كتابات الإمام احسن البنا حول أهداف الدعوة

 

من أهداف الدعوة

كان الإمام حسن البنا صاحب الشجرة الطيبة والدعوة المباركة التي اقتدى فيها بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث سعىى لإصلاح النفس والأسرة والمجتمع المسلم والأخذ بما جاء من شريعة سمحاء نزل بها القرآن الكريم وتحدث بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ولذا وضع الكثير من أهداف هذه الدعوة وهي تربية الفرد فالأسرة فالمجتمع فالحكومة فالدولة ثم سيادة الإسلام.

 

من أهداف الدعوة 

بين القومية والإسلامية

قال محدثي: إنكم معشر الإخوان المسلمين تقولون إن فكرتكم إسلامية، وإنكم تريدون أن تلفتوا أنظار الناس إلى ما فى ماضى الإسلام ونظامه وتعاليمه من صلاحية وخير ومن قوة وجمال وروعة حتى يأخذ الناس بهذه التعاليم، وتعمل الأمم الإسلامية والدول الإسلامية على تطبيقها وصبغ مجتمعاتها بهذه الصبغة القرآنية.

قلت: أجل. إننا نريد ذلك، ونعتقد أننا بهذا التوجيه نخدم أنفسنا ونسوق الخير إلى الناس.

فقال: ذلك حسن جميل ولا أنكر عليكم ما تريدون. ولكن أحب أن أدلكم على ما هو خير من ذلك وأقرب مثالا؛ أن تجعلوا لب دعوتكم المعنى الوطنى الخالص، المصرى الخالص، القومى الخالص، فإنكم بذلك تستطيعون أن تظفروا بهدف محدد، وتستطيعون كذلك أن تنفوا كثيرا من الشبهات والظنون، وأن تسايروا الفكرة العالمية التى ترحب بالجهاد الوطنى وتنفر من كل نزعة دينية، وتستطيعون كذلك أن تطمئنوا غير المسلمين من المواطنين فتزول بذلك من طريقكم عقبات كثيرة يتعبكم ولا شك أن تزيلوها بغير هذا السبيل، وستظل ماثلة أمامكم قائمة فى طريقكم لو ظللتم مستمسكين بدعوتكم إلى الإسلام وندائكم بقواعده ونظمه وتعاليمه، وأنتم تعلمون أن أوروبا وأمريكا والدول الغربية المتمدينة تنفر كل النفور من مثل هذه الدعوات، وأن المعاهدات المعقودة بيننا وبين هذه الدول وآخرها معاهدة "مونترو" –مثلا- تأبى علينا أن نسير فى هذه الطريق، فلهذا أحب أن تعدلوا عن نسبة فكرتكم إلى الإسلام ولتجعلوها فكرة قومية وطنية؛ فإن هذه الجهود الجبارة التى يبذلها شباب الإخوان حرام أن تضيع هكذا من غير طائل وأن تتحطم على صخرة هذه العقبات! ثم إذا أردتم مع هذا أن تتخذوا الدعوة الدينية ستارا تجمعون به دهماء الناس وعوامهم على فكرتكم وتقودونهم من هذا الزمام على اعتباره أقرب الوسائل إلى قلوبهم فإن لكم ذلك، وهى حكمة فى الدعوة أقركم عليها ولا أخالفكم فيها.

قلت: إن من رأينا -أيها الإخوان- أن نرحب بكل من يتقدم إلينا بنصح أو توجيه، وألا نعتقد فى أنفسنا الكمال بل نفترض فيها دائما الخطأ والنقص – على ثقتنا والحمد لله بتوفيق الله إيانا- ونحن لهذا نرحب بكل من يتقدم إلينا بفكرة أو رأى أو نصيحة، ونحن على هذا نشكرك على غيرتك، ولكن لنا رأيا فى نظرتك وفكرتك فاسمع أيها الصديق: 

أما إننا نتخذ من الفكرة الدينية ستارا نجمع به دهماء الناس ونقودهم بزمامه ونحن إنما نريد بهم سبيلا غير سبيل الدين القويم أو صراطا غير صراطه المستقيم، فهذا ما لا يدور لنا بخلد ولا يخطر ببال، وهو الخديعة كل الخديعة والنفاق والخبال، وما كان لفكرة حق ولا لنهضة شعب أن تقوم على المخادعة والختل أو التزييف والمكر، وأسوأ قادة الأمة أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويظهرون بما لا يبطنون، والله أعلم بما يوعون، فبشرهم بعذاب أليم، وهو المقت كل المقت، وقد نهينا عن ذلك بصريح قول الله العلى الكبير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾[الصف: 2-3]. فنحن نخالفك فيما ذهبت إليه، ولا نرى أن فكرة تبرير الوسيلة بالغاية فكرة صحيحة فى بناء النهضات الخالدة وهداية الأمم إلى سبيل الرشاد.

وأما أن دعوتنا الإسلامية لأنها دعوة دينية تخالف وجهة النظر العالمية التى ترمى إلى التحلل من التدين والقضاء على البقية الباقية من شعائر الأديان ومظاهرها فلا أظنك على حق فيما ذهبت إليه من ذلك، فإن العالم بعد هذا الدرس القاسى والهوة السحيقة التى أردته فيها المطامع المادية والآراء الإلحادية والشهوات الزائغة الزائلة قد أخذ يتجه إلى هدى السماء يتلمس فيه ضياء يهديه ودواء يشفيه، على أننا لا يضرنا أن نخالف من لا يرى رأينا ما دمنا نعتقد أننا على الحق وغيرنا على الباطل، وأن نجاهر بفكرتنا ما دمنا نؤمن بأنها فكرة الإنقاذ وسواها لا يؤدى إلا إلى الهلاك والدمار والواقع يؤيدنا والحوادث تزكى ما نقول، ولقد قال الواقع وصدقت الحوادث: إن هذه المدنية المادية الحالية خاطئة أو ناقصة وليست كاملة أبدا لأنها عجزت عن أن تقر السلام فى الأرض وتسوق الإنسانية لبنى الإنسان، فما تدعو إليه من الرجوع إلى هدى السماء والأخذ بتعاليم الأديان يصحح خطأها ويكمل نقصها. فلا علينا من بأس أن نجاهر الناس بهذه الحقائق، بل إنه من العقوق لأنفسنا وللعالم أن نسكت عن هذا البيان.

وأما أن دول أوربا وأمريكا لا يرضيها أن نعود إلى الإسلام ولا أن نتقيد بنظمه وتعاليمه، وأن المعاهدات التى بيننا وبينهما تحول دون ذلك المقصد وتقف عقبة فى طريق تحقيقه فأعتقد أن ذلك غير صحيح أيضا، فإن هذه الدول وقد صرحت فى مواثيقها بأنها إنما تقاتل من أجل حرية الأمم والشعوب، ثم أعلنت أنها تدع لكل شعب حرية النظر فى تقرير نظامه الداخلى ومصيره الخارجى، لا نظنها بعد ذلك تقف عقبة فى طريق أمة تريد أن تحيا مسلمة شعارها الإسلام وغايتها السلام، ولا أظن شيئا من هذه المعاهدات يحول بيننا وبين ما نريد من محاربة للمنكرات وضرب على أيدى المجرمين وقضاء على الفساد فى الأرض، وليس فى الدنيا أمة تقبل على نفسها أن تتصف بأنها تحمى الحرية وتدافع عن المجرمين الأشرار.

وأما خوف المواطنين من غير المسلمين من أن تسود فكرة الإسلام فذلك وهم قديم لا وجود له فى هذه الأيام بعد أن ألفت الآلام والآمال بين الأرواح ووحدت بين القلوب وبين قول الإسلام نفسه فى كتابه الكريم: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8]. وبين أن يكون شعار المسلمين للذميين: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا). وعلينا -نحن المسلمين- بعد هذا أن نكشف للناس جميعا عن تراث ديننا وسماحته وشمول أحكامه وعظم صلاحيته لكل زمان ومكان، ولا يصح أن نعتذر لتقصيرنا بخوف غيرنا، بل علينا أن نكافح ونجاهد ما استطعنا فى سبيل إقناع الجميع بوجهة نظرنا وعدالة قضيتنا وما تسوقه من خير إلينا وإلى الناس، ولا نقول نخشى أن تصيبنا دائرة فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾[المائدة: 52].

ثم اسمع يا صديقى: إنك حين تنادى إلى الإسلامية تخدم القومية، (المصرية كانت أو غير مصرية بأقوى الدوافع إلى خدمتها) وتدخل إليها من أوسع أبوابها، وترتقى هذه الخدمة فى نفسك من مرتبة المشاعر إلى مرتبة الواجبات والفرائض، ويتجدد لها بين حنايا ضلوعك حافز من مراقبة الله وهو لا يغفل ولا ينسى. هذه واحدة. ثم إنك بذلك تكون قد تخيرت لنهضة وطنك أقوى الدعائم وأقوم الأصول والقواعد وأخلد المظاهر والشعائر، وهذه الثانية. وأنت مع هذين سترضى الله تبارك وتعالى، وستنصر بجنود السماء إن خذلتك جنود الأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وهذه الثالثة. والرابعة أنك ستضمن لفكرتك تأييد أربعمائة مليون من القلوب التى تؤمن بالإسلام وتهفو تشوقا إلى عزته ومجده فى عصر سوف لا تعيش فيه إلا المجموعات الكبيرة من بنى الإنسان. ومع هذا فأنت كما قدمت لك حين تجاهد فى سبيل الإسلامية تجاهد فى سبيل القومية أروع الجهاد ولا يتنافيان فماذا ترى؟  قال: آمنت(1).

 

من أهداف الفكرة

العنصر المفقود

قال محدثي: إن الإخوان المسلمين يكثرون من وصف دعوتهم بأنها دعوة إسلامية صحيحة، وهم حريصون كل الحرص على أن يظل هذا المعنى واضحا مفهوما فى كل أحفالهم وكلماتهم ومجتمعاتهم، فهل لهذا الحرص من سبب خاص أم هى طبيعة الدعوة تدفع المؤمنين بها إلى التظاهر دائما بأخص خصائصها؟

قلت: إننا يا صاحبى نقول ذلك ونؤمن به؛ لأننا نعتقد أن الإسلام الذى امتن الله علينا بوراثته وتلقيه قد جاء نظاما اجتماعيا كاملا عالج قواعد الحياة الكاملة للمجتمعات الإنسانية أدق علاج، ووصف لها أنجع دواء، ولم ينس خضوع هذه المجتمعات والقواعد لسنة التحول والتطور، فجعل هذه القواعد الاجتماعية من المرونة واليسر والسعة بحيث صار التطور نفسه من طبيعتها وقاعدة من قواعد الإصلاح الاجتماعى الإسلامى، فكل الفكر الأساسية فى بناء المجتمعات الصالحة عرض لها ديننا الحنيف وتناولها تناولا عجيبا فى سهولة ويسر ووضوح وألم بها إلماما كاملا ونفى عنها كل خبث باطل وأبقى منها كل حسن جميل، فما تراه من تشبث الإخوان "بإسلاميتهم" طبيعة من طبائع الدعوة، ثم هو حماسة فى نفوس الإخوان لها، ورغبة فى تقرير هذا اللون من ألوان الدعوات فى نفوس الناس جميعا.

فقال: إذن فلا شأن لكم بالبحوث الاقتصادية، ولا بالآراء الاجتماعية العملية، ولا بالإصلاحات الثقافية والعلمانية ما دمتم قد حصرتم أنفسكم فى هذه الدائرة من دوائر التفكير وأبيتم إلا أن تظل فكرتكم إسلامية وكفى.

قلت: على رسلك يا صاح؛ هذه إحدى اللوثات الأجنبية فى فهم الإسلام وتحديد معناه، ولعل من أول ما نعمل على الوصول إليه توضيح معنى الإسلام فى نفوس المسلمين وبيان أن هذا الدين جاء نظاما للمجتمع الإنسانى قبل أن يجىء لأى معنى آخر من المعانى التى جاءت لها الأديان من قبل، وأن هذا الدين الربانى المحفوظ فى القرآن الكريم وفى سنة النبى العظيمصلى الله عليه وسلم -كما قدمت لك- تناول شئون الحياة العملية تناولا واضحا فى عمومه مبينا فى سهولة ويسر وعرض فى ذلك للكليات ولم يتورط فى الجزئيات، وهو بعد هذا كله لا يتعارض ولا يأبى أن يستفيد أبناؤه بكل نتائج العقل الإنسانى والعلم الإنسانى، وبأن يأخذوا بأفضل ما فى النظم الحيوية العملية من نظرات ومظاهر لا تتعارض مع كلياته ومقاصده، بل إنه ليشجع على ذلك ويدعو إليه والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. ولكنّ هناك عنصراً مفقودا فى كل هذه النظم لا خير فيها جميعا إذا خلت منه، ولا يتم بها صلاح أو إصلاح إلا إذا قامت عليه، فليس الحكم وضع النظام وتنسيقه، بل إن أهم ما هنالك حسن التصرف فى التشيع له والإيمان به وجميل تطبيقه. والدنيا الآن -فيما نعتقد- لا تحتاج إلى نظم وقوانين بقدر ما تحتاج إلى عواطف ومشاعر ونفوس تفيض بالبر والرحمة، وقلوب مشرقة بالإيمان والحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البقرة 26]. ذلك العنصر المفقود يا صديقى فى دنيا الدنيا العصرية وأوضاعها الاجتماعية هو الإيمان بالله وحسن معرفته وجميل مراقبته وداوم الاتصال به وانتظار الجزاء منه للمحسن وللمسىء على السواء، ذلك هو الإكسير الذى يفيض ماؤه على النفس الإنسانية فيغسلها من أدرانها، ويطهرها من أدناسها، ويتصل سياله بالقلب الإنسانى والضمير الإنسانى فيحييه بعد موت، ويوقظه بعد طول غفلة وركود. وبهذا وحده تتجدد الحياة الحقيقية الفياضة الدافقة وتنبعث فى هياكلها هذه الأشكال الجامدة الميتة من النظم المادية الصرفة التى هى نتاج العقل وحده؛ العقل البعيد عن الإيمان بالمثل العليا المحجوب عن المشاعر السامية والوجدانات العالية: 

﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق: 37].

قال محدثى: كأن الإخوان المسلمين إذن يسلمون بأن نقتبس من غيرنا كل ما فى نظرهم من معارف صالحة وشكليات نافعة، ولكنهم يريدون إلى جانب هذا أن تلبس هذه المعارف وتلك الأوضاع الثوب الإسلامى النسيج، وأن تشيع فيها روح المثل الإسلامية العليا من مراقبة الله وجزائه وتقدير الأخوة الإنسانية بين بنى الإنسان والابتعاد عن الأثرة القاتلة والأنانية المخزية المدمرة وإيثار المصلحة على المنفعة الخاصة.

قلت: لقد هديت إلى صراط مستقيم ذلك ما نريد يا صاح، وليس ذلك من ابتكارنا ولكنه الوضع الإسلامى أيضا، فإن الإسلام إنما جاء ليكمل نقص الناقصين، ويهدى إلى الصواب الضالين الحائرين، ويقر فى الأرض كل نظام صالح وكل خلق فاضل: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، وهو فى الوقت الذى يعطى للناس فيه كل ما عنده من إرشاد منير وتوجيه سليم لا يزاحمهم فيما يرون لأنفسهم من شئون الحياة التى لا تتعارض مع أصوله ولا تتضارب مع قواعده.. ولقد عَبد النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه لأمته هذا الطريق حين احتفر الخندق وعمل فيه وهو فن حربى فارسى لم يكن للعرب عهد به حينذاك، ولكنه وضع صالح يعين على إقرار قواعد الحق، فمرحبا بكل وضع صالح فى كل شئون الحياة الصالحة، وأؤكد لك يا صديقى أن الناس ماداموا بعيدين عن هذا الهدى الربانى والنور السماوى، وما داموا يبحثون عن سعادتهم فى حنايا كرتهم الأرضية ناكسى رءوسهم يجيلون أبصارهم فى أغوارها البعيدة فلن يصلوا إلى بغيتهم أبدا، فإن السعادة من فيض السماء لا من نبات الأرض، ومن خوالج القلوب لا من نتائج القلوب، ويوم يرفع الناس رءوسهم إلى العلاء ويتلمسون سعادتهم من وحى السماء سيجدونها أقرب إليهم من حبل الوريد وصدق الله العظيم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الأعراف: 175-176]. فيا أبناء الأرض الذين عقتهم أمهم وأتعبتهم عقولهم: هلموا فافتحوا نوافذ قلوبكم لهدى السماء.

قال: أو ترى ذلك فى وسع الناس الآن وقد غمرهم من طغيان هذه المادة ما غمرهم وجاءهم الموج من كل مكان؟

قلت: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام(2).

 

من أهداف الدعوة

المشاكل الثلاثة

تعترض الدنيا الجديدة مشاكل ثلاث، تذوب أدمغة زعماء الأمم وقادة الشعوب الآن تفكيرا فى حلها وتتلمس العلاج لها: مشكلة الدولة. ومشكلة الثروة. ومشكلة الأسرة.

وقد عرض القرآن الكريم لهذه المشاكل فذكرها ووضع فى يد الناس -لو صلحت نياتهم وسلم تفكيرهم- مفاتح الحلول الصحيحة لها، وعجيب أن يكون ذلك كله فى "ثلاث وعشرين كلمة"، ثمان منها فى مشكلة الدولة، وسبع فى مشكلة الثروة، وثمان أخر فى مشكلة الأسرة.

يقول الله تبارك وتعالى فى سورة آل عمران: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾[آل عمران: 159]. ثمانى كلمات حددت حق الحاكم والمحكوم، فللمحكوم أن يشير وينصح وأن يقول كل ما عنده، وعلى الحاكم أن يستمع وينتصح ويأخذ بكل ما هو حق وخير، وله بعد ذلك أن يأمر فيطاع، ويعزم فيتبع ويتحمل نتيجة تصرفه، فإن أحسن فله وللناس، وإن أساء فعلى نفسها تجنى براقش.

ويقول الله تبارك وتعالى فى سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾[المعارج: 24-25]. سبع كلمات حلت مشكلة الطبقات، ووضعت العلاج لفتنة الثروة، فلو عرف الأغنياء أن للفقراء فى أموالهم حقا معلوما للسائل والمحروم، وأخرجوه طيبة به نفوسهم راضية به قلوبهم، لوجد الفقير فى هذا العطف بلسما لجراحه وشفاء لذات صدره.

ويقول القرآن الكريم فى سورة البقرة: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾[البقرة: 228]. فهى ثمان كلمات تقوم أساسا صحيحا لسعادة الأسرة، وتبيان حقوق المرأة، فلو عرف الرجال أن للنساء مثل ما عليهن فأدوا الحقوق كما يطالبون بالواجبات، وعرف النساء أن للرجال عليهن درجة الرقابة والتوجيه فأسلمن لهم القياد طائعات راضيات، لو كان ذلك كذلك لنعمت الإنسانية بأسر متكافلة متعاونة ناعمة فى رغد من العيش وطمأنينة فى الحياة.

أوليس غريبا أن يعرض القرآن الكريم لهذه المشاكل العصرية قبل أربعة عشر قرنا ثم يصف لها هذا العلاج الناجح المفيد؟ أوليس غريبا أن يجىء أسلوب القرآن فسيحا غير ضيق مرنا غير جامد، وأن يدع دائما التفصيل والتفريع للظروف والحوادث والعوامل الموضعية الخاصة- فكيف يشاورهم ومتى؟ وفى أى شىء؟ ومن هم هؤلاء المستشارون؟ وكيف يختارهم الحاكم؟ كل أولئك يتوقف على عوامل عدة لا يعلم مداها إلا الله، وهى مع هذا تتغير بتغير الظروف والأزمان. وإذن فحسب القرآن أن يقرر المبدأ العام ويدع للظروف ما سواه.وما تلك الدرجة التى للرجل على المرأة؟ وماذا نتناول من شئون الأسرة؟؟ هذا أيضا متروك لهما معا فى كل عصر بحسبه. وهذا الحق المعلوم فى الزكاة من مال الغنى للفقير جاء محددا حتى لا تعبث به يد البخل والشح، ثم طلبت الصدقة النافلة بعد ذلك وأعطى الحاكم بعد ذلك، حق النظر فى مصالح الناس وتغليب المنفعة العامة على الحقوق الخاصة مع التعويض المناسب عند اللزوم.

وهكذا عالج القرآن الكريم أدق مشاكل العصر الحديث هذا العلاج الإجمالى الدقيق الذى لو طبقه الناس بإنصاف وإخلاص -والمنصفون قليل- لانحلت المشكلات وبرئت علل المجتمع البائس المسكين.

وهذا نمط من رسالة القرآن الكريم التى قامت عليها مدنية الإسلام الحنيف، يؤمن الإخوان المسلمون من قرارة نفوسهم أنه أفضل ما يقدمونه للإنسانية من خير ويخصونها به من بر، لو التفت إليه واعتمد عليه. فاعملوا أيها الإخوان جاهدين ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 139](3).

 

من أهداف الدعوة

بهذا وحده يكون الإصلاح

دخل مفتش الداخلية إلى نقطة البوليس وراجع الأوراق والدفاتر والإحصائيات والحوادث ورأى كل ما يهمه أن يراه، ثم التفت إلى الضابط المختص رئيس النقطة وسأله فى دهشة واستغرب: 

ماذا يا حضرة الضابط؟ لم أجد ولا حادثة واحدة خلال هذا الوقت الطويل الذى قضيته فى هذه النقطة فما معنى هذا؟ وماذا تصنع؟ لابد أنك تبذل مجهود الجبابرة، ولابد أنك تكثر المرور ومن الدوريات، ولابد أن "العساكر" الذين معك مرهقون كل الإرهاق، ولابد أنك تبتكر طرقا فى إرهاب الناس وتخويفهم جعلتهم يقلعون عما كان معروفا عنهم من حب للجريمة وغرام بالعدوان، ولعلك تستطيع أن تكتب ذلك كله ليستنير به المختصون فى علاج الجرائم وطرائق الإصلاح الإدارى.

فقال الضابط المختص: لعل دهشتك يا سيدى ستزداد إذا صارحتك بأننى لم أبذل شيئا من المجهودات الإدارية، ولم أبتكر طرقا للترهيب والتخويف، ولم أفعل من كل ما ذكرت شيئا. ولعلى أعتبر نفسى فى هذه الناحية من أقل الضباط عناية بها واهتماما بشأنها، ولكنى سلكت إلى ذلك طريقا أخرى رأيتها أنفع وأجدى، فقد اعتمدت يا سيدى على إثارة وجدان هؤلاء الناس وإحياء شعورهم وإيقاظ ضمائرهم. ويخطئ من يظن أن صنفا من الناس يحيا بغير قلوب أو يعيش بغير شعور ووجدان، فالإنسان هو الإنسان فى القرية، وفى المدينة، وفى الواحة الخصبة، وفى الصحراء المجدبة، ويعيش بقلبه ووجدانه وخلجات جوانحه قبل أن يعيش بقوة بدنه وعمل جوارحه. ولكن غابت هذه الحقيقة أو اختفت حينا ما تحت مظاهر البؤس والشقاء والعناء وظروف البيئة والوسط، فهى كالنار التى يسترها الرماد لا تلبث أن تظهر متوهجة متلهبة متى أطارته عنها نسمات الرياح. عرفت هذه الحقيقة يا سيدى وآمنت بها فخاطبت مشاعر هؤلاء الناس ونفوسهم، وأثرت الحياة الخامدة الجامدة فى قلوبهم ووجدانهم، وخاطبتهم فى ذلك باللسان الذى يعرفونه والقول الذى يفهمونه (بلسان الدين ولغة الإيمان)، وكان لى من ذلك والحمد لله فى قلبى وفى إيمانى ذخيرة لا تنفد، ومعين لا ينضب، صلحت به نفسى، واستقام عليه أمرى، فلم أكن متصنعا ولا متكلفا ولكنى كنت مؤمنا بما أقول وبما يجب أن أفعل، شعرت وآمنت ثم تكلمت وخاطبت وجمعت هؤلاء الناس فى المساجد- أى والله فى المساجد يا سيدى المفتش- لا فى النقطة، وجلست فى وسطهم فى المحراب لا أمامهم على المكتب، وتجردت من مظهر النهى والأمر والتخويف والزجر وتحررت من كل سلطة إلا سلطان الله العلى الكبير المطلع على خفايا النفوس وطوايا الضمير، واستصحبت هؤلاء العساكر لا ليخيفوا ولا ليرهبوا، واستحضرت فى نفوس جند الله الرقابة الإلهية الممثلة فى قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ق: 18]. وكنت أخطبهم الجمعة وأشاركهم الصلاة وأشعرهم معنى الأخوة، ثم أفارق الجمع بعد هذا وأعود إلى دارى فوق النقطة فأنام ملء جفنى وأنا آمنا تماما من أن يزعجنى صوت النذير بحادثة قتل أو بنبأ سرقة بإكراه، أو يطرقنى طارق بخبر لا أرضاه.

وصدقنى يا سيدى المفتش إننى ما كنت أنزل بلدا من بلدان النقطة أو قرية من قراها لأمر شخصى أو لزيارة خاصة أو لمجرد مرور حتى يتسامع الناس بقدومى فيهرعوا إلى مسلمين، ويلتفوا حولى مشوقين، وأرى على قسمات وجوههم هذا الحب، ويتدفق إلى قلبى من قلوبهم تيار هذا الحنين، فلا أجدنى إلا جزءا منهم، ولا يجدون أنفسهم إلا أحبة لى فأعود وربما غلبتنى عبرة وتساقطت من عينى دمعة وأنا أقول: الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.

واسمح بعد ذلك يا سيدى المفتش أن أقول لك فى صراحة: إن هذه وحدها هى طريق الإصلاح. ضعوا من القوانين ما تريدون، ونظموا من اللوائح ما تشاءون، ودققوا فى الرقابة ما وسعكم التدقيق، وثقوا بعد هذا بأنه لم يجدكم ذلك كله شيئا، وسوف لا تقبضون به إلا على جسوم الناس وأبدانهم حينا من الزمن، ثم تتراخى بعد ذلك سواعد المراقبة فيقع رد الفعل ويتفنن المجرمون فى الإجرام والعدوان، ولكن إذا أردتم الإصلاح الحقيقى والخير الحقيقى، فهذه سبيله غير نائية عنكم ولا بعيدة منكم ولكنها بين أيديكم: 

ربوا هؤلاء الضباط تربية إسلامية روحية حقيقة، واطبعوهم فى كليتهم على فضائل الدين وآدابه وتعاليمه، واجعلوا منهم مريدين صادقين يسلكون طريق الله على بصيرة على أيدى أساتذة ومربين فضلاء أمناء، ثم حاسبوهم بعد ذلك على مسالكهم الشخصية حسابا دقيقا، وآخذوهم على أخطائهم الخلقية مؤاخذة شديدة. لا تبيحوا لهم كأس الخمر، ولا تتساهلوا معهم فى حقوق الأعراض، ولا تتغاضوا عنهم فى مجالس الميسر، ولا تسمحوا لهم بالتقصير فى الصلاة، ولا تقولوا ما للناحية الشخصية والناحية الإدارية؟ فما أعرق هذا المذهب فى الخطأ وما أوغله فى الوهم والضلال. ثم ألزموهم بعد هذا أن يسوسوا الناس باسم الله لا باسم السلطة، وبقوة الروح لا بقوة القانون، وبرقابة السماء لا "بدوريات الأرض"، ولا تقولوا تلك مهمة الوعاظ ورجال الدين، فليس هناك رجال دين ورجال دنيا، والدنيا هى مطية الدين، والدين هو صلاح دنيا الناس، وإذا كنتم مصرين على أن هذه المهمة هى مهمة الوعاظ فاجعلوا الضباط من الوعاظ، أو اجعلوا الوعاظ من الضباط، فلأنه لا ينفك أبدا واعظ السلطان عن وازع القرآن.

قال المفتش: صدقت يا بنى. وبهذا وحده يكون الإصلاح(4).

 

الأمة العربية بين حضارتين

بمناسبة انعقاد مؤتمر الوحدة العربية يتقدم قلم التحرير بهذه الكلمة فى لون الحضارة التى يجب أن تصطبغ بها الأمة العربية فى حاضرها الآمل ومستقبلها الزاهر إن شاء الله.

الرأى العام العربى يذهب فى هذه الناحية مذهبين مختلفين: فمن الناس من يدعو إلى الحضارة الغربية ويحض على الانغماس فيها وتقليد أساليبها "خيرها وشرها، حلوها ومرها، نافعها وضارها، ما يحب منها ما يعاب"، ويرى أنه لا سبيل للنهوض والرقى إلا بهذا "ومن زعم لنا غير ذلك هو خادع أو مخدوع".

ومن الناس من ينفر من هذه الحضارة أشد التنفير، ويدعو إلى مقاومتها أشد المقاومة، ويحملها تبعة هذا الضعف والفساد الذى استشرى فى الأخلاق والنفوس. ولا شك أن كلا الفريقين قد تطرف، وأن الأمر فى حاجة إلى دراسة أعمق وأدق، وإلى حكم أعدل وأقرب إلى الإنصاف والصواب.

لقد وصلت الشعوب الغربية من حيث العلم والمعرفة واستخدام قوى الطبيعة والرقى بالعقل الإنسانى إلى درجة سامية عالية، يجب أن تؤخذ عنها وأن يقتدى بها فيها، وهى إلى جانب ذلك قد عنيت بالتنظيم والترتيب وتنسيق شئون الحياة العامة تنسيقا بديعا يجب أن يؤخذ عنها كذلك، وهذه الحقائق لا يكابر فيها إلا جاهل أو معاند، ولكن هذه الحياة الغربية والحضارة الغربية التى قامت على العلم والنظام فأوصلها إلى المصنع والآلة، وجبى إليها الأموال والثمرات، وملكها نواصى الأمم الغافلة التى لم تأخذ فى ذلك أخذها ولم تصنع صنيعها– هذه الحياة المادية الميكانيكية البحتة مع ما صحبها من خصومة حادة بين علماء الدنيا وحراس الدين قد أغفلت هذه الأمم عن أخص خصائص الإنسانية فى الإنسان؛ عن الغرائز ومستلزماتها، والمشاعر ومطالبها، والنفس وعالمها، وطرائق تنظيم ذلك كله وضبطه ضبطا يضمن خيره ويحبس شره، ودفعت بها دفعا عنيفا إلى التبرم بالعقائد والأديان والخروج عليها خروجا قاسيا شديدا وإقصائها إقصاء تاما عن كل نواحى الحياة الاجتماعية العملية.

فأسقطت الحياة الغربية من حسابها جلال الربانية، والتسامى بالنفس الإنسانية، والاعتقاد بالجزاء الأخروى. واضطربت بذلك بين يديها المقاييس الخلقية وانطلقت غرائز الشر من عقالها تحت ستار الحرية الشخصية أو الاجتماعية، ونجم عن ذلك أن تحطمت الفضائل فى نفوس الأفراد، وتهدمت الروابط بين الأسر، وفسدت الصلات بين الأمم، وصارت القوة -لا العدالة- شريعة الحياة، واندلعت نيران هذه الحرب فتذوق حرها المحاربون والآمنون على السواء.

وقد أدرك هذه الحقيقة أخيرا ساسة الأمم الغربية أنفسهم فهبوا ينادون بوجوب العناية بالشئون الروحية، ويتغنون بالمثل الخلقية العليا، ويهيبون بالحكومات أن تصبغ المدارس ومناهج التعليم والتربية بعد الحرب بهذه الصبغة، وأن تعود بالشعوب إلى الأديان والعقائد الموروثة. وفى الكتاب الأبيض الذى أصدرته الحكومة الإنجليزية عن التعليم بعد الحرب، وفى تقارير الأحزاب التى وضعت فى ذلك، وفى مناقشة مجلس العموم واللوردات لهذا الكتاب من هذا الشىء الكثير.

ونحن العرب قد ورثنا مفاخر هذه الحياة الروحية ومظاهرها، فأقطاب الرسالات العظمى وأنبياؤها المطهرون فى أوطاننا نشأوا وعلى أرضنا درجوا، ورموز الديانات المقدسة لا زالت شامخة باذخة فى ديارنا تهوى إليها قلوب المؤمنين بالكتب والرسل فى أنحاء الأرض 

وهذا القرآن الكريم الذى ورثناه -نحن العرب- فخلد لغتنا، ورفع الله به ذكرنا، وخاطب به نبينا فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[الزخرف: 44]. كما خاطبنا فقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[الأنبياء: 10]. هذا القرآن قد حدد أهداف الحياة الروحية تحديدا دقيقا مبسطا بعيدا عن الأوهام الخيالية والفروض الفلسفية، ووفق بينها وبين مطالب الحياة العملية توفيقا عجيبا لم يستقم لغيره من الكتب، ولم يتح لسواه من مناهج الحياة ونظمها.

فإذا كنا -نحن العرب- نملك هذه الثروة الروحية الجليلة التى تصل القلب الإنسانى بجلال الربانية فتملؤه بذلك إشراقا وريّا، وتكرم فى الإنسان معنى الإنسانية فترفع فى عينه قيم الفضائل العليا، وتذكر الناس بجزاء الآخرة فتسموا بهم عن الوقوف عند أغراض الحياة الدنيا، وتوثق بين بنى الإنسان رابطة من الأخوة لا تمتد إليها يد التفريق والبلى، وتقيم ميزان العدالة الاجتماعية بين مختلف الطبقات على أساس من التعاون والرضى، وتضع لأصول المشكلات حلولا ترتكز على الحق لا على الهوى. إذا كنا نملك ذلك كله، فإن من العقوق لمجدنا وكتابنا وللإنسانية كذلك ألا نتقدم للدنيا بهذه الدواء الواقى والعلاج الشافى.

ولهذا نعتقد أن من واجب الأمة العربية أن تعمل على الاستمساك بقواعد حضارتها التى تقوم على ما ورثت من فضائل نفسية وأوضاع أدبية ودوافع روحية، على أن نقتبس من الحضارة الغربية كل ما هو نافع مفيد من العلوم والمعارف والصناعات والأساليب، وعلى أن ندعو أمم الغرب إلى الانتفاع بهذا الميراث الروحى الجليل، ونبصرها بما فيه من خير، ونذكرها بما تحتويه من نفع وضر، وبذلك تقوم الصلة بيننا وبينها على أساس من التعاون المشترك يتآزر فيه العقل والقلب على إنقاذ الإنسانية واستقرار الأمن والسلام.

وقد يقال إن هذا المعنى ينحدر بالعاملين له والداعين إليه إلى معنى من التعصب الدينى أو التحزب المذهبى يمزق وحدة الوطن المجتمع ويفرق بين المسلم وغير المسلم، وهذا وهم خاطئ؛ فنحن إنما ندعو إلى الفضائل الروحية والمثل الدينية العليا التى يدعو إليها أهل الأديان جميعا، كما ندعو إلى الانتفاع فى حياتنا العملية بهذا التراث القرآنى المجيد الذى هو للمسلم دين ونظام، ولكل عربى قومية ومجد، وللدنيا بأسرها طمأنينة وسلام(5).

 

العروبة والإسلام

نزل القرآن الكريم عربيا، واختير نبى الإسلام العظيم عربيا، وفى هذا الدين الإسلامي معنى من معاني العروبة الخالصة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ*نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾[الشعراء: 192-195]. ففعل فى نفوس الأمة العربية فعل السحر، وصقل جواهر الخلق الحر من نفسها، فجعل استقلالها ثورة على الخرافة، وجهادها حربا على الباطل، وشجاعتها نصرة فى جانب الحق، وكرمها وسخاءها بذلا فى سبيل الله العلى الكبير، وامتد بذلك رواق العروبة الصريحة من قلب الجزيرة حتى بلغ قرنى الدنيا، واستظل به أمم وشعوب لم تكن تدرى ما الكتاب ولا الإيمان، واتسع بذلك معنى العروبة وانتقل الدم العربى الصافى إلى عروق كريمة فارت به وغلا فيها حتى حول كل شىء يتصل بحياتها عربيا خالصا، فلم تصبح الأمة العربية هذه الآلاف تضمها رمال الصحراء وتحجبها حدود الجزيرة، ولكنها صارت ثمانين مليوناً من المسلمين من فلذات كبد الإنسانية تحتل قلب الدنيا من الخليج الفارسى إلى المحيط الأطلسى بعد مراكش، ويظاهرها ويمدها ثلاثمائة مليون من المسلمين يفكرون بعقلها ويشعرون بوجدانها ويؤمنون بالوحدة القوية الحقيقية التى تربطهم بها، ويعتقدون أن قوتها قوة لهم وضعفها ضعف لهم، وأن المصلحة العامة إلى جانب العقيدة الروحية قد جعلت من الجميع أمة واحدة مشتركة الآلام والآمال.

وكان من عجيب صنع الله لهذا الإسلام أن ضمنه معنيين كريمين عظيمين: 

أولهما- أن جعله رسالة المبادئ الإنسانية السامية التى لا يقوم أمر السموات والأرضين ومن فيها إلا عليها: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾[المؤمنون: 71] فهذا الإسلام يدعو أول ما يدعو إلى الربانية وحسن الصلة بالله، ثم إلى الإنسانية والتسامى بحقيقة الإنسان، ثم إلى العالمية وتأكيد معنى الأخوة والرحمة والصلة بين الناس، وكل ما جاء به من فرائض ونوافل وعبادات وأعمال وأقوال وأحكام إنما يقصد به تثبيت هذه المعانى العليا فى نفوس الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

وثانيها- أن هذا الدين العالى قد أسس على معنى من التسامح والسعة والصفح والغفران تجعله أمنا وسلاما وقسطا ومعدلة مع الذين لا يؤمنون به ولا يدينون له، على صورة لم ير التاريخ لها مثيلا، فهو يفرض على أتباعه أن يؤمنوا بكل نبى سبق وبكل كتاب نزل، وهو يثنى على الأنبياء والكتب والحواريين والرسل والأمم التى سبقته والمؤمنين ممن تقدموه ويدعو المؤمنين به إلى أن ينهجوا نهجهم ويأخذوا أخذهم: 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾[الصف: 14].

والمسلم يرى فى كتابه هذه المعانى واضحة لا لبس فيها ولا غموض.

فهو يقرأ عن موسى عليه السلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾[الأحزاب: 69]. وعن توراة موسى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾[المائدة: 44]. وعن شعب موسى وأمة موسى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ*وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمْرِ﴾[الجاثية: 16-17].

كما يقرأ عن المسيح عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِين *وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾[آل عمران: 45-46]. وعن إنجيل عيسى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾[المائدة: 46]. وفى شعب عيسى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾[المائدة: 82].

يقرأ مثل هذا الثناء على الأنبياء السابقين جميعا والكتب السابقة كلها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾[البقرة: 285].

ولا يقف هذا الدين الإسلامى الحنيف عند هذا الحد، بل يفتح باب التعاون العملى والاتصال العقلى بين المسلمين وغيرهم من المخالفين لهم فيقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ﴾[المائدة: 5]. وانظر إلى مدى التسوية هنا -حتى فى العبارة- لترى كم كان هذا الدين ساميا متساميا راغبا أشد الرغبة فى تمهيد الطريق للتعاون والامتزاج والاتحاد. وبهذين المعنيين استطاع الإسلام أن يقدم للدنيا حضارة تقوم على الفضائل النفسانية والعزائم العملية، وأن يقيم فى التاريخ إمبراطورية لم يمنعها اختلاف الأجناس والعقائد من أن تكون مثال العدالة والتسامح.

ومن هنا كان على العرب جميعا مسلمهم وغير مسلمهم أن يعتزوا بالإسلام ويفخروا به ويشيدوا بذكره ويتعصبوا له، وان يعتبروا ثقافته وتشريعه وحضارته هى اللون الأساسى الذى يجب أن تصبغ به حياتهم العملية.

فأما المسلمون فلأنه دينه وقوميتهم ومفخرتهم الخالدة ومعجزتهم الباقية. وصدق الله العظيم: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[الزخرف: 44]. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾[الأنبياء: 10].

نكتب هذا بمناسبة ما يتردد كثيرا من وجوب إبعاد المعانى الإسلامية عن كل ما يتصل بالأوضاع العامة(6).

 

أمانات

قالوا: إن بلدا من البلدان وضع قانونا أن من يتملك أمره خمس سنين يكن من حق أهله بعد ذلك أن يقصوه إلى مكان سحيق فى صحراء قاحلة لا نبات فيها ولا ماء.

وأضرب طلاب الملك والحكم عن امتلاك هذا الكرسى الذى سيقذف بهم بعد هذه الفترة من الزمن إلى أودية الهلاك فى جوف الصحراء.

ولكن رجلا حكيما فطنا تقدم إليهم بطلب هذا الملك وبقبول الشرط، على أن يطيعوه ما دام فيهم حاكما ولا يخالفوا له أمرا، وأجابوه إلى ما طلب وبايعوه بالملك وسلموه صولجانه وتاجه وأقبلوا عليه مطيعين.

بيد أنه لم يلتفت إليهم ولم يشتغل بإقبالهم، ولكنه جعل أول رحلاته إلى هذه الصحراء يعاين بنفسه المكان الذى سيصير إليه ويفكر فى المصير الذى ينتظره.

وعاد من رحلته، فكان أول ما أصدر من تعليمات أن وقع ثلاثة مراسيم: أولها بأن يجمع البناءون من كل مكان ليقيموا فى هذه الصحراء عمائر ومساكن وبنايات. وثانيها بأن يحشد البستانيون من كل مكان كذلك ليغرسوا فيها حدائق وبساتين وجنات. وثالثها للمهندسين من كل فن أن يشقوا إليها الترع والجداول والأنهار ويستنبطوا الماء من العيون والآبار.

ولم يمض قليل من الوقت حتى تم ذلك كله، وأنشئت مدينة بديعة الصنع، رائعة الجمال، مستكملة لشرائط المتعة والترف وصنوف النعيم والإيناس. 

ومضى الوقت المحدود ودقت الساعة المنتظرة، وجاء أهل البلد يهرعون ليروا مصير أميرهم وليسوقوه إلى حيث ينتظره الويل والهلاك، وما كان أشد دهشتهم وأعظم حيرتهم حين رأوه قد انتقل من الخراب إلى العمران، فملكوه المدينتين وفاز بالحسنيين.

ذلك مثلها فى الحياة الدنيا وفى الآخرة. حبذا لو عيناه فعقلناه وعملنا بمقتضاه؛ ذلك أن الله رب الكون ومنشيه والعالم المحيط بكل ما فيه، عرض على السموات أن تكون خليفة عنه على كونه وتديره وتتصرف فى قواه بإذن الله فأبت، وعرض على الأرض هذه المهمة فامتنعت، وعرضها على الجبال فضعفت عن حملها واعتذرت عن النهوض بها، وعرضها على الإنسان فقبلها فرحا مسرورا غير عالم بما تكلفه من أعباء وما تحمله من مشاق، إنه كان ظلوما جهولا.

وكانت هذه المهمة مهمة التكليف المنوط بالعقل والتدبر هى "الأمانة" الأولى التى أشار إليها القرآن العظيم فى الآية الكريمة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾[الأحزاب: 72].

وبعد هذه الأمانة الأساسية تنوع بقية الأمانات.

فالعمل أمانة، وحين يكلفك الرئيس أو صاحب العمل عملا خاصا يتفق معك على أدائه فقد صار هذا العمل أمانة واجبة الرعاية وصار عليك أن تؤديه كما اتفقتما من غير نقص ولا خلل. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".

والسر أمانة، فإذا أسر إليك إنسان قولا عن نفسه أو غيره فى مجلس خاص فإن من الحرام عليك أن تذيع هذا السر إذ تنقل هذا القول لأقرب الناس إليك وأعزهم عليك، ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "المجالس بالأمانة".

وحقوق الناس عندك أمانة، فمن استودعك شيئا من مال أو عرض أو أداة صغيرة أو كبيرة فقد أصبحت ذمتك مرتهنة بها حتى تؤديها لصاحبها على الحال التى تسلمتها عليه، إلا أن يأذن لك فى استخدامها فتتصرف فى حدود إذنه، فإن خرجت على هذه الحدود فقد خنت الأمانة، والله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[المائدة: 58].

وشهادة الحق أمانة، فإذا سمعت أو رأيت أو طلبت إلى الشهادة وترتب على شهادتك إحقاق حق أو إبطال باطل فقد صارت هذه الشهادة أمانة لابد لك من أدائها، والله يقول: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾[البقرة: 283].

والأمانات كثيرة هذه أنواع منها، وأنت مطالب بها جميعا، وهى من صلب الدين وصميمه، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" فاحرص على أداء هذه الأمانات وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون*وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[الأنفال: 27-28](7).

 

برنامج قومي

وضع صاحب المقام الرفيع على ماهر باشا مشروع برنامج لرسم سياسة قومية فى الشئون الخارجية والداخلية والاجتماعية والاقتصادية، ودعا المفكرين وأهل الرأى من أبناء الأمة إلى أن يقرأوه بإنعام، ليقولوا فيه كلمتهم. وما يتم الإجماع عليه يلخص فى ميثاق قومى تتوحد على تحقيقه الجهود، وتتوافر فى سبيل إنفاذه الكفايات، كل فيما اختص به.

والفكرة فى ذاتها فكرة سامية جليلة، والعمل عمل نافع مفيد، وقد تناول المشروع –فى وضوح- أهم الشئون الحيوية التى يشغل التفكير فيها كل رأس، وتمتلئ بالرغبة فى علاجها والاهتمام بأمرها كل نفس.وصاحب المشروع ليس بمتهم فى وطنيته ولا فى كفايته، فهو أحد أبناء مصر الأفذاذ الأقوياء بروحهم وتجاربهم وعملهم وجهادهم، ولقد سبق للإخوان المسلمين أن كتبوا فى مثل هذه الناحية فى رسالتين من رسائلهم منذ عشر سنوات: فى رسالة المنهاج، وفى رسالة نحو النور، كما أن كثيرا من الكاتبين عرضوا لمثل ما عرض له رفعة على ماهر باشا، فقد كتب حافظ عفيفى باشا ومحمد على علوبة باشا والأستاذ مريت غالى والأستاذ محمود كامل وجماعة القوميين كتبا ورسالات إن اختلفت فى بعض الأساليب والتفاصيل فقد اتفقت فى الجوهر والهدف، ومعنى هذا أن الشعب المصرى متحفز مترقب، وأن هذه الخطوة ضرورة من الضرورات التى تتجاوب فيها مشاعر أبنائه جميعا من المفكرين الغيورين. والعاملين المخلصين أفرادا وجماعات. 

والإخوان المسلمون يرون فى كل ما نشر -وفى مشروع رفعة ماهر باشا بالذات- ما يشفى ويكفى وينفع ويفيد من الوجهة النظرية ولو فى الابتداء على الأقل، ولو على أنه أساس صالح يصفو ويكمل بالمناقشة والتمحيص.

ولكن الإخوان- ولا أظن أنهم وحدهم- يعتقدون أن أساس العلة ليس فى الأوضاع أو المناهج وحدها، ولكن فى الرجال والنفوس والأخلاق، وإن أى منهاج –مهما كان قاصرا- ينتظر أن يكون صالحا إذا تولى إنفاذه الرجل الصالح، وأشرفت عليه الأنفس الصالحة، كما أن أى منهاج كامل صالح لا ينفع ولا يفيد إذا تولته النفوس المريضة، وقام على إنفاذه الأشخاص المغرضون، ولا نظن أن أزمتنا "أزمة مناهج"، ولكنها "أزمة أخلاق" قبل كل شىء، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11].

ولسنا وحدنا الذين نشكو أزمة النفوس والأخلاق، بل إن الإنسانية كلها تعانى مرارة هذه الأزمة فى كل أمة وفى كل شعب، ولعلنا نحن –على ما بنا- أحسن حالا فى هذه الناحية من كثير من الشعوب التى تدعى الرقى والمدنية وتنقصها هذه الناحية التى هى حقيقة الحقائق فى معنى الإنسانية.

إن "صلاح النفس" هو عصا تحويل فى كل نهضة من نهضات الأمم، فكما أن محول القطار يستطيع بحركة يسيرة هينة من عصاه أن ينقله كله من شريط إلى شريط ويحول سيره من طريق إلى طريق، كذلك النفس الإنسانية متى تحركت أو اتجهت تحركت منها الأمم وتبعتها النهضات: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[الشمس: 7-10] فكيف السبيل إلى صلاح النفوس، وطهارة القلوب، واستقامة الأخلاق؟

ذلك ما يجب أن نفكر فيه طويلا، ولن نصل إليه إلا برسالة روحية مشرقة عمادها معرفة الله، والإيمان بالفضيلة الإنسانية، والرجوع إلى قدس النبوة، والاستمداد من آيات الله.

ومهما يكن من شىء فالدعوة التى وجهها رفعة على ماهر باشا إلى مواطنيه جديرة بالتقدير الكامل، حرية بأن تكون فاتحة خير لوحدة الجهود، والوصول إلى الإصلاح المنشود، والتوفيق بيد الله(8).

 

الإسلام وكيف يحارب الجهل والفقر والمرض

الإسلام شريعة الحياة، ينظم شئون الدنيا كما يدل على السعادة والفوز فى الآخرة، فلا عجب أن يكون أفضل نظام جاء بعلاج الجهل والفقر والمرض؛ وهي آفات المجتمع ومصادر الألم والبؤس للناس.

جاء الإسلام يفرض العلم على كل مسلم ومسلمة ويأمر الناس بطلبه ولو فى الصين فوضع بذلك أساس التعليم الإجبارى قبل أن يخطر ببال واضعى الدساتير الحديثة، وجاءت أول آية من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ*خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ*الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَم*عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: 1-5] تشيد بالعلم والعلماء وتربط معنى العلم والتعلم بالإنسانية. فلن يكون الإنسان إنسانا حتى يكون عالما، وبقدر معرفته تكون إنسانيته، وما أمرت الملائكة بالسجود لآدم أبى البشر إلا لهذه الخاصية التى امتاز بها عن بقية المخلوقات، خاصية العلم والاستعداد للمعرفة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ*قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ*قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[البقرة: 31-33]. ولقد وزن الإسلام مداد العلماء بدماء الشهداء، ووعد بالدرجات العلى الذين آمنوا والذين أوتوا العلم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر: 28]. ولقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الشريفة ما لا يقع تحت حصر ترغيبا فى العلم والتعليم والتعلم حتى ألحق عمل الأنبياء بعمل المعلمين فقال: "وإنما بعثت معلما" عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام. كما أنفذ ذلك عمليا، فجعل من فداء أسرى بدر أن يعلم كل أسير يقرأ ويكتب عشرة أميين من المسلمين، وذلك له الفداء.

ولقد أثمرت هذه التعاليم النظرية أثرها فى الأوضاع الإسلامية العملية وفى الحياة الإسلامية كذلك، فخطبة الجمعة علم يذاع على الشعب وإذاعة عامة أسبوعية على الناس، والدروس فى المساجد منهاج علمى، والمساجد نفسها هى المعاهد التى يثقف فيها المسلمون ويدرسون فيها مختلف فنون العلم وشتى أنواع المعرفة. وأوصى بالسياحة فى الأرض والسير فيها والتفكر فى آيات الله تبارك وتعالى ومخلوقاته: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِى الألْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[آل عمران: 191]. وطريق العلم فى الإسلام يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وطالب العلم يستغفر له كل شىء حتى الحيتان فى الماء.

ولقد حارب الإسلام الفقر نظريا فجعله قرين الكفر، واستعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر. وحبب فى المال الحلال الصالح فقال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح". وجعل الزهادة فى القلوب لا فى الحطام، فأزهد الناس هو من كان بما فى يد الله أشد ثقة منه بما فى يد نفسه، وحارب الفقر عمليا فأوصى بالعمل والكسب وأمر به: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِى الألْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾[آل عمران: 190-191]. وجعل السعى فى كسب العيش قربة إلى الله تبارك وتعالى من أعظم القربات توجب مثوبته ومغفرته ومحبته، حتى قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب المؤمن المحترف". كما روت عنه عائشة رضى الله عنها "من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له". ورأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا جلدا قويا يمشى فقالوا: حبذا لو كان جلده هذا فى سبيل الله. فقال لهم النبى صلى الله عليه وسلم ما معناه: "إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو فى سبيل الله وإن كان خرج يسعى على صبية له صغار فهو فى سبيل الله. وإن كان خرج على زوجة يعفها عن الحرام فهو فى سبيل الله. وإن كان خرج يسعى على نفسه يمنعها السؤال فهو فى سبيل الله" ونظم محاربة الفقر اجتماعيا فطارد فى نفس الفقير معنى الذلة، وأفهمه أن الفقر ليس فى أعراض الحياة الدنيا ولكنه فى النفوس والأخلاق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الغنى كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس. ثم جعل للفقراء فى أموال الأغنياء حقا معلوما للسائل والمحروم، زكاة واجبة أو صدقة يتقرب بها المتصدق إلى الله تبارك وتعالى، ومن لم يتقدم بزكاة ماله فله عذاب أليم فى الآخرة، وكان للحاكم أن يجبره على إخراجها وأن يقتطعها منه ضريبة اجتماعية لا مناص له من أدائها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾[التوبة: 103]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ويأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك أنا كنزك". ولقد كان أبو بكر  رضى الله عنه أول حاكم فى الدنيا حمل السيف فى سبيل استخلاص حق الفقراء من الأغنياء، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ما استمسك السيف بيدى". وذكر التاريخ أن الأمة التى عاشت فى ظل هذا النظام الإسلامى قد استفاض فيها المال، وزال من بينها الفقر حتى وزعت الزكاة فلم يجدوا لها مستحقا، وأودعت بيت المال حتى يبعث الله لها من يأخذها بأمر الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز  رضى الله عنه، وحارب الإسلام المرض بأن بغضه إلى الناس وأوصاهم أن يسألوا الله العافية. ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم عافنى فى بدنى. اللهم عافنى فى سمعى. اللهم عافنى فى بصرى. لا إله إلا أنت" "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا" كما قرر حق البدن فقال: "إن لبدنك عليك حقا". ورسم للناس طرائق الوقاية بالنظافة التى جعلها ركنا من أركانه فقال: "بنى الدين على النظافة" وبالعادات الصحية الصالحة التى شرعها لمتبعيه، وبتحريم الشهوات القاتلة من الخمر والزنا والمخدرات والمفترات. وبالنهى عن العادات السيئة كالسهر ونومة الصبح، إلى غير ذلك من شتى عوامل الوقاية ونواحيها.وشرع بعد ذلك العلاج فقال "يا عباد الله تداووا فإن لكل داء دواء".

وحين أخذ الناس بتعاليم هذا الدين السمح الحنيف لم يكونوا يعرفون هذه المشكلات المعقدة، مشكلات الفقر والجهل والمرض، فضلا عن أن يستعصى عليهم حلها.

ولازال فى أيدينا أن نتخلص من هذا البلاء المحيط وتلك الآفات المهلكة، ولا يكلفنا ذلك إلا أن نعود إلى الإسلام: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ*يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[المائدة: 15-16].

فهل نعود؟(9).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (28)، السنة الثانية، 7 صفر 1363/ 12 فبراير 1944، ص(3-4).
  2. الإخوان المسلمون، العدد (29)، السنة الثانية، 2 ربيع أول 1363/ 26 فبراير 1944، ص(3-4).
  3. الإخوان المسلمون اليومية، العدد (31)، السنة الثانية، 1ربيع ثان 1363ﻫ / 25 مارس 1944م، ص(3).
  4. الإخوان المسلمون، العدد (34)، السنة الثانية، 13 جمادى أولى 1363/ 6 مايو1944، ص(3-4).
  5. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (55)، السنة الثانية، 3 ربيع ثان 1364/ 17 مارس 1945، ص(12).
  6. الشرق الجديد، العدد (3)، السنة الأولى، جمادى الثانية 1364- يونيو 1945، ص(31-32).
  7. الأمانة، العدد الأول، المجلد الأول، محرم 1366- 25/11/1946، ص(35-36).
  8. الإخوان المسلمون، السنة الأولى، العدد (190)، 23 محرم 1366- 17/12/1946، ص(1).
  9. الأمانة، المجلد الأول، العدد (2)، صفر 1366ﻫ / 25ديسمبر 1946م، ص(31-33).
المقال التالي دفاع الإمام حسن البنا عن الجزائر والتنديد بعداون فرنسا على شعبها
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا