقمة: تقول أنت ذلك يا أعور. والفضل على كل حال أن يخاطب الإنسان الناس بأحب أسمائهم إليهم حتى يعوّد لسانه الطيب من القول.

ثم إن كان ذلك من خلق أحد فى الماضى فعليه أن يتوب ويستقبل عهدًا جديدًا، ويتحلل من ذلك باستسماحهم، وطلب الصفح منهم إن لم ينجم عن ذلك شر يخشى تطايره، فإن خشى الشر أقبل على الدعاء لهم والندم على ما كان منه والاستغفار حتى يمن الله عليه بالتوبة الصادقة والنصوح {وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25](6).

 

أخلاق ذميمة

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12].

معاني بعض المفردات:

اجتناب الشىء: تركه والبعد عنه.

والظن: التهمة، وتوهم الشىء من غير تحقيق ودليل قوى.

والإثم: الذنب.

والتجسس: التطلع إلى معرفة ما غاب عن الإنسان، والعمل على ذلك بالاستماع أو النظر أو البحث.

والاغتياب: أن تذكر أخاك بما يكره وهو غائب عنك لا يسمع قولك، وقد شبه القرآن هذا العمل بمن يأكل لحم الميت؛ إذ إن الغائب كالميت فى عدم السماع، ونهش العرض كأكل اللحم، كلاهما تقطيع للشخص ونيل منه، وكلاهما عمل متقذر تعافه النفوس وتأباه الطباع اللئيمة فضلاً عن الكريمة. 

سبب النزول:

روى البغوى أن الآية الكريمة نزلت فى رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضم سلمان الفارسى إلى رجلين فى بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل (أى مكان النزول للراحة)، فغلبته عيناه فلم يهيئ لهما شيئًا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئًا؟ قال: لا، غلبتنى عيناى، قالا له: انطلق إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعامًا، فجاء سلمان إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم وسأله طعامًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له إن كان عنده فضل من طعام وإدام فليعطك"، وكان أسامة خازن رسول الله  صلى الله عليه وسلم وعلى رحله، فأتاه فقال: ما عندى شىء، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة طعام ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئًا، فلما رجع قالا: "لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها"، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فلما جاء إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال لهما: "ما لى أرى خضرة اللحم فى أفواهكما؟" قالا: والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحمًا، قال: "بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة"، فأنزل الله -عز وجل-: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12].

معنى الآية الكريمة:

أمر الله المؤمنين فى هذه الآية أن يبتعدوا عن خصال ثلاثة: كثير من الظن، والتجسس، والغيبة، وإنما نهاهم عن هذه الثلاث؛ لأنها موجبة للفرقة والبغضاء، جالبة للكراهية والعداء، قاطعة لأخوة الإيمان ورابطة الحب الإسلامى، وكثيرًا ما تكون غير حقيقة، فيندم صاحبها بعد أن يكون قد قضى الأمر و"سبق السيف العذل".

قد تقابل أخاك فتراه كئيبًا فتظن أنه إنما اكتئب لرؤيتك وقطب للقائك وأظهر هذا النفور إيذاء لك، وتبنى على هذا الظن عملاً وهو أن تقاطع هذا الأخ وتبتعد عنه، ثم يتبين لك بعد ذلك فساد الظن، وأنه إنما كان كذلك لأنه وقع له حادث جلل كفقيد عزيز أو خسارة مال أو مهمة من مهمات شأنه أظهرته بالمظهر الذى ظننته نفورًا منه ووحشة، فتندم وتتألم.

وقد تتلمس العيب لأخيك ويتاح لك أن تراه على حال غير مرضية فى ظنك كأن تراه مع امرأة لا تعرفها يضحك لها وتضحك له، فتنشر ذلك عنه وتتحدث به ثم يتبين لك بعد ذلك أنها زوجه أو أخته فتندم وتتألم. وقد تنقل عن أخيك قولاً لم تفهم مغزاه أو عملاً لم تدرك ملابساته وظروفه وتنتقصه بذلك وتعيبه ثم يتبين لك أن ذلك غير صحيح فتندم وتتألم.

لهذا نهى الله المؤمنين عن هذه الخصال الثلاثة وأوصاهم بتركها والبعد عنها.

وإذا تأملت رأيت دقة الترتيب ومتانة الصلة بينها، فهى جميعًا أخوات يستتبع بعضها بعضًا، وتكون ثلاث حلقات متصلة أشد الاتصال فى سلسلة الشرور والآثام، يبدأ الأمر بظن سيئ فيحمل هذا الظن صاحبه على التجسس وأن يتحدث بما توهم من عيوب ونقائص، فيكون قد ارتكب الجرائم الثلاثة جميعًا، وقلما يقتصر الأمر على واحدة.

ولما كان من الظنون ما هو حسن جميل كأن تظن بإخوانك المؤمنين الخير والكمال والاستقامة بل إن من الظنون التى تتصل بناحية النقص فى المظنون به ما هو خير، وذلك أن يحمل الظن على الاحتراس والأخذ بالحيطة والحذر دون انتقاص أو عيب أو ظلم أو عدوان أو مؤاخذة لما كان ذلك كذلك عبر الحق -تبارك وتعالى- فى النهى عن الظن باجتناب الكثير منه وبأن بعض الظن إثم؛ حتى تكون هذه الأنواع التى ينجم عنها الخير خارجة عن النهى، وفى كلام العرب مما ينسبونه إلى أكثم بن صيفى -حكيم تميم-: "حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة". وفى الأثر: "احترسوا من الناس بسوء الظن". فكل ما هو من هذا الباب إنما يحمل على ما ذكرت لك من الظن الذى يؤدى بصاحبه إلى الحذر دون انتقاص أو عدوان ومؤاخذة.

السنة تنهى عن هذه الخصال:

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الخصال أشد النهى كذلك، وأبان طريقة علاجها النفسى بأشفى معنى وأوفى عبارة فى كثير من الأحاديث المطهرة، وإليك بعض ذلك:

1-     روى البخارى ومسلم "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا"، والتحسس نوع من التجسس.

2-     وروى الطبرانى "ثلاث لازمات لأمتى: الطيرة والحسد وسوء الظن" فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: "إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض".

3-     وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: رأيت النبى  صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك، والذى نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى منك وماله ودمه وأن يظن به إلا خيرًا".

4-     وروى أبو داود عن نفر من الصحابة منهم المقدام بن معد يكرب وأبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة فى الناس أفسدهم" فانظر إلى ما فى هذا الحديث الشريف من التنبيه إلى ما يقع من الفساد فى أمة فشت فيها الجاسوسية، وتوترت بينها وبين أميرها العلائق؛ فهو يظن بها ويتجسس عليها حذر الحادثات.

5-     وروى أبو داود بسنده عن أبى برزة الأسلمى قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه فى بيته".

6-     وروى الترمذى وأبو داود وغيرهما عن أبى هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟ قال  صلى الله عليه وسلم: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه".

7-     وقال أبو داود عن مسدد بسنده عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: قلت للنبى صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، قال غير مسدد: تعنى قصيرة، فقال  صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". وروى الترمذى من طرق عدة عنها –رضى الله عنها– قالت: وحكيتُ له إنسانًا (أى قلدته وأتت بمثل حركاته) فقال: "ما أحب أنى حكيت إنسانًا وإنى لى كذا وكذا".

موقف الصحابة من هذه الأخلاق:

ولقد تمسك الأصحاب -رضوان الله عليهم- ومن تبعهم بإحسان بهذه الآداب أجمل التمسك، فقد كان عمر رضى الله عنه يقول فى بعض وصاياه: "ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها فى الخير محملاً".

وروى الإمام أحمد بسنده عن دجين كاتب عقبة قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر وأنا داعٍ لهم الشُّرط فيأخذونهم، قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم، قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاء دجين فقال: إنى قد نهيتهم فلم ينتهوا، وإنى داع لهم الشرط فتأخذهم. فقال له عقبة: ويحك لا تفعل؛ فإنى سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها". 

وليس هناك تعارض بين هذا الحديث الشريف وبين أحاديث الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإنه وعظهم ونهاهم وبقيت بعد ذلك مهمة الحاكم، فهو الذى يعس على الناس ويضبط من يأتى بالمخالفات منهم حتى لا تكون إباحة السعاية سبيلا إلى الانتقام والإضرار وتربية للأمة على خلق من الأخلاق الرديئة، أما إذا طلب إليه أن يؤدى الشهادة فيما علم فمن واجبه ألا يستر، فإنه حينئذ يخدم الحق ويعين على إظهاره.

مواطن تباح فيها الغيبة:

وقد أجمع المسلمون على حرمة الغيبة إلا فى بعض المواطن كموطن المشورة والنصح، فمن واجب المستشار أن يقول ما يعلم؛ كقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته صلى الله عليه وسلم وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: "أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" وهي فى غير مثل هذا الْمَوطن من المَواطن التى ترجح فيها المصلحة على المفسدة- كبيرة من أفظع الكبائر وأغلظها.

ومن واجب المسلم أن يرد غيبة أخيه ويدافع عنه وألا يتركه غرضًا لسهام الطاعنين وهدفًا لرماية المغتابين، روى الإمام أحمد بسنده عن أنس الجهنى عن أبيه عن النبى  صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه بعث الله تعالى إليه ملكًا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنًا بشىء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال".

ثم إن الله -تبارك وتعالى- ختم الآية الكريمة بتخويف المسلمين من بطشه وجبروته، وإرشاده إلى اتقاء سطوته بطاعته وبالمبادرة إلى التوبة من هذه الخصال، وبشرهم بأنه تعالى تواب رحيم يقبل من تاب إليه وندم على ماضيه وأحسن فى مقتبله.

طريق التوبة:

وطريق التوبة من الظن الكفُ عنه، ومن التجسس الكفُّ عنه وطلب السماح ممن تجسس عليهم إن لم ينجم عن ذلك شر وخصومة، والاستغفار لهم وهو طريق التوبة من الغيبة، وقال بعض العلماء من طرق التوبة من الغيبة أن يكثر من الثناء على إخوانه الذين اغتابهم فى المجالس التى كان يغتابهم فيها، وأن يرد غيبتهم وينتصر لهم، فتكون هذه بتلك، وكلها من غير شك طرق توصل إلى التوبة النصوح وإذا صدق العزم وضح السبيل(7).

 

أهمية التقوى

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

سبب النزول:

قال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبى العيص: الحمد لله الذى قبض أبى حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنًا، وقال سهيل بن عمرو: إنْ يُرِدِ الله شيئًا يغيره، وقال أبو سفيان: إنى لا أقول شيئًا أخاف أن يخبر به رب السماء فأتى جبريل، فأخبر رسول الله  صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء.

خلقناكم من ذكر وأنثى: من آدم وحواء فالبشر جميعًا بأصل الخلقة وقديمًا قيل:

الناس من جهة التمثيل أكْفَاءُ             أبوهمو آدم والأم حواء

فإن يكن لهمو من أصلهم شرف          يفاخرون به فالطين والماء

والشعب -بفتح الشين-: القبيلة الرئيسية كربيعة ومضر، وفى العرف الحالى الأمة.

والجماعة والقبائل: دون الشعوب كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدتها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودون العمائر البطون واحدتها بطن كبنى غالب ولؤى من قريش، ومن دون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ كبنى هاشم وأمية من بنى لؤى، ثم الفصائل والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة، وقيل الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بنى إسرائيل، وهو تقسيم تواضعى. وعلى كل فالمراد من ذكر القبائل والشعوب فى الآية الكريمة التنبيه على أن حكمة الأنساب والتعارف فحسب ليس للتفاخر ولا التكاثر ولا التعظم، فإنما يكون الفخر والشرف بشىء آخر هو تقوى الله وأداء الواجبات والحقوق.

الإسلام يضع أساس المادة:

وقد وضعت هذه الآية الكريمة أساس المساواة بين البشر جميعًا قبل أن يتشدق بها المتشدقون من علماء الاجتماع، وما زالت الأمم تخضع لنظام الطبقات وتفرق بين الأفراد على غير أساس إلا أساس التوارث والعصبية الباطلة حتى جاء الإسلام بدستوره العادل القويم، فصدع هذه النظم وقضى على تلك الفوارق.

كان نظام الطبقات معمولا به فى الأمة اليونانية فى أوج حضارتها وهى أمة الفلسفة والنور، وفى الأمة الرومانية وهى أمة القوانين وتقرير الحقوق، وفى الأمة الفارسية وهى أمة الحضارة العريقة؛ بل إنك لترى الأمم الحديثة تسير عليه وتأخذ به، وهذه فرنسا تعتبر اليوم الذى هدمت فيه نظام الطبقات والتفريق بين أبناء الأمة الواحدة على غير أساس حتى أعلنت تلك الحقوق التى سموها حقوق الإنسان عيدًا للحرية ومبدأ للمساواة، على حين هدم الإسلام هذه النظم وقضى عليها وقرر حقوق الإنسان وواجباته منذ بعثة رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

والمساواة المطلقة خيال لا يتحقق، وأمر لا يمكن أن يؤدى إلى خير البشرية إن وصل الناس إليه، فلا بد من التفاوت بين الخلق، فلا بد أن يكون هذا التفاوت على أساس صحيح من الفوق فى خدمته الإنسانية وأداء الحقوق. ففى الوقت الذى وضع الإسلام فيه أساس المساواة بين الناس بأصل الخلقة فى الآية الكريمة، وبين أن أساس التفاوت تقوى الله.. أشار كذلك إلى ضرورة هذا التفاوت فى قوله تعالى: }نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32]. ومن هنا تعلم أن الذين ينادون بالمساواة المطلقة كالبلاشفة والشيوعيين وأضرابهم غالون خياليون، كما أن الذين يتمسكون بنظام الطبقات على غير أساس كالبراهمة وأضرابهم ظالمون معتدون، وأفضل النظم ما قرره الله لعباده وأوصى به الإسلام الحكيم.

السنة تؤيد مبدأ المساواة:

ولقد أيد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ القويم فى عدة أحاديث من أحاديثه الشريفة نورد لك طرفًا منها:

1-     روى الترمذى بسنده عن أبى هريرة  رضى الله عنه عن النبى  صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة فى الأهل، مثراة فى المال، منسأة فى الأثر". ألا ترى أنه  صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث نبه على حكمة الأنساب، وأنها إنما تعرف للتواصل والتراحم والتعارف لا للتفاخر والتكاثر والتجبر.

2-     وروى الإمام أحمد بسنده عن أبى هريرة  رضى الله عنه أن النبى  صلى الله عليه وسلم قال له: "انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله".

3-     وروى الطبرانى بسنده عن محمد بن حبيب بن خراش النصرى يحدث عن أبيه  رضى الله عنه أنه سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى".

4-     وروى البزار فى مسنده عن حذيفة  رضى الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهينَّ قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونُّن أهون على الله تعالى من الجعلان".

5-     وروى ابن أبى حاتم بسنده عن ابن عمر -رضى الله عنهما- قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن فى يده، فما وجد لها مُناخًا فى المسجد حتى نزل على أيدى الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل، فأنيخت، ثم إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته، فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: "يا أيها الناس إن الله تعالى قد ذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان رجل بر تقى كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقى هين على الله تعالى. إن الله -عز وجل- يقول: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ثم قال  صلى الله عليه وسلم: أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.

لطيفة اجتماعية:

وفى تغيير النداء فى الآية الكريمة من الأسلوب السابق "يا أيها الذين آمنوا" إلى هذا الأسلوب "يا أيها الناس" لطيفة اجتماعية، فيها إشارة إلى أن هذه المساواة تنتظم الناس جميعًا، فهى بمثابة إعلان للوحدة الإنسانية. وقد استدل بهذه الآية الكريمة وما أوردنا لك من الأحاديث الشريفة مَن ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة فى النسب لا تشترط فى الزواج، ولا يشترط سوى الدين؛ لقوله تعالى: }إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}.

فانظر كيف كان من المقررات الإسلامية ما يعتبره علماء الاجتماع الآن من مفاخر المدنية العصرية، ولقد علم المسلمون لو يتعلمون(8).

 

بين الإيمان والإسلام

{قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فى سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14-15].

معاني بعض المفردات:

لا يلتكم: أى لا ينقصكم من أجور أعمالكم شيئًا.

لم يرتابوا: أى لم يشكوا ولم يتطرق إلى قلوبهم وهن أو ضعف.

سبب النزول:

قال البغوى: نزلت الآية فى نفر من بنى أسد بن خزيمة، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنة جدبة، فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين فى السر، فأفسدوا طرق المدينة بالقاذورات وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون ويروحون إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذرارى، ولم نقاتلك كما قاتلتك بنو فلان وبنو فلان؛ يمنُّون على النبى صلى الله عليه وسلم ويريدون الصدقة ويقولون أعطنا. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، كذا قال. ولعل ذلك كان سببًا فى نزول الآية التالية وهى قوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17] ، وقال السدى: نزلت فى الأعراب الذين ذكرهم الله فى سورة الفتح وهم أعراب من جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا يقولون: "آمنا" ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فأنزل الله -عز وجل- فيهم هذه الآية }قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا}، ولعل هذا هو أولى الأقوال بالصواب لما بين السورتين: الفتح والحجرات من رابطة فى الترتيب المعنوى والوضعى، والله أعلم.

وفى الآية بحثان جليلان بالعناية وإنعام النظر؛ أولهما: بيان حقيقة الإيمان وآثاره، وثانيهما: التفرقة بينه وبين مجرد الإسلام.

حقيقة الإيمان:

فاعلم يا أخى أن الإيمان عقيدة قلبية تخالط القلب وتستولى على النفس وتتملك الفؤاد، فترى المؤمن ذاكرًا لعقيدته فانيًا فيها مضحيًا فى سبيلها يراها فى حلمه ويقظته وغدوه ورواحه؛ لأنها ملكت عليه نفسه واستولت على مواطن حسه، والناس فى الإيمان متفاوتون مختلفون درجات بعضها فوق بعض، فأنت مصدق بشىء وسمعت عنه، فإذا قرأت عنه بعد ذلك زاد إيمانك به وتصديقك فيه، فإذا رأيت صورته ثبت هذا الإيمان فى قلبك، فإذا رأيته رأى العين وفتشت فيه وعرفت ظاهره وخافيه وانتهيت إلى درجة من الإيمان لا تقبل شكًا ولا يتطرق إليها وهن.

كذلك إيمان المؤمن بالله -تبارك وتعالى- تتفاوت درجاته وتتباين منازله، فمن الناس من يدعون الإيمان وهم فى هذه الدعوى كاذبون كالذين قال الله فيهم: }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8-9]. ومنهم من يؤمن فى الرخاء حتى إذا عضته الشدة بأنيابها انقلب على عقبه وكفر بنعمة ربه كالذين قال الله فيهم: }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]. ومنهم من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ فلا يظهر كلمة الإيمان وقلبه منها هواء كأولئك الأعراب الذين عرضت لهم الآية الكريمة، ومن المؤمنين قوم اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأخبتت له أرواحهم؛ فهم به سعداء، وعليه حريصون أولئك الذين قال فيهم: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].

وإذا وصل الإيمان إلى مثل هذه الدرجة السامية، واحتل من القلب مكانًا رفيعًا أنتج أروع الآثار، ولم يكن عاطفة خامدة بل يثور النفس سائرة فتبدو على الجوارح آثاره أوضح من الصبح، وأضوأ من النور، وأحلى من غرة النهار، وشرح ذلك يطول وإنما نلم من ذلك بطرف ليكون تبصرة للمؤمن وتذكرة للمخدوعين وحسرة على المجرمين.

آثار الإيمان:

من آثار الإيمان حب يستروح معه المؤمن السعادة الكاملة والنعيم المقيم، والله -تبارك وتعالى- يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ} [البقرة: 165].

ومن آثار الإيمان سعادة دائمة وراحة قلبية واطمئنان نفسى لا يجد المؤمن معه مس الشقاء، ولو عذب بجميع ما عرف الناس من أنواع العذاب ما سلمت له عقيدته واطمأن إليها قلبه كالذى حدثوا أن بعضهم خاصم زوجته المؤمنة فكان فيما قال لها: "والله لأشقينك"، فابتسمت وقالت: "إنك لا تستطيع ذلك"، فقال: "ولم؟" فقالت: "لأن سعادتى فى إيمانى، وإيمانى فى قلبى، وقلبى لا سلطان لأحد عليه"، فسرى عنه وهش لها وابتسم. وهم يقولون: إن ذلك مما وقع لعمر بن الخطاب  رضى الله عنه مع زوجه أم كلثوم بنت على رضى الله عنهم أجمعين، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

وقد علمت نبأ ذلك الشيخ الذى طال به السجن فى سبيل إيمانه، فأخذ تلامذته يعزونه ويتلمسون له سبيل النجاة فكان فيما قال لهم: "إن حبسى خلوة، وقتلى شهادة، ونفيى سياحة، وكل ذلك بأجره. ولو ملأت لهم قلعتهم هذه ذهبًا ما كافأتهم على ما ساقوا إلى من ثواب الله، وإن جنتى وبستانى فى صدرى".

الله أكبر! أرأيت يا أخى كيف يحيل الإيمان المصائب المنكبات نعمًا سابغات، وكيف يصير الهموم الراسيات لذائذ مفرحات، وصدق رسول الله الذى يقول ما معناه: "عجبت لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير إن أصابته النعماء شكر، وإن مسته الضراء صبر".

وهذا أبو القاسم الجنيد يقول: "نحن من إيماننا بالله ومعرفتنا إياه فى لذة لو عرفها ملوك الدنيا لقاتلونا عليها بالسيوف".

ومن آثار الإيمان عزة سابقة تجعل المؤمن عزيزًا بربه عظيمًا فى نفسه لا يرى أحدًا أعز منه؛ إذ يستمد عزته من الله لا من أحد من خلقه، وإذ يدوى فى نفسه صدى الآية الكريمة: }اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] إلى جانب الآية الكريمة: }الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] إلى جانب قوله تعالى: }وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].

ومن آثار الإيمان شجاعة تتضاءل أمامها الجحافل، وتنطوى أمام قوتها الجبابرة، وتذل لها النكبات والمشاق والصعاب والعقبات }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173-174].

وبعد فمن آثار الإيمان بعدما علمت جهاد فى سبيل الله بالنفس إلى آخر قطرة من دمها، وبالمال إلى آخر درهم منه }إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111].

ولما كان هذا الأثر الأخير يعتبر النتيجة الطبيعية والعملية للآثار السابقة من الحب والسعادة والعزة والشجاعة ذكره الله -تبارك وتعالى- ونوه به واكتفى بذكره فى الآية الكريمة: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فى سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

وأمامك آيات القرآن وأحاديث الرسول العظيم  صلى الله عليه وسلم تجد فيها ما تدهش له من تحصيل حقيقة الإيمان وبيان آثاره وتربية النفوس عليه، فروِّض نفسك بها حتى تكون من الصادقين.

الفرق بين الإيمان ومجرد الإسلام:

هذا بحث، وأما البحث الثانى وهو الذي عَرَضتْ له الآية الأولى فقد طال فيه الجدل بين علماء الكلام، وكلٌّ يؤيد مذهبه بحججه، ولسنا نفيض فى هذا، كما أننا نرى أن "الأمر" أيسر كل هذا، وإن هى إلا تعبيرات تختلف قوة وضعفًا باختلاف القوم وأحوال الناس ودرجاتهم؛ فقد جعل القرآن الإسلام أقل درجة من الإيمان فى الآية الكريمة كما أشار إلى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه. فقد روى الإمام أحمد وغيره بسنده عن سعد بن أبى وقاص  رضى الله عنه قال: أعطى رسول الله  صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعطِ رجالا منهم شيئًا، فقال سعد  رضى الله عنه: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبى  صلى الله عليه وسلم: "أومسلم؟" حتى أعادها سعد  رضى الله عنه ثلاثًا والنبى  صلى الله عليه وسلم يقول: "أومسلم؟"، ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إنى لأعطى رجالا وأدع من هو أحب إلىَّ منهم فلم أعطه شيئًا مخافة أن يكبوا فى النار على وجوههم".

فهاأنت ترى الرسول  صلى الله عليه وسلم فرق بين المؤمن والمسلم، وقد يقول قائل: إن مقتضى هذا الحديث أن يكون الإسلام أرفع درجة من الإيمان؛ لأن الرسول  صلى الله عليه وسلم وَكَل الرجل إلى إسلامه فلم يعطه شيئًا، وهو مطمئن عليه، وقد يجاب على هذا بأن المقصود التفريق بين الإيمان والإسلام، وكل ما يستفاد بعد ذلك هو أن المسلم على درجة من الخير تعصمه من الانتقاض والهلاك، ومهما يكن من شىء فهاأنت قد رأيت أن ثَم تفريقًا بين الإيمان والإسلام مع وضوح الإشادة بدرجة الإيمان، وبيان أنها أعلى من أختها. وفى موضع آخر سوَّى القرآن بينهما، فقال -تبارك وتعالى-: }فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35-36]. وفى موضع ثالث ذكر الإسلام وحده فى موضع لا ينفع فيه إلا كمال الإيمان، فقال -تبارك وتعالى-: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، كما أن الإسلام كان الدين الذى ورثناه عن إبراهيم، وامتن الله علينا بهذه الوراثة، وهو الكلمة التى وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب }يَا بَنِىَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة:132]. 

ومن ذلك تعلم أن هذا خلاف لفظى خير للمؤمنين أن يدعوه جانبًا، وأن ينصرفوا إلى تكميل وتحقيق آثاره فيهم، والله ولى التوفيق(9).

 

نعمة الإيمان

{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فى السَّمَاوَاتِ وَمَا فا فى الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَىَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: 16-18].

سبب النزول:

روى الحافظ أبو بكر البزار بسنده عن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم"، فنزلت هذه الآية }يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} .

معنى الآيات الكريمة:

لما بين القرآن الكريم صفات المؤمنين الصادقين فى الآية الكريمة السابقة: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} [الحجرات: 15] أخذ يبين بعض أعراض الإيمان الضعيف، فذكر من هذه الأعراض أمرين تلاحظهما فى كل شخص ضعف إيمانه ولانت عقيدته، أما أولهما: فالتظاهر بالإيمان، وأما ثانيهما: فالمن به والتحدث بسابقة فيه.

إن المؤمن القوى العقيدة الثابت الإيمان فى غنى عن هذين المظهرين بما تشعر به من اطمئنان إلى عقيدته وقوة فى يقينه؛ فهو يعمل ولا يرى داعيًا يدعوه إلى أن يتكلم أو يمتدح بما عمل، وهو إلى جانب هذا يعلم أنه كله لله؛ فلا شىء له.. ففيم الامتنان بعد هذا؟

كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول فى أبى بكر ما معناه: إن من أمنِّ الناس على فى نفسه وماله أبو بكر، وما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبيرة إلا أبا بكر بن أبى قحافة. أفتدرى ما موقف أبى بكر من هذا الإطراء؟ إنه كان يبكى ويقول: "بأبى أنت وأمى يا رسول الله، وهل أنفسنا وأموالنا إلا ملك يمينك".

ولقد قال النبى  صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم أجِدكم ضُلالا فهداكم الله بى، وكنتم متفرقين فألفكم الله بى، وكنتم عالة فأغناكم الله بى". وكلما قال شيئًا قال الأنصار: "الله ورسوله أَمَنّ"، وهؤلاء هم الذين آووا ونصروا وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وخلد الله ذكرهم فى كتابه الكريم، أفبعد هذا يكون لأحد مِنَّة؟

وأنت إذا حققت النظر وجدت أنك أنت نفسك لا شىء لك وكلك لله يتصرف فيك، ألست عبده وهو سيدك، وأليس له سبحانه حق التصرف المطلق فى ملكه ما شاء يفعل؟ فهو اختارك لتكون مؤمنًا به داعيًا لدينه مثابًا على دعوته، وتأمل قوله تعالى: }وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7-8] أفترى لنفسك فى هذا شيئًا؟ ويقول العارف: "حسبك من ثوابك على الطاعة أن رضيك مولاك لها أهلا". }وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَررَةُ} [القصص: 68]؛ فهذا الذى ذكرت لك من علامات الإيمان الصادق.

مظاهر ضعف الإيمان:

أما ضعيف الإيمان فهو خائر العقيدة واهن اليقين، يتسرب الشك إلى نفسه فى نفسه؛ فيظن أن صورة ذلك منطبقة فى خارجه يراها الناس جميعًا فيلمزونه بالقول، ويغمزونه فى دينه وإيمانه؛ فهو لهذا يريد أن يعزز بالتحدث عن نفسه ما يشعر به من ضعف، ويتظاهر بعمله يريد أن يقنع الناس بهذا التظاهر، وهو إن كان يحاول بها إقناع الناس فهو خاطئ؛ لأن الناس لا يغنون عنه من الله شيئًا، وإن كان يحاول بهذا إظهار الله -تبارك وتعالى- على إيمانه فإن الله يعلم السر وأخفى، فلا داعى إلى ذكر هذا الإيمان والمنة به؛ لهذا قال الله -تبارك وتعالى- فى ختام هذه السورة الكريمة: }إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: 18].

واعلم يا أخى أن ذلك أدب قويم من الآداب النفسية ختم الله به السورة الكريمة؛ فبعد أن كانت السورة كلها آدابًا تعاملية وآدابًا عملية تؤدى بين الناس بعضهم وبعض بالجوارح والصور انتقل إلى معاملة الناس لمولاهم، وبين أنها بالقلوب والعواطف المغيبة والضمائر المحجبة، وإن قوامها -إن كان صاحبها يريد الوصول إلى رضوان الله- شهود المنة لله -تبارك وتعالى- فى كل شىء وصدق العبودية وكمال الأدب مع الحق -تبارك وتعالى- مع دوام المراقبة.

آداب جمعتها السورة الكريمة:

أفرأيت يا أخى كيف جمعت هذه السورة الكريمة عدة أنماط من التربية العالية والأدب الكريم؛ جمعت أدب الحديث وأدب المرءوس والرئيس، وأدب المؤاخاة والصلة فى حالتى الرضا والغضب، وكيف يتصرف الإنسان فى الوشاية إذا بلغته، وفى العدوان إذا انتدب لرده، وأدب احترام الناس والمحافظة على كراماتهم، وأدب المواساة بين الخلق، وأدب الإيمان بالله والتصديق به وحسن معاملته.

وكذلك القرآن الكريم ينبوع الفضائل والحكم، ومعدن الخلائق الغر، فتمسك به تكن من الفائزين {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170](10).

المصادر

1-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 8– 4ربيع الأول 1354هـ / 4يونيو 1935م– صـ5 : 8.

2-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 9– 10ربيع الأول 1354هـ/ 11يونيو 1935م– صـ6 : 10.

3-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 10– 17ربيع الأول 1354هـ / 18يونيو 1935م– صـ5 : 8.

4-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 11– 24ربيع الأول 1354هـ/ 25 يونيو 1935م– صـ6 : 8.

5-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 12– 1ربيع الآخر 1354هـ / 2يوليو 1935م– صـ6 : 7.

6-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 13– 8ربيع الآخر 1354هـ / 9يوليو 1935م– صـ11 : 13.

7-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 14– 15ربيع الآخر 1354هـ / 16يوليو 1935م– صـ6 : 9.

8-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 15– 22ربيع الآخر 1354هـ / 23يوليو 1935م– صـ5 : 7.

9-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 16– 29ربيع الآخر 1354هـ / 30يوليو 1935م– صـ5 : 7.

10-   مجلة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة – العدد 17 – صـ7 : 8 – 7جمادى الأولى 1354هـ / 6أغسطس 1935م.

المقال التالي خواطر الإمام البنا من سورة التوبة
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر