فصل السكري من الجماعة ومشكلته مع الإمام البنا 1947

خرج ثروت الخرباوي مدعيًا أنه اكتشف المؤسس الحقيقي لجماعة الإخوان وهو أحمد السكري حيث ذكر ذلك في برنامج على مسئوليتي على صدى البلد وكتب ذلك في صحيفة الوطن وعلى صحيفة الفجر وغيرها.

وليس ذلك فحسب بل خرجت علينا بوابة الحركات الإسلامية التابعة لعبد الرحيم علي بمحاولة طي الحقائق وأن المؤسس الحقيقي هو السكري رغم أن كل المعلومات في الموضوع مأخوذة من موسوعة الإخوان نصًا، ولم تستند البوابة لأي مرجع أو دليل يوضح كيف أكدت أن السكري هو المؤسس للإخوان؟

كما حاول الباحث السعودي في شئون الجماعات المتطرفة نايف محمد العساكر في كتابه الصادر حديثا عن دار «مقام» للنشر والتوزيع بعنوان «موسوعة حركات الإسلام السياسي – الإخوان المسلمين أن يوهم الناس أن السكري هو مؤسس الإخوان دون أن يقدم دليل إلا أقوال البنا عن الجماعة الحصافية والتي يحاول كل باحث وإعلامي كاره للإخوان أن يجعلها هي بداية الإخوان رغم أنها نشأت وانتهت قبل ظهور الإخوان بسنين كثيرة كما هو موضح في الكتب التي تحدثت عن نشأة الإخوان بما فيها مذكرات مؤسسها حسن البنا.

وفي حلقة مع محمد الغيطي على قناة التحرير قام الشيخ احمد كريمة بطرق هذا الموضوع أيضا غير أنه لم يسوق أي دليل على ما قال.

كما عمد الكاتب الكويتي، محمد صالح السبتى، في كتابه «الإخوان المسلمون.. فضائحهم بأقلامهم) أن يطمس الحقائق بأن السكري هو المؤسس أيضا دون أن يقدم دليل واحد، ورغم المقالات التي نشرها بقلم السكري في صحيفتي صوت الأمة 11/10/1947م, 26 ذو القعدة 1366م ص3، والبلاغ 4 ربيع الثاني 1366هـ، 25/2/1947 ص3، والتي أعاد نشرها الكاتب مرة أخرى نشرها موقع إخوان ويكي الموسوعة التاريخية الرسمية للإخوان المسلمين منذ أكثر من 7 سنوات وهي مقالات أدانت السكري أكثر مما أفادته وخير دليل أن حزب الوفد بعدما تم فصله من الإخوان أدار له ظهره ولفظه ومنع التواصل معه لحاجته لدعم الإخوان الشعبي، خاصة وأن السكري لا يملك شيء يدين الجماعة أن يجعل الناس تنصرف عن حسن البنا، وحينما انضم لحزب مصر الفتاة وقدمه أحمد حسين لأن يكون وكيلا للحزب سرعان ما لفظه أيضا حزب مصر الفتاة خاصة مع اقتراب حرب فلسطين ومحاولة الحزب التعاون مع الإخوان في الحملة الإعلامية من أجل فلسطين، وأيضا لقد أخرج الإخوان بيان بعنوان القول الفصل بين الحق والباطل (بيان إيضاح) الصادر في جمادى الآخرة 1377هـ الموافق مايو 1947م عن دار الطباعة والنشر الإسلامية([1]).

وذكر العديد من الكتاب والمواقع والقنوات أن علي أية حال فإن أحمد السكري يعد المؤسس الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين، - حسب العديد من روايات أعضاء الجماعة- إذ أسسها سنة 1920 في المحمودية، بالاشتراك مع حامد عسكرية وعلي عبيد، وهذا الذي دعا حسن البنا للانضمام إليها، بينما أسس حسن البنا فرع الإسماعيلية سنة 1928، وكانت العلاقة بين البنا وأحمد السكري علاقة وثيقة جدا، وكانا يجوبان المحافظات المصرية للدعوة إلى الجماعة، وتمكنا من إنشاء فروعا لها في بعض المحافظات، واختار السكري باعتباره رئيس الجماعة، حسن البنا نائبا له، وحينما آثار البنا فكرة البيعة، فضل السكري أن يقدم البنا للناس وطالبهم بمبايعته مرشدا للجماعة فيما عين السكري وكيلا ونائبا للمرشد العام([2]).

ولو سلمنا بما قاله الكتاب وغيرهم أن السكري أنشأها عام 1920م سيكون عمر البنا في ذلك الوقت هو 14 عام (ولد في أكتوبر من عام 1906م) وكان وقتها في أواخر المرحلة الإعدادية وبداية مرحلة المعلمين، والتي نشأت في هذا الوقت هي الجمعية الحصافية، ولم تكن فكرة الإخوان قد تكونت في مخيلة أحد خاصة أن الأستاذ البنا اشترك عام 1927م في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، ولأنها لم تكن الجمعية التي ينشدها وتحقق الأهداف التي كان يحلم بها فقد أنشأ جماعة الإخوان المسلمين من أجل ذلك.

ولد الأستاذ أحمد السكرى بالمحمودية عام 1901م وهو أكبر سنا من الإمام البنا بقليل، ولم يكمل تعليمه، وتعرف على الأستاذ حسن البنا منذ الصغر في جمعية الإخوان الحصافية، وأسسوا سويًا جمعية الحصافية الخيرية حيث كان هو رئيسها وسكرتيرها حسن البنا وكان هدفها محاربة المنكرات والتصدي للتبشير.

نشأت جماعة الإخوان على يد البنا في الإسماعيلية عام 1928م وانضمت لها بقية الشعب، وذكر حسن البنا: أنه استطاع أثناء الإجازة الصيفية الأولى للعام الدراسي الأول له في الإسماعيلية 1927 – 1928م أن يصبغ الجمعية الحصافية بالمحمودية بالصبغة الإخوانية، في شكلها وهدفها.

حتى أنه اصطحب وفدًا من المحمودية إلى شبراخيت عندما دُعي إلى افتتاح شعبتها في 10 من المحرم سنة 1349هـ - الموافق يونيو 1930م ، لكننا لا نعرف تحديدًا متى تغير اسمها من الجمعية الحصافية، إلى شعبة الإخوان المسلمين بالمحمودية، ويَذكر الأستاذ محمود عبد الحليم أن الطابع العام لهذه الشعبة كان يختلف عن باقي شعب الإخوان المسلمين حتى سنة 1938م([3]).

وحينما انتقلت الدعوة للقاهرة نقل المركز العام لها وعقد أول مجلس شورى عام للإخوان بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس الموافق 22من صفر 1352هـ الموافق 15من يونيو 1933م، حضره أحمد السكري مندوبا عن شعبة المحمودية، كما حضر في العام التالي مجلس الشورى الثاني وكان السكري قد اختير في أول تشكيلة في مكتب الإرشاد حيث كان البنا هو من يختار الرجال في المواقع في بداية الدعوة.

وقد انتقل الأستاذ أحمد السكري من عمله بمدرسة رشيد الابتدائية إلى ديوان وزارة المعارف خلال عام 1357هـ/ 1938م، ويصف البنا حاله لهذا الانتقال وأنه لم يكن في يوم يكن كراهية للسكري فيقول: فسررت لهذا الانتقال أعظم السرور إذ كان أمنية طالما تمناها كل منا وحلقة متممة لصلة بدأت قبل ذلك بتاريخ طويل، وبعد وجوده بالقاهرة رأيت أن يقوم عني بالإشراف على النواحي الإدارية والأعمال اليومية بالمكتب لأتفرغ للرحلة والدرس والمحاضرة وما إلى ذلك من أعمال الدعوة، وبعثت بهذا الخطاب إلى شعب الإخوان ولجانهم.

حيث جاء في الخطاب الذي أرسله: بمناسبة انتقال الأخ المفضال أحمد أفندي السكري إلى ديوان وزارة المعارف بالقاهرة قد استخرت الله تعالى في أن أسند إليه بالإشراف التام على النواحي الإدارية والعملية بالمكتب، حتى أجد بعض الوقت للناحية العلمية والإرشادية، فأرجو من حضرات الإخوان جميعا ورؤساء الشعب والتشكيلات واللجان وما إليها أن يتعاونوا مع حضرته تعاونا تاما حتى يستطيع النهوض بأعباء ما وكل إليه. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه([4]).

السكري جاني أم مجني عليه؟

تسلسل الأحداث

حرص الأستاذ البنا على تقديم السكري للقيادة لما كان يراه فيه من حيوية –رغم ما كان يصله لكنه كان يراها أشياء بسيطة ممكن علاجها- حتى قدمه ليكون وكيلا للجماعة –ذكرنا أن أ/ البنا كان في البداية هو من يولي الأكفاء (من وجهة نظره) لتولي المهام- وعمل السكري على ذلك لكن زادت الشكاية منه، وكانت بدايتها بموقف ذكره محمود عبد الحليم حدث معه شخصيا فيقول: وباعتباري من دعاة الإخوان المسلمين رأيت من الواجب علي أن أقدم إلى الأستاذ أحمد دعوة الإخوان المسلمين لاسيما وقد لمحت فيه غيرة إسلامية جارفة وهمة عالية فأخذت أتحدث إليه عن الدعوة وأشرح له جهودنا الإسلامية في الجامعة .. وقد لاحظت في أسارير والدي وعمي في أثناء حديثي إعجابًا بهذه الدعوة – ولك يكونا قد سمعا عنها من قبل – وكنت أتوقع أن أرى وأسمع من الأستاذ أحمد مثل هذا الإعجاب ولكنني سمعت منه غير ما كنت متوقع ... سمعت منه تهوينًا من شأن الدعوة وقائدها بأسلوب يشعر بالسخرية والاستعلاء، فيقول وهو يبتسم "مش الشيخ حسن؟ دا كان عندنا في المحمودية ولما عملت الجمعية عملته سكرتير لها وكنت أنا رئيسها" وأخذ يتحدث عن الشيخ حسن وعن نفسه بهذا الأسلوب مما أثارني فبدرت مني – مع حرصي الشديد على إحاطته بكل مظاهر الحفاوة والإكرام – عبارات عاتبني عليها والدي بعد انصراف الأستاذ أحمد.

ولم أذكر للأستاذ المرشد ما حدث، لكن بعدما انتقل الأستاذ السكري للقاهرة واختاره الأستاذ البنا وكيلا للجماعة.. وهنا رأيت من حق الدعوة علي أن أفضي إلى الأستاذ المرشد بالذي دار بيني وبين الأستاذ أحمد فيما يتصل بشخصه والذي كتمته عنه حيث لم يكن هناك داع لإثارته مادام الأستاذ أحمد بعيدًا عن القاهرة، ولم يكن الاحتكاك بيني وبين الأستاذ أحمد قد اقتصر على ما حدث بيني وبينه في منزلنا برشيد، بل جدت أمور أخرى تكرر معها الاحتكاك فقد كنت – كما قدمت – أقضي فترة من إجازة الصيف في المرور ببلاد محافظة البحيرة التي كنت أعتبرها من مسئوليتي كما كان الأستاذ المرشد يعتبرها كذلك.. ولما كانت المحمودية إحدى مراكز البحيرة فكنت أمر على دار الإخوان بها، ونشأ الاحتكاك من مروري بهذه الدار.. فهذه الدار كانت تعتبر نفسها بدعًا من دور الإخوان المسلمين، فدور الإخوان في أنحاء القطر كله إذا دخلت أيا منها تشعر بأنك في فرع من فروع الدعوة يدين بالولاء للمركز العام ولقائد الدعوة ولكن دار الإخوان في المحمودية إذا دخلتها لم تشعر فيها بهذه المعاني وإنما تحس منها معاني الاستقلال والولاء لقيادة أخرى وقد آلمني ذلك وصارحت إخوان الدار بشعوري ولفت نظرهم إلى مظاهر في الدار كالصور المعلقة لا تشعر من أراها بأن هذه الدار شعبة من شعب الإخوان المسلمين كما أن من استمع إلي حديثهم لم يشعر بولاء لقيادة الدعوة، وطلبت إلى إخوان الدار أن يبلغوا الأستاذ أحمد بملاحظاتي.. وكررت الزيارة لهذه الدار فلم أجد تغيرًا قد طرأ عليها مما يتصل بملاحظاتي، فأحسست في هذا الإصرار دلالات خطيرة لاسيما والمسئول عنه قد أضحى في أبرز مكان في الدعوة بعد المرشد العام، ولا أحد غيري يعرف عنه ما أعرف ولا يحس الذي أحس، فاستقر رأي علي مفاتحة الأستاذ المرشد في هذا الموضوع الخطير الذي يوشك إذا لم يعالج ويوضع له حد أن تنهار به الدعوة. 

وكان ذلك في عام 1938 على ما أتذكر أو قبل ذلك وكنا في سفر بالقطار إلى الإسماعيلية وكنت أحد رفقاء الأستاذ المرشد في هذا السفر فانتهزت هذه الفرصة – وكان من عادة الأستاذ في السفر أن يحاول الانفراد بنفسه ليستعيد مع نفسه قراءة أكبر قدر من القرآن مغمضًا عينيه – فانتقلت إلى جانبه وطلبت إليه أن يستمع إلي في حديث خاص يحرج صدري فأقبل علي وأخذت أقص عليه موضوع الأستاذ أحمد السكري منذ التقيت به منزلنا برشيد حتى آخر مرة زرت فيها دار الإخوان بالمحمودية.. فحاول الأستاذ أن يهون الأمر ويشعرني بعدم أهميته في أول الأمر، ولكنه رأى مني جدًا لم يكن يتوقعه حيث قلت له: إن هذه الدعوة لم تعد دعوتك وحدك، ويخيل إلي أنك حملت حديثي إليك على محمل أنني أحدثك في أمر شخصي يخصك وحدك تتهاون فيه إن شئت.. إن هذا الأمر هو من أخطر ما يتصل بكيان الدعوة، ومن حق كل فرد انتسب إلي هذه الدعوة وبايع عليها أن يعرف هل لهذا الدعوة قيادة واحدة أم أكثر من قيادة، وقد رأيت أن أفضي إليك بما يحتبس في صدري باعتبارك أحق الناس بالإلمام به وأقدرهم على معالجته فإن أصررت على الاستهانة به فسيكون من حقي أن أكاشف به جميع الإخوان ليتولوا هم علاجه.

فلما رأى الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع ووجه إلي عبارات كأنما يسرها في أذني وقال: "والله يا محمود إنني كنت أعرف كل الذي قلته من قبل أن تقوله وأعرف أكثر منه وقلبي يتقطع ألمًا لهذا الذي أعرفه، ولكنني كنت حريصًا على أن لا يعرف ذلك أحد غيري.. أما وقد عرفته فأستحلفك بالله أن لا تفضي لأحد به وتجعل ذلك سرًا بيني وبينك وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن"، فقلت له: أعطيك العهد والموثق على ذلك، ولكن موضوع دار الإخوان في المحمودية لن أسكت عليها فلقد هددتهم في آخر زيارة لها إذا لم تزل مظاهر التمرد والنشوز التي بها أن أتقدم بمذكرة إلى مكتب الإرشاد أطلب فصلها من الإخوان المسلمين.. فقال الأستاذ سأبلغ الأستاذ أحمد ملاحظاتك عن المحمودية وسأحاول التقريب بينك وبينه، وأبلغ الأستاذ المرشد الأستاذ أحمد بملاحظاتي عن شعبة المحمودية وبعزمي على التقدم إلى مكتب الإرشاد طالبًا فصلها.. ولما كان الأستاذ حريصًا على ألا يذيع أمر المحمودية وما فيه من دلالات على الاستعلاء على قيادة الدعوة فقد جلس إلي ووعد بإزالة ما طلبت إزالته من دار الشعبة وقد فعل.

وكان المرشد يقدمه للمواضع التي يشعر فيها أن الأستاذ السكري يتطلع لها حتى لا يجد في نفسه شيء، لكن كان يحذره من الانسياق خلف حياة الأرستقراطيين والتي لا تتوافق مع حياة الدعاة ([5]).

وكتب حسن البنا في مذكراته قبل أن ينتقل من الإسماعيلية للقاهرة عام 1932م خاطرة عن شعبتي المحمودية وشبراخيت أوضحت ما يحدث في هذين الشعبتين من تصرفات غير ملتزمة بمنهج الإخوان فقال: إن فرعي جمعية الإخوان المسلمين بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيراً لأنها أنشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود الإخوان الحقيقيين الذين يرون لي معهم شركة في التهذيب والتعليم وهم قليل.. قائد موهوب (يقصد السكري) ولكنه منصرف بهذه القيادة وهذه المواهب إلى السفاسف مسرف في وقته لا يقدر له قيمة، قلبه مملوء بأوهام لا حقيقة لها ومنصرف إلى ناحية لا تثمر إلا العناء فالاعتماد عليه ضرب من المخاطرة العقيمة.

والأخ الشيخ (يقصد حامد عسكرية) له أساليبه الخاصة به وهو ينظر إلي كأخ زميل فلا يصغي لآرائي إلا قليلًا، ومن هذه الناحية يكون توحيد الفكرة ضربًا من التعسر؟ فالاعتماد عليه مخاطرة كذلك([6]).

كان الإمام البنا يدرك طبيعة السكري، وكان يدركها كثير من الإخوان الذين تعاملوا معه لكن الظروف كان تحتم عدم إيثار الفتن، لكن الأمر ظل يزداد حتى علم به كل فرد في الجماعة فكان لابد من وقفة.

لم يتوقف الأمر عند ذلك فيلخص ريتشارد ميتشيل المشهد بقوله: غير أن الأستاذ السكري مع تطور وتوسع وزيادة نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، شعر بأنه هو المحرك السياسي لهذا الجماعة، وأن الإمام البنا هو الأب الروحي وفقط لهذه الجماعة، فعمل على تصدر نفسه في الأحفال والمؤتمرات والاتفاقات وشعر بأنه المرشد العام الحقيقي للإخوان وليس الأستاذ البنا، فعمل على الاستئثار بهذه الزعامة وتحدى الأستاذ البنا والتمرد عليه كمرشد([7]).

حدثت من السكري بعض المواقف التي لا تتوافق مع منهج الإخوان الدعوي أو السياسي وتسببت في العديد من المشاكل، ومنها وأثناء عودة علي ماهر باشا من عرض القضية الفلسطينية في مؤتمر لندن، وكان علي ماهر قد أبلى بلاءً حسنًا في هذا المؤتمر، فخرج الإخوان لاستقباله، وكانت هتافات الإخوان دائمًا للمبادئ، ولم يهتفوا باسم شخص حتى مرشدهم، فهتف السكري بحياة علي ماهر باشا وطالب الإخوان بذلك فأجابه البعض وامتنع البعض وهم في حالة غضب شديد، وحينما عادوا شكوا للأستاذ البنا ما قام به السكري، فطيب خاطرهم بأن دعوة الإخوان لا تهتف لأشخاص لكن –ربما- هتف الأستاذ السكري تشجيعًا لعلي ماهر باشا على موقفه، ولم يعجب بعض الأفراد بهذا التبرير([8]).

ثم جاء حفل النواب بسرايا آل لطف الله والذي أقامه الإخوان لنواب مجلسي النواب والشيوخ تكريمًا لمواقفهم الوطنية، وغيرتهم الإسلامية، وحضره العديد من كبار رجال الدولة مثل الأمير شكيب أرسلان، وسعادة علوبة باشا، والأستاذ الكبير محمود بسيوني، والنائب المحترم سعد اللبان، وفضيلة الأستاذ الشيخ عبد اللطيف دراز، والدكتور عبد الحميد سعيد، ومدكور بك، والدكتور عبد الوهاب عزام.. إلخ. 

وكان لها أثار وصفها الأستاذ البنا بقوله: وكان ملحوظا فيه حضور ممثلين للأحزاب المصرية المختلفة وللطبقات المختلفة كذلك، وقد كان لهذا الحفل آثار بدت صغيرة طفيفة ولكنها تحولت إلى عميقة عنيفة بعد فترة قصيرة من الزمن، فقد اعتقد فريق من الإخوان أن الأستاذ أحمد السكري الذي كان يشرف على نظام الحفل ويقوم بتقديم الخطباء كان يتملق بعضهم والملق الذي يكرهه الإخوان، وكان يحاول أن يظهر بمظهر المتصدر الآمر الناهي وليس ذلك من خلق الإخوان، وكان يؤثر بعض الناس بالتقديم ويحول بين غيرهم وبين المنصة، ويوجه الأمور توجيها يظهر فيه الغرض الخاص والإخوان لا يفهمون إلا لغة الوضوح والاستقامة التامة، وفي أول اجتماع بعد الحفل ظهرت هذه الملاحظات وأخذت أدافع عنها وأفسر مظاهرها لهؤلاء الإخوان تفسيرا حسنا وأحملها على أفضل المحامل وهم غير مقتنعين، وكان هذا الشعور نواة لتفسيرات لاحقة لتصرفات كثيرة مشابهة، وما زال يتضخم حتى صار أساس فتنة ذهبت بمجموعة من خيار الإخوان وحالت بينهم وبين العمل في هذا الميدان([9]).

كما أن بداية التقارب بين الأستاذ السكري والوفد كانت بعد زيارة فؤاد سراج الدين وبعض الوزراء الوافديين للمركز العام  في 16 مايو 1943، إذ أراد الأستاذ السكري الاندماج في الوفد لكي يتثنى للإخوان المشاركة في الانتخابات والحكم بشكل كبير([10]) كانت هذه بدايات بروز هذه الفتنة، غير أن الأسباب التي عجلت بها وأدت لتدافع الأحداث حتى تم فصل الأستاذ السكري فهي كما ذكرت المصادر التي بين أيدينا، أسباب ذكرها الأستاذ أحمد السكري ومجموعته وأسباب أخرى ذكرها الإمام حسن البنا وكثير من الإخوان الذين كانوا شهداء على هذه الفتنة من بدايتها، وإحقاقًا للحق سنسوق هذه الأسباب ثم نحلل أسباب الطرفين على ضوء ما بين أيدينا من وثائق ومعلومات، ونحاول أن نتعرف على الأسباب الحقيقية التي أظهرت هذه الفتنة وأدت لفصل الأستاذ السكري.

الأسباب التي ساقها الأستاذ السكري

عقدت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين اجتماعها العادي الدوري الثالث يوم الخميس الموافق 14 من المحرم 1366هـ، الموافق 27 نوفمبر 1947م، وكان من قراراتها الموافقة بالإجماع على قرار المرشد العام بإعفاء الإخوان محمد عبدالسميع الغنيمي أفندي وسالم غيث أفندي وأحمد السكري أفندي من عضوية الجماعة([11]).

1- وعلى إثر هذا القرار انقلب الأستاذ السكري على الجماعة ومرشدها وأخذ يهاجم المرشد العام وفتحت له جريدة صوت الأمة ذراعها وأفسحت له صفحاتها للهجوم على المرشد العام وبث الفرقة وسط الإخوان ومحاولة زعزعة الثقة بين أفراد الإخوان، وقد ذكر خلال صفحات الجريدة الأسباب التي رآها أنها سبب فصله، فذكر أن من هذه الأسباب استبداد الإمام البنا بالأمر وأنه انتزع من أعضاء الهيئة التأسيسية يوم 9 يوليو1947م تفويضًا يعطي له الحق في إقصاء من يشاء وفصل من يشاء([12]).

2- تأرجح الإمام البنا بين الأحزاب السياسية، ومحاولته استعطاف الأحزاب للعمل مع الإخوان، وليس ذلك فحسب بل دخول بعض العناصر الانتهازية المأجورة في صفوف الإخوان بإيعاز من رجال السياسة([13]).

3- الإغراق في السياسة الحزبية وتكوين اللجنة السياسية وإغراق الجماعة في هذه السياسة ومهادنة صدقي باشا وسماع كلام الإخوان الانتهازية وتملق الإمام البنا للوفد فترة حكمهم من 1942- ([14])1944.

4- الاتصال ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية في أغسطس 1940 حيث التقى مع الجنرال كلايتون والمستر هيوردن في دار الجمعية القديمة([15]) كما أنه تقاضى أموالا من الإنجليز([16]).

5- استيلاء الأمام البنا على مبلغ يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه من الأموال التي تجمعها الإخوان باسم الدفاع عن فلسطين([17]).

6- تستر الإمام البنا على فضائح صهره عبد الحكيم عابدين حيث اتهمه الإخوان بدخوله لبيوتهم دون وجودهم([18]).

7- أن الأستاذ السكري هو الذى أنشئ جمعية الإخوان المسلمين وأن الإمام البنا افتتح فرع لها في الإسماعيلية غير أن الأستاذ السكري أنه لمح فيه الذكاء بعد تكوين الجمعية الحصافية بالمحمودية لا قبل ذلك وأختاره سكرتيرا لهذه الجمعية([19]).

8- تملق الأستاذ البنا للأحبار والرهبان والمطارنة وقبول مبالغ مالية من التاجر الإسكندراني اليهودي حايم دره([20]) .

9- طلب الأستاذ البنا للتعاون مع الوفد أن يدفع الوفد خمسين ألف جنيه للإخوان لكي يستمر التعاون[21] كانت هذه هي الأسباب التي رآها الأستاذ السكري أنها سبب فصله كما أنه ساق بعض التهم، التي اقترفها الأستاذ البنا والتي استوجبت توجيه الأستاذ السكري له بالنصح والإرشاد مما كان ذلك دافعا لفصله من الإخوان المسلمين.

تفنيد ما ذكره السكري

وبعد أن استعرضنا الأسباب والتهم التي وجهها الأستاذ السكري للأستاذ البنا، نسرد الأسباب التي رآها الأستاذ البنا والهيئة التأسيسية سببا لفصل الأستاذ السكري.

لقد رد الأستاذ البنا على خطاب الأستاذ السكري الذي نشرته جريدتا صوت الأمة والكتلة بتاريخ 11/10/1947، وفند فيه تهمة الاستبداد في اتخاذ قرار الفصل والتي وصفه به الأستاذ السكري فقال إن الهيئة التأسيسية انعقدت مرتين أحدهما بتاريخ 13/3/1947 حيث قدم الأستاذ السكري  للمحاكمة واستمرت انعقاد الهيئة ست وثلاثين ساعة كاملة، دافع فيها الأستاذ السكري عن نفسه ما يقرب من الست ساعات متواصلة، وبعدها أعلن الأستاذ السكري ثقته في المرشد العام وجدد البيعة له، وقررت الهيئة توجيه اللوم للأستاذ السكري، كما في الاتهام الذي جاء في خطاب الأستاذ السكري وذكر فيه أنه عرف بالصدفة أن الإمام البنا له اتصالات ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية وأنه عرف من أحدهم ذلك في7 فبراير 1947، واندهش الأمام البنا لذلك من حيث كتم الأستاذ السكري تلك المعلومات وعن الهيئة التأسيسية طيلة هذا الوقت بالرغم انعقادها في 13 مارس1947 في اجتماعها الأول ثم اجتماعها ثانية بعد هذا الاجتماع بأربعة شهور، كما تعجب أيضًا من إخفاءه لتلك المعلومات الخطيرة كل هذا الوقت بالرغم من انعقاد مكتب الإرشاد كل أسبوع واعتبر هذا الصمت وهذا الكتمان خيانة للدعوة وللهيئة([22]) .

ولقد أصدر المركز العام بيان وإيضاح ممهر بتوقيع الأستاذ عبده أحمد قاسم السكرتير العام في مايو 1947م جاء في هذا البيان أن ثلاثة من الإخوان اتهموا الأستاذ عبد الحكيم عابدين بانتهاك حرمة بيوتهم، وبناء على ذلك شكل مكتب الإرشاد لجنة يختار أعضاءها الطرفين المتخاصمين، ويختار عضو بالقرعة وكان ذلك في غرة صفر 1365 الموافق 5/1/1946 ووقع الاختيار على الدكتور إبراهيم حسن والشيخ خالد محمد والأستاذ محمد فرغلي والأستاذ الفضيل الورتيلاني واختير بالقرعة الأستاذ محمد طاهر الخشاب ووقع الطرفان على إقرار التحكيم، واجتمعت اللجنة لمدة أربعة أشهر، قامت فيها بالتحقيق الدقيق، وأصدرت حكمها ببراءة الأستاذ عبد الحكيم عابدين في جلسة علنية بتاريخ 13 مايو 1946 وبحضور أعضاء اللجنة الخمسة وأعضاء مكتب الإرشاد و50 شخصية من الذين علموا بالموضوع، غير أن الدكتور إبراهيم حسن تنكر لهذا الحكم ورفض تسليم أوراق التحقيق للمرشد العام أو لمكتب الإرشاد، وطالب بفصل الأستاذ عبد الحكيم عابدين، غير أن عابدين قدم استقالته من الجماعة ورفض قبولها مكتب الإرشاد بأغلبية 16 صوتا إلى ثلاثة أصوات، وبعد ذلك قال الدكتور إبراهيم حسن "لو اخترتم الأستاذ عابدين مرشدا عاما فأنا أول من يسلم له ويطيعه بعد أن ظهرت هذه الأغلبية الساحقة في جانبه" وكان ذلك في بيت حسن عبد الرزاق وبشهادته، غير أم مجلة الحوادث حرفت الاستقالة ونشرتها مع التعليق عليها مما كان سببا في استفزاز الدكتور إبراهيم حسن الذي رد عليها وجرح في هذا الرد الأستاذ عابدين، فاجتمعت الهيئة التأسيسية بتاريخ 8 ذو القعدة 1365هـ، 3/10/1946م واستنكرت تصرف الدكتور فسارع واعتذر عما كتبه كما أنه  تعهد كتابة وتسليم أوراق التحقيق في ظرف عشرة أيام من تاريخه للمرشد العام بما فيها حكم البراءة،  غير أن الدكتور إبراهيم نكث عهده ولم يسلم أوراق التحقيق بعد انقضاض الهيئة التأسيسية بل طعن في قرار اللجنة وتغيب عن الحضور إلى المركز العام حتى انتهت عضوية المكتب القانونية، وفي المحرم1366هـ، اجتمعت اللجنة اجتماعها العادي لاختيار أعضاء المكتب الجدد، وبعد الانتخابات لم يفز الدكتور إبراهيم حسن حيث حصل على 16 صوتا في حين حصل الأستاذ عابدين على 49 صوتا مما دفع الدكتور للتشهير بعابدين وبالإخوان وأذاع بعض الأحاديث الخاصة مشوهة ومحرفة عمدا بقصد الوقيعة، مما دفع الإمام البنا في طلب اجتماع الهيئة التأسيسية في 20 ربيع الآخر 1366هـ، الموافق 13/3/1947 لعرض الأمر عليها، فوجهت إليه بعض التهم منها نقض العهد وحنث باليمين عدة مرات، وخيانة الأمانة بعدم تسليم الأوراق، وإذاعة أحاديث خاصة محرفة عمدا، والخروج على قرار الهيئة السابق مما كان من الدكتور إبراهيم إلا إنه قدم مذكرة مطولة تناول فيها موضوع الأستاذ عابدين من جديد، وزاد عليه صلة الإخوان بالوفد في لجنة الاتصال ومقابلة الأستاذ المرشد لإبراهيم باشا عبد الهادي، وموضوع الهيئة السياسية، فكانت هذه المذكرة إثبات إدانة للدكتور لأن لجنة الاتصال لم تتم بموافقة المرشد العام ولا المكتب ولا الهيئة التأسيسية كما أنه ذكر أنه وقع على بيان لجنة التحقيق مكرها وأن كان هذا لا يليق برئيس اللجنة، أن سبب إحالة الأستاذ المرشد أمر فصل الأستاذ عابدين إلى الهيئة التأسيسية هو أن عابدين عضو فيها ولا يجوز للمرشد أو مكتب الإرشاد فصل أحد أعضاء الهيئة التأسيسية إلا باجتماعها، ولم يكتف الدكتور بذلك في مذكرته بل ذكر أن الأستاذ المرشد وأعضاء مكتب الإرشاد لا يشكون في إجرام الأستاذ عابدين، وهذا قول غير صحيح واتهام عجيب للأعضاء، واطلعت الهيئة على هذه المذكرة واستمعت لحديث الدكتور إبراهيم، وأقرت القرار السابق ببراءة الأستاذ عابدين، واستنكار موقف الدكتور إبراهيم، وأما عن موقف الإخوان والوفد حول لجنة الاتصال فقد ذكر البيان أن الأستاذ المرشد حين عاد من رحلة الحج وجد أمامه موضوع هذه اللجنة والتي كانت بإيعاز فؤاد باشا سراج الدين، وكان يهدف من وراء ذلك ضم الإخوان لصف الوفد ضد حكومة صدقي حتى تسقط ويعود الوفد مرة أخرى لسدة الحكم فعندما فطن الإمام البنا لذلك وأن غرض الوفد الحكم وليست مصلحة البلاد، ومحاربة الاحتلال رفض هذه اللجنة، غير أن الأستاذ السكري والدكتور حسن تمسكا بها ودافعا عنها، كما أن الدكتور إبراهيم أذاع ما دار في اجتماعات اللجنة السياسية بطريقة تخالف الحقيقة، وهي لجنة ناشئة كونها الإمام البنا لدراسة شئون الجماعة السياسية والقانونية والاقتصادية وهذا ما تضمنته مذكرة الدكتور إبراهيم وتوضيح ما بها، وانتهت الهيئة التأسيسية بقرار إعفاء الدكتور إبراهيم حسن من عضوية الجماعة([23]). 

هذا وقد أصدر المركز العام نشرة إخبارية وضح فيها الأسباب التي دعت لفصل الأستاذ أحمد السكري، وذكر فيها أن ضمن هذه الأسباب:

1- التمرد حيث كانت أكثر تصرفاته سلسلة من التمرد على قرارات مكتب الإرشاد والهيئة.

2- بث الفتنة، حيث عمد إلى صحف الوفد وأذاع أخبار خاطئة كاذبة وحقائق محرفة عن المرشد العام وسياسة الإخوان، وأنه صاحب هذه الدعوة وآثر الأستاذ البنا بها.

3- الاتصالات الضارة بمن ينوءون الدعوة ويريدون  السوء، وتسريبه لمعلومات للصحف الوفدية وتهويلها ونشر أخبارها كاذبة كاللجنة السياسية التي نشرت البلاغ أخبار اجتماعها الأول والثاني بالرغم من كونها فكرة عرضت على بعض الشخصيات لتكون لجنة استشارية فقهية قانونية([24]).

غير أن هذه الأسباب لم تكن كل الأسباب بل ذكرت إحدى صحف الوفد عدة أسباب أخرى لم تكشفها صحف ولا نشرات الإخوان حتى لا تقطع الود مع الأستاذ السكري وكان من هذه الأسباب: -

1- أن الأستاذ السكري كان يتجسس على مخاطبات ومكالمات الأستاذ البنا الخارجية والداخلية، وظهر ذلك أثناء التحقيق حيث قدم عامل التليفون تقريرا عن ذلك فيه أن الأستاذ السكري كلفه بذلك.                                 

 2- أخذه مبالغ من جهات مختلفة باسم جمعية الإخوان المسلمين، ولم يوصلها للجمعية، وذكرت الأسباب السابقة التي تناولتها نشرة الإخوان([25]).

هذه باختصار الأسباب التي ساقها كلا الطرفين، والتي دافع كل طرف عن رأيه فيها، وفي ظل هذه الأسباب نحاول تحليلها في ضوء المصادر التي حصلنا عليها.

لقد ذكر الأستاذ السكري في سياق التهم التي دعت الأستاذ البنا لفصله أنه كان على اتصال ببعض الجهات الأجنبية والمصرية، وإذا عدنا بالحدث من سياق المقالات التي كتبها الأستاذ السكري نجد أن الإنجليز في بداية الأربعينات وقت أن كانت ألمانيا مكتسحة الحرب الثانية حاول الجنرال كلايتون ومعاونيه أن يحايدوا الإخوان حتى يأمنوا ظهورهم وقت مواجهة الألمان إذا حاولوا دخول مصر، فذكر الأستاذ السكري أن الجنرال كلايتون ومعه المستشرق المستر (هيورث دن) جاءوا إلى دار الجمعية  القديمة لمقابلة الأستاذ البنا في 25 أغسطس 1940م، غير أن الأستاذ البنا أحالهم إليّ بصفتي وكيله وزاروني أكثر من مرة في بيتي، وعرضوا مبالغ مالية كبيرة لمساعدة الجمعية يوم 14 نوفمبر1940م في منزلي فرددت عليه "أحب أن تعلموا أولا أن هذه الوسيلة لجذب الناس وهي شراؤهم بالمال ورشوتهم هي وسيلة بالية وأن الذي يمد يده ليأخذ منكم فإنه يمد يده لعدوكم كذلك" وكنت أطلع الأستاذ البنا على كل ذلك كلمة كلمة([26]). 

وذكر الأستاذ السكري أيضا في مقال آخر "أن الإنجليز أعيتهم الحيل لرشوة الإخوان وأن الجنرال كلايتون والدكتور هيورث والميجر جودوين وغيرهم من رجال الدعاية والمخابرات تحدثوا إلى فضيلة الأستاذ البنا وكم ترددوا على منزل أحمد السكري وكم حاولوا مرات ومرات ومرات أن يمدوا أيديهم بالمال الوفير بعشرات الألوف من الجنيهات ولا شك أنهم قد دونوا في تقاريرهم كيف صرفهم الأستاذ البنا عنه صرفا لا رجوع بعده وكيف ألقى عليهم أحمد السكري يوم17 نوفمبر 1941  في منزله درسا لن ينسوه أبدا" ( [27])  

كما أن السكري ذكر في مقال في صوت الأمة والكتلة بتاريخ 11/10/1947م أنه عرف أن الأستاذ البنا له اتصالات ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية وأن أحدهم ذكر له ذلك يوم 7نوفمبر 1947م ونسى ما ذكره في المقالين السابقين من تبرئة الأستاذ البنا من هذه التهمة، أضف لذلك أن الأستاذ البنا طالبه في رد على خطابه باسم من أطلعه على ذلك فلم يستطع تقديم ما يفيد ذلك([28]).

كما أن الأستاذ السكري اتهم الأستاذ البنا بالاستبداد في اتخاذ القرار في فصله دون الرجوع للهيئة التأسيسية، غير أن الأستاذ البنا رد على ذلك حيث ذكر أن الهيئة التأسيسية انعقدت مرتين إحداهما بتاريخ 13 مارس 1947م وكان ذلك للمحاكمة وظل انعقادها ما يقرب من ستة وثلاثين ساعة كاملة وتحدث فيها الأستاذ السكري نحو ستة ساعات وبعدها جدد البيعة للأستاذ البنا، والثانية بتاريخ 9 يوليو 1947م، كما أن الهيئة اجتمعت يوم 14 محرم 1367هـ الموافق 27 نوفمبر1947م وأقرت الموافقة على إعفاء الأستاذ أحمد السكري ومحمد عبد السميع الغنيمي وسالم غيث من عضوية الجماعة([29]). 

وكان ذلك دليلا لتفنيد هذه التهمة، وذكر الأستاذ السكري من ضمن الأسباب هي انقلاب الإمام البنا والإخوان على الوفد بعد خروجه من الحكم وطلب مبلغ 50 ألف جنيه يدفعها الوفد للإخوان ويتضارب ذلك مع المعلومات التي ذكرها الدكتور حسن إبراهيم حسن في هذا الصدر والتي تفند هذه التهمة فقد تكونت لجنة اتصال بين الإخوان والوفد وقت أن كان الأستاذ المرشد في رحلة الحج عام 1946م وقد حضر هذه اللجنة من الإخوان الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن وكيلا الجماعة، وكانوا يرون ضرورة التصاق الدعوة بالوفد في هذه المرحلة، وكان الوفد آنذاك في الحكم – وكان الوفد يهدف أن تكون حركة الإخوان تابعة له حتى لا تقوم بجانبه هيئة قوية([30])، لكن عندما عاد الأستاذ البنا من رحلة الحج وجد أمامه موضوع لجنة الاتصال، ما هي إلا وسيلة للوفد للعودة إلى الحكم وأن الوفد دعا الهيئات المعارضة للاتحاد معه لإسقاط حكومة صدقي وفقط دون العمل لمصلحة البلاد فرأى الإمام البنا أن ينأى الإخوان عن ذلك، فانزعج الإخوان المتصلين بالوفد من ذلك، كما أنهم انزعجوا من تقديم إخوة آخرين عليهم ([31])، غير أن الأستاذ البنا اجتمع مع الدكتور إبراهيم ووافق على اللجنة بناء على تجمع هذا القدر من المعارضة في هذه اللجنة وطالب الدكتور إبراهيم بكتابة اتفاق مع الوفد ويوقعون عليه ويتكون من مادتين.

المادة الأولى: ألا يعود الوفد إلى مفاوضة الإنجليز إلا بعد أن يسلموا بحق مصر في الجلاء عن الوادي كله وبوحدته.

المادة الثانية: أن ينشأ صندوق يسمى صندوق الجهاد يضع فيه الوفد خمسين ألف جنيه أو عشرين ألف على الأقل وتضع كل هيئة من الهيئات التي تقبل الوحدة مبلغا بنسبة ماليتها وليكن أمين الصندوق من الوفد نفسه لأننا سنحتاج المال في المقاومة ضد الاحتلال، ولقد قدم الأستاذ أحمد حسين للجنة اقتراح مثل ذلك كما ذكر الدكتور إبراهيم حسن([32]).

ولقد استطاع سراج الدين من استقطاب أحمد السكري بصفته داخل اللجنة، وحصل منه على تقارير سرية للإخوان، ونشرها في صحف الوفد، فجمع الأستاذ البنا الهيئة التأسيسية وعرض الأمر عليهم وتبين أن الأستاذ السكري هو المتسبب في ذلك فطالبته الهيئة بكتابة مقال يكذب ما ورد في الصحف الوفدية غير أن السكري رفض ذلك وأخذ في الهجوم على الجماعة من خلال جريدة صوت الأمة فقررت الهيئة التأسيسية في 27 نوفمبر 1947 فصل الأستاذ السكري من الجماعة([33]). 
ولقد ذكر الأستاذ السكري أن الأستاذ البنا أغرق الجماعة في الحزبية وكون اللجنة السياسية وتأرجح بالجماعة بين الأحزاب لكن الناظر في تاريخ الإخوان يجد أن سياسته ثابتة منذ نشأتها وحدد لها الأستاذ البنا مبادئها وأهدافها ونأى بها عن الحزبية واعترض على الأحزاب والحكومات التي تعاملت مع المحتل الإنجليزي وقد نظر إلى أبعاد الأمر، فكان يتعاون مع كل القوى التي تخدم الحركة الوطنية وتجارب الاحتلال ولم يكن الإخوان يوما من الأيام تابعين لقوى بعينها بل كانوا يؤيدون الحكومة التي تطالب بخروج المحتل وكان ممكنا محاربتها إذا هادنت وخضعت للإنجليز([34]). 

ولقد هدف الأستاذ البنا من تكوين الهيئة السياسية -والتي كانت ضمن أعضائها وهيب دوس ولويس فانوس- أن تبحث في الشئون السياسية والاقتصادية والقانونية وكان ذلك بناء على قرار مكتب الإرشاد الذي قرر تأليف لجنة استشارية بحتة من الشخصيات التي تتوفر فيها الكفاءة والخبرة والسمعة الطيبة، وقد حضر اجتماعات هذه اللجنة الدكتور إبراهيم حسن([35]) وكان اتصال الأستاذ البنا بالأحزاب لم يكن إلا لتوحيد الأهداف حول المطالبة بخروج المحتل.

ولقد علقت جريدة أخبار اليوم على ذلك فقالت: "وأخيرا رأى حزب الوفد أن خير طريق لتحطيم الإخوان هو تمزيقهم من الداخل وتولى السكرتير العام هذه المهمة فنجح فيها نجاحا كبيرا فقد استطاع بفضل اتصاله بالأستاذ أحمد السكري وكيل الجمعية أن يحدث انقساما في الإخوان وحصل السكرتير العام على تقارير سرية للإخوان نشرها في صحف الوفد...(.[36])".

ولقد أجرت جريدة الكتلة حوار مع الأستاذ السكري حول حقيقة الخلاف وصدور قرار بوقفه وزملاءه، فذكر أن الأستاذ المرشد استند إلى المادة 18 من قانون الجماعة في هذا الإيقاف وأن ما يشاع في الصحف الآن هو مجرد دعاية مغرضة وأراجيف باطلة يهدف مروجوها إلى إشعال نار الفتنة، وأن الأستاذ البنا هو أخي فضلا عن أنه رئيس لهذه الدعوة، ولن أرفع في وجهه سيف العدوان حرصا على أخوتنا ودعوتنا([37]).

حتى أن السكري قدم عريضة للنحاس باشا يتهم فيها المرشد العام للإخوان بأنه استولى لحسابه على مبلغ يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه من الأموال التي يجمعها الإخوان باسم الدفاع عن فلسطين، فأشار عليه النحاس بعدم إثارة هذه المسألة رغبة في الأخذ بسياسة مهادنة الإخوان([38]).

كانت هذه هي تداعيات الفتنة والتي خرج على إثرها الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن وكيلا الجماعة، كما خرج فيها الأستاذ مصطفى نعينع – مندوب قسم نشر الدعوة في المركز العام – والأستاذ محمد عبد السميع الغنيمي والأستاذ سالم غيث عضو الهيئة التأسيسية، كما خرج كلا من الأستاذ كمال عبد النبي وأمين مرعي رئيس المكتب التنفيذي بالإسكندرية، كما قدم الأستاذ حسين عبد الرازق استقالته، وكان ذلك قبل انعقاد المحاكمة ومحاكمة الأستاذ السكري عاد فاستردا استقالته موضحا أن الأمر كان عنده مشوش ومحرف([39]).

لكن الأستاذ محمود عبد الحليم ساق القصة بتسلسل رائع موضحا الظروف التي خلقت منها هذه الفتنة فكتب يقول: تناولت شخصية عبد الحكيم عابدين من قبل أكثر من مرة كان عبد الحكيم في خلالها لا يزال الطالب اليافع أو المتخرج الناشئ الذي لم يتمرس بعد بمسئوليات الدعوة وتبعاتها الثقيلة، ولكن السنوات التي مرت عليه بعد ذلك وأثقلت كاهله بتبعاتها وأحداثها قد جلت مواهبه وصقلت قريحته وكشفت عن قدراته مما جعله أهلا لأن يشركه الأستاذ المرشد معه في التصدي لأعقد المشاكل وأخطر الأمور، وهي المشاكل والأمور التي كانت من قبل وقفًا على الأستاذ أحمد السكري، ولا أقصد بهذه العبارة أن أقول إن الأستاذ المرشد قد أعطى الأستاذ أحمد مما كان يكله إليه من خطير الأمور وإنما قصدت أن أقول إن الأستاذ المرشد أراد أن يستفيد للدعوة من مواهب عبد الحكيم وقدراته فأشركه مع الأستاذ أحمد في النهوض بالأمور الجسام التي تضاعفت مشاكلها وثقلت تبعاتها يتشعب الدعوة وأتساع رقعتها واقتحامها ميادين جديدة بحيث أصبحت هذه الأمور الجسام ينوء بحملها رجل واحد. 

ولم تكن هذه المواهب وهذه القدرات جديدة على عبد الحكيم عابدين فقد أشرت إلى طرف منها منذ كان طالبًا، وكل ما حدث أن مرور الأيام جلى هذه المواهب وأبرز هذه القدرات فمع أن عبد الحكيم لم يكن حسن الهندام ولا المتأنق في ملبسه بل كان في هذه الناحية أقرب إلي عكس ذلك فإنه كان بحدة ذكائه واتقاد قريحته وسرعة بديهته ورشاقة لفظه وسعة حفظه للقرآن وللشعر وسجيته الأدبية وغامر روحانيته وحسن بداوته (التي أشار إليها المتنبي في قوله: وللبداوة حسن غير مجلوب)، فإنه كان مقبولا ومحببا إلى نفوس طبقة من الناس لم تكن لتعرف عن الدعوة شيئًا لولا تسلل عبد الحكيم إلى قلوبها وامتزاجه بنفوسها، فكل كبار أطباء القاهرة، وكل أساتذة الجامعة وعلية القوم ومن أعرق الأسر وأكرم العناصر لم يعرفوا الدعوة إلا عن طريق عبد الحكيم . 

وليس معنى معرفة هؤلاء بالدعوة واقتناعهم بأفكارها أنهم انتظموا جميعًا في تشكيلاتها أو احتلوا مناصبها وإنما قد صار للدعوة باقتناعهم بها صف له صداه في أوساطهم وفي الرأي العام بعد ذلك، وهذا كسب له قيمته وله وزنه، وما كان لدعوة كدعوة الإخوان المسلمين تريد أن تؤخذ بفكرتها لتكون أساسًا لحكم البلاد أن تجد لفكرتها سبيلًا إلى واقع الحياة دون أن تقتنع بها هذه الطبقة التي مهمتها التثقيف والتوجيه. 

وقد نهض عبد الحكيم بما ألقى على كاهله من جسام أمور الدعوة نهوضًا كريمًا وأظهر مقدرة جعلت اسمه يلمع بجانب اسم الأستاذ أحمد، وسر الأستاذ المرشد لذلك كما سر الإخوان جميعًا أن وجدت الدعوة وقد تضاعفت مسئولياتها من أبنائها من يشارك في حمل العبء وهذا دليل على خصوبة الدعوة وحسن استجابتها ونجاح أساليبها كما أنه يشير بتحقيق آمالها ووصولها إلى غايتها، ولكن هل عم هذا السرور جميع الإخوان؟ 

الأستاذ حسين عبد الرازق: 

يقتضينا الحديث عن حسين عبد الرازق أن نتحدث عن أسرة عبد الرازق التي ينتسب إليها والتي هو أحد أفرادها وإن لم يكن من الشخصيات البارزة فيها، وربما كان انتسابه إلى دعوة الإخوان هو الذي أبرزه وجعل لاسمه ذكرًا بين أفراد هذه الأسرة، وهذه الأسرة من الأسر الشهيرة المرموقة في الصعيد وموطنها قرية أبو جرج إحدى قرى مركز بني مزار بمحافظة المنيا، وهي وإن كانت أسرة ميسورة الحال إلا أن شهرتها لا ترجع إلى يسر حالها فهناك أسر أخرى أيسر حالا وأوسع ثروة ولكنها لا تحظى بمثل شهرة آل عبد الرازق الذين امتازوا على غيرهم بكثرة المتعلمين وذوي المناصب الكبيرة من أبنائهم.

وكان أبرز أبناء هذه الأسرة في المجتمع المصري اثنان هما الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي كان أستاذًا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب حين كنا طلبة بالجامعة والشيخ علي عبد الرازق الذي كان مدرسًا بأحد المعاهد الأزهرية والذي وضع كتابًا سماه "الإسلام وأصول الحكم" حاول فيه نفي أن يكون للإسلام صلة بالحكم من قريب أو من بعيد، وقد أثار الأزهر في ذلك الوقت على هذا التهجم على الإسلام وعلى محاولة تجريده من أصل من أصوله المقررة وحاكم المؤلف محاكمة علمية بإصدار قرار بسحب شهادته العالمية منه.

الأستاذ كمال عبد النبي: 

عندما كان يذكر الأستاذ حسين عبد الرازق كان يذكر دائمًا الأستاذ كمال عبد النبي ولست أعرف السبب في ذلك فلعلهما كانا صديقين التحقا بالدعوة معًا وربما كان التحاقهما بالدعوة عن طريق الأستاذ عبد الحكيم عابدين وإن كان الذي أقطع به هو أن الأستاذ حسين عبد الرازق قد تعرف على الدعوة عن طريق الأستاذ عبد الحكيم. 

نشوء الفتنة وتطورها: 

1- قد يكون نشوء الفتنة قد بدأ بترسبات في أعماق نفس الدكتور إبراهيم حسن حين انتقل الأستاذ أحمد السكري إلى القاهرة وأسند إليه الأستاذ المرشد منصب الوكيل أمام الذي كان يشغله الدكتور إبراهيم، فاعتبر الدكتور ذلك إهانة له موجهة من الأستاذ المرشد شخصيًا، ولكنه أسر ذلك الشعور في نفسه لأن الظروف في ذلك الوقت لم تتح له أن يفعل أكثر من ذلك. 

2- يتبين للقارئ من تحليل الشخصيات الذي أثبتناه آنفًا أن الأستاذ أحمد السكري قد رضي بمنصب الوكيل العام وبإسناد المرشد كل خطير الأمور إليه كحد أدنى لأنه كان يرى نفسه أكبر من هذا وأحق بما هو أعظم، أما وقد قضت الظروف بهذا القدر فقط فلا بأس بذلك مؤقتًا، واحتكار البروز في الأوساط الراقية والمجتمعات ذات الشأن كفيل بتوسيع نطاق هذا القدر شيئًا فشيئًا مما يقرب الأمل المنشود، وإذا لم يتحقق الأمل فإن استمرار احتكار البروز في هذه الأوساط سيجعل منصب الوكيل العام هو المنصب الذي يدير دفة الدعوة والذي يرجع إليه في كل شئونها. 

3- لم يكن إصهار عبد الحكيم إلي الأستاذ المرشد موضع ارتياح من الأستاذ أحمد السكري خشية أن يكون في هذا الإصهار تقريب لعبد الحكيم من نفس الأستاذ المرشد لاسيما والأستاذ أحمد يعرف عن مواهب عبد الحكيم وإن كان الأستاذ أحمد يثق في قرارة نفسه أن الأستاذ المرشد لا يعدل بالصلة الروحية أية صلات أخرى من قرابة أو صداقة أو نسب وقد تم الإصهار بعد أن اقترن بمؤامرة حيكت له وخرج منها عبد الحكيم سليما معافى بعد تجربة قاسية. 

4- ما كانت مؤهلات عبد الحكيم الخلقية من هيئة وملبس ومنشأ في أسرة فقيرة، لتؤهله أن يجد لنفسه طريقًا إلى الأوساط الراقية والمجتمعات ذات الشأن، ولكن فوجئ الجميع وأولهم الأستاذ أحمد بأن مواهب عبد الحكيم وميزاته التي أشرنا إليها أهلته للسبق إلى هذه الأوساط حتى أصبح اسمه ألمع من اسم الأستاذ أحمد فيها، أضف إلى ذلك أن طبيعته غير الأرستقراطية قربته إلى نفوس عامة الإخوان الذين لم يكونوا يأنسون إلى الطبيعة الأرستقراطية. 

5- كان الأستاذ المرشد – كدأب أصحاب الدعوات – يلتمس التأييد لدعوته من جميع الأوساط والبيئات، وإذا كانت الدعوة قد قامت على أكتاف عامة الناس وضعفائهم، فإنه كان يتوق ويتمنى لو أن الله تعالى هدى إلى دعوته الأغنياء وذوي الأبهة والسلطان، وهذه طبيعة لم يخل منها بشر حتى رسول الله صلي الله عليه وسلم " أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى". 

واستجاب للدعوة بضعة أفراد من هذه البيئات المتعالية ومع أن الأستاذ المرشد كان يوسع لهم في مجلسه ويغدق عليهم، فيرحب بمقدمهم، ويخصهم بتكريمه إلا أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يمتزجوا بالإخوان ولا أن يزيلوا حجاب الكلفة بينهم، فكان لابد لوجودهم في مجتمع إخواني من وجود الأستاذ المرشد فيه، كأنما هو المادة الموصلة بين الفريقين، فإذا لم توجد المادة الموصلة انقطع التيار، وما أكثر ما عانى الأستاذ المرشد في سبيل مزج هذه الفئة بسائر الإخوان ، ولكنه لم يحقق الكثير مما كان يأمل في هذه الناحية، وهناك أفراد من هذه الطبقة كان امتزاجها بسائر الإخوان امتزاجاً من أول يوم غشوا فيه مجتمعات الإخوان من أمثال حسن العشماوي ومنير الدلة وهارون المجددي، لكن أفرادًا آخرين لم يمتزجوا مما يدل حقًا على أن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وصدق الله العظيم "لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ". 

وكان هؤلاء الأفراد هم الهدف السهل لمحاولي النيل من الدعوة، وكان الأستاذ حسين عبد الرازق والأستاذ كمال عبد النبي بالتبعية من هؤلاء الأفراد. 

6- بعد التحاق الأستاذ حسين بالدعوة بفترة غير قصيرة أخذت السرايا الملكية في انتهاج سياسة جديدة تستهدف احتواء أسرة عبد الرازق التي اعتبرت السرايا انضمام فرد منها إلى الإخوان وانتظامه عضوًا في الهيئة التأسيسية تطورًا خطيرًا يخشى معه أن يستفحل أمرها باستيعابها العنصر الوحيد الذي ينقصها وهو عنصر الأسر الكبيرة ذات النفوذ والثراء وبدت خطوات هذه السياسة متتابعة فيما يلي: - 

أ) اختير الشيخ مصطفى عبد الرازق في أكتوبر سنة 1944م وزيرًا للأوقاف في وزارة أحمد ماهر. 

ب) وبعد ذلك بنحو عام عينه الملك شيخًا للأزهر وهو شرف ما كانت تحلم به الأسرة طوق الملك به يدها. 

ج) وفي 14-2-1946م وأنعم الملك على الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر بوسام كبير. 

د) في 16-2-1947م توفي الشيخ مصطفى عبد الرازق وهو شيخ للأزهر، وفي 22 من نفس الشهر تقدمت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بالتماس إلى الملك تطلب إصدار عفو عن الشيخ علي عبد الرازق بعد عشرين سنة من القرار الذي يحرمه من تولي أي منصب حكومي حتى يتولى فضيلته وزارة الأوقاف وقد كان وتولى هذه الوزارة، وما كان لهيئة كبار العلماء أن تتقدم إلى السادة الملكية بطلب العفو عن الرجل الذي طرده الملك منذ عشرين سنة إلا أن يكون ذلك بإيعاز من الملك نفسه وبعد أن صدر العفو وتولى الشيخ عبد الرازق وزارة الأوقاف قامت الهيئة بمقابلة رئيس الديوان الملكي لإبلاغ جلالة الملك شكرها على هذا التفضل. 

هـ) في 1-3-م1947 كانت خطة التمرد التي أعلنها الأستاذ حسين عبد الرازق قد بلغت أوجها فصدر قرار بإيقافه وإيقاف الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن والأستاذ كمال عبد النبي باعتبارهم خارجين عن الجماعة. 

وقد رأيت أن أضع بين يدي القارئ الوقائع بتسلسلها وبتواريخها حتى يلمح في هذا التسلسل كيف تطورت الأمور بمندوب هذه الأسرة في الإخوان المسلمين هذا التطور الفجائي المريب؛ فلقد التحق حسين عبد الرازق بالدعوة عن طريق عبد الحكيم عابدين كما قدمت، وكانا لا يكادان يتفرقان، وكان عبد الحكيم جريًا على طبيعته البدوية يقضي مع حسين في بيته الوقت الطويل ويعتبر بيت حسين بيته فيطلب الطعام بنفسه ويشيع السرور في البيت بأسلوبه الأدبي المحبب، وبنفسه الصافية الشفافة، فإذا حبست الشواغل عبد الحكيم عن زيارة حسين طلبه حسين في كل مكان حتى يعثر عليه، وظلت هذه العلاقة على هذا الحال دون فتور نحو عامين كانا خلالهما مثلًا كريمًا للصديقين الحميمين. 

7- كانت أقرب شعب القاهرة إلى المركز العام شعبة حي عابدين وكانت تضم مجموعة أكثرها من الطلبة والشباب الصغير من صغار الموظفين، وبقدر ما كان حسين عبد الرازق على صلة وثيقة بعبد الحكيم فإنه كان هو وأترابه من كبار القوم لا يختلطون بعامة الإخوان حتى إن هؤلاء الإخوان كانوا يعيبون عليهم هذا المسلك ويعدونه – كما قدمت – ترفعًا لا تقره دعوة الإخوان المسلمين، ويبدو أن وحيًا من الأستاذ حسين أخذ يصل إلى إخوان شعبة عابدين كان من نتيجته أن رأينا هذا شباب فجأة يشيع مقولة سوء عن عبد الحكيم عابدين ورأينا الأستاذ حسين عبد الرازق أول من يتلقفها ويسارع إليها ويتبناها، ورأينا مجموعة من هذا الشباب تمشي في ركابه وصارت بطانة له. 

وشباب شعبة عابدين بحكم قربهم من المركز العام كانوا أكثر إخوان الشعب اتصالا بالأستاذ عبد الحكيم عابدين، وكانوا يلوذون به وحين يبحث الواحد منهم عن زوجة يطمئن إليها، وهو يعتبر نفسه والد هؤلاء الشباب، وقد دخل بيوت أهليهم – كطبيعته البدوية – وألم بما في كل بيت من فتيان وفتيات الزواج على يديه؛ وباعتبار الزوج والزوجة من أبنائه يزورهما في بيتهما الجديد، ويطلب الطعام، ويمزح معهما المزح الذي يزيدهما امتزاجًا وألفة، وهذه بلا شك صورة في ذاتها وهدفها كريمة تستحق الثناء ولكن الذين في قلوبهم مرض قد يجدون فيها مرتعًا خصيصًا أغراضهم وإرضاء نفوسهم. 

لقد دخل عبد الحكيم بيت حسين عبد الرازق أكثر مما دخل أي بيت من بيوت إخوان شعبة عابدين فلماذا لم يأت حسين في يوم من الأيام شاكيًا عبد الحكيم دخول بيته؟ 

8- تقدمت فجأة مجموعة من شباب شعبة حي عابدين إلى المركز العام بمذكرة تتهم فيها الأستاذ عبد الحكيم عابدين باقتحام بيت زميلهم الأخ عبد المعطي ونرى وسط أسماء المشاركين اسم شقيق الزوجة، فتهب زوبعة يثيرها أفراد من الماشين في ركاب الأستاذ حسين عبد الرازق فيترك الأستاذ المرشد كل ما بين يديه من أمور جسام ويتفرغ مهمومًا لتحقيق هذه التهمة الخطيرة ويصدر قرارين حاسمين:

الأول: بإيقاف عبد الحكيم وإبعاده عن المركز العام حتى يصدر قرار بإنهاء هذا الإيقاف أو يجعله دائمًا. 

الثاني: بتكوين لجنة تحقيق لا يحضرني الآن من أسماء أعضائها إلا الأستاذ حسين عبد الرازق والأستاذ كمال عبد النبي، وقد بقي في خاطري هذا الاسمان لأننا يوم صدر قرار تكوين هذه اللجنة تعجبنا وذهب بنا العجب كل مذهب أن يكون هذان هما مثيري هذه الفتنة – والأستاذ المرشد يعرف ذلك – ومع ذلك يجعلهما من أعضاء اللجنة، وقد ثبت لنا أخيرًا أنه كان أبعد نظرًا. 

وتقوم لجنة التحقيق بالتحقيق في التهمة فتحدث المفاجأة التي أحبطت تدبيرهم وفضحت مؤامراتهم حين سئل الزوج وهو الأخ علي عبد المعطي الذي نوهنا عنه آنفاً فكذب كل ما قيل واستنكر ما أثير وأثني على الأستاذ عبد الحكيم عابدين أحسن ثناء وقال: إن الأستاذ عبد الحكيم عابدين ما قام بيني وبين زوجتي إلا بما يقوم به الوالد للتوفيق بين أبنائه – ولم يكتف الأخ علي عبد المعطي بما قرره أمام اللجنة بل ذهب إلى الأستاذ المرشد وأعاد أمامه ما قرره أمام اللجنة، فلم يسع الأستاذ المرشد بعد ذلك إلا أن يصدر قرارًا بإنهاء فترة إيقاف عبد الحكيم عابدين وإعلان براءته. 

ولا يفوتني أن أذكر أنني مع كل ما بيني وبين عبد الحكيم عابدين من صداقة وطيدة وثقة تامة متبادلة باعتباري بشرًا وجدت نفسي أمام الحملة المسعورة التي آثارها هؤلاء المرجعون وقد اهتزت هذه الثقة في نفسي، ووجدتني ألقى عبد الحكيم في المركز العام وأعرض عنه، وقد لاحظ عبد الحكيم ذلك أكثر من مرة فاقتحم علي والدموع تترقرق في عينيه ووجه إلي عتابًا باكيًا أن تؤثر المؤامرة حتى تهز محمود عبد الحليم في أخيه عبد الحكيم، وقد أجبته وأنا أغالب الدموع في عيني بقولي: معذرة يا عبد الحكيم إنك عزيز على نفسي وحبيب إلى قلبي ولكن الدعوة أعز علي وأحب إلي، ويجب أن تلزم بيتك حتى يتم التحقيق. 

وقد قصدت ما ذكر ما كان من لقائي مع عبد الحكيم في غمار هذه الفتنة أن أبين إلى أي مدى وصل تأثير الدعاية الأثيمة التي أثارتها هذه الفئة والتي سهروا على تفجيرها تفجير يهز القلوب ويقتلع الثقة من النفوس. 

وقد فقدنا في غمار هذه الفتنة أخًا كان أثيرًا لدينا هو الأخ الدكتور إبراهيم حسن الوكيل الثاني للإخوان ولست أدري حتى اليوم هل كان اعتزاله لمجرد تأثره بهذه الدعاية التي ثبت زيفها أم كان لشعوره بأن منصبه في الدعوة لم يعد يحظى من اهتمام الإخوان يمثل ما كان يحظى به من قبل، فرأى التعلل بالتأثر بهذه الدعاية فرصة يخفي وراءها السبب الأصيل، ولما ظهرت براءة الأستاذ عبد الحكيم عابدين وأعلنت هذه البراءة، اعتقد الإخوان أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، وأن كل أخ ممن رتعوا في الفتنة سيستغفر الله ويرجع إلى مكانه في الدعوة ولكن الغريب في الأمر أن حسين عبد الرازق وكمال عبد النبي وهما كانا من أعضاء لجنة التحقيق وكان أولى الناس بالرجوع إلى الحق قد ركبا رأسيهما وأصرا على رأيهما دون مبرر وأعلنا اعترافهما محتويين الدكتور إبراهيم حسن والعدد الذي كان مفتونا بهما من أعضاء شعبة حي عابدين على أن من هذا العدد من فاء إلى الحق ورجعوا بعد ذلك تائبين. 
وهكذا فعل التأثير العائلي في رجل آمن بفكرة وبايع عليها ثم رأى أنها صارت تتعارض مع مصالح أسرته فضحى بفكرته في سبيل هذه الأسرة، وصدق الله العظيم حيث يقول "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ". 

9 – في ذلك الوقت نفسه وفي غمار هذه الأحداث الخطيرة ووسط تلك الضربات المذهلة المفاجئة وعلى أثر عدد من أوجه النشاط الاجتماعي والسياسي برز فيها دور عبد الحكيم عابدين ممثلا للدعوة في مصر وخارج مصر، فاض الكيل بالأستاذ أحمد السكري الذي كان يعاني من قديم شعورًا خاصًا أشرنا إليه، ويبدو أنه رأى هذه الظروف القاسية فرصة سانحة بإثارة أن الأستاذ المرشد قد هضم حقه وسلبه اختصاصه وتخطاه بما خص به عبد الحكيم عابدين من اتصالات وتمثيل للإخوان في مواقف هامة، وبدت من الأستاذ أحمد بوادر فيها رائحة التمرد لأول مرة وحاول الأستاذ المرشد رده إلى الصواب فقابله بالإصرار فرأى الأستاذ المرشد أن يرجع في هذا الأمر إلى الهيئة التأسيسية فدعاها إلى الاجتماع وأذكر أن هذا الاجتماع ظل ثلاث ليال متتالية كل ليلة تبدأ من صلاة المغرب وتستمر حتى صلاة الفجر فطلوع الشمس. 

وقد بدأ الأستاذ المرشد الحديث في الليلة الأولى فسرد المواقف التي دعت إلى تكليف الأستاذ عبد الحكيم عابدين بما عهد إليه وبه وأوضح الأستاذ أن ذلك لا يمس كرامة وكيل الإخوان ولا ينتقص من قدره في قليل ولا كثير إلا أن تكون هناك حساسية، وأن هذه الحساسية لا ينبغي أن يكون لها وجود في مجتمع قائم على الإيمان والأخوة ثم تطرق من ذلك إلى أن لقائد الدعوة أن يعهد بما يشاء لمن يشاء لأنه أدرى بالأصلح للأداء وله على الجميع حق الطاعة، ثم طلب إلى الأستاذ أحمد أن يقول ما عنده فشرح وجهة نظره ثم دارت بينه وبين بعض الأعضاء مناقشات تدخل في بعضهما الأستاذ المرشد، واستمرت المناقشات طيلة الليلتين الأولى والثانية. 

وفي الليلة الثالثة فاجأ الأستاذ المرشد الجلسة بإثارة الموضوع الذي كنت تكلمت معه فيه في أوائل أيام اتصالي بالدعوة في خلال عامي 1936، 1937 والذي أشرت إلى طرف منه في بدء الحديث عن هذه الفتنة، وقد طلب الأستاذ المرشد أن أشرح للهيئة الموضوع بالتفصيل ففعلت، ودارت مناقشات طويلة حول الموضوع استغرقت الليل كله، ويبدو أن حديثي إلى الهيئة كان له وقع عميق في نفوس الأعضاء بدأ أثره في مناقشاتهم حتى أيقن الأستاذ أحمد أن الاتجاه الجماعي للهيئة ينذر بفصله مع أنه كان يطمع أن يجد من الأعضاء من يسند ظهره ويؤازره موقفه على أن الأستاذ المرشد لن يثير لا موضوعه مع الأستاذ عبد الحكيم عابدين. 

وأذن للفجر وأقيمت الصلاة وصلينا خلف الأستاذ المرشد، ثم استؤنفت الجلسة، وكان مفروضًا أنها تستأنف لأخذ الأصوات على قرار، ولكن الذي حدث أن الأستاذ أحمد طلب الكلمة، فوقف وتحدث حديثاً حلوًا كأنما غسلت الصلاة قلبه، وكان حديثه اعترافاً بأخطائه وتوبة إلى الله منها ورجوعًا إلى الحق وقد طلب في آخر كلمته الصفح مني نحوه فقدمت فقمت من مكاني وتوجهت إليه وعانقته وتبادلنا القبلات وكلانا تنهمر دموعه سرورًا وفرحًا، وكانت ساعة من أجمل ما مر علينا من ساعات الحياة فاضت فيها عيون الجميع وتعانقت قلوبهم وصفت نفوسهم ووقف الأستاذ المرشد فحمد الله تعالى وأثنى عليه إذ وفق إلى هذه النهاية الطيبة وقابل اعتذار الأستاذ أحمد إليه بالإشادة بفضله، وانقضى الاجتماع وطلعت الشمس وانصرف أعضاء الهيئة كل إلى بلده مسرورًا ليحمل إلى إخوانه هذه البشرى المأمولة والنتيجة الطيبة. 

ارتداد: 

ما كاد أعضاء الهيئة التأسيسية يصلون إلى بلادهم حتى فوجئوا بموقف أذهلهم وخلع ألبابهم، ذلك أن صحف حزب الوفد – التي كانت في ذلك الوقت تشن حملة على الإخوان – صدرت بنبأ عجيب أن الأستاذ أحمد السكري الوكيل العام للإخوان المسلمين استقال من الإخوان المسلمين ثم إن صيغة استقالته لم تكن مجرد صيغة استقالة بل كانت تهجمًا على الدعوة وعلى مرشدها كان اللغز هو أنه لو كان في نية الأستاذ أحمد الاستقالة فلم لم يستقل في جلسة الهيئة التأسيسية التي امتدت ثلاث ليال متتالية قبل أن يواجه بالنقد؟! 

ولم أعلن اعترافه بأخطائه فبكى وأبكى وأحس لأول مرة أن قلوب ممثلي الدعوة في كل مكان قد انفتحت له وبعد أن عانقه عناق حب وصفاء من واجهوه بالنقد؟! 

لو كان في نيته الاستقالة لما انتظر حتى يرشق بالسهام من كل جانب، بل لما حضر هذا الاجتماع الذي كان يعرف أنه سينعقد لمحاكمته، ولاستقال احتجاجًا على مجرد الدعوة لاجتماع يعقد لمحاكمته، ولكان بهذه الاستقالة قد تفادى موقف الاتهام.

استعرضنا الموضوع من جميع نواحيه وعللناه من مختلف احتمالاته فلم نجد لهذه الاستقالة المفاجئة مع الظروف التي سبقتها معنى ولا مبررًا ولا يمكن أن تنسق مع مقدماتها، فلابد أن يكون عامل خارج عن الموضوع قد تدخل، وأخذنا نستعرض ما خطر على بالنا من عوامل حتى اهتدينا إلى العامل الأقرب احتمالا. 

كانت قد توطدت صداقة بين الأستاذ أحمد وبين الأستاذ حسين عبد الرازق منذ انضوى الأخير تحت لواء الدعوة، ولكنها صداقة من نوع آخر غير النوع الذي يربط بين حسين عبد الرازق وعبد الحكيم عابدين أنها صداقة أرستقراطية لم يتعودها الإخوان في مجتمعاتهم، وكان الأستاذ حسين يعرف مآخذ الإخوان على الأستاذ أحمد وأن الإخوان لا يتغاضون عنها، كما كان يعلم أنه ليس من السهل قبول الأستاذ أحمد توجيه اللوم إليه من أجل هذه المآخذ، وكان موقنًا بأن جلسة المحاكمة إذا لم تنته بانفصال الأستاذ أحمد فلا أقل من أن تنتهي بتوسيع شقة الخلاف بينه وبين الإخوان، أما وقد انتهت الجلسة بما لم يكونوا يحتسبون، بالمصافاة والوئام، إذن فلابد من التدخل. 

لقد كان الأستاذ أحمد السكري صيدًا سمينًا لهواة الصيد في الماء العكر وما كان أكثرهم في ذلك الوقت، إن الجميع في ذلك كانوا يتربصون بالإخوان شرًا، القصر وأحزابه والوفد الذي خلع العذار في إعلان حرب دنيئة على الإخوان، ومن وراء هؤلاء المصريين ما يغنيه عن أن يضرب بيده، ولا شك في أن حسين عبد الرزاق كانت تنطوي جوانحه على عناصر من الخير، لكن يبدو أن هذه العناصر لم تكن من القوة بحيث تثبت أمام عناصر أخرى تكالبت عليه من أسرته فانهار بين يديها وصارت تحركه بعد ذلك حيث تشاء، وكأن أسرته رأت أن تثبت "لسيد البلاد" الذي بوأ عميدها منصب مشيخة الأزهر والذي احتضن ابنها بعد أن أصدر ضده قانون الحرمان لمدة عشرين عامًا وبوأه منصب وزارة الأوقاف أن تثبت له ولاءها وتفانيها في خدمته، ولم يكن في يديها ورقة تلعب بها في هذا المضمار أربح من ابنها الذي كان من الإخوان المسلمين فسلطته على أحمد السكري بحكم الصداقة بينهما. 

ولم يكن حسين عبد الرزاق أبله حتى يوجه صديقه بعد أن يشحنه إلى الارتماء على أعتاب القصر فإنه يعلم أن أحمد السكري مهما شحن ضد إخوانه فهو بريًا بنفسه أن يكون في هذا الموضع، وإذن فليكن التوجيه إلى الوفد الذي كان فاتحًا ذراعيه لأصغر صغير من الإخوان فما بالك بالوكيل العام للإخوان. 

ونجح التدبير الأثيم، وصارت "صوت الأمة" لسان حال الوفد تطالعنا كل صباح في صدرها بكلمات للأستاذ أحمد في الفخ، وأن يتمكن الأعداد لا من الإيقاع به فحسب بل ومن إحراجه في كتابة يعلمون أنها تقطع عليه خط الرجعة. 

كان الأستاذ أحمد السكري أعز على نفس الأستاذ المرشد من أن يراه مخطئًا فلا يقبل عثرته، وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده، ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت على بصيرته حتى لم يعد يرى أبعد من موطئ قدمه مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضانهم بضاعتهم الكذب وهدفهم الاستغلال ولا مكان في صفوفهم لرجل لم يعش منذ حداثته إلا في رحاب الدين والأخلاق، فإذا استقبلوا مثله لا يلبثون بعد أن يستعملوه في أغراضهم أن ينبذوه نبذ النواة. 

ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقبله فيها من عثرته بعد أن كتب ما كتب أو بالأحرى والأدق بعد استكتبوه ما أرادوا فأوغر بذلك صدور الإخوان نحوه في كل مكان وجدير أن أقرر أن الأستاذ المرشد كان شديد الحرص على أن يحمي عرض الأستاذ أحمد فلم يكن حتى جلسة الهيئة التأسيسية التي أشرت إليها عقدت خصيصًا لمحاكمته يسمح بأن يعلم بالمآخذ التي أخذت عليه إلا أعضاء الهيئة ليس غير، وكان الاتجاه المقرر أن لا يثير الأعضاء في بلادهم ما دار في الجلسة حول هذه المآخذ حتى تظل صدور الإخوان بعيدة عن الحرج نحو الأستاذ أحمد، أما وقد أوغر الأستاذ أحمد بنفسه صدور الإخوان نحوه فلم يعد للأستاذ المرشد سبيل لإقامة من عثرة ولا لأخذ بيد، ومن هنا كان حزن الأستاذ المرشد وأسفنا، وكان ما توقعناه فقد استغل اسمه فترة ثم اختفى، بدأوا بإبراز كلمته في صدر الجريدة ثم تقهقروا بها إلى داخلها ثم ألقوا بها في زاوية منها ثم لما رأوا أن لا أثرها ولا نتيجة قد تحققت منها عدلوا عنها([40]).

ولم ينس الإمام البنا فضل الصحبة والعشرة الطويلة مع الأستاذ السكري فأرسل رسالة للإخوان عبر جريدة الإخوان اليومية يوصيهم فيها بعدم التعرض لشخص الأستاذ السكري أو النيل منه والقضاء على كل إشاعة([41] ).

وذكر الأستاذ محمود رخا من أن الأخ عبد الجواد بركات من إخوان دمنهور وكان يعمل ميكانيكي، وكان الأستاذ السكري قد ذهب إليه لإصلاح سيارته ومعه أحد أصحابه ووقفا الاثنين يتجاذبان أطراف الحديث وتفوها بكلام لا يليق في حق الأستاذ البنا وسمعهما الأخ عبد الجواد  وبعد الانتهاء من تصليح السيارة رفض الأخ عبد الجواد أخذ قيمة التصليح قائلا: " لقد أوصانا الإمام البنا بك خيرا، وقال لا تنسوا جهاد الرجل معنا عشرون عاما" فذهل الأستاذ السكري وغادر المكان([42]).

وبعد أن خرج الأستاذ السكري من الجماعة كون جمعية أطلق عليها جمعية الإخوان المجاهدون الأحرار، واتخذ لها مقرا في ميدان الخديوي إسماعيل([43] )، غير أن الجمعية لم تدم كثيرا، فانضم السكري لجماعة مصر الفتاة بعد أن يئس من تأييد الوفد المصري له تأييدا إيجابيا، وقد قدمه الأستاذ أحمد حسين رئيس الحزب إلى أعضاء الحزب على أن يكون وكيلا له، فعمل السكري على توتر العلاقة بين الإخوان المسلمين ومصر الفتاة([44]).

وظل الأستاذ السكري يهاجم الإخوان ومرشدهم عبر صوت الأمة، حتى في أحلك الظروف وأثناء وجود الإخوان  في حرب فلسطين، هاجمهم وسخر منهم وأنهم لا يقدرون على محاربة اليهود([45]).

غير أن هذه النبرة بدأت تخف خاصة بعد تخلي الوفد عن السكري، وانشغال الإخوان بالحرب وانشغال المجتمع بظروف وطبيعة حرب فلسطين، وتوارى السكري خلف الستار فلم يكن له أي دور يذكر بعد ذلك حتى توفي في 27 مارس 1991م.


 


([1]) للاطلاع على البيان كاملا انظر الرابط على إخوان ويكي goo.gl/yNh6sq

([2]) بوابة الحركات الإسلامية: رابط goo.gl/arpTJb

([3]) محمود عبد الحليم – الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ - جـ1 – صـ372.

([4]) مذكرات الدعوة والداعية صـ 215.

([5]) محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دار الدعوة، الإسكندرية، 1999م، الجزء الأول، صـ 215.

([6]) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، صـ 122.

([7]) ريتشارد ميتشيل, الإخوان المسلمون (دراسة أكاديمية) ترجمة عبدالسلام رضوان, الطبعة الأولى مكتبة مدبولى, 1977 ص116

([8]) عبد العظيم المطعنى: (19رسالة من حسن البنا إلى قيادات الدعوة الإسلامية) – صـ50.

([9]) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، صـ 226.

[10] - ريتشارد ميتشيل- مرجع سابق ص177:116.

[11] - جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد 484 سنة 2/ 17 محرم 1366هـ, 30 /11/1947ص2

[12] - خطاب الأستاذ السكري المنشور في صحيفتين صوت الأمة والكتلة يوم 11/10/1947 ص3ونشرته جريدة الإخوان المسلمين اليومية في العدد سنة443.

سنة2/ 27 ذو القعدة 1366هـ, 12/2/1947 ص6.

[13] - البلاغ 4ربيع الثاني 1366هـ, 25/2/1947 ص3.

[14] - صوت الأمة 11/10/1947م, 26 ذو القعدة 1366م ص3.

[15] -  صوت الأمة 16/11/1947ص1.

[16] - جريدة الجماهير 19/10/1947.

[17] - طنطا العدد 834 سنة 22/11 ربيع ثان 1367هـ, 21/2/1948ص11.

[18] - صوت الأمة 19/10/1947ص3, نفس الجريدة 28/10/1947ص4.

[19] - الصدر السابق 12/11/1947ص3.

[20] - المصدر السابق 24/11/1947ص3.

[21] - البلاغ 29 جمادى الأول 1366هـ, 21/4/1947.

[22] -الإخوان المسلمون اليومية العدد 443 سنة 2/ 27 ذو القعدة 1366هـ, 12/10/1947م ص6

[23] - القول الفصل، بيان وإيضاح عن الحقيقة الأكاذيب التي ترددها صحف الوفد، دار الطباعة والنشر الإسلامية –جمادى الآخرة 1366هـ، مايو 1947, غير منشور

[24] - الإخوان المسلمين المركز العام- نشرة إخبارية رقم1 (غير منشور) 8 ذو الحجة 1366هـ، 1/11/1947م ص17:13

[25] - مجلة طنطا العدد 823 سنة22/ غرة جماد الأول 1366هـ, 24/3/1947ص8

[26] - صوت الأمة 16/11/1947ص1- 5 بتصرف

[27] -جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد 76 سنة 1 / 3رمضان 1365هـ, 1365هـ, 31 يوليو 1946 ص1 مقال للسكري بعنوان صفحة ناصعة من تاريخ الإخوان.

[28] - جريدة الإخوان المسلمون اليومية العدد 442 مصدر سابق.

[29] - الإخوان المسلمون اليومية العدد 484 سنة 2/17 محرم 1366هـ,30/11/1947 ص2.

[30] -أنور الجندي حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد، دار القلم، دمشق, 1421هـ, 2000مص183:180

[31] - أنور الجندي: المرجع السابق ص181

[32] -القول الفصل، مصدر سابق ص 20:18

[33] - أنور الجندي: مرجع سابق ص193.

[34] - أنور الجندي: مرجع سابق ص180.

[35] - القول الفصل – مصدر سابق ص22.

[36] - أخبار اليوم 3 مايو 1947، عباس السيسي، حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، الطبعة الأولى، دار التوزيع والنشر الإسلامية 2001مص165، 164

[37] - الكتلة 6/3/1947 ص4.

[38] - طنطا 834 سنة 22/11 ربيع ثان 1367هـ، 21/2/1948 ص11.

[39] - طنطا العدد 823 مصدر سابق ص8.

([40])  محمود عبد الحليم: أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، صـ 212- 217.

[41] - جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد 443 سنة2/ مصدر سابق ص6.

[42] - موقع البحيرة.

[43] - مجلة روز اليوسف العدد 1023 ص15 ,21/1/1948.

[44] - طنطا العدد 836 سنة 23/ 15جمادى الثاني 1367هـ, 24/4/1948 ص2- 6.

[45] - صوت الأمة العدد 544, 14 جمادى الأخر 1367هـ, 23/4/1948 ص3.

المقال التالي حسن البنا وقاسم أمين وحرية المرأة
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية