كتابات الإمام حسن البنا للمطالبة بالشريعة الإسلامية

إعداد موقع الإمام حسن البنا

منذ أن ضعفت الخلافة الإسلامية وقويت شوكة أعدائها وقد وجهوا سهامهم إليها في محاولة لطمس معالم شريعتها التي ترتكز عليها وتغيب وعي الشعوب عن حقيقة دينهم، بل وفتنتهم بمظاهر الحضارة الغربية الحديثة.

نجح الغرب كثيرا في تحقيق أهدافهم التي رسموها في حجب الشريعة الغراء وحقيقتها عن المسلمين وأظهروا لهم ما يتنافى مع الشرع على انه من شريعة الله مستغلين في ذلك ضعف رجال الدين وعدم وجود محضن تربوي يعلم الناس حقيقة دينهم.

ومنذ ظهرت جماعة الإخوان المسلمين وهي تعد من أوائل الهيئات التي تبنت قضية الشريعة الإسلامية وإظهار حقيقتها للناس وأن فيها السعادة.

لا شك أن تحكيم الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكامها أمر واجب، وفرض لازم، وحكم قاطع ثابت بالأدلة الصحيحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ولقد تناولها الإمام البنا ببعض الكتابات والمطالبات العملية بتطبيقها.

وعلى الرغم أن مصر دولة إسلامية ينص دستورها على أن دينها الإسلام، فإن الشريعة قد نُحيت عن مجال الحكم، وزاحمتها القوانين المستوردة من الغرب حتى ألجأتها إلى زاوية ضيقة هى زاوية الأحوال الشخصية.

وقد حارب دعاة التغريب تطبيق الشريعة فأرجفوا أن تطبيق الحدود هو عودة للرجعية، وأنها تستخدم أساليب وحشية، فأثبت الإمام البنا بما لا يدع مجالاً للشك رحمة هذه الشريعة، وأنها مصدر الأمان للمجتمع المسلم من عوامل الفساد والانحراف.

 

هل تحل الشريعة الإسلامية

محل القوانين الوضعية فى البلاد الإسلامية

يمتاز الإسلام عن غيره بأنه دين كامل تام استوعب كل شئون الناس فى معاشهم ومعادهم استيعابًا كاملاً، فهو للدنيا كما هو للآخرة، وهو قانون يتحاكم به الناس فى شئون هذه الحياة العملية، كما هو إرشاد ينظم لهم شئون حياتهم الروحية.

لا يقف الإسلام محايدًا أبدًا أمام أى شأن من شئون الناس؛ لأنه كما أراد الله أن يكون إنما نزل لعلاج مشاكلهم وإسعادهم فى كل ظروفهم، فهو يفتى فى البيع وفى الشراء وفى الرهن وفى الإجارة وفى القرض وفى السلم إلى غير ذلك مما يدخل فى حدود المسائل التى اصطلح المحدَثون على تسميتها بالحقوق المدنية، وهو يفتى كذلك فى الدماء والجروح والقصاص والحدود وغيرها مما عرف الآن بالحقوق الجنائية، وهو يفتى فى العقوبات صغيرها وكبيرها ودقيقها وجليلها، وهو يفتى فى الصلة بين الأمم وتنظيم علائق الشعوب وبيان الروابط والحقوق والواجبات بين الدول مما يسمى بالحقوق الدولية، وهو يفتى فى الاستئذان والزيارة والجلوس على قوارع الطرق وحق الجار على الجار والصديق على الصديق وأدب المجلس وأدب السلام والتحية فى اللقاء والانصراف وغير ذلك مما يسميه الناس بالآداب العامة. يفتى الإسلام فى كل هذا كما يفتى فى الوضوء والصلاة والصيام والحج والتسبيح والذكر والتوبة والاستغفار مما يقول عنه أهل هذا العصر: المسائل الروحية.

والإسلام حين يفتى فى كل هذه المسائل يضع فتواه على أقوم الأصول وأصح الأسس فى دقة متناهية وإحكام غريب، بلى إنه ليس غريبًا، أليس واضعه الحق تبارك وتعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور؟ وليس هذا محل الإفاضة فى تحليل ذلك فله مقام آخر.

والإسلام حين يفتى فى كل هذه المسائل ينظر إليها جميعًا على أنها كلها مسائل دينية يشملها حكم الله، الذي يجب على الناس أن ينفذوه ويعملوا به، ويعدها أجزاء منه لا تنفصل ولا تنفك عنه، وها أنت تقرأ السورة من القرآن فإذا بك تقرأ آية التوبة والاستغفار إلى جانب آية البيع والرهن إلى جانب آية الطلاق والظهار.

كنا نصلى قيام رمضان ليلة من الليالي وأخذ الإمام يقرأ بسورة البقرة، وكان مجيدًا حقًا، وكان حافظًا حقًا، وكان خاشعًا فى قراءته يورد الآيات إيراد الفاهم لها المتأثر بها، فأثر ذلك فى نفوس المأمومين جميعًا، وكانوا خلاصة من الذين يصلون لله، وبعد أن قضيت الصلاة همس فى أذني أحدهم بخطرة من أزكى الخطرات وأنبلها وأدقها.

قال لى: ألم يلفت نظرك شىء فى هذه السورة الكريمة؟ ألست ترى أن الحق تبارك وتعالى جمع فيها قانونًا كاملاً يستوعب معظم شئون الناس الدنيوية، كما تكلم فيها عن نشأة الأمم وتربيتها وموتها وضعفها وسنة الله تبارك وتعالى فيها؟ أولست تراها كلها إلا قليلاً من الآيات الكريمة سورة عملية، وإن شئت قلت: دنيوية، أو حيوية بتعبير آخر؟ وأعجبني من أحد الحاضرين أن أجاب على هذا الهمس الذي تسرب إليه حين تحمس الأخ الأول لجلال هذا الخاطر أعجبني من الثاني أن أخذ يشرح سر ذلك فى لباقة واقتناع.

قال الأخ: ذلك -يا إخواني- أرقى نظام فى تربية الأمم وترقية الشعوب أن يكون القانون الأساسي للأمة محفوظًا لكل أفرادها، فلا يستبد بها حاكم ولا يخرج عن حده، أو يقصر فى واجبه محكوم؛ إذ إن كل فرد من الأفراد بحفظه هذا القانون الأساسي يصح أن يكون قاضيًا، فهذا وضع عجيب أن يجعل الله من عبادة الناس إياه أن يستظهروا قانون التعامل بينهم ويحفظوه عن ظهر قلب، وهذا من أروع أمثل التزاوج الذي أوجده الإسلام بين الدنيا والآخرة.

بربك ألست ترى فى هذا الكلام عمقًا ودقة وكشفًا عن أسرار من أسرار التشريع الإسلامي تخبطت الأمة حين جهلتها وحلت عليها بهذا الجهل المصائب والنكبات؟

معذرة يا أخي القارئ إذا شط القلم فهو جوى لاصق بالقلب كامن فى الفؤاد تنكأه الذكرى، وتذكيه الحادثات، وأعود فأقول:

لقد رأيت أن الإسلام هكذا وضع، هو نظام شامل لكل مظاهر الحياة: دنياها وآخرتها، عمليها وروحيها، وكذلك فهمه المسلمون، وكذلك طبقوه من قبل يوم كان الدين غضًا، والخلافة وارفة الظلال، والمسلمون سادة أعزة أحرارًا فى بلادهم مالكون لأمرهم.

ثم عصفت بهم العواصف فإذا بهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويستعيرون أحكام البشر يتحاكمون إليها ويهملون أحكام العلى الكبير، وهم مع هذا معجبون بما هم عليه، مستنيمون إليه، يحسبونه من مظاهر المدنية وهو هادم لكيانهم صادم لدينهم.

ألست ترى أن الحكومة المصرية احتفلت احتفالاً عظيمًا بمرور ذكرى خمسين عامًا على المحاكم الأهلية، وأن صاحب العزة مصطفى بك حنفي فى تقريره عن هذا الحفل الذي رفعه إلى لجنة الكتاب الذهبي له ونشرته جريدة "السياسة" أفاض إفاضة تامة فى الإشادة بهذه المحاكم، وبيان أثرها فى الناس، وفضلها على الأمة؟ أنا لا أحاول بهذا أن أنال من القضاة الفضلاء فى مصر، ولا من القضاء فيها، فقد برهنت الحوادث على أن فى مصر قانونًا عرف قضاة مصر كيف يجلونه ويحترمونه وينفذونه على وجهه، ولكن الذي أقوله: حبذا لو عمل قضاة مصر الأفاضل أنفسهم على أن يكون هذا القانون هو قانون الله.

رأيت فى إحدى المجلات اليومية مقالاً ضافيًا للآنسة الأستاذة نعيمة هانم الأيوبي الحقوقية المصرية تشيد فيه بأثر القضاء الأهلي فى مصر، وإسعاده لأهلها، وكفه من مظالم الإدارة المطلقة قديمًا، وإراحته الناس من شرورها إلى آخر ما كتبت وأفاضت فيه واستشهدت عليه. يا أستاذة نعيمة، قد تكونين معذورة؛ لأنك فى بيئة بعيدة كل البعد عن استكناه حقائق التشريع الإسلامي، ولكن أقسم لك أن هذا الخير الذي تتمدحين به لا يكون شيئًا مذكورًا أمام النتائج المجيدة الصحيحة التى تصل إليها الأمة لو طبق فيها قانون الإسلام.

وما لى أذهب بعيدًا، أما الذي وطد الأمن فى بلاد العرب هذا التوطيد العجيب بعد ذلك الفساد المتناهي؟ أليست أحكام الإسلام؟ وألست تعتقدين معي ويعتقد الناس أن الواقع أصدق دليل؟

ويظهر أن الناس بدئوا يتنبهون وكم تفاءلت تفاؤلاً عظيمًا، وتنفست الصعداء، ومددت بصرى إلى ذلك اليوم الذى تعود فيه أحكام الله وقل عسى أن يكون قريبًا، حين رأيت شيخ الوعاظ فى هذا البلد فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد ربه مفتاح يفتتح العدد الثاني من مجلة "الإيمان" بمقال هذا صدره: "منذ عامين تقريبًا كانت وزارة الحقانية تحتفل بمرور خمسين سنة على تأسيس المحاكم الأهلية، وقد رأت أن تدعو الأزهر لمشاركتها فى هذا الاحتفال، وليس بدعًا أن يدعى الأزهر إلى شهود تلك الحفلات الكبرى، وإن لم يكن بينه وبين الداعين إليها ما بينه وبين الحقانية من وشائج قوية ورحم موصولة؛ إذ هو فضلاً عن اتحاد المهنة يساهم فى قضائها برجال المحكمة الشرعية، ولكن هذه الدعوى على الرغم من ذلك بدت للأزهر دعوة مريبة، فاستشف من خلالها الغرض الذى حمله ورجال المحكمة الشرعية أنفسهم على رفضها وعدم الاستماع إليها، وهو غرض لا يحتاج فى ظهوره إلى تأمل كبير أو فطنة نادرة، فهي تحكم لنفسها تدبير الأمر، وتبذل عنايتها فى سبيل اعتراف الأزهر بشرعية القضاء الأهلي، كما كان موقف الأزهر هو الآخر لا يحتاج إلى تأويل أو توضيح؛ إذ هو لا يزيد أيضًا عن أن الأزهر -مع خضوعه للأمر الواقع- لا يعترف فى قضاء هذه الأمة بسوى الشريعة الإسلامية والقضاء الإسلامي، وهو حقًا موقف مشرف، بل هو فى نظرنا من أنبل مواقف الأزهر وأعظمها فى الدفاع عن الإسلام؛ فإن الشريعة الإسلامية هى كل ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم أو تكاد، فإذا بُوعِد بين الشريعة وبين العمل بها تضعضعت دعائمها وانحلت عراها، وكانت دعوى التدين بها دعوى لا يقام لها وزن ولا تحمى ما وراءها" انتهى صدر مقال الأستاذ المفضال، وهو كلام مجيد حقًا.

ولقد كتبت جريدة الإخوان حين الاحتفال ما رأت من واجبها أن تنادى به إذ ذاك من وجوب الرجوع إلى شريعة الله، وفى اليوم الذى نسمع عالمًا رسميًا جليلاً كالأستاذ الشيخ عبد ربه يدعو بهذه الدعوة فى جلاء ووضوح نتفاءل خيرًا كثيرًا، وفى الوقت الذى ينادى فيه الأزهر الرسمي حقًا بأنه لا تعترف فى قضاء هذه الأمة بسوى الشريعة الإسلامية والقضاء الإسلامي نعتقد أن هذا النداء الكريم لابد أن يترك أثره وأن يعود بهذه الأمة إلى الخير، فالأزهر لباب الأمة ومطمح أنظارها فى مثل هذه الشئون، فهل ستكون هذه إحدى حسنات شيخ الأزهر يا ترى؟ ذلك ما نكله للمستقبل يكشف عنه ولغيرة فضيلة الأستاذ الأكبر ودينه وحكمته ليقضى الله أمرًا كان مفعولاً.

وعلى كل حال فكلمة الأستاذ الشيخ عبد ربه أحيت فى النفس أملاً، وأعادت إليها ذكرى، وجعلتنا نتساءل: هل سيأتي اليوم الذي تحل فيه الشريعة الإسلامية محل هذه القوانين الوضعية؟ وهل يكون هذا اليوم قريبًا؟ نسأل الله(1).

 

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ

ليست المطالبة بالتشريع الإسلامي مؤامرة ولكنها واجب مفروض وأمنية عزيزة- نحن لا نعيش للأجانب فلنتحرر من هذه الأوهام- الإسلام عالي الجنبات ولكن الزعماء يضيعون حقوقه!! القائمون بالمطالبة بالتشريع الإسلامي هم الأمة جميعا فهل الزعماء يرون أنه لا قيمة لهم ولا وزن!؟

حسبنا هذه التجارب الفاشلة ولنعد إلى حكم الله

بقلم صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العام للإخوان

قرأت خطاب حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا فى الاجتماع الوفدى الكبير، ولست أعرض لما جاء فيه من شئون حزبية فقد علم الناس أن الإخوان لا يؤيدون السياسة الحزبية فى أية صورة من صورها، وما كنت أحب أن أعلق على كلام رفعة الباشا بشيء، وهو فى خارج الحكم حتى لا يتأول المتأولون هذا الموقف من الإخوان. ويعلم الله أننا حين نكتب إنما نكتب للحق وحده ولوجه الله ولإنقاذ هذا الوطن الحبيب وإسداء النصيحة الخالصة للقادة والزعماء، ولكن ما ورد فى هذا الخطاب عن حركة المطالبة بالتشريع الإسلامي وهي فى رأس برنامج الإخوان المسلمين جعلني أتناول هذه الناحية بهذا التعليق الهادئ المنصف.

يصور رفعة الباشا هذه الحركة بأنها وليدة مؤامرة يراد بها تعويق سير مؤتمر إلغاء الامتيازات، ويعترف رفعته بأن الحدود مقررة فى شريعتنا ولكنها لا ترضى الأجانب أبدا، ثم ذكر أن القائمين بهذه الحركة لا قيمة لهم ولا وزن، ثم بين أن ليس المراد بهذه الحركة وجه الله ولا إعلاء كلمة الإسلام فإن الإسلام بحمد الله عالي الجنبات.

هذا كلام يجب أن لا يمر على الأمة دون أن تتبين ما فيه، وأن تعرف واجبها بإزائه، وهي الأمة المسئولة بين يدي الله عن هذا الدين بكل فروعه وأجزائه.. ودون أن نبين لرفعة الباشا نفسه حقيقة الأمر حتى لا يخدعه الناس عن الحقائق أو يصوروا له الأمور بغير وجهها.

إن المطالبة بالشريعة الإسلامية، وإحلالها محل التشريع الوضعي ليس مؤامرة لكنها شعور قوى فياض يجيش به قلب كل مسلم، وأمنية عزيزة كريمة يراها المصريون جميعا أسمى أمانيهم وواجب حتم مفروض إن لم يقم الناس به فقد أثموا إثما عظيما، وعرضوا أنفسهم فى الدنيا لعذاب الجريمة، واضطراب الأمن وفساد الخلق، ولعذاب الله فى الآخرة والله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[النساء: 105]- ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تولوا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾[المائدة: 49] وإن الأمة دائبة المطالبة بذلك قديما وحديثا، ومذكرة الإخوان المسلمين لمعالى وزير الحقانية الحالي -وستنشر فى العدد القادم من هذه المجلة إن شاء الله- لم تدع مقالا لقائل، وسيظل الإخوان المسلمون يطالبون بإعادة التشريع الإسلامي كركن من أركان حياة مصر الإسلامية؛ حتى يحقق الله غايتهم أو يموتوا دونها.

أما أن الأجانب لا يرضيهم هذا فنحن نعيش فى بلادنا لأنفسنا لا للأجانب وإن قهرتنا الظروف فى بعض الأحيان على المجاملة واللين، فلن ينسينا ذلك أن لنا حقا مهضوما لابد أن نناله، ولا ينسينا ذلك أن ننتهز الفرص؛ لنتحرر من هذا الرق والتحكم فى شئون حياتنا المصرية ممن لا يمتون إلينا بصلة.

 كان من الواجب على الزعماء أن يصارحوا الأمة بأنها مكبلة، وبأن عليها أن تقوى؛ لتتحرر. كان عليهم أن يصارحونا بأننا غير أحرار فى تشريعنا، وغير أحرار فى أموالنا، وغير أحرار فى حماية مصالحنا، ويهيبوا بنا أن نعمل جاهدين؛ حتى نستكمل الاستقلال الحقيقي فى الإدارة والحكم وفى التشريع والاقتصاد وفى حماية أنفسنا ووطنا، ولكن الزعماء -عفا الله عنهم- قنعوا من الاستقلال بوثيقة لا قيمة لها، وتركوا الشعب مكبلا فى كل ناحية من نواحي حياته، ولعلهم تركوا ذلك؛ ليكون مهمة الإخوان. والإخوان بحمد الله على أتم استعداد لأن يحملوا العبء كاملا، وأن يضحوا بكل شىء فى سبيل تحرير هذه الأمة من كل القيود، وتحرير العالم الإسلامي معها ورفع لواء الله خافقا على كل مكان ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

أما المطالبون بهذا التشريع فليسوا قلة بحيث لا يقام لهم وزن، ولا يرهب جانبهم فى شىء؛ بل هم المسلمون جميعا، والمنصفون من غير المسلمين كذلك إنهم الأمة المصرية.

 وسيعلم الزعماء إن لم يكونوا يعلمون أن هذه الغاية ليست غاية فرد ولا جماعة، ولكنها غاية كل مصري يعيش فى هذا البلد ولئن ضبطت الأمة شعورها وآثرت الحكمة فى السير فليس معنى ذلك أنها نسيت أو تغافلت، وستأتي الساعة التى يدوي فيها هذا الصوت رائعا قويا رهيبا يصم الآذان، ويخلع قلوب المترددين المتحللين ويقولون متى هو!؟ قل عيسى أن يكون قريبا.

بقى أن الإسلام عالي الجنبات رفيع الذرى وإنه لكذلك، وإن الله له لحافظ وإن أرواح المسلمين له فداء ولكن الزعماء -هداهم الله- فى ناحية وهذا الإسلام العالي الجنبات فى ناحية أخرى، وهل أدل على ذلك من أن يبدأ الاجتماع الوفدى الكبير فى الساعة السادسة أى قبل المغرب بساعة وينتهى بعد العشاء، فيتفق المجتمعون وهم هذا العدد الكبير وفى وسطه المنظمون والخطباء على إهدار فريضة المغرب دون احتياج إلى ذلك أو ضرورة إلا التهاون والغفلة عن فرائض الله وأوقات الصلاة، وماذا على لجنة الاحتفال لو أنها أخرت الموعد فجعلته فى منتصف الساعة الثامنة؛ حتى يتمكن الناس من أداء الصلاة. وأمر آخر هو أن وزيراً جليلا يعرف الناس فيه الذكاء والفطنة وقد تولى وزارة المعارف، وهي وزارة الثقافة والتعليم مرتين يستشهد بآيتين من كتاب الله فى كلماته وهما كل هذه الكلمة فيخطئ فى كلتيهما ولا يأتى بواحدة منهما على وجهها. وبعد هذا كله نقول: إن الإسلام عالي الجنبات. أجل أيها -السادة والسيدات -إنه عالي، الجنبات ولكنكم تهملونه ولا تريدون أن تحافظوا على هذه الجنبات العالية.

يا رفعة الباشا: أنت معنا بنص هذا الخطاب فى أن قطع يد السارق ورجم المحصن ومنع التعامل بالفائدة من القواعد المقررة فى شريعتنا السمحة، وطبعا هذه القواعد لسنا نعمل بها الآن، بل إن محاكمنا وقوانيننا تتعامل بغيرها فنحن إذن على اتفاق فى أننا نتحاكم إلى غير كتاب الله ونظام الإسلام، ونحن مع هذا مسلمون. فهل أنتم راضون عن هذا أم ساخطون عليه؟ إن كانت الأولى فقد حاربتم الإسلام ورضيتم بضياع أحكامه، وإن كانت الثانية فهلا فكرتم فى أن نتعاون جميعا على إزالة هذا المنكر والمطالبة معا بتشريع الإسلام، وتذليل العقبات فى هذا السبيل، ومصارحة الأمة بأنه لا يصلحها إلا هذا، وتقويتها تقوية تامة للوصول إلى هذه الأهداف. وحينئذ تتخلصون من التبعة بين يدي الله وتنصحون الأمة، وترون الإخوان المسلمين لكم من أول المؤيدين. فلسنا نبغى إلا أن يعود للإسلام مجده وإلا أن يكون بحق مرفوع الذرى عالي الجنبات. ولا يمنعنا هذا التعليق أن نتقدم لرفعة الباشا بالشكر الجزيل على تناوله قضية فلسطين الشقيقة بهذا العطف الكبير، ورفعته فى ذلك يعبر عن شعور المصريين جميعا(2).

 

مذكرة الإخوان المسلمين لمعالي وزير الحقانية

فى وجوب العمل بالشريعة الإسلامية

حضرة صاحب المعالى أحمد خشبة باشا وزير الحقانية

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تمسك بشريعته إلى يوم الدين وأرفع إليك تحية الإخوان المسلمين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا سيدى الباشا: لست فى حاجة إلى أن أتحدث عن إسلامكم وحسن استعدادكم لمناصرة الفكرة الإسلامية المنقذة، بل التى لا منقذ للعالم كله سواها الآن، ولست فى حاجة إلى أن أتقدم إليكم بالبراهين الكثيرة، والحجج المتضافرة على أن دواء هذه الأمة فى رجوعها إلى هدى الإسلام فى كل الشئون، وأول هذه الشئون القانون فأنت بحمد الله- فيما أعتقد- مقتنع بهذه الفكرة، سمعتك تتحدث بها، وتدلل عليها وتعمل لها وأنت خارج الحكم وأنت عضو مجلس إدارة الشبان المسلمين، وأنت أمين صندوق للجنة العامة للدفاع عن فلسطين، وأنت رئيس جماعة إحياء مجد الإسلام.

والآن يا معالي الباشا وقد جاء دور العمل، وواجهنا الحقائق ودخلنا بوتقة التجارب، وأصبحت وأنت شيخ القضاة ورأس المشرعين فى مركز تستطيع منه أن تحقق ما يرجوه المسلمين جميعا، ويتمنونه ويريدون الحصول عليه مهما كلفهم ذلك من أثمان، وما كنت أنت نفسك تتمناه وترجوه وتؤمن بصلاحيته وتعتقده من وجوب تعديل القوانين، وتوحيد المحكمة المصرية حول شريعة الإسلام. الآن وقد صرت راعيا مسئولا عن الرعية فى ناحيتك ماذا أنت فاعل؟

يا سيدى الباشا: إن صدور الأمة محرجة أشد الحرج؛ لشعورها بأنها تحكم بغير كتاب الله وقانونه وشرعته، وإن الشعوب إن تعودت الصبر حينا، فإن الانفجار نتيجة طبيعية لهذا الصبر فى كثير من الأحيان، وليس يحرج النفس شىء أكثر من الاصطدام بالعقيدة الراسخة الثابتة، وإن قوانيننا الحالية تنافى الإسلام، وتصدمه وتحطمه فى نفوس المؤمنين به، وهم كل هذا الشعب، وقد تفتحت أذهان الأمة وأدركت بعد ما بينها وبين دينها فى هذه الناحية، فشعرت بالحرج الشديد إن بقيت الحال على ما هى عليه، فلا تلجئوا الناس إلى عصيان القوانين، واحتقار الشرائع والتبرم بالقضاة وبالأحكام.

يا باشا: لنقف معا بين يدي الله ولنسمع معا، ألم يقل الله تبارك وتعالى:

 (1) ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65]

(2) ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 49-50]... فى بيان طويل مستفتح بالآيات الكريمة. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون.

(3) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[النساء: 105]

هذا فى الناحية الكلية، وفى الناحية الجزئية قد بين القرآن كثيرا من الأحكام فى كثير من الشئون المدنية والجنائية والدولية والتجارية وما إليها، وأكدت الأحاديث الصحيحة كل ذلك وأيدته، وما أنزلها الله وقررها إلا ليعمل بها المسلمون، وينتهوا إلى حكمه فيها ويستمدوا منها ويطبقوا عليها، فإذا كانت قوانينا وشرائعنا والدستور نفسه مستمدة من معين غير هذا المعين مستقاة من مصادر أوروبية بحتة بلجيكية وفرنسية ورومانية، وهى فى كثير من كلياتها وجزئياتها تتناقض تناقضا صارخا مع التعاليم الإسلامية الصريحة، فكيف يكون موقف المسلم الذى يؤمن بالله وكتابه فيما إذا عرضت له قضية حكم فيها بغير ما أنزل الله وكان الحكم مناقضا لدين الله؟ وكيف يستحل القاضي هذه المخالفة؟ وكيف يستسيغها المتقاضي؟ وكيف يتحمل تبعتها شيخ القضاة ووزير العدالة والتشريع بين يدي أحكم الحاكمين؟!

أنقذونا -يا باشا- من هذا الحرج، وأخرجونا من هذه الورطة، ولا تجعلوا أعمالنا تصطدم بعقائدنا، وأنا أعرف كثيرا من الناس يفضل ضياع حقوقه: مدنية أو جنائية أو تجارية على أن يقف بين يدي قاض يحكم بغير ما أنزل الله. إن التبعية يا باشا كبيرة، ولئن كان هذا الحساب شديد فإن حساب الله أشد ومهمتنا التذكير ولا يغنى أن تتعلل بالمعاذير، فإن الله لا ينظر إلا إلى القلوب والأعمال هذا من الوجهة الروحية البحتة.

 ولنأت من الوجه القانونية.

ألم يعترف كبار رجال القانون من مصريين وأجانب بأن الشريعة الإسلامية من أخصب منابع التشريع وأزكاها وأدقها وأشملها؟ ولم ننس بعد تصريح المسيو بيولا كازللى بوجوب تصحيح القواعد الفاسدة فى القانون الفرنسي المعمول به فى مصر طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، ولم ننس كذلك محاضرات المسيو لامبير، وتصريحاته الخطيرة الواضحة فى هذا الشأن، ولم ننس بعد تقارير مؤتمر لاهاي فى الإشادة بالشريعة الإسلامية وامتداح نظرياتها القانونية وغناها بالبحوث القيمة وكفايتها فى التشريع التام، وفى مصر كثير من أعلام رجال القانون يؤمنون بذلك، ويصرحون به ويودون أن يكلفوا الاضطلاع بهذا العبء، وعجيب أن يكون بينهم المستشارون فى المحاكم المختلطة بله المحاكم الأهلية ومن هؤلاء محمد بك صادق فهمى رئيس محكمة المنصورة المختلطة، والأستاذ عبد الرازق بك السنهوري عميد كلية الحقوق السابق، كما أشار إلى ذلك حضرة كامل بك مرسى وعبد الفتاح بك السيد والأستاذ على بدوى من أساتذة القانون فى المحاكم وفى كلية الحقوق.

والبحث العلمي أعدل شاهد على صحة هذه النظريات، وما قال هؤلاء ما قالوا إلا بعد دراسات طويلة وبحوث عميقة خلدوا بعضها بكتاباتهم وبقي بعضها مستقرا فى نفوسهم إلى الوقت المناسب، وليس المقصود من هذا الخطاب هذه الموازنات فذلك له موضع آخر.

ولنأت إلى الأمر من وجهته العملية.

لقد عاشرتنا هذه القوانين خمسين عاما ونيفا فماذا أفادت منها الأمة إلا كثرة الجرائم، وتزايدها عاما بعد عام ويوما عن يوم، وانتشار الموبقات، وارتكاب الجنايات ذلك أنها لا تتفق مع طبيعتنا، ولا تصلح فى بيئتنا ولا تجدى فى علاج أدوائنا، ولا دليل أصدق من الواقع المشاهد، وذلك فى الوقت الذى نرى فيه البلاد الإسلامية التى أخذت بتشريع الإسلام قد استتب فيها الأمن، وتوطدت السلطة عمت السكينة، وساد احترام القانون واطمأن الناس على الدماء والأموال والأعراض، فهلا تريد مصر أن تصل إلى هذه النتيجة المرضية برجوعها إلى تعاليم الإسلام وشرائع الإسلام.

يا سيدي الباشا: الأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، وبقيت بعض شبهات يتعلق بها الذين يقفون فى طريق الإصلاح بحسن قصد أو سوء قصد، نحب أن نناقشها فى إيجاز، وأنا معتقد أن معاليكم أعرف الناس بأن هذه الشبهات أوهى من أن تقف فى سبيل الإصلاح.

 يقول هؤلاء المرتابون:

(1) إن فى مصر عناصر غير إسلامية إن حكمت بأحكام الإسلام كان ذلك متنافيا مع حرية الدين التى كفلها الدستور للمواطنين، وإن حكمت بغير أحكام الإسلام كان ذلك نوعا من الامتياز البغيض الذي حمدنا الله على التخلص منه، وإزاحة كابوسه عن الصدور. هذه الشبهة مردودة بجزئيها فإنهم إن عوملوا بتعاليم الإسلام لم يكن فى ذلك اصطدام بحرية الدين، فإن الحرية المكفولة هى حرية العقيدة وحرية العبادة والشعائر وحرية الأحوال الشخصية، أما الشئون الاجتماعية فهي حق الأمة ومظهر سيادتها فهم فيها تبع للأكثرية فإذا ارتضت أكثرية الأمة قانونا فى هذه الشئون الاجتماعية بصرف النظر عن مصدره فهو قانون للجميع، إذ أن محاربة الجريمة من حق الدولة بدليل أن الأمم الأوربية، وهى التى تفخر باحترامها للحرية، والحقوق الشخصية، وتزهو بأنها أقرت الديموقراطية، ونادت بحقوق الإنسان مع هذا هى تعامل كل نزلائها وأقليتها بحكم القوانين الموضوعة المرضية عندها بصرف النظر عن أديانهم وعقائدهم، فالإنسان فى فرنسا أو انجلترا أو فى ألمانيا أو نحوها سواء أكان نزيلا يتمتع بجنسيته الخاصة أو مواطنا يخالف الأكثرية فى الدين يحاكم بمقتضى قانون البلاد الموضوع دون نظر إلى قانون بلده أو تشريع دينه وبغير ذلك لا تتحقق سيادة الأمة، ولا يتحقق استقلالها الداخلي، هذا إن عوملوا بأحكام الإسلام وشريعته.

وإن عوملوا بحسب شرائعهم مع الاحتفاظ بحقوق الدولة كاملة معهم، فليس فى ذلك امتياز يخيف، فإن المساواة فى الأحوال الشخصية بين المسلم وغير المسلم مفقودة إلا إذا رضى غيره بذلك، ولا يقال إن إقرارنا لهؤلاء المخالفين على أحكام دينهم فى أحوالهم الشخصية امتياز ممنوح لهم يفضلون به غيرهم، بل هو خلاف خاص بهم، وأما الامتياز المؤلم فهو أن تضيع حقوق أبناء الوطن فى سبيل الأجانب وغير المسلمين بحكم الضعف والاستكانة والذلة والمهانة. 

والإسلام الفسيح المرن لا يحتم علينا أى الطريقين فنحن نختار والأولى إلينا أحب وبحالنا أوجب ولأمر ما قال الله تبارك وتعالى فى صدر آيات الحكم بتنزيله ﴿فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً﴾[المائدة: 44].

على أننا نعرف كثيرا من أفاضل رجال القانون من مواطنينا المسيحيين جهروا كثيرا بأنهم يودون لو عوملوا بأحكام الشريعة الإسلامية فى كل شىء.

(2) ويقولون كذلك إن نصوص المعاهدة تحتم علينا أن نسير فى تشريعنا على أحدث النظريات، وذلك يمنعنا من العودة إلى تشريع الإسلام، وإلا كنا خارجين على أحكام هذه النصوص، وتلك شبهة مردودة كذلك بجزئيها أيضا، فإن تعديل المعاهدة لا يعد تملصا وخروجا فى كل حال، فإذا اتفق الطرفان على التعديل فهو تتميم لهذه المعاهدة واستكمال لنقصها لا نقض لها، وليست هذه المعاهدة تنزيلا من حكيم حميد فهي عرضة للتعديل والتحوير فى كل وقت حسب ما يطرأ للطرفين من عوامل وظروف، وإلا فلماذا يحق للطرف الآخر أن يحور ويعدل فى كل وقت كما هو مشاهد ملموس. هذا من جهة ومن جهة أخرى فعلماء القانون من المسلمين أزهريين وغير أزهريين على استعداد لأن يثبتوا لكل مخالف أن تشريع الإسلام الحنيف أفضل من كل تشريع حديث يعرفونه بالدليل القاطع، والبرهان الناصع، فلا حجة لمخالف، ولا يصح أن نقف عن إصلاح شئوننا إرضاء للمكابرين الذين لا يرضون منا إلا بأن نسير وراءهم وأن نقيد خطانا بشهواتهم ورغباتهم.

(3) ويقولون كذلك إن كثيرا من هذه التشريعات لا يمكن تطبيقه عمليا، ولنأخذ مثلا (الربا) فهل نستطيع إبطاله من محاكمنا وقانوننا ونحن مرتبطون بالنظام الاقتصادي الدولي العام؟ والشبهة مردودة كذلك بما نشاهد من أحوال الدول القوية العزائم التى وضعت لنفسها نظما اقتصادية خاصة، وفرضتها على أممها وأجبرت العالم على احترامها، وكان العامل الأكبر فى ذلك صدق عزيمة حكومتها، وحسن استعداد شعوبها، فلا عقبة أمامنا فى مثل هذا إلا الوهن، وتجسيم الأمور والخوف الذى لا مبرر له، ونحن والحمد لله أمة غنية بصادراتها وكل المواد الحيوية والضرورية موفورة لدينا، ونستطيع الاستغناء إلى حد كبير عن غيرنا مع حفظ كياننا الاقتصادي لو صحت عزائمنا، ماذا فعلت إيطاليا حين وقفت أمامها بالمرصاد اثنتان وخمسون دولة فيها الدول العظمى وفرضت عليها العقوبات وحصرتها داخل ديارها؟ ألم ترغم هذه الدول على احترام مشيئتها وتقدير عزيمتها وأنفذت قرارها بدون سيف أو نار ولكن بغيرة الشعب وعزيمة الحاكمين؟ وماذا فعلت الدول لهتلر حينما أصدر أمره بعدم خروج النقد من ألمانيا بتاتا؟ هل وقف دولاب التجارة فى ألمانيا أم احترمت الشعوب الأخرى هذه الإرادة وعاملت ألمانيا على أساس المبادلة التجارية؟

لا يقال إن هاتين الدولتين قويتين ونحن ضعفاء، فليس الكلام فى حشد الجيوش وتجهيز المعدات، ولكن نتكلم فى البيع والشراء والأخذ والعطاء، وكل شعب مهما ضعف حر فى ذلك كله إن حددت وجهته، واستبانت غايته وقويت عزيمته.

إن الشعوب الأخرى يهمها أن نكون معها شرفاء فى المعاملة، ونحن نلاحظ أن كثيرا من المصارف والدائنين يرضون بالتسويات، وفيها نزول عن شىء من الحق الأساسي فى سبيل الحصول على هذا الحق، فإذا منع القانون التعامل بالربا وتشدد فى استيفاء الحقوق، كان فى ذلك الضمان الكافي للممولين الآخرين، ورضوا به واطمأنوا إليه وعاملونا على غير أساس الفوائد والربا المحرم شرعا فى كل كتاب.

ولماذا لا تكون مصر السابقة بإنقاذ العالم (من نظام الفائدة البغيض), ولماذا لا تبشر حكومة مصر بهذا المبدأ السامي الإنساني الرحيم، ولماذا لا ترفع راية الدعوة إلى تحرير الإنسانية من رق الربا وإقناع الشعوب بوجاهة هذه الفكرة؟ كما رفعت بعض الدول الأوروبية الدعوة إلى تحرير الإنسان من رق العبودية، وأقنعت الشعوب بوجاهة نظرتها وكسبت فخر هذا الدفاع.

ولم الخوف وفيم اليأس؟ هل نعجز عن أن نقدم للإنسانية خدمة جلى ونحن الذين أنقذناها فى كثير من المواقف، وأشعلنا بين كثير من أممها شعلة العرفان والنور؟ ليس هذا من الشعر ولا من الخيال يا باشا، ولكنها حقائق سيتنبه لها العالم، ونريد أن يكون لنا شرف السبق بهذا التنبيه.

ولماذا لا تكون هذه الخطوة -يا باشا- سبيلا إلى الحرية الاقتصادية، وطريقنا إلى تعويد هذا الشعب الذي طال به عهد الاعتماد على الغير أن يعتمد على نفسه وعلى موارده وأن يستغنى فى كثير من شئونه عن الناس؟ وهل هناك فرصة أثمن من هذه؟ وهل هناك عامل يساق به هذا الشعب المتمسك بدينه أقوى من الدين؟ وهل هناك إنقاذ لهذا الشعب الفقير أعظم من إنقاذه من اللصوص السرقة القساة من المرابين؟

هذا مثل أحببت أن أتقدم به لدحض هذه الشبه شبهة صعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأخرت لذلك أعقد المسائل وألصقها وأمسها بحياة الناس حتى لا يكون هناك قول للقائل ولا حجة لمعتذر.

(4) يقولون: إننا حين نطبق هذه الشرائع الإسلامية فى قطع يد السارق، ورجم الزاني وما إلى ذلك، نرجع بالأمة إلى عهد الهمجية، ونفوت عليها فرصة الانتفاع بما بلغت من رقى ومدنية، ونسلكها فى نظام الأمم المتأخرة المتبربرة. وهذا كلام لا يساوى سماعه ولا يستحق أن يرد عليه، وإنما أملاه على هؤلاء الناس تحللهم من عقدة النظم الاجتماعية، وعكوفهم على الإباحية فى كل شىء، واعتداؤهم على ما ليس لهم من أعراض وأموال، وتخوفهم من أن يكونوا الضحايا الأول لتطبيق هذه النظم الحازمة، وما كانت الجريمة فى يوم من الأيام مظهر المدنية ولا الرقى، ولا كان القانون الذى يستأصل الجريمة ويقضى عليها مهما كان من شدته قاسيا ولا رجعيا، ولكنه عين التقدم ومظهر الارتقاء الصحيح، وهى إحن قديمة وأفكار بالية عتيقة آن لها أن تنقرض وآن للمصلحين ألا يعيروها شيئا من الاهتمام بعد أن رأينا أن الفكرة العامة فى التشريع أصبحت متجهة إلى أخذ المجرمين بالحزم، واستبدال السبل الرادعة والأحكام الزاجرة بمظاهر الرخاوة القانونية التى ساعدت على انتشار الجرائم فى الأمم، وجعلت القوانين تكاد تكون عديمة الفائدة فى تهذيب الناس، وأضاعت على الشعوب كثيراً من الأموال، والجهود فى المحاكم والسجون والشرط والموظفين القضائيين بغير طائل. نحن نريد النتائج العملية ولا عبرة بزخرف القول وتزويق العبارات.

ويقولون: إن ذلك غير ممكن عملا فإن رجال الشريعة الإسلامية لا يحسنون التنسيق القانوني الواجب، ورجال القانون لا يلمون بالشريعة الإسلامية الإلمام الكامل، ومتى كان الأمر كذلك فمن يتولى إخراج القانون الإسلامي الجديد للناس فى صورة منسقة وصياغة قانونية تامة؟ وتلك شبهة واهية كذلك، والتعليق على هذه الصعوبة من أهون المسائل، والدعوى غير صحيحة على إطلاقها فإن من رجال الشريعة الإسلامية من يحسن التنسيق القانوني إلى حد كبير ومن هؤلاء الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم بك وكيل كلية الحقوق، وإن من رجال القانون من درس كثيرا من مسائل الشريعة دراسة تامة عميقة ومن هؤلاء الأستاذ السنهوري، ونسوق ذلك على سبيل المثال، وإلا ففي رجالنا والحمد لله خير كثير، وقد اضطلع الأستاذ السنهوري وحده بكثير من هذا العبء يوم دعي لتنسيق القانون فى العراق فأحسن وأجاد.

(6) وأخيرا يرجف هؤلاء القائلون بفكرة مادية بحتة تدور حول المصالح الشخصية فيقولون: إنكم بهذا تعطلون هذا الجيش من رجال المحاكم الأهلية من قضاة ومحامين ومستشارين محترمين، وتتعصبون لرجال المحكمة الشرعية على اختلاف أعمالهم، فتعطون قوما أكثر مما يستطيعون أن يقوموا به وتحرمون الآخرين من كل شىء ذلك إلى أنكم ترون أن المحاكم الأهلية أدق نظاما، وأعظم فى الإجراءات إحكاما من سابقتها، فكيف تريدون أن تحملوا المنظم الدقيق على ما هو أقل منه فى ذلك؟ وهذه مغالطة مكشوفة فليس العلم وفقا على قوم دون آخرين، وفى وسع القاضي الأهلي والمحامي الأهلي أن يدرس أحكام الشرع الإسلامي فى بضعة شهور، والنظام فى المحاكم لا يتقيد بنصوص مواد القانون، وإنما يرجع إلى أسباب أخرى كلها تزول إذا صحت العزائم. على أننا لا نريد بهذا الإصلاح تعصبا لناحية بل نريد أن يزول هذا التفريق كله، ونقضي على هذا الانقسام فى حياة أمة تسير إلى الوحدة، ولا قوة لها إلا بالوحدة فلا محاكم أهلية ولا محاكم شرعية ولكن محكمة واحدة إسلامية مصرية على أدق النظم وأحكم الإجراءات عماد قانونها شريعة الله وحكم الإسلام.

هذه هى بعض الشبهات التى تقال، وقد رأيتم –معاليكم- أنها مردودة بالحجة مدفوعة بالبرهان، وذلك شأن كل شبهة يمليها الهوى ويراد بها الصد عن الحقائق. لم يبق بعد ذلك عذر يا باشا، ولهذا يتوجه الإخوان المسلمون إليكم بالرجاء معتقدين أنهم فى ذلك إنما يمثلون الأمة الإسلامية جميعا بهذين الطلبين.

(أولا) أن تسلموا معهم بمبدأ (وجوب العودة إلى التشريع الإسلامي وتوحيد المحكمة المصرية على أساسه الآن).

(ثانيا) أن تأمروا بإعادة تشكيل لجنة تعديل القوانين الحالية التى يرأسها الأستاذ كامل بك صدقي تشكيلا جديدا يحقق هذه الغاية بأن تسند رياستها إلى معاليكم رأسا أو إلى فضيلة شيخ الأزهر أو المفتي الأكبر، وأن تضم بين أعضائها أكبر عدد ممكن من رجالنا البارزين فى الشريعة الإسلامية من رجال القضاء الشرعي والأزهر الشريف، وفى القانون الوضعي بفروعه المختلفة ولا بأس بأن يكون من بينهم الأستاذ كامل صدقي بك.

يا معالي الباشا: إننا أمة مسلمة وقد وطدنا بالعزم على ألا نحكم بغير قانون الله، وشريعة القرآن الكريم، وتعاليم محمد صلى الله عليه وسلم مهما كلفنا ذلك من ثمن، ومهما بذلنا من تضحيات، وذلك أبسط حقوقنا كأمة لا تعدل باستقلالها فى كل مظاهره السياسية والاجتماعية شيئا، فأعينونا على الوصول إلى هذا الحق وارفعوا عنا هذا الحرج ولا تلجئوا الأمة إلى سلوك سبيل المضطرين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(3).

 

الشريعة الإسلامية وتوحيد القضاء

فى مجلس النواب

فى مناقشة ميزانية وزارة العدل تكلم النائب المحترم الشيخ عبد الوهاب سليم طالبا إلى الحكومة ضم عنصر أزهري إلى لجنة تعديل القانون، ومراعاة الاقتباس من الشريعة الإسلامية، كلما جرى تعديل فى القوانين بما أن شريعتنا -والحمد لله- بشهادة من ليسوا من أهلها قبل أهلها غنية الموارد، فياضة بالمبادئ القانونية الصالحة المنتجة الخصيبة.

وتكلم النائب المحترم أحمد مرسى بك طالبا توحيد القضاء، وأن تكون الخطوة الأولى فى ذلك جعل محكمة النقض والإبرام مرجعا لكل مناحي القضاء الشرعي والأهلي والمختلط ثم توحيد القوانين.

ورد وزير العدل على المطلب الأول بأن لجنة تعديل القوانين الحالية تؤلف من المسيو لامبير والأستاذ السنهوري، وكلاهما ضليع فى بحوثه الإسلامية، وفى القانون المقارن ومن الذين قالوا فى أوروبا بأن الشريعة الإسلامية تصلح مصدر للتشريع الحديث، على أن اللجنة قد ضم إليها أحد علماء الأزهر من رجال الفقه الشرعي؛ ليكون مرجعا وعونا لها فى تبيان ما قد يغلق عليهما من نصوص الشريعة.

وذلك ملخص ما دار فى مجلس النواب عن هذه القضية الهامة التى هى أمنية كل مسلم لا فى مصر وحدها؛ بل فى العالم الإسلامي كله، فليس أعز علينا معشر المسلمين فى مصر وغيرها ولا أحب إلى نفوسنا من أن نرى التشريع الإسلامي يكون مصدرا للقانون فى بلاد الإسلام.

 والفقه الإسلامي والحمد لله خصيب كل الخصوبة: أصوله وفروعه، ومبادئه، وتطبيقاته، وجميل جدا أن يدور الكلام حول هذا البحث فى مجلس نوابنا، وأن نجد من معالي وزير العدل هذا الرد الذي يدل على الاقتناع بالفكرة والاتجاه الطيب نحو الأخذ بها.

ونحب أن نلفت نظر الحكومة، ومجلس النواب إلى الحقائق التالية:

أن النائب المحترم الذي يطالب بأن يكون التشريع الإسلامي مصدر القوانين فى مصر إنما يتكلم بلسان كل مصري، ويعرب عن رجاء كل مصري، وأن غير المسلم ليشارك المسلم فى هذه الأمنية ثقة بعدالة الإسلام، واطمئنانا إلى إنصاف أحكامه. فليس هذا الصوت الذي دوى بالأمس، وليست الأصوات التى تدوي بهذا المطلب اليوم وغدا أصوات أفراد تتلاشى مع موجات الهواء التى حملتها، ولكنها آمال أمة بأسرها وقد وطنت العزم على أن تصل إليها طال الزمن أم قصر، وإن الهدف القريب إن شاء الله، ولا يضيع حق وراءه من يطالب به. 

فعلى الذين يستغربون هذه المطالب أو يهزؤون بها فى خفايا جوانحهم أن يستتروا وألا يتعرضوا لسخط شعب لا يعدل بتشريع الإسلام أى تشريع آخر، وعلى الذي يحملون لواء هذه الفكرة أن يثبتوا فإن الشعب معهم والله ناصره ومؤيدهم وسيفوزون فى القريب إن شاء الله.

وإن الذي يطالبون بتوحيد القضاء فى مصر سيجدون منا معشر الإخوان المسلمين- ونعتقد أننا فى ذلك إنما نعبر عن مشاعر الأمة كلها- كل ترحيب بفكرتهم، فنحن نعمل لتوحيد هذا البلد فى كل شىء فى ثقافته وفى قضائه وفى مشاعره وأهدافه فليس عجيبا أن نفرح بتوحيد القضاء، وأن نرحب (بالمحكمة المصرية) التى ينشدها الأستاذ السنهوري، ويتحدث عنها كثيرا، ولكن ما القانون الذي تحكم به المحكمة المصرية فى درجاتها المختلفة؟

لا نرضى أن يكون غير القانون المستمد من تشريع السماء، من كتاب الله تبارك وتعالى من القرآن الكريم، من المبادئ الإسلامية الكفيلة بالعدالة والإنصاف.

إن الإسلام لا يمنع من اقتباس الصالح من كل شىء، ولكن يشترط ألا يتناقض معه فلتتوحد المحكمة المصرية على أساس القانون الإسلامي مدعما بما يعضده ويؤيده ويتفق مع مبادئه وتعاليمه من كل تشريع حديث أو قديم.

لقد كان كثير من المصريين والمسلمين منهم أيضا ومن رجال القانون يخطئون خطأ كبيرا فى تصور التشريع الإسلامي، ويخاصمونه، ويعادونه، ويصفونه بالضيق والجمود، ويعترضون الدعوة إلى تطبيقه أشد الاعتراض، ومن حسن الحظ أن هذا الصنف من الناس قد أخذ يتناقص؛ بل أخذت الأصوات ترتفع من كثير من رجال القانون بوجوب اتخاذ التشريع الإسلامي مصدراً للتقنين فى مصر، وهذه فى الواقع خطوة كبيرة إلى الأمام، وانتصار عظيم للدعوة إلى هذا التشريع الكريم. ولم يبق أمام المزدرين إلا حجة واحدة يظنونها عقبة العقبات تلك هى الأجانب، فكلما تحدث إليهم متحدث عن تشريع الإسلام قالوا فى ذعر ووجل؛ وماذا نصنع بالأجانب، وهل نسيتم أن الأجانب لا زالوا فى هذا البلد ولازالت لهم الكلمة وبأيديهم الثروة ومعهم السلطان وتؤيدهم دولهم القوية ومعاهدة مونترو؟ ماذا تفعلون بها وقد اشترطنا على أنفسنا فيها التشريع الحديث والتزام مبادئه؟ إننا معكم فى أحقية مطلبكم، ولكن أليست هذه عقبات قوية لا نستطيع لها دفعا؟ هذه هى عقبة العقبات فى نظر القوم. ونرى -نحن معشر الإخوان المسلمين- أن الأمر أهون من كل هذا.

لقد كان منا -نحن المصريين- من هو أسوأ عقيدة فى التشريع الإسلامي من الأجانب فلما نوقش وأفهم عدل عن رأيه، وصار من أشد أنصار التشريع الإسلامي حماسة، ولقد حدثني كبير من علمائنا أن كبيرا من زعماء الأجانب جاء إليه فى ذعر يسأله، هل حقيقة يا أستاذ فى مصر حركة قوية ترمى إلى استعادة التشريع الإسلامي وتطبيقه والعمل به؟ فابتسم الشيخ الكبير وقال لهذا الأجنبي الكبير: نعم، فى مصر حركة قوية ترمى إلى هذا. فقال الرجل وهل ترضى أنت بها وتناصرها وأنت الرجل العصري المفكر المثقف المهذب؟ وهل ترضى أن تعود مصر القهقري، وتفقد هذه الثمرات البالغة من مظاهر تقدمها القانوني بالعودة إلى رجعية بائدة؟ فأجاب الشيخ: أما أنى أرضى عن هذه الحركة، وأنصارها فنعم، وأما أنى أرضى أن تعود مصر القهقري وتفقد ثمرات تقدمها القانوني فلا، ولكن -يا حضرة الخواجة- من الذي قال لك إننا بعودتنا إلى التشريع الإسلامي نعود القهقري؟ اسمع يا فلان: إنكم لا تعرفون شيئا -معشر الأجانب- عن جمال التشريع الإسلامي، ودقته وروعته وانطباقه على أحدث التشريعات، بل إنه ليفضلها فى كثير من الأمور فضلا ظاهرا واضحا ولو عرفتموه لتبينتم ذلك، وعرفتم أن هذا التشريع أفضل لكم من كل ما سواه، وأزيدك أننا لا نريد التشريع الإسلامي فى مصر فقط؛ بل إننا سنبشركم به فى أوروبا، وسنقنعكم بجماله ودقته بالعلم والمنطق، ونحن واثقون من أنكم ستأخذون عنا فى ذلك، ثم أخذ الشيخ يفصل للرجل أمثلة تفصيلية فى هذا المعنى؛ حتى أقنعه. فكان أن قال يا حضرة الشيخ: نحن ما كنا نعلم هذا عن التشريع الإسلامي، والحق أننى أتحدث إليك والأجانب فى مصر الذين عرفوا أمر هذه الحركة مذعورون منها، ولكنى أعتقد أنهم لو عرفوا هذا الذي تقول، وأدركوا هذه الدقة والفائدة فى تشريع الإسلام؛ لسبقوا المصريين إلى المطالبة به.

ليس الأجانب فى مصر أحجارا لا تعقل، ولكنهم ناس لهم عقول وإدراك. فنحن إذا صحت عزيمتنا على الأخذ بتشريعنا الإسلامي، واقتناعهم بفوائده وروعته كما فعل هذا الشيخ مع الخواجة، لاستطعنا أن نضمن منهم موافقة على ما نريد.

وهبهم لم يوافقوا فهل نعيش -معشر المصريين- فى مصر للأجانب؟ لم لا نريح ضمائرنا وننفى الحرج عن أنفسنا، ونريح الحكومة هذا الشعب المعذب الذي يجد نفسه أمام تشريع مقدس سماوي يحبه وفيه علاجه وطبه، ثم هو محروم منه وبين تشريع وضعي فشل كل الفشل فى محاربة الجريمة، ثم هو يجبر على قبول أحكامه. أم تريد الحكومة المصرية أن نقول لها: اعتبرى المسلمين فى هذا البلد أجانب، وراعى شعورهم، ودينهم، وعقائدهم واشرعى لهم من دينهم، وكتابهم قانونا يتحاكمون به.

إننا نأمل كما قال ذلك الشيخ ألا يقتصر الأخذ بتعاليم الإسلام على مصر وحدها؛ بل سيعم بقية بلدان العالم الإسلامي تبعا لها؛ بل سنبشر به أوروبا ننقل تعاليمه إليها فنسعدها بما فيه من روحانية وجمال.

إن هذا الموقف الذي نقفه من تشريعنا لم يعد له مبرر بحال، وأولى بالحكومة أن تخطو خطوات أوسع فى تحقيق هذه الآمال وإن ضم عضو أزهري إلى لجنة تعديل القوانين جميل حقا ولكن أجمل منه ألا يقتصر الأمر على عضو واحد وأن نوصى اللجنة كلها وصية مشددة بالتوسع فى الاقتباس، وأن يكون ذلك كله وسيلة إلى ما بعده من التطبيق الكامل(4).

 

حول اقتراح إقامة الحدود

رد فضيلة الأستاذ المرشد العام

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قرأت خطاب الأخ المفضال الشاب المهندس محمد رمضان على أفندي الذي يقترح فيه أن يطالب الحكومة أن تصرح لنا بإقامة حدود الله فيما بيننا لمن شاء ذلك من الإخوان المسلمين، قرأت هذا الخطاب فأعجبت كل الإعجاب بالروح الذي أملاه، وبالشعور الذي أوحاه، وبالعاطفة الإسلامية الحية التى دفعت الأخ إلى التفكير فيه، ولم ينكب المسلمون فى مجتمعاتهم بشيء نكبتهم بتعطيل حدود الله تبارك وتعالى، ولن يتقربوا إلى الله بشيء تقربهم بالعودة إلى إقامة حدوده والرجوع إلى شريعته.

هذه قضايا مسلمة ولكنى لا أريد أن نكون قوما نظريين، وأحب من كل أخ مسلم أن يضع الناحية العملية فى حسابه دائما ويجعلها أساس مقترحاته، إن تنفيذ اقتراح الأخ يتوقف على وجود أخ مسلم يرتكب جرما يستوجب حدا من حدود الله، فيتقدم هذا الأخ مختارا إلى اللجنة المقترحة معترفا بذنبه، مقرا بجرمه، طالبا إقامة الحد عليه، وبغير وجود هذا الصنف لا يكون لهذه اللجان عمل، وتكون هيئة نظرية بحتة، فإذا وجد هذا الأخ، فالذي أقترحه عليه أن يتقدم هو بنفسه إلى الحكومة القائمة معترفا بجرمه طالبا إليها أن تقيم الحد عليه، فإذا أبت ذلك فليتقدم إلى الإخوان بطلبه هذا، وحينئذ يستطيع الإخوان أن يتخذوا من ذلك وسيلة إلى مؤاخذة الحكومة بجريمة الإهمال والتعطيل، وإلى أن يطلبوا إليها الترخيص لهم بهذه اللجان.

وبما أن ذلك بعيد الوقوع فليس أمام الإخوان المسلمين فى الحقيقة إلا أن يواصلوا جهادهم؛ حتى يوقظوا الشعب من سباته ويكتسبوا الرأي العام إلى صفهم. ولا زال فى الشعب المصري -والحمد لله- يقين وإيمان، وبهذه الطريقة يكونون الحكومة الإسلامية التى تعدل القوانين وفق الإسلام، أو ترغم الحكومات القائمة على سلوك هذا السبيل، وهي طريق طويلة تستلزم جهادا متواصلا، ولكنها على كل حال أفضل الطرق الموصلة إلى الغاية فاعملوا أيها الإخوان، والله معكم، وبتوفيق الله تصلون إن شاء الله رب العالمين(5).

 

العيد الخمسيني للمحاكم الأهلية

يصدر هذا العدد من جريدة الإخوان المسلمين وقد أقامت الحكومة "اليوبيل الخمسيني للمحاكم الأهلية" تحتفل فيه ببلوغ هذه المحاكم خمسين عامًا، ويقدر الخطباء خدماتها للقضاء والتشريع والحقوق فى مصر، ولسنا نحب أن تمر هذه الظاهرة دون أن تقف من حكومتنا السنية حيالها موقفًا هادئًا كل الهدوء، منصفًا كل الإنصاف، منطقيًا ينطبق على حدود المنطق السليم تمام الانطباق، ولسنا نريد بذلك أن نلزمها بشيء وإنما هى كلمة الحق والواجب تقال، وللحكومة بعد ذلك رأيها فإما أخذت وإما تركت ولله الأمر من قبل ومن بعد.

معلوم أن دستور الدولة ينص على أن الدين الرسمي لها هو الإسلام، ومعنى ذلك -فيما أعلم- أن تعاليم الإسلام وأحكامه وقواعده لابد أن تكون مرعوية الجانب تأخذ الحكومة بها وتعمل على تنفيذها.

ومعلوم أن المحاكم الأهلية بنظامها الحالي وتشريعها الحالي تصطدم بتعاليم الإسلام فى عدة نواح، نذكر منها على سبيل المثال:

أولاً: الحدود التى ذكرها القرآن الكريم وأثبتتها السنة الصحيحة للسارق والزانى والشارب ونحوهم من قطع اليد والجلد والرجم.

ثانيًا: فى إعفاء الزانيين من العقوبة إذا رضيا عن هذا الزنا فى سن محددة.

ثالثًا: فى إباحة الفائدة فى الربا.

ولسنا فى هذه الكلمة بصدد بيان أوجه العدالة والفائدة فى التشريع الإسلامي، ونحن وغيرنا ممن هم أقدر منا مستعدون للتدليل على أن التشريع الإسلامي أصلح تشريع للمجتمع، وأجدره بالاتباع والتطبيق إذا أرادت الحكومة منا ذلك، ولكن الذي نريد أن نقوله: إن التشريع الحالي فى المحاكم يصطدم بتعاليم الإسلام وأحكامه فى هذه النقاط وفى غيرها، وأظن أن ذلك ليس محل خلاف بين باحثين.

ومعلوم أيضًا أن الأمة التى تحتكم إلى هذه المحاكم ويطبق عليها هذا التشريع أمة إسلامية تدين بالإسلام وتنزل على حكمه وتعتز به وبتعاليمه.

وإذا تقرر هذا فهلا تفكر الحكومة -ولها هذا الحق وليس من يعارضها فيه إن أرادت- فى تعديل التشريع الحالي بما يجعله يتناسب مع الدستور، ومع القوم الذين يطبق عليهم هذا التشريع، وهلا ترى أنه من غير الجميل أن يقع هذا التناقض الغريب بين القانون الكلى للدولة وهو الدستور وبين القانون الجزئي وهو تشريع المحاكم الأهلية من جهة، ويقع تناقض آخر بين هذا التشريع وبين عقائد من يتعاملون به من جهة أخرى.

كل الذي نريده من كلمتنا هذه استبدال أمر بآخر، ووضع تشريع مكان تشريع، وهو طلب تقضى به ضرورة التجديد والإصلاح والملازمة لمقتضيات الظروف والأحوال التى يخضع لها القانون الوضعي وتطوره فى كل زمان ومكان، ولسنا نسلك إلى ذلك غير سبيل المطالبة البريئة المشروعة، فإن أجابت الحكومة فهو توفيق من الله تبارك وتعالى وتحقيق لآمال شعب بأسره، وإن كانت الأخرى فحسبنا أن يصل هذا الصوت الضعيف إلى أسماع القادرين على إنفاذه، فتنتقل عهدة التبليغ من كواهلنا إلى كواهلهم، وهم مسئولون عن ذلك بين يدي الله(6).

المصادر

  1. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (8)، السنة الثالثة، 4ربيع الأول 1354ﻫ/ 4يونيو 1935م، ص(31-34).
  2. جريدة النذير، العدد (6)، السنة الأولى، 6جماد أول 1357 /4 يوليو 1938، ص(3-5).
  3. جريدة النذير، العدد (7)، السنة الأولى، 13جماد أول 1357 /11 يوليو 1938، ص(3-8).
  4. جريدة النذير، العدد (16)، السنة الثانية، 17ربيع الثاني 1358 /6 يونيو 1939، ص(3-6).
  5. جريدة النذير، العدد (26)، السنة الثانية، 28 جماد ثان سنة1358 /15أغسطس سنة 1939، ص(10).
  6. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (25)، السنة الأولى، 18رمضان 1352ﻫ/ 4يناير 1934م، ص(17-18).
المقال التالي كتابات الإمام الشهيد حسن البنا إلى شيخ الأزهر الشريف
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر