كتابات الإمام حسن البنا في ذكرى المولد النبوي الشريف

إعداد موقع الإمام حسن البنا

في دراسة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يعين على فهم كتاب الله، ومعرفة الأمور الدقيقة التي تساعد على بيان المعاني، فهناك الكثير من أحداث السيرة وثقتها الآيات القرآنية، وكذلك بعض الأسئلة وبيان أحكامها، فالسيرة النبوية تعين على معرفة الأسباب، وتقديم الأولوية للأدق والأوضح، وتزيل التعارض.

وهو ما جعل الإمام الشهيد حسن البنا يتناول السيرة النبوية والاحتفال بالمولد النبوي الشريف من الزواية العملية لسيرة النبي، وليس تذكير الناس بأحداث مولد النبي صلى الله عليه وسلم.

حيث بعث الله نبيه للناس عامة وليس لأمة دون غيرها وهو المنهج الذي نادى به حسن البنا أن الإسلام نظام شامل، وأن ذكرى مولد النبي مناسبة عظيمة تدفع المسلمين للوحدة تحت راية واحدة.

 

الاحتفال بذكرى المولد النبوى الكريم

يدور الفلك دورته، ويشرق وجه الكون بذكرى اليوم الذي شرف فيه العالم كله بطلعة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ فتخفق قلوب الأمة المحمدية فرحًا وسرورًا، وتهتز جوانحهم بالعواطف الكمينة من حب النبى صلى الله عليه وسلم وإجلاله وإعظامه، والحنين إلى ذكرياته، والشوق إلى رؤيته، والاعتراف بفضله على الإنسانية جميعًا.

ويقول بعض الناس: إن الاحتفال بذكرى المولد بدعة؛ لأنه حَدَثٌ فى الدين لم يكن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله أصحابه من بعده، ويقول البعض الآخر: هو أمر واجب؛لأنه دليل الحب والإعظام والتعلق بذات الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك كله واجب على المسلمين.

وإذا أردنا أن نبين وجه الحق فى هذا الحكم؛ فعلينا أن نتذكر الدافع الذى دفع المحتفل إلى احتفاله، والمظهر الذى أعرب به عن شعوره؛ فإن كان الذى حدا به إلى الاحتفال هو الحب والتعظيم، وكانت مظاهر الاحتفال درس علم ينتفع به، أو صدقة تعود على فقير، أو عبادة خالصة لوجه الله، أو نحو ذلك مما يُجيزه الدين، ويحصل به ثواب الله تعالى؛ فالاحتفال حينئذ قربة إلى الله تبارك وتعالى، وقد يستدل له بما ورد من أن أبا لهب يخفف عنه العذاب بعض التخفيف لسروره ببشرى مولد النبى صلى الله عليه وسلم، حين حملتها له جاريته ثويبة فأعتقها. وأما أنه لم يقع فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعله أصحابه؛ فهو لأن مظاهر الحياة فى عهدهم كانت على حالة من البساطة تجعلهم لا يفكرون فى شىء من هذه المظاهر، وحسب أحدهم أن يظهر شعوره بكلمة يقولها أو بعاطفة تتردد بين حناياه، ومتى كان الدافع شرعيًّا والعمل الذى ترتب عليه ليس فيه ما ينكره الدين فلا وجه للقول بالمنع حينئذ.

وإن كان الذى حدا بالمحتفل إلى عمله عادة ورثها عن أبيه وقومه، أو ولعًا بالفخر والظهور ليتحدث الناس بعمله، وكانت مظاهر حفله لا تتفق مع ما شرع الله -تبارك وتعالى- لعباده، ولا تخرج عن اللهو والعبث والطبل والزمر والصريخ فى غير طائل، والاشتغال بهذا الحفل حتى عن الفرائض، وضياع الأوقات فى غير فائدة، وحشد الناس فى صعيد واحد يختلط فيه النساء بالرجال، وتكثر فيه الموبقات والمناكر، وتنتهك حرمات الله تبارك وتعالى؛ فلا ترى إلا غفلة مستحكمة، وسخرية مخزية، ومناظر يندى لها جبين الإنسانية، ويتقطع فؤاد المسلم حسرة وأسفًا، ويبرأ منها الإسلام؛ فهذا حفل منكر وإثم كبير على صاحبه والمشارك فيه، وهو أشد ما يؤلم النبى صلى الله عليه وسلم ويؤذيه.

 فليلاحظ المسلمون هذا، وليجعلوا احتفالهم بذكرى مولد النبى صلى الله عليه وسلم كل عام تفهمًا لسيرته وتعلمًا لأخلاقه، وتعرفًا لسنته صلى الله عليه وسلم، وتواصيًا فيما بينهم بالحق والصبر اقتداء به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21](1).

 

يوم العالم

كان فضل الله على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عظيمًا، وكان فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على العالمين عظيمًا، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيًّا لأمة من الأمم لكان على هذه الأمة وحدها أن تجد يوم مولده روعة الذكرى ولذة عرفان الجميل، ولكنه صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الأمم قاطبة، وبعثته صلى الله عليه وسلم شاملة كاملة؛ فذلك قول الله -تبارك وتعالى- فى سورة سبأ: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: 28]؛ فهو صلى الله عليه وسلم نبى الأمم ورسول الشعوب جميعًا، بل إن رسالته صلى الله عليه وسلم شملت مَنْ تقدَّمه من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وأحاطت بمن تأخر عنه من الأمم؛ فلقد أخذ الله له العهد والميثاق على أنبيائه ورسله إن بعث فيهم ليؤمنُنَّ به وليكونُنَّ من نصرائه وليؤيدُنَّ دعوته؛ فذلك قول الله -تبارك وتعالى- فى سورة آل عمران: }وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81]؛ فهو صلى الله عليه وسلم بذلك نبى المتقدمين والمتأخرين.

ولو كانت بعثته صلى الله عليه وسلم وهدايته قاصرة على المتقدمين والمتأخرين من هذا الجنس البشرى لكان هذا الواجب الروحى فى عنق بنى الإنسان جميعًا، بيد أنه صلى الله عليه وسلم مع هذا رسول الله إلى ذلك الجنس اللامادى الذى حكى الله عنه أنه استمع من رسول الله القرآن، فتأدب لسماعه وفهم مرماه وآمن به وبشَّر قومه، وكان فى ذلك خيرًا من كثير من الأناسى؛ فذلك قول الله -تبارك وتعالى- فى سورة الأحقاف: }وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: 29-32]. أفلا ترى هؤلاء وقد سمعوا الذكر، فتأدبوا فى حضرته، وتفقهوا فى غايته، ثم انطلقوا يدعون قومهم إلى الإيمان بداعى الله، والتسليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وينذرونهم أنهم إن لم يفعلوا فلن يعجزوا الله فى الأرض، وسينتقم الله منهم ويكونون فى ضلال مبين، وإذن فهذا الواجب الروحى ليس قاصرًا على هذا الجنس البشرى بل هو واجب على الثقلين، وقد استضاء كلاهما بنور هدايته، وروى من معين رسالته صلى الله عليه وسلم.

وليس هو صلى الله عليه وسلم حَفى المنزلة على غير من آمن به من الكائنات أو مجهول المقام عند غير الثقلين من المخلوقات، بل إن ذكره صلى الله عليه وسلم فى الملأ الأعلى أشرف وأسنى من ذكره فى هذا الملأ الأدنى، ولقد شرفت عوالم الملكوت بزيارته كما شرفت عوالم الملك بإقامته، وفى القرآن شاهد ذلك، وفى السنة دليله، واقرأ إن شئت قول -الله تعالى-: }وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ [الشورى: 52-53] مع قول الله -تبارك وتعالى-: }سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: 1]، ولأمر ما قال الحق تبارك وتعالى: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].

وإذن فهذا الواجب الروحى واجب الكون كله: أرضه وسمائه وإنسه وجنه، إذ كانت رسالته صلى الله عليه وسلم هُدى وبركة وخيرًا ويمنًا ورحمة للعالمين.

ولو كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول؛ لكان للمقصرين شبه عذر فى التراخى عن إحياء هذه الذكريات فى نفوسهم، أَمَا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وآخر المرسلين انتهى الوحى إليه، وخُتمت النبوة برسالته؛ فذكرياته صلى الله عليه وسلم نبراس المهتدين ودليل السارين، انتهت إليها الهداية ووقف عندها الإرشاد؛ فلا محيص عنها لسواها، ولا معدل إلى غيرها، والله -تبارك وتعالى- يقول: }مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40].

لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق للحق، وأن تخالط قلوبنا بشاشة الإيمان، وأن ندع الناس حتى يروا من آيات الله ما يحملهم على التسليم والإذعان.

وقد عرفنا من فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو فوق مستوى العبارات والألفاظ، وإن قومًا ممن حصروا أنفسهم فى حدود البحث الضيق، وجمدوا على هذا الحصر فلا يرون منه مخرجًا قد يرون ما نقول تصدير كاتب أو عاطفة محب متعال فيمن يحب؛ فليعلم إخواننا أننا نعنى ما نقول، ونعتقد أن ما نكتب حقيقة ماثلة لا خيال مفروض، ولا تصوير مبتكر، ولو شئنا أن نقول لهم: إن ما علمتم من علوم هذا العصر، إن تؤيد ما ذهبنا إليه وتدعم ما أوردناه لقلنا وأفضنا فى ذلك، وليس فى الأمر مستغرب ولذلك مقام آخر، ولكل مقام مقال، ولم يُطْوَ بعدُ بساط البحث، وستظل الأقلام تكتب تشتجر، والألسنة تقول وتتخيل، وعظمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم على ما هى عليه سر محجب وكنز مغيب، لم تصل إلى كنهها كتب الكاتبين، ولم تستطع تصوير حقيقتها ألسنة القائلين، ولعمر أبيك إنها العظمة التى أمدها الله بفيضه، وخلع عليها من نعمته وفضله، وامتن على صاحبها بقوله: }وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: 113]، تقصر دونها عظمة العظماء، وتنحسر أمامها مراتب الملوك والأمراء.

رُتَبٌ تسقط الأمانىُّ حسرى               دونها ما وراءهنَّ وراء

فأنى للقلم أن يحيط بفيض لا ينتهى مدده، وأنى للقول أن يُلِم بمدىً لا يُدرَك أمده، وأنى للعقول أن تتطاول إلى إدراك معنى جعله أسمى من متناول العقول والأفهام، وأنى للزمان أن ينال من خلود أراد الحق أن يكون أبقى من السنين والأعوام.

أيها المسلمون، اذكروا عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يوم مولده وفى كل وقت، واستمدوا من هذه الذكرى روح العظمة الصحيحة، والعزة القويمة، واذكروا أنكم بخير أمة تُوصَفون، وإلى أفضل نبى تُنسبون؛ فلا تستنيموا إلى مذلة، ولا تركنوا إلى هوان، ودعوا هذه المهازل الصغيرة التى لا تدل على غير العبث والمجون واللهو والفضول والغفلة والصغار، فى يوم شرف العالم فيه بظهور أسمى رمز للعزة والفخار، وبمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).

 

ذكرى مولد الرسول الأعظم

طلبت مجلة الهداية الإسلامية ببغداد كلمة من فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين لتنشرها فى عددها الخاص بذكرى مولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه، فكتب فضيلته مقالا رأينا أن ننشره على صفحات مجلتنا فيما يلى:

هنالك فى مكة البلد الحرام الآمن، وبين أبوين فقيرين إلا من الطهارة والنقاء، نجم طفل لم يكن ليدرى أحد أن آمال الدنيا تعلقت به، وأن سعادة البشرية تتطلع إليه، وإذا كان فى أهل الفراسة من رأى فيه من دلائل العظمة النفسية وقوة الخلق ما يعده لعمل عظيم، ويجعل له شأنًا جليلا؛ فإن أحدًا من هؤلاء لم يستطع أن يدرك أن هذا الطفل على إقلاله سوف يطوى سلطان دولتين عظيمتين تحت لواء أمة بدوية ليس لها نصيب من علم، ولا حظ من حضارة، وكل حظها من ذلك هو ما رسمه لها محمد -عليه الصلاة والسلام- من الطريق إلى الدنيا وإلى الدين معًا.

ولقد درج المسلمون على أن يتناولوا قصة مولده -عليه صلوات الله- بالكثير من الوصف الذى افتتنت فيه أخيلتهم افتنانًا ليس معه زيادة لمستزيد، وليس بما ينفع فى وضعنا الحاضر أن نقتصر على تناولها بالأسلوب الذى كان أسلافنا يتناولونها به من قبل؛ فقد كان هؤلاء يتناولونها للتاريخ إن كانوا من الخاصة، أو إيثارًا للمتعة الروحية إن كانوا من العامة، وربما كان لهم آنذاك من الحياة فى ظل الدولة الإسلامية المستقرة ما يبيح لهم هذا ويغريهم به ويشجعهم عليه. فأما الآن وقد تكالب الغرب علينا، ووضحت مقاصده فينا، ولم يعد عندنا شك فى أنه يتحرى إذلالنا واستغلالنا؛ فما أحوجنا إلى أن نقصد دائمًا إلى الفطنة والاعتبار بحياته الشريفة، ثم ما أحوجنا إلى القدوة بما كان يأتى -عليه السلام- من أعمال تشد من أزر الحق وترفع من منار الإسلام.

إن المسلمين اليوم فى حاجة شديدة إلى أن يتذكروا محمدًا رسول الله الذى احتمل الآلام، وصابر المشقات فى سبل بناء الإسلام وإقامة صرحه الشامخ حتى يكون له أن يقتدوا اقتداءً عمليًا يزلزل الأوهام فى نفوسهم والاستعمار فى أوطانهم، وإذا كان لهم أن يذكروا محمدًا الطفل الفقير اليتيم الذى لم يتلق فى مدرسة علمًا، ولم يدرك من عطف أبويه حظًا؛ فذلك لكى يستعينوا بهذه الذكرى على اليأس الذى ملأ النفوس؛ فهد العزائم، وضلل العقول من حيث يكون لهم أن يذكروا أن يتيمًا قِلا فى المال قد استطاع بالصبر والإيمان ليس غير أن يُنهض أمته، وأن يدفع بها إلى العالم كله، حاملة إليه النور منبعثًا من كتاب الله وهدى نبيه لكى يحمله على الهدى والفلاح.

وإذا كان -عليه السلام- قد ولد فى ظروف كان العالم فيها قلقًا حائرًا عاكفًا على اللذائذ المادية عكوفًا نسى معه جلال الروح، وغرق منه فى جحيم المادة، وإذا كانت النظم يومئذ لم يقوَ شىء منها على أن يمنح الناس شيئًا من الرضا، ولم يسبغ عليهم ظلا فى الطمأنينة؛ فالفقر المميت والترف الناهك هما مظهر الحياة الاجتماعية آنئذ، وإذا كانت دعوة محمد -عليه السلام- وحدها التى استطاعت أن تكون دواء هذه الأدواء؛ فعلى المسلمين فى كل مكان أن يتذكروا ذلك، وأن يزنوا الحال التى تحيط بهم بتلك التى تقدمت عليهم، وهم سيعلمون أنهم مقصرون فى تبليغ الدعوة وأداء الأمانة؛ بل عليهم أن يذكروا أنهم إن استطاعوا أن يحتجوا بعجزهم عن حمله إلى الناس كما حمله أسلافهم فليسوا بمستطيعين أن يحتجوا لعجزهم عن أن يحملوا به أنفسهم من بغى الباغين وإذلال المستعمرين.

هذه هى العبرة التى يجدر بنا أن نتشبث بها دائمًا حينما يكون لنا أن نتحدث عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل(3).

 

العالم يستمع إلى فضيلة المرشد العام

(كانت هذه كلمة ألقاء الأستاذ حسن البنا في الإذاعة المصرية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف)

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد نور الكون وجماله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيها المستمعون الكرام، تحية من عند الله مباركة طيبة، فى ليلة الثانى عشر من هذا الشهر المبارك عام الفيل بمكة المكرمة اهتزت ثغور الزمن عن أجمل بسماتها، وتفتحت أكمام البشرية عن أنضج ثمراتها، وأشرقت آفاق السماء بأضواء نيرانها؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، نجيب بنى هاشم، وفتى قريش، وفخر كنانة، وسيد العرب، وهادى العجم، ورحمة الله للعالمينصلى الله عليه وسلم؛ فتوالت بذلك بشرى الهواتف، وانسكب فى مسمع الدهر أعذب حداء لركب الحضارة الإنسانية وأحلى نشيد فى تاريخ الوجود..

ولد الهدى فالكائنات ضياء               وفم الزمان تبسم وسناء

الروح والملأ الملائك حوله               للدين والدنيا به بشراء

أيها المستمعون الكرام، مظاهر الفضل والجلال والعظمة والجمال التى تحيط بهذا المولود الكريم والرسول العظيم سِفر ضخم لا تتناهى صفحاته، ولا تنقضى عجائبه وآياته؛ فهو عظيم فى نسبه العربى المصفى، عظيم فى خلقه الجميل المنثور، عظيم فى خلقه الكامل المتطهر، عظيم فى سيرته الجامعة لكل معانى الفضل والكمال صلى الله عليه وسلم.

وإن أضوأ صفحات هذا السفر المشرق بالنور والبهاء الفياض بالسنا والسناء، وأجَلَّها أثرًا فى حياة الإنسانية.. ما يتصل برسالته الخالدة الباقية؛ رسالة الإسلام الحنيف الذى هو كمال نعمة الله على عباده، وتمام مِنته على خلقه، وصدق الله العظيم }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3].

والآن والعالم كله تتجاذبه المذاهب والآراء، وتعبث بالعقول والضمائر فيه الدعوات والأهواء، وتضطرب سفينة الحياة فى هذا الخضم الزاخر من النظم والأفكار، لا تستقر على حال من القلق.. أعتقد أن من حق هذه الإنسانية المعذبة على نفسها، ومن حقها على من عندهم أثارة من علم بقواعد النظم الاجتماعية وخصائص الرسالات الإصلاحية أن يتقدم كل بكل ما يعلم من وسائل الإنقاذ؛ حتى لا تصطدم السفينة التى تتقاذفها العواصف الهوج، فتتحطم على صخور الشواطئ الجامدة الخرساء من حدود علوم المادة وآثارها ومعارفها الصماء.

أيها المستمعون الكرام، ألا إن رسالة الإسلام الاجتماعية الإصلاحية كنظام كامل شامل يكفل للإنسانية السعادة والاستقرار والطمأنينة والسلام، ويحل ما بين يديها وما خلفها من مشكلات جسام.. تمتاز عن كل ما عرفت البشرية إلى الآن من النظم والرسالات بأمور ثلاثة:

1-بشمول مبادئها النظرية التى ضمت كل خير جاء به غيرها مع تركها كل ما يعلق بذلك من أضرار، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته الخالدة الإخاء الإنسانى والحرية والسلام؛ إذ حطم الفوارق العنصرية بين الشعوب، وقضى على كل نعرة الأجناس والألوان، وعلى روح الكراهية والحقد والتعصب الذميم بين الأفراد الشعوب بمثل قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].

وربى أتباعه على حب السلام؛ فختام صلواتهم سلام، وتحيتهم فى الأولى والآخرة سلام، والقرآن قد تنزل فى موكب سلام، ولئن كانت أوروبا لم تلتق بالإسلام إلا فى ساح الوغى، أو كان لها من مطامعها السياسية والاستعمارية ما ساء به حكمها وفهمها لمشروعية الجهاد فيه.. فالحق مع ذلك واضح أبلج فى قوله تعالى }أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: 39]، }وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ [الأنفال: 61]. 

وما التوحيد إلا إعلان للحرية الإنسانية؛ فلا عبودية إلا للواحد القهار، ولا مخافة إلا من رب العالمين؛ فلا طغيان ولا استعلاء ولا مصادرة للحريات }وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8].

ومن المبادئ التى اشتمل عليها الإسلام كذلك العدل الاجتماعي؛ فالإسلام يعلن فى المجتمع مبادئ العدل المقرونة بالرحمة }إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ [النحل: 90]، والعدل فى الحكم }وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: 58]، والعدل مع الخصوم }وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، والعدل ولو على الأقارب والأصدقاء }كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: 135]، ثم هو يحمى العدل بالقوة حين لا يجدى سواها }فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9]، وضمن حقوق الأسرة والمرأة، وضمن الحياة الطيبة لأفراد المجتمع على السواء، وأمن حق الحياة والملك والعمل والحرية والعلم والأمن لكل فرد، وحدد موارد الكسب؛ فلا ضرر فيها ولا ضرار، مع الشدة فى محاربة الجرائم والفساد، وحل مشاكل المال، وقضى على نظام الطبقات، وطارد الرأسمالية القاسية، وقضى على سوء الاستغلال والنظام الربوى، وكفل حقوق العمال والأجراء، وضمن تعاون الحاكم والمحكوم على البر والتقوى.

كما ترتكز مبادئه على الربانية والتسامى بالنفس الإنسانية، وتأكيد وحدة الأمة، والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها، مع إلزام الأمة الجهاد فى سبيل مبادئ الحق التى جاء بها هذا النظام، واعتبار الدولة ممثلة للفكرة الإسلامية، وقائمة على حمايتها، ومسئولة عن تحقيق أهدافها فى المجتمع وإبلاغها للناس جميعًا.

والأمر الثانى الذى تمتاز به هذه الرسالة التى جاء به صاحب هذه الذكرى المباركة هو رسم الطرائق التطبيقية وتبسيطها وتحويلها إلى أعمال يومية، وما الصلاة والصوم والزكاة والحج، وما وضع الإسلام من عبادات وقربات وأعمال إلا مظهر من مظاهر هذا التطبيق فى ألطف صوره وأجمل آثاره.

والأمر الثالث اعتمادها على الضمير الإنسانى الموصول برب العالمين، وتقريرها الجزاء فى الحياة الآخرة للعاملين، ووضوح ذلك كله فى آيات الكتاب المبين }وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 7-10]، واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك، }وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: 61]، }فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7-8]، }وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47].

أيها المستمعون الكرام، تلك هى رسالة الإسلام التى جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، قامت عليها إمبراطورية الإسلام الأولى؛ فشهد الناس فى خلفائه الراشدين وأصحابه الهادين المهتدين أروع المثل للأخلاق الإنسانية الكاملة والحياة الاجتماعية الفاضلة، ولم تعدم من المنصفين من غير المؤمنين بها من قدرها، وعرف لها فضلها، وأذاع فى الناس خصائصها وآثارها، ويوم غفل أبناؤها عن هذه الخصائص والمميزات، ونسوا سر قوتهم ومظهر وحدتهم وأصل عظمتهم وسناد أستاذيتهم }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 110]، ثم اندفعوا بعد ذلك يقلدون غيرهم فيما لا ينفع، وينقلون عن سواهم ما لا يفيد.. كان مثلهم كمثل فرقة الإنقاذ التى تركت مضخة الإطفاء، وسارت فى قافلة المحترقين، فأهملت بذلك واجبها، وأصبحت معهم طعامًا للنيران.

أيها السادة الأكرمون، إن من واجب أهل الدين كافة على اختلاف نِحَلِهم فى هذا العصر أن يعلنوا رسالة الله الخالصة، وأن يتعاونوا على مكافحة ما يتهدد البناء الإنسانى والحضارة العالمية من إلحاد وإباحية، وإن من واجب المسلمين خاصة وهم يحملون ميراث الحياة الحقيقى من الحق والعدل والخير التى أهدرتها المدنية الغربية فى ذلك الصراع الخطير الذى يدور رحاه بين الكتلة السلافية والكتلة الغربية، والذى امتد خطره إلى الشرق الأوسط والأدنى، وتفجر بركانه فى فلسطين العربية المجاهدة أن يعودوا إلى رسالة نبيهم؛ فهى حلقة النجاة وسفينة الخلاص، وأن يترسموا فى حياتهم وكفاحهم هدى القرآن الكريم ونظام الإسلام العظيم؛ فتستقيم لهم سبل الحياة الحرة العزيزة، ويصبحوا أمة يهدون الناس بأمر الله }وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم: 4-5]، }قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16].

وتعينت الهدية هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى عيد ميلاده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(4).

 

ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة أبى القاسم، وشرفه بأفضل المواهب وأجزل المكارم، وبعثه هاديًا للأمم وسراجًا فى الظلم ورحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وصفيه، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

أما بعد.. فيا أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعث نبيكم صلى الله عليه وسلم تغشَّت العالم كله سحابة من الظلم والفساد والفسوق والإلحاد، اختل فيها ميزان العدل، واختفى معها وجه الحق، وضل الناس طريق الهدى والرشاد؛ ففى العرب على كرم أخلاقهم وشريف نفوسهم وقويم طبعاهم وسلامة فطرتهم جهل وغلظة وجفوة وقسوة وشرك بالله وانغماس فى حمأة الشقاق والخلاف، وفى الفرس والروم وغيرهما من دول الأرض ظلم واستبداد وقسوة واستعباد، وتسلط من القوى على الضعيف، وانتهاك لحرمات الشرائع والآداب؛ فكان لا بد لهذا العالم الموبوء ولهذه البشرية المعذبة والإنسانية الباكية والفضيلة المستذلة من منقذ يقيم ميزان العدل، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، الله الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض.

وقد أراد الله -تبارك وتعالى- أن يكون هذا المنقذ الكريم والمصلح العظيم صفوته من خلقه وخيرته من عباده سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.

لم يزل فى ضمائر الكون تُختار له الأمهات والآباء، اختار الله من خلقه بنى آدم، واختار من بنى آدم العرب، واختار من العرب قريشًا، واختار من قريش بنى هاشم، واختارهصلى الله عليه وسلم من بنى هاشم؛ فهو خيار من خيار من خيار، وأنت إذا فحصت عن طبائع الأمم وسألت تاريخ الجماعات عن هذه الحكم رأيت البحث العلمى والتحليل النفسى يؤيد لك هذا الخبر النقلى، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

ولم يزل نوره الساطع صلى الله عليه وسلم يتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات عن زواج شرعى لا عن سفاح حتى انتهى ذلك الشرف إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب، أزكى قريش أصلا، وأنماها فرعًا، وأوسطها دارًا، وأطهرها منبتًا، وإلى أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم، وهى سيدة نساء قومها وأشرفهن موضعًا وأعفهن نفسًا؛ فكان عن اجتماع الكريمين وزواج السيدين أن تحققت إرادة الله فى إسعاد العالم، وإشراق شمس الهداية والعرفان فى سماء مكة المكرمة؛ حيث ملأت أشعتها كل مكان، فحملت به صلى الله عليه وسلم، وتوفى والده وهو حمل لا تجد له أمه وجعًا ولا ألمًا، ولا تستشعر منه أذى ولا وحمًا، وما زالت تتوالى الإرهاصات، وتتابع البشارات، وتظهر العلامات حتى كانت الليلة الكريمة، فولد صلى الله عليه وسلم يشرق وجهه بنور العرفان، وتتجلى على قسمات وجهه الشريف سِمَات النبوة والإيمان، ويعتقد من نظر إليه أنه رسول هذا الزمان، فازدان الكون بطلعته، واستبشر الوجود برؤيته، واستنارت السماوات والأرضون بظهوره، وتوالت بشرى الهواتف أن قد ولد المصطفى وحق الهناء.

وشب صلى الله عليه وسلم، ونشأ، فكان مثال الكمالات وأنموذج الفضائل، وتزوج بالسيدة خديجة وسنه خمس وعشرون سنة لما رأته عليه من كريم الشمائل، واشتهر بين عشيرته بالصدق والأمانة والعقل والرزانة، وما زال كذلك حتى جاء الحين واستكمل الأربعين، فشرفه ربه بالنبوة، ثم الرسالة إلى الخلق أجمعين، ونزل عليه الملك وهو يتعبد فى غار حراء بقوله تعالى: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5]، ثم فتر عنه الوحى، ثم تتابع، ونزلت }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: 1]، فنهض بالدعوة، وحمل عبء الرسالة، وأدى الأمانة، وبلغ ما أنزل إليه من ربه، وقام يدعو إلى مولاه، وينشر على الناس دينه، حجته القرآن، ودليله البرهان، وعدته الإيمان.

وما زال صلى الله عليه وسلم يكافح ويناضل ويجالد، ويجادل طورًا بالشدة وأخرى باللين، ويتحمل من الأذى ما تنوء بحمله الجبال، ويدعو للمعتدين حتى أظهر الله كلمته، وأتم نعمته وأكمل دينه، ودخل الناس فى دين الله أفواجًا، واختار النبى صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى بعد أن أدى مهمته وأوضح شرعته، وترك من ورائه من يحمون دعوته، جزاه الله أفضل ما جازى به نبيًّا عن أمته، وصلى وسلم عليه وعلى آله، ورضى عن صحابته.

يا عباد الله، ذلك مجمل سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم، كلها هدى ونور، وعظة واعتبار، وتمسك بحبل الله المتين، ودفاع عن دينه المبين، ومناصرة للحق وخذلان للباطل، فيها القدوة الحسنة والعظة البالغة والعلم النافع والمثل الصالح؛ فتعلموها وعلموها أبناءكم، وأحيوا ذكرى مولد نبيكم صلى الله عليه وسلم بدراسة حياته وتفهم خطته وإحياء سنته، أما الرياء والتفاخر والتكاثر والتظاهر وضياع المال فى غير فائدة، وإنفاق الأوقات من غير جدوى، والاشتغال بالمقابلات والحفلات عن الفروض والواجبات، والفخر بإطعام الأصدقاء والأغنياء، ونسيان المستحقين والفقراء، وإقامة هذه المظاهر التى يأباها الدين، وتجعلنا مضغة فى أفواه الناظرين؛ فهذه كلها ليست إلا منكرات تؤاخَذون بها، وتحاسبون عليها، ويتألم لها النبى الكريم صلى الله عليه وسلم.

فاتقوا الله عباد الله، وانتهزوا فرصة هذا الوقت الفاضل، وجددوا التوبة النصوح، وتذكروا سيرة نبيكم لتعملوا بها وتهتدوا بهديها: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].

فى حديث على -كرم الله وجهه- وقد سأله الحسين عن سيرة جده صلى الله عليه وسلم فى جلسائه فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى ولا ييئس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يُعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا شيئًا يرجو ثوابه"(5).

 

ذكرى مولد النبى صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة أبى القاسم، وجعل موسم مولده الشريف على العالم من أبرك المواسم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

أما بعد فيا عباد الله، اختار الله نبيكم صلى الله عليه وسلم من أكرم أسرة، من أفضل قبيلة، من أشرف شعبة؛ فهو صلى الله عليه وسلم خيار من خيار من خيار، لم يزل فى ضمائر الكون تُختار له الأمهات والآباء، ما مضت فترة من الرسل إلا بشرت قومَها به الأنبياءُ حتى تعلقت إرادة الحق -تبارك وتعالى- بإظهار هذا النور الفائض من قدس الغيب إلى هذا الوجود؛ ليرشد أهله، ويهدى بنيه، ويكون رحمة للعالمين. 

فدقت البشائر، وازَّينت الأرض، وأشرقت السماوات، وولد صلى الله عليه وسلم بين تهليل العوالم، وتكبير الملائكة، واستبشار العارفين، واستشراف المؤمنين. 

من أكرم أبوين: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، فى ليلة التاسع من ربيع الأنور على الأصح أو الثانى عشر منه على الأشهر؛ فكانت أعظم ليلة فى تاريخ الإنسانية، وأخلد ساعة من ليالى البشرية. ولد صلى الله عليه وسلم مشرقًا بالنور محفوفًا بالجلالة، عليه الهيبة وله الجمال، واسترضع فى بنى سعد بن بكر عند حليمة السعدية، فاخضر عيشها بعد المجل، وأورق ناديها بعد الجدب، وكانت منازلها مهبط البركة والماء، وإذا سخر الله أناسًا لسعيد فإنهم سعداء. 

وشب صلى الله عليه وسلم شبابًا لم يكن يبلغه غيره من الغلمان، وكان فى طفولته مثال العدالة، يرضع ثديًا ويترك الآخر لقسيمه، ومثال النجابة والهمة؛ يؤدى من الأعمال ما لا يقوم به غيره، ويبادر إلى ذلك مبادرة الشاعر بالتبعة المقدر للواجب، ومثال الهدوء والفضيلة لا يصخب، ولا يلعن ولا يشاجر ولا يغضب.

توفى أبوه وهو حمل، وتوفيت أمه وهو فى السادسة من عمره، وتوفى جده وهو فى سن الثامنة، واستأثر الله بأهله الكرام ليختص بتأديبه وتربيته وتهذيب نفسه والعناية به؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: "أدبنى ربى فأحسن تأديبى".

وقد كفله أبو طالب ففاض عنده الخير، وازداد فى بيته البر، ولمس من بركته صلى الله عليه وسلم ويمن نقيبته ما جعله يذود عنه، ويقف نفسه لمناصرته، ويقسم إن ابنه لسيد، وإنه لصادق، وإن له لنبأً عظيمًا.

ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أشده كان زينة فتيان قريش، وسيد شباب العرب، ومثال الفضيلة فى أروع مظاهرها وأظهر مجاليها، عُرف فيهم بالعقل ورجحان الحلم والأمانة والصدق والذكاء والفطنة والمروءة والهمة فلقبوه بالأمين، وكانت خديجة تقول له لأول نبوته: "والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق".

وأخذ يأكل من عرق جبينه وعمل يده -سنة الأنبياء من قبله- فرعى الغنم على قراريط لأهل مكة، وتاجر مع عمه وفى مال خديجة، وتزوجها صلى الله عليه وسلم؛ فكانت نعم الزوج الوفية، تجود بنفسها ومالها فى تأييد النبى صلى الله عليه وسلم، ونشر دعوته وحمايته وحياطته حتى توفيت على ذلك وهى أم المؤمنين، وكريمة عقائل المسلمين، والمختصة من بينهن بمنة رب العالمين، فأفضت إلى روح وريحان ونعيم وإحسان، ورآها المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الجنة فى بيت من قصب لا نصب فيه ولا وصب.

وحينما بلغ الأربعين من عمره اختصه الله بالرسالة العظمى والنبوة الكبرى والدعوة العامة والشريعة الخالدة الشاملة والقرآن المبين والدين المتين؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ورأى من عوالم الملك والملكوت ما يهيئ نفسه لوطأة الوحى وثقل الرسالة، فكان لا يمر على حجر ولا شجر ولا مدر إلا سمع منه: "السلام عليك يا رسول الله"، وحبب إليه الخلاء، فتحنث فى غار حراء؛ حيث نزل عليه الملك بأول آية من كتاب الله تبارك وتعالى: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ [العلق: 1].

قام صلى الله عليه وسلم بدعوة ربه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجهل عليه أهل مكة، فهاجر فى سبيل الله إلى المدينة؛ حيث وجد أنصارًا كرامًا وأقوامًا فاضلين، أيدوا الدين بأنفسهم وأموالهم حتى أظهره الله بجهادهم، }وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: 47].

تلك يا عباد الله كلمة عجلى فى سيرة نبيكم، أرجو أن تكون نبراسًا لكم وهداية لنفوسكم، وصقالا لأرواحكم؛ فاتبعوا نبيكم صلى الله عليه وسلم، وسيروا على نهجه القويم وصراطه المستقيم تكونوا من الفائزين.

واعلموا أن أفضل ما تقدمونه إليه وتعبرون به عن سروركم بمولده أن تدرسوا سيرته وتحيوا سنته وتنصروا شريعته؛ فإن فعلتم ذلك فقد رضيتم الله ورسوله، والله ورسولُه أحق أن ترضوه إن كنتم صادقين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى"(6).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 4– 13ربيع الأول 1352هـ / 6يوليو 1933م– صـ5.
  2. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثالثة – العدد 9– 10ربيع الأول 1354هـ / 11يونيو 1935م– صـ3 : 5.
  3. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 137– 10ربيع الأول 1366هـ / 1فبراير 1947م– صـ3.
  4. مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة السادسة – العدد 184– 20ربيع الأول 1367هـ / 31يناير 1948م– صـ12، 13.
  5. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 14– 13ربيع الأول 1352هـ / 6يوليو 1933م– صـ20، 21.
  6. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 9– 23ربيع الأول 1353هـ / 6يوليو 1934م– صـ17، 18.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا للمطالبة بالشريعة الإسلامية
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم