حقيقة البيعة والطاعة عند الإخوان المسلمين

منذ القرن السابع عشر تعرض العالم الإسلامي برمته للخطر الخارجي في صورة أعتى مما عرف في أي وقت مضى، فلقد عادت أوروبا مزودة بحضارة وقوة جديدة لتطوق العالم الإسلامي، وبدأ العالم الإسلامي يتهاوى ركنا بعد ركن ويتداعى بصورة غير مسبوقة، فكان لهذا التهاوي ردود فعل قوية لدى بعض الغيورين.

وكان رد الفعل الطبيعي أن تلتهب الحماسة الدينية حتى تصبح النبرة الإسلامية والدعوة لوحدة المسلمين هي الشعار المضطرم في طول العالم الإسلامي وعرضه، وصار تخندق حركات التحرر والكفاح وراء خط الدفاع الأخير – وهو الإسلام- أمرًا بديهيا، لا سيما وأن الإسلام نفسه كعقيدة تعرض حينذاك لحملات غير مسبوقة من التشهير والقذف من جانب المستشرقين وغير المستشرقين.

يقول جمال حمدان: ثم تعرضت مصر بعد الحرب العالمية الأولى لمؤثرات ذات تأثير مباشر على تقاليد المجتمع، فقد وفدت مع الجيوش الأجنبية مجموعات غير قليلة من أجناس أخرى تخصصت في الترفيه عن الجنود، وباسم الترفيه انتشرت بارات الخمر ونوادي القمار ودور البغاء، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ورحل الجنود الأجانب، استمرت وسائل الترفيه منتشرة في أنحاء مصر تعمل عملها بين طبقات المجتمع المصري وذلك لاختفاء العنصر الذي قامت من أجله([1]).

أثر البيئة في دعوة الإخوان

وقد حظيت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها على العديد من الاهتمام في شتى المجالات لما ظهرت به من فكر جديد وأعمال واقعية جعلت الجميع يحللون كريزمة هذه الجماعة التي أصبحت أكبر وأقوي حركة إسلامية على الساحة الإسلامية، حتى دفعت العديد من المخابرات العالمية لدراستها أو محاربتها ومحاولة عرقلة مسيرتها خاصة بعدما برزت أهدافها التي تتصدي للفكر الاستعماري والتبشيري، والعمل على فهم الإسلام المعتدل وفق ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

وقد كان أثر هذه الأوضاع في نفس الإمام المؤسس حسن البنا بالغا - حيث يقول رحمه الله - في المؤتمر الخامس عام 1939م: كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث ألهبت نفسي وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس...

وقد حدد رحمه الله في موقف الجماعة من هذه الأوضاع فيقول "نعتقد أن كل دولة اعتدت على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملون متساندين على التخلص من نيرها".

ومن ثم فقد طالب أفراد الجماعة "أن تبينوه للناس، وأن تعلموهم أن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال فضلا عن السيادة وإعلان الجهاد، ولو كلفهم ذلك الدم والمال، فالموت خير من هذه الحياة، حياة العبودية والرق والاستذلال([2]).

يكاد يجمع كل من كتب عن الجماعة على وصفها أنها "حركة إسلامية" وهذا هو الوصف الذي حرصت الجماعة على ترسيخه حتى صار مسلمة بديهية عند الأكثر الأعم من الباحثين، وقد كان هذا الوصف الذي أصر عليه الإمام المؤسس في كتاباته، وكذلك كتابها ومفكروها، ولكن يتبقى التعريف بمضمون هذا الوصف الذي ميز الجماعة عن غيرها.

يصف الإمام المؤسس دعوة الإخوان بقوله "دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها إسلامية"، وهذا ما تم إقراره في قانونها ونظامها الأساسي في مختلف المراحل، فنرى في بيان جماعة الإخوان عام 1937م تحت عنوان نظام الجمعية: "ولجمعية الإخوان المسلمين نظام إداري خاص بها أقرب ما يشبه به أنه مدرسة شعبية عامة منهجها كتاب الله ومبادئ الإسلام الصحيح"([3]).

وقد حرص الإمام المؤسس على تحديد ما هو مفهوم الإسلام الذي تريد أن تتحاكم إليه الجماعة؟ حيث يقول:"نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، ويفتي في كل شأن منها ويضع له نظاما محكما دقيقًا.

وقد حددت الجماعة المصادر الأساسية التي يتم فهم الإسلام من خلالها في النظر مباشرة إلى الأصول الأولى، فكان القرآن الكريم هو الكتاب الجامع المحدد لفهم الجماعة، جمع الله فيه أصول العقائد وأسس المصالح الاجتماعية، وكليات الشرائع الدنيوية، ويفهم القرآن الكريم  طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مبينة الكتاب وشارحته، ويرجع في فهم السنة النبوية إلى رجال الحديث الثقات.

وعلى هذا الوجه فإن الإخوان يرون أن الإسلام كدين جاء لكل الشعوب والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في تفريعات الحياة الدنيوية البحتة، إنما يضع القواعد الكلية لكل شأن من الشؤون.

أما بالنسبة للأفراد، فإن الجماعة تدعو إلى فتح باب النظر في أدلة الأحكام لمن توفرت فيه القدرة العلمية، وهي بذلك تنادي بالاجتهاد ولكن بشروطه المعتبرة عند أهل التخصص.

وحتى لا تقع الأمة في الفوضى الفقهية ألزمت كل من ليس له قدرة الاجتهاد أن يتبع إماما من أئمة الفقه، إتباعا مبصرا، فيتعرف ما استطاع من الأدلة التي أدت إلى الحكم عند إمامه ([4]).

وفي ظل هذه المرجعية الفكرية، كان دأب الإمام المؤسس أن يضبط ألفاظ الخطاب الإخواني في هذا الإطار، وكان يقظا لاختلاف المفاهيم في الساحة الفكرية فيقول "قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد انك قد أوضحت كل الإيضاح وأبنت كل الإبانة، وإنك لم تدع سبيلا إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتها، حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء وجعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون، وما أشد دهشتك بعد قليل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك ولم يدركوا قولك".

ويذكر رحمه الله أن السبب في ذلك إما أن المقياس مختلف بين الأطراف المتحاورة أو أن القول في ذاته ملتبس غامض وإن اعتقد صاحبه أنه واضح مكشوف.

وأمام ذلك حاولت الجماعة أن تصل إلى تصورات فكرية مشتركة مع الأفكار الأخرى، هذا من ناحية، وفي نفس الوقت أن تعيد تقديم الإسلام مستخدمة الألفاظ والمصطلحات السائدة، وذلك بعد أن تحدد مدلول هذا اللفظ بما لا يتنافى مع إطارها المرجعي.

لقد ورثت الأمم الإسلامية داء متشعب المناحي كثير الأعراض، فهي مصابة من ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها، والحزبية والخصومة والفرقة من جانب أبنائها، وفي ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها، واستيلاء الشركات الأجنبية على مواردها وخيراتها، وهي مصابة من ناحيتها الفكرية بالفوضى والمروق، والإلحاد يهدم عقائدها ويحطم المثل العليا في نفوس أبنائها، وفي ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها وأخلاقها والتحلل من عقدة الفضائل الإنسانية التي ورثتها عن أسلافها، وبالتقليد الغربي يسري مناحي حياتها، وبالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرما ولا تؤدب معتديا ولا ترد ظالما، ولا تغني يوما من الأيام غناء القوانين السماوية، وبفوضى في سياسة التعليم والتربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها ورجال مستقبلها وحملة أمانة النهوض بها، وفي ناحيتها النفسانية بيأس قاتل وخمول مميت وجبن فاضح وخنوثة فاشية تكف الأيدي عن البذل وتقف حجابا دون التضحية([5]).

أمام هذا الواقع الذي كانت عليه الأمة عامة ومصر والعالم العربي والإسلامي خاصة والذي مثل التحدي التاريخي والذي نشأت فيه الجماعة حيث وضعت شروطا لازمة للنهضة وعلى رأسها عودة المسلمين إلى إسلامهم كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر في ذاته هو جماع الشروط للنهوض بالأمة، فعملت الجماعة على إعادة بناء ثقة الأمة بالله وبدينها وبنفسها في مواجهة طغيان موجة الانهزام أمام الحضارة المادية، وإطلاق العنان للعقل للتفكر في أسرار الكون وإدراك حقائقه وسنة الله فيه، وجعل القلب المؤمن والعقل المفكر صنوان، و الاستقلال عن الاستعمار.

حرص حسن البنا على تربية أبناء الجماعة على التجرد والتضحية في سبيل أن يكون " الله غايتنا "، فيقول: "إذا وقف المال حائلا دون هذه الغاية فإن الأخ المسلم الذي يهتف من قلبه "الله غايتنا" مستعد لبذل المال في سبيل الله، وإذا وقف الأهلون والأبناء حائلا دون هذه الغاية فإن الأخ المسلم الذي يهتف من قلبه "الله غايتنا" على أتم استعداد لمفارقة هؤلاء الأهل والأبناء في سبيل الله، لا بل لمجاهدتهم إن وقفوا في طريق دعوة الله، وإن نبت الأوطان بالأخ المسلم وقلاه أهلها وضايقوه في دينه وأخذوا عليه مسالك دعوته فهو مستعد لمفارقة هذه الأرض غير نادم عليها ولا آسف لفراقها في سبيل الله، وإذا ما احتاجت الدعوة يوما إلى الدماء قدم في سبيلها روحه ودمه، وما أرخصه في سبيلها من فداء([6]).

كانت هذه نظرة على جماعة الإخوان المسلمين وأهدافها وتاريخها، حيث ظلت على هذا المنهج الإصلاحي والإطار الفكري حتى وقتنا هذا بالرغم من تعرضها للمحن الشديدة والاضطهاد من الأنظمة الحاكمة بإيعاز من المستعمر الأجنبي.

لماذا البيعة؟؟

النَّقْد البَنَّاء هو عملية تقديم آراء صحيحة ووجيهة حول عمل الآخرين، والتي تنطوي عادة على تعليقات إيجابية وسلبية ولكن بطريقة ودية وليس بطريقة فيها عناد. وفي الأعمال التعاونية، غالبًا ما يكون هذا النوع من النقد أداة قيمة للارتقاء بمعايير الأداء والمحافظة عليها.

ولذا فجماعة الإخوان المسلمين وكثير من أعضائها لا يختلفون مع من يوجه لهم نقدا بناء، أو نصيحة مخلصة حول أفكارها أو أعمالها أو ممارساتها.

إلا أن البعض – خاصة الخصوم – يحاولون لى الحقائق من أجل النيل من الجماعة، أو تشويه صورتها، أو بخس حقها، أو نسب كل زور وبهتان لها، ومنها ما يخص ما أطلق عليه الإخوان البيعة.

حيث يقول بابكر فيصل بابكر – وهو كاتب سوداني مناهز للفكر الإسلامي ومتحامل عليه - : لا يرتبط فشل تجربة جماعة الإخوان المسلمين في الحكم بالتطبيق العملي فقط كما يقول مناصروها، بل هو فشل كامن في أصول الأفكار وطرائق التنشئة التي يتربى عليها العضو المنتمي للجماعة، وبالتالي فإن أية حديث أو محاولة لمراجعة التجربة يجب ألا تقتصر على نقد الممارسة العملية، بل أن تبدأ من النظر والتنقيب في تلك الأصول النظرية وفي أساليب التربية المرتبطة بها([7]).

لقد بني بابكر مقارنته ونقده على كون جماعة الإخوان المسلمون حزبا سياسيا مثل الأحزاب السياسية، رغم أن الإمام البنا وضح أن الإخوان ليسوا حزبا سياسيا لكنهم يعملون في السياسة العامة فيقول في رسالة المؤتمر السادس: [أما أننا سياسيون حزبيون نناصر حزبا ونناهض آخر فلسنا كذلك ولن نكونه، ولا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل]، ثم بين حقيقة دعوة الإخوان في رسالة المؤتمر الخامس بأنهم دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية، غير أن ذلك لم يعجب بابكر فيصل فيقول: [وهذا تعريف مبهم وفضفاض لا يمكن ربطه بالمفهوم المعروف للحزب السياسي] على الرغم أن البنا نفسه لم يجعل جماعته حزبا سياسيا بالمفهوم المعروف للحزب السياسي بل حارب الإمام البنا الحزبية في ذلك التوقيت بسبب صراعها من أجل ارضاء سياسة المحتل البريطاني على حساب القضية المصرية من أجل كرسي الوزارة.

لم يقتصر الأمر على بابكر فيصل بل أن ثروت الخرباوي أدلى بدلوه بسيل من الافتراءات حتى أنه صور بأن هذه البيعة مأخوذة عن الماسونية حيث وصف أن البناء التنظيمي لجماعة الإخوان يطابق التنظيم الهرمي للجماعة الماسونية، حتى درجات الانتماء للجماعة، وطريقة البيعة وأسلوبها وعبارتها واحدة في التنظيمين، مع تأكيده على أن المرشد الثاني للجماعة "حسن الهضيبي" كان ماسونيًا بامتياز والدليل على ذلك تأكيده على منهج البنا الذي يرفض فكرة الوطن والمواطنة وهو الهدف الماسوني الأكبر لفكرة الحكومة العالمي([8]).

ما هي البيعة؟

كتب محمد زيدان يقول: البيعة من أبرز جوانب الفعل السياسي الذي تمارسه الأمة؛ إذ إنها في الرؤية الإسلامية هي التي تضفي الشرعية على نظام الحكم بل وتسبق إنشاء الدولة في الخبرة الإسلامية في عهد رسول الله، فهي ميثاق تأسيس المجتمع السياسي الإسلامي وأداة إعلانه التزامه بالمنهج والشريعة والشورى وهي صيغة تمكين الأمة لا خضوعها، قبل الدولة، وبعدها.

والبيعة هي ميثاق الولاء للنظام السياسي الإسلامي أو الخلافة الإسلامية والالتزام بجماعة المسلمين والطاعة لإمامهم، فهي ميثاق إنساني لكنه يتأسس على رؤية عقيدية ويتضمن ثلاثة أطراف هي الخليفة نفسه والقائمون بالبيعة أي الأمة، والمبايع عليه وهو الشريعة، ولا تنتهي مسئولية الأمة بعقد البيعة بل تستمر في تحمل تبعة حفظ الدين وتطبيق الشريعة من خلال الشورى، والرقابة على الحاكم، ونصحه إذا حاد، وعزله إذا لزم الأمر واقتضت المصلحة العليا للبلاد والعباد.

وإذا كان الكثير من الكتابات القديمة والحديثة قد ركز عند دراسة البيعة على بعد "الطاعة"، أو الالتزام السياسي من جانب الرعية، وفصلت في شروط الخليفة وكيفية توليته وصلاحياته؛ فإن هناك من المحدثين من يرى أن البيعة حق وليست التزاما فحسب، فهي حق لكل مسلم، رجلا كان أو امرأة، لأنها الطريقة الشرعية الوحيدة لتنصيب رئيس الدولة، ولأن الأمة هي صاحبة السلطة والشأن في توليته وعزله، واقترح بعض أنصار هذا الرأي "صيغة" لبيعة الخليفة للأمة تقوم على الالتزام بالشريعة والعدل والشورى، وهي البيعة التي تمثل الوجه الآخر للالتزام السياسي، وهو التزام الحاكم، في مقابل الالتزام السياسي للأمة بالطاعة([9]).

البيعة في اللغة والاصطلاح

لغة: البيعة مصدر بايع بيعة ومبايعة، وهي الصفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة والطاعة، والبيعة المبايعة والطاعة، وبايعه عليه -مبايعة- عاهده، وبايعته من البيع والبيعة جميعًا.

اصطلاحا: هي إعطاء العهد من المبايع على السمع والطاعة للإمام في غير معصية، في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور إليه.

يقول ابن خلدون: أعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمور نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة وعند الشجرة.

وقد وردت لفظة بايع في القرآن الكريم كما في سورة التوبة: الآية 111 قال تعالى: "فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ"، وفي سورة الفتح في الآية العاشرة: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ" وفي الآية 18: "لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ".

كما وردت لفظة البيعة في كثير من أحاديث الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- كما في قوله في مسند الإمام أحمد: "من مات وقد نزع يده من بيعة كانت ميتته ميتة ضلالة"، وفي مسند الإمام أحمد أيضا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا يصافح النساء في البيعة، وفي صحيح البخاري في باب الجنائز "أخذ علينا النبي عند البيعة ألا ننوح".

وقوله صلى الله عليه وسلم : " ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" رواه مسلم (1844).

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " رواه مسلم (1853).

مستويات البيعة

تنقسم إجراءات البيعة إلى مستويين متتابعين متلازمين :

1- بيعة الانعقاد: وبموجبها ينعقد للشخص المبايع السلطان ويكون له بها الولاية الكبرى دون غيره حسما للخلاف حول من يتولى أمر المسلمين، وهذه البيعة هي التي يقوم بها أهل الحل والعقد، ودلائل هذه البيعة واضحة تماما في انعقاد البيعة للخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم أجمعين- فقد كان أهل الاختيار يقومون باختيار الإمام ثم يبايعونه بيعة انعقاد أولية.

2- البيعة العامة أو بيعة الطاعة: وهي بيعة شعبية عامة للكافة من الأمة، أي بيعة سائر المسلمين للخليفة، وهذا ما تم بالنسبة للخلفاء الراشدين جميعا، فأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، دُعِي المسلمون للبيعة العامة في المسجد، فصعد المنبر بعد أن أخبرهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- باختيارهم له، ومبايعتهم إياه، وأمرهم بمبايعته فبايعه المسلمون، وما حدث مع أبي بكر الصديق حدث مع كل الخلفاء الراشدين، وهي البيعة التي تمت تاريخيا في عاصمة الدولة ومركز الحكم ثم كان يطلب من كل وال من ولاة الأمصار أخذها للخليفة([10]).

الإخوان المسلمون والبيعة

تختلف الدعوات وتتعالى الصيحات, ولكل منها عقيدة تقوم عليها, وركائز تستند إليها, هذه العقيدة هي التي تحركها وتحدد أهدافها ومبادئها, ولقد اختار الإمام البنا عقيد الإسلام الذي ارتضاه الله للمسلمين ديناً ليقيم عليها دعوته, ويجدد من خلالها أهدافه, ويضع على أساسها وسائله.

يقول راجي سلطاني: ولقد اعتبرت البيعة سبباً في كثير من الأحيان في لغط وجدال وممارسات تسبب الكثير من الإشكالات داخل الجماعة، حيث انحصرت فقط البيعة في جزئية الطاعة.

والطاعة كما أمرنا الله بها لا تكون طاعةً عامةً بلا شرط إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تكون لأحدٍ من بعدهما إلا بشرط موافقته لهما، وإلا فلا طاعة له كائناً من كان.

وبالتالي فالثقة والطاعة والبيعة عند الإخوان لقادتهم مشروطة بموافقة هؤلاء القادة للحق والصواب بمفهومه الشرعي أولاً  ، فإذا كان الخيار في أمر ما بين حلال وحرام، فلا يكون رأي القادة ولا توجههم إلا ناحية الحلال، وإلا فلا طاعة لهم، ويُضرب برأيهم عرض الحائط، وهذا يقيناً كان معروفاً ومقصوداً في منهج الإمام البنا وفي توجهه، وليس كما يروج أعداء الإخوان بالطاعة العمياء.

وإذا ما كان الخيار للقيادة في أمرٍ ما بين مفضول وفاضلٍ، أو بين رأيين سياسيين أو حركيين ليس فيهما حلالٌ وحرام، فلا طريق حينها إلا أن يجتهد القادة فيما بينهم، معتمدين على الشورى في قرارهم.

فلا ثقة لفرد مهما علا تنتج طاعة عمياء له، فلا معصوم إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، والفتنة لا تؤمن على حيّ. أهـ([11]).

والبيعة ليست ملزمة لقيادة لا تحترم الشورى، ولا قواعدها، أو تتجاوز حدود شريعة ربها، كما أنها ليست بيعة كبري للدين لكنها كوثيقة احترام عمل بين جميع الاطراف الذين ارتضوا العمل فيما بينهم، ويجب فيها المراجعة والمحاسبة حتى لا تصبح بيعة عمياء، فليس أفسد على أية قيادة مهما كانت من أن تسير وراءها جموع تسبح بحمدها وتثق فيها ثقة عمياء  ، فتسير وراءها أياماً وليالي وسنين، فلا تسأل: لم سرنا؟، وإلى أين نسير؟، وأي طريق هذا الذي سرنا فيه؟، وهل من رجوع وعودة؟.

فالبيعة متعددة صورها، ومنها البيعة على الإسلام والتوحيد، والبيعة على النصرة والمنعة، والبيعة على الهجرة، والبيعة على السمع والطاعة، يقول محمد زيدان: [والأخيرة هي التي تقصدها معظم الكتابات تأسيسا على الممارسة في عصور الملك المتتالية، وهي التي تتبادر للذهن إذا أطلقت كلمة البيعة دون تحديد، وهي التي كانت تعطي للخلفاء تاريخيا عند توليهم في ظل الدول والممالك، وقد اجتهدت الحركة الإسلامية المعاصرة، وأخذت بيعة على الطاعة لتوحيد الصفوف، وأضافت إليها السعي للعمل المنظم في سبيل إرجاع الخلافة الإسلامية، ولا شك أنه هدف يتطلع إليه الكثيرون، لكن تلك البيعة اقترنت بالعمل السياسي والتنظيمي، وأهدر في إطارها بعض قيم الشورى فخرجت عن اطارها المرجو] ([12]).

ولقد حدد الإمام البنا أركان البيعة عند الإخوان فقال في رسالة التعاليم: أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها: "الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوَّة، والثقة".

غير أنه وضع معايير لهذه البيعة فلا هى بيعة عمياء، ولا ضد شريعة الرحمن سبحانه، فقال في رسالة مشكلتنا في ضور النظام الاسلامي: وما الحجر الأسود إلا موضع الابتداء، ونقطة التميز فى هذا البناء، وعنده تكون البيعة لرب الأرض والسماء على الإيمان والتصديق والعمل والوفاء: اللهم إيمانًا بك -لا بالحجر- وتصديقًا بكتابك لا بالخرافة، ووفاءً بعهدك -وهو التوحيد الخالص- لا الشرك، واتباعًا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم محطم الأصنام([13]).

لم يقصد البنا بالبيعة التي وضعها أنها بيعة للإسلام من خرج منها فقد خرج من الاسلام لكنها أراد بها بيعة تنظيميه لشئون الجماعة وأن يلتزم الجميع بخط العمل الجماعي تحت قيادة موحدة فيما موافق لشرع الله وللصالح العام.

يقول الشيخ عصام تليمه: أما عن بيعة الجماعات، فهي أشبه ما تكون بعهد، يقطعه الإنسان على التعاون مع الجماعة في البر والتقوى، وعلى عمل الخير، وعلى الوسيلة، التي يصلح بها دنيا الناس، وتستقيم بها طاعتهم، وليست البيعة للجماعات هنا هي البيعة التي للحكام، ولا البيعة التي للإسلام.

ولقد كتب الدكتور توفيق الواعي حول هذه البيعة فقال: إن البيعة كانت معهودة منذ القدم وكانت معروفة في عهد الرسالات السابقة، وكان أصحاب الأنبياء يبايعونهم إما علي النصرة والحماية، وإما علي إعلاء كلمة الله تعالي، وتشير إلى هذا آية سورة الصف في قوله تعالى : " كما قال عيس ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين" (الصف: 14).

وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث عن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، أما في شرعنا فإن رسول الله (ص) قد بايع الناس في مواقف متعددة واختلفت طرق البيعات اختلافا كثيرا، فمن أشهر البيعات السابقة علي الهجرة بيعة الأنصار ليلة العقبة، وقد بايعوه علي نحو بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة في قوله تعالى : " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك علي أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرفن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم" ( الممتحنة، 12).

ثم بايع الرسول (صلي الله علية وسلم) بعدها الأنصار بيعة أخرى حين قدم المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار، وآخن بين المهاجرين أنفسهم، وتلك البيعة كتب فيها كتاب، أمر الرسول بكتابته ولم يرد كثير من تفاصيل الأمور فيها، ثم بايعهم بيعة أخرى عندما أراد غزوة بدر فبايعوه علي القتال، وكانوا قبل ذلك إنما بايعوه علي الحماية، مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم، ثم من أشهر البيعات بعد هذا بيعة الرضوان التي بايع عليها أصحابه بالحديبية تحت الشجرة، وهذه البيعة التي خلدها الله تعالى في سورة الفتح في قوله: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " (الفتح: 18)، وكانت بيعة علي الموت حب ما جزم به كثير من أصحاب رسول الله (صلي الله علية وسلم) الذين بايعوه عليها، وقد أنكر ذلك ابن عمر وذهب إلي أنها فقط كانت علي القتال وألا يفروا عنه، ومعني ذلك أن ابن عمر أنكر من قال بايعناه علي الموت بزعم أن القائل لذلك أنهم سيبذلون أنفسهم حتى الموت، والمقصود أنهم لا يفرون عنه، وهذه هي البجعة علي الموت لأن الشخص إذا كان سيصبر مهما كلفه ذلك الأمر فمعناه أن سيستعد للموت وسيبذل نفسه في سبيل المبايع، وهذه البيعة هي التي أكدها الله في كتابه في قوله:" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم" (الفتح: 10). وقد روي عن الرسول” بيعات غير هذه، من ذلك أنه بايع أبا بكر وتسعة من أصحابه آخرين بيعة خاصة، وهي ألا يسألوا أحدا شيئا، وكان أبو بكر وهو خليفة إذا سقطت عصاه لم يكن يأمر أحدا أن يناوله إياها بل ينزل إليها حتى يأخذها، لأنه بايع رسول الله (صلي الله علية وسلم) علي ألا يسأل أحدا شيئا.

وكذلك بايعه بعض أصحابه الذين أسلموا بدون قتال بايعوه بيعة خاصة من ذلك بيعة عمرو بن العاص التي هي في صحيح البخاري بايعه علي أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال له: "أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها". وكذلك بيعة خالد بن الوليد، ومن ذلك بيعة جرير بن عبدالله التي رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما أنه قال: " بايعني رسول الله (صلي الله علية وسلم) علي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فشرط علي والنصح لكل مسلم "، وكذلك بيعة ضمام بن ثعلبة الذي جاء من قبل نجد فقال بعد أن التزم ما علمه رسول الله (صلي الله علية وسلم) فقال: "وأنا رسول من ورائي" فكانت البيعة لنفسه وللذين أرسلوه بطريق النيابة.

وكذلك بايع النجاشي جعفر بن أبي طالب لرسول الله إلى بالنيابة عنه، وكتب إليه كتابا بذلك.

ومثل ذلك كثير من البيعات التي تكون منوعة فكل هذا التنوع يدلنا علي أن البيعة ليست ثابتة علي منهج موحد وأنها قابلة للتغيير بحسب الحال ،، بيعة النساء تختلف عن البيعة علي القتال، وتختلف عن البيعة علن الموت وهكذا.

فهذا التطور يدلنا علي أن البيعة ليست مثبتة علي وضع واحد لا يتغير، وأنها تتطور مع المصلحة، وإذا نظرنا إلي المصلحة المتوخاة من البيعة فإننا نعلم أنها رباط وعهد بين الشخصين، وأيضا يكون الحق المترتب عليها من السمع والطاعة والامتثال والالتزام بالأوامر يكون حقا ناشئا عن عقد، وهذا أثبت الحقوق وأوثقها ([14]).

أخيرا

إن البيعة عند الإخوان ليست بيعة الإسلام من خرج عنها أو نقضها فقد خرج من الإسلام!! لأن جماعة الإخوان ذكرت في أدبياتها ودراستها أنها جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، وأن البيعة داخلها لتنظيم العمل داخل الجماعة والتناغم بين الأفراد واحترام القيادة المنتخبة.

فالتكييف الفقهي لبيعة الجماعات، أنها من باب الاتفاق على العمل للإسلام بصيغة معينة، ولبلوغ الهدف للعمل بالإسلام، ولنيل رضى الله سبحانه، حتى أن الإمام البنا ذكر في رسالة نظام الأسر قوله: [تجديد البيعة على السمع والطاعة والصبر والثبات فى سبيل الفكرة]، فهي بيعة في سبيل الفكرة وليست في سبيل أفراد.

 


([1])  جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، كتاب الهلال، القاهرة، 1993م، صـ 175.

([2])  حسن البنا، مجموعة الرسائل، دار الشهاب، بيروت، الطبعة الرابعة، 2004م- ص 150 - 184

([3])  مجلة جريدة الإخوان الأسبوعية العدد (4)، السنة الخامسة 1356هـ/ 1937م.

([4])  مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، رسالة التعاليم، دار الشهاب، مرجع سابق.

([5])  عماد حسين محمد: مدرسة المنار بين التحدي والاستجابة، مجلة المسلم المعاصر،  العدد 131، الثلاثاء, 31 آذار/مارس 2009م

([6])  مجلة النذير، العدد (27) السنة الأولى، 1357هـ- 1938م.

([7])  بابكر فيصل بابكر: في نقد مفهوم البيعة عند الإخوان المسلمين (1)، الحرة، http://cutt.us/1GRAv

([8])  ثروت الخرباوي: سر المعبد، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2012م.

([9])  محمد زيدان: البيعة، إخوان ويكي، http://cutt.us/VxZfu

([10])  محمد زيدان: مرجع سابق.

([11])  راجي سلطاني: الثقة كركن من أركان البيعة عند الإمام البنا.. تفسير وضبط، https://bit.ly/2JGuDJ0

([12])  محمد زيدان: مرجع سابق.

([13])  رسالة مشكلتنا في ضور النظام الاسلامي، صـ753

([14])  توفيق الواعي: الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإسلامية - شبهات وردود، شروق للنشر والتوزيع،, 2005م.

المقال التالي لماذا اتهم العقاد حسن البنا باليهودية؟
المقال السابق كتابات الإمام البنا إلى الأقباط