مفهوم عقيدة الألوهية في كتابات الإمام حسن البنا

إعداد موقع الإمام حسن البنا

توحيد الألوهية: هو إفراد الله -عز وجل- بجميع العبادات سواء الظاهرة أو الباطنة، القولية أو الفعلية؛ كالصلاة، والصوم، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، فلا ينذر إلا له، ولا يدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه. وهو المعني الذي حاول الإمام حسن البنا تبسيطه للناس حتى لا يشق عليهم فهم عقيدة الألوهية والإيمان بها.

 

الله

} هُوَ اللهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: 22].

ترددت فى اختيار الكلمة الأولى فى هذا الباب باب العقائد طويلا، أأكتب عن "الدين".. ما هو؟ وما صلته بالنفس والمجتمع؟ وما أثره فيهما؟ وما مدى حاجتهما إليه؟ أم أكتب عن تاريخ العقائد فى الإسلام وما طرأ على أسلوب تصويرها بفعل الأحداث السياسية والاجتماعية والفكرية، وتلون هذا الأسلوب بلون العصور التاريخية للأمة الإسلامية؟ أم أدخل فى الموضوع مباشرة؛ فأكتب عن أجلِّ العقائد قدرًا، وأعمقها أثرًا، وهي العقيدة فى "الله"، ولا شك أنها لب الدين وصميمه؟!! وأخيرًا رأيتني مدفوعًا إلى هذا المعنى الأخير، ولتلك البحوث موضعها إن شاء الله.

أسلوب البحث:

لن ألجأ إلى المصطلحات الفنية التى تواضع عليها العلماء المختصون بعلم الكلام، ولن أحاول الخوض فى النظريات الفلسفية أو الأساليب المنطقية التى درج عليها المتكلمون حين يعالجون مثل هذه الموضوعات، ولكنى سألجأ إلى القرآن الكريم، وإلى السنة المطهرة، وإلى ما عرفنا من سيرة الصدر الأول من المؤمنين بهذا الدين، وهم -لا شك- أصفى الناس فطرة، وألينهم قلوبًا، وأدقهم إدراكًا للمقاصد، وأعرفهم بمواقع الألفاظ والجمل والتراكيب، وأعذبهم تذوقًا لدقائق المعاني والمشاعر. وبهذا كانوا نماذج الكمال لأهل هذا الدين، واستحقوا أن يوصفوا بأنهم خير أمة أخرجت للناس.

وإني لأتمثل الآن فريقين من المؤمنين: فريق الصدر الأول الذي تلقى العقيدة الإسلامية ألفاظًا مبسطة تنبض بالحياة، وتفيض بالشعور، وترف بالجمال والوجدان، وتوجه إلى العمل الصالح المنتج؛ فلا يعلم للإيمان معنى إلا ما صوره به القرآن الكريم فى قول الله -تبارك وتعالى-: }قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون: 1-4].

وفريق العصر الأخير الذي تلقى هذه العقيدة مصطلحات فلسفية معقدة وكلمات فنية جامدة ميتة، تكدّ الذهن، وتتعب العقل، وتضايق الروح، وتتشعب بالفكر فى أودية من الفروض والأخيلة والقضايا والبحوث والمقدمات والنتائج لا نهاية لها؛ فما هو الإيمان؟ وما الفرق بينه وبين التصديق؟ وهل يزيد وينقص؟ وهل هو الإسلام أو هو غيره؟ وماذا بينهما من العموم والخصوص؟ وهل العمل شرط فيه، أو ركن من أركانه، أو لازم من لوازمه؟… إلى غير ذلك مما هو من الترف العقلي والاسترسال الفكري الذي لا صلة له بالنور فى القلب والإشراق فى النفس والتوجه إلى العمل.

أتمثل هذين الفريقين؛ فأعتقد أن من واجبنا أن نعود سريعًا إلى ما كان عليه سلفنا الصالحون، وأن نستقي العقيدة من هذا النبع الصافي الذي لا لبس فيه ولا غموض، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه مالك عنه أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

ولهذا آثرت أن أسلك فى عرض ما أكتب هذه السبيل، وبالله التوفيق.

عناصر العقيدة الإسلامية:

وتتكون العقيدة فى "الله" فى الإسلام من هذه العناصر:

(1) الاعتقاد بوجوده الواجب لذاته غير المستمد من سواه، ووصفه -جل وعلا- بصفات الكمال كلها نتيجة للنظر فى هذا الكون.

فالله -تبارك وتعالى- موجود موصوف بالعلم وبالقدرة وبالحياة وبالسمع وبالبصر وبالجمال وبالحكمة وبالإرادة... إلخ، وذلك واضح معلوم علم اليقين لكل من نظر فى هذا الكون البديع الصنع؛ فالخالق حكيم لوضوح أسرار هذه الحكمة فى المخلوقات، وقادر وعالم بأجمع معانى العلم والقدرة وأسماها؛ لأن هذا الكون البديع لا يكون إلا عن علم واسع وقدرة محيطة، والقرآن الكريم يعدد هذه الصفات فى كثير من المناسبات، ومن أجمع آياته فى ذلك خواتيم سورة الحشر }هُوَ اللهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: 22-24].

(2) نفى صفات المشابهة والنقص عن الخالق سبحانه؛ فالتجسيم منفى عنه؛ لأن المادة تتحول، والخالق بعيد عن وصف التحول، والتعدد منفى عنه؛ لأنه تركيب، والإله لا بد أن يكون واحدًا، والأبوة والبنوة بعيدان عن صفاته؛ لأنهما تجزئة وانفصال، والخالق لا يتجزأ… وهكذا. والقرآن الكريم يقرر هذا فى وضوح، ويجادل عنه فى منطق دقيق وحجة بالغة؛ فيقول فى نفى المشابهة: }فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4]، ويقول فى نفى التعدد: }أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 21-22]، وفى نفى البنوة والتعدد }مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: 91]، وترى ذلك واضحًا فى كثير من الآيات التى ناقش بها القرآن الكريم عقائد الأمم السابقة؛ فنفى كل معانى النقص والمشابهة والقصور عن الخالق سبحانه وتعالى.

(3) عدم التعرض للحقيقة والماهية فى الذات أو الصفات من حيث هما، مع الاحتراس الدقيق بتقرير المخالفة التامة بين ماهية ذات الإله وصفاته، وماهية المخلوقات وصفاتهم. يقول القرآن الكريم فى سورة الأنعام: }ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ * لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 102-103]، وفى الحديث: "تفكروا فى خلق الله، ولا تفكروا فى ذاته فتهلكوا".

ومن البديهي أن هذا الموقف لا يؤخذ على الإسلام فى شىء، ولا يقال: إنه حجْرٌ على العقول وانتقاص من حرية الفكر؛ فإن العقل البشرى -وهو عماد العقيدة فى الإسلام- يقف إلى الآن موقف العجز المطلق أمام حقائق الأشياء جميعًا، وكل الذي وصل إليه إنما هو الخواص وبعض الصفات والآثار، وأما البسائط المجردة فلم يصل إلى حقيقتها بعد، وما كان الإسلام ليكلف الناس ما لا تستطيع أن تدركه العقول والأفهام.

(4) رسم الطريق إلى معرفة صفات الخالق وإدراك كمالات الألوهية ومميزاتها وآثارها، والوصول إلى ذلك عن طريق النظر فى الكون نظرًا صحيحًا، وتحرير العقول والأفكار من الموروثات والأهواء والأغراض؛ حتى تصل إلى الحكم الصائب. والقرآن يحث دائمًا على النظر فى المكونات، والتأمل فى المخلوقات، ويرفع من قيمة العقل، ويعلى من قدر الفكر؛ حتى لقد ذكر العقل فى أكثر من أربعين موضعًا مقرونًا بالتبجيل والتكريم، والحث على الجد إلى إدراك الحقائق، وكشف مستورات الوجود؛ مثل قول الله -تبارك وتعالى-: }إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: 164]، وقوله تعالى: }إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِى الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 190-191]، وقوله تعالى: }أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 27-28]، وهو فى هذه الآية يحض على اكتشاف غرائب النبات والحيوان والجماد، ثم يرتب على ذلك الخشية من الله؛ إشارة إلى ما بين معرفة الكون والعلم به، ومعرفة مكونه والعلم به كذلك من صلة.

(5) تقوية الصلة بين الوجدان الإنساني والخالق -جل وعلا– حتى يصل الإنسان بذلك إلى نوع من المعرفة الروحية، وهو أعذب وأصدق أنواع المعرفة جميعًا؛ وذلك أن الوجدان الإنساني أقدر على كشف المستورات غير المادية من الفكر المحدود بقيود المادية ونتائج الأقيسة الحسية؛ فالإسلام كثيرًا ما يخاطب الوجدان، ويستثير الخواص النفسانية الكامنة فى الإنسان؛ لتسمو إلى حظائر الملأ الأعلى، وتستشعر لذة معرفة الله -تبارك وتعالى- }الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]، وأوضح ما تكون هذه الصلة الخفية بين الضمير الإنساني وبين الخالق عند الشدائد التى تنقطع فيها الآمال إلا من الله وحده }ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: 67]، وقوله تعالى: }هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22].

(6) مطالبة المؤمنين بأن تظهر فى أقوالهم وأفعالهم آثار هذه العناصر العقدية؛ فالمؤمن متى اعتقد أن خالقه قادر كانت النتيجة العملية لهذه العقيدة أن يتوكل عليه، وأن يلجأ إليه. وإذا اعتقد أنه عالم راقبه واستولت عليه خشيته. وإذا اعتقد أنه واحد لم يدعُ سواه، ولم يسأل غيره، ولم يصرف وجهه إلا إليه… وهكذا. والآيات فى ذلك كثيرة من مثل قول الله تعالى: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: 2-4].

وبهذا التلخيص والتصوير البديع الدقيق جمع الإسلام كل ما يتصل بالعقيدة فى الله -تبارك وتعالى-، ووضع حدًا مانعًا من التخبط والتحريف والتفلسف بالباطل والجدل التافه فى أقدس العقائد وأمسِّها بحياة الإنسان فى الأولى والآخرة.

وأظن أن الذين يفقهون هذه المعاني ويتذوقونها ليسوا بعد ذلك فى حاجة إلى أن يحفظوا أن الواجب فى حقه تعالى ثلاث عشرة صفة؛ هى: الوجود، والقدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، والقدرة، والوحدانية، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر والكلام، وبقية الصفات العشرين. وأن المستحيل فى حقه تعالى أضداد هذه الصفات، وأن الجائز فعلا كل ممكن أو تركه كما كنا نحفظ ذلك نحن من قبل.

وليسوا فى حاجة كذلك إلى التطويل فى معالجة البحوث الفرعية المتصلة بهذه العقائد كبحث الصفات والأسماء، وهل هى توقيفية أو قياسية، ومتعلقات هذه الصفات المسمى عين الاسم أو غيره، والعمل شرط فى الإيمان أو غير شرط فيه… إلخ مما يتصل بالفلسفة والترف العقلي أكثر مما يتصل بالعقيدة والاطمئنان القلبي.

ووصيتي إلى القراء الكرام أن يلاحظوا هذه المقاصد وهم يقرءون كتاب الله -تبارك وتعالى-، ويجتهدوا حين القراءة فى التدبر على ضوئها، وسيجدون فى ذلك لذة وإشراقًا لا يعدلهما شىء(1).

 

الله جل جلاله

تطور عقيدة الألوهية:

يقول الجاحدون بآيات الله: إن أساس عقيدة الألوهية نوع من "الضعف الإنساني"، استحوذ على الإنسان الأول حين رأى نفسه وحيدًا فى مجاهل هذه الأرض، هائمًا على وجهه بين المغاور والكهوف، يخشى على نفسه الحيوانات المفترسة، ويجد الوحشة والحيرة أمام حوادث الكون الغريبة على سمعه وبصره، ويتلمس النفع والفائدة، وسد حاجته الطبيعية من طعام وشراب ودفء أينما وجد إليها سبيلا. 

ويستشعر الراحة واللذة أحيانًا فى ضروب من الأعمال أو المشاهدات، كما يجد الألم والعناء فى أعمال ومشاهدات أخرى. وكل ذلك دفع به إلى أن يجد الرهبة لما هو أقوى منه، والرغبة فيما يفيده وينفعه، والإعجاب بما يسره ويطمئنه؛ فخضع لهذه المعاني جميعًا، وظهر هذا الخضوع فى صورة عبودية وتأليه؛ فعبد وألّه صنوفًا من الحيوان والنبات، وعبد وألّه مَن هو أقوى منه من بنى الإنسان، وعبد وألّه الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وصنع التماثيل والرموز، واخترع الصور والطقوس ليعبر بها عن هذه المشاعر، وعبد وألّه النار والنور، والخير والشر، وأقام لذلك كله المعابد، وجاء الرسل فاستغلوا فى الإنسان هذا الشعور، ووضعوا له هذه العقيدة فى "الله"، وما هى إلا عقيدة وهمية لا وجود لها ولا حقيقة، وإنما يؤمن بها السذج البسطاء الذين ينخدعون بالظنون، وتروج عندهم الأوهام. 

أما الراسخون فى العلم فى عرفهم، القائمون على دولة المنطق والفكر، المستنيرون بثمرات البحث العقلي؛ فهؤلاء لا يقيمون وزنًا لهذه الآراء، وخصوصًا وأن أحدًا من الناس لم يرَ هذا الإله بعينه، ولم يدركه بإحدى حواسه، والحواس هى وسائل المعرفة والإدراك الذي لا شك فيه.

ويقولون: إن لهذه العقيدة أثرها فى فساد المجتمعات؛ فإنها تعلم الناس الكسل والتواكل، والرضا بالظلم، والصبر على الضيم، وتخدعهم عن حقهم فى الحياة بما تطبعهم عليه من الضعف والاستسلام، وترقب حكم القضاء والاعتماد على القدر، ولهذا أطلق بعض فلاسفة هذه الفكرة المادية الصرفة على العقائد والأديان "مخدر الشعوب"، وجعلوا فى رأس مناهجهم الإصلاحية الاجتماعية أن يحاربوا "الدين"، وأن ينزعوا عقائده من صدور أهله بكل سبيل، وهم بمزاعمهم هذه الباطلة يحاولون أن ينالوا من عقيدة الألوهية الحقة الواضحة فى مصدرها وأصلها، وفى جليل نتائجها وعظيم أثرها، ولن يستقيم لهم ذلك؛ فإنه باطل لا يقوم أمام الحق }بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: 18]، وهو ناموس الوجود الذى لا يتخلف أبدًا }فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً  وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ [الرعد: 17].

لِمَ يكون الوهم ولا تكون الفطرة؟

ونقول لهؤلاء الجاحدين: إنكم حملتم هذا الشعور بالحاجة إلى القوة المساعدة، والإشراقة الهادية، والسكينة المطمئنة إلى الوهم والخيال، ولا دليل لكم على ذلك إلا مجرد التحكم والتلاعب بالألفاظ، ولِمَ لا يكون هذا الشعور هو "فطرة الإنسان" التى فطره الله عليها، وهي حقيقة لا وهم معها ولا خيال؟ 

فللإنسان مطالبه المادية التى يقوم عليها وجوده البدني، وله كذلك مطالبه النفسانية التى يتم بها كيانه الروحي، وهذه الغرائز من الخوف والخشية، والعواطف من الحب والإشفاق، والمشاعر من اللذة والسرور هى وسائله إلى هذا الرقى النفساني الذى لا يبلغ الإنسان مدارج الكمال فيه إلا إذا عرف "الله" }فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: 30-32].

دليل الفطرة أول الأدلة:

إن هذا الشعور الذي يراه الجاحدون دليلا على الإغراق فى الوهم يراه المؤمنون أول الأدلة على وجود الله -تبارك وتعالى- وعظمته، وتأصل الاعتقاد بذلك فى نفوس البشر أجمعين إلا من انحرفت فطرتهم، ومرضت قلوبهم؛ فضلوا عن السبيل، كما يرونه كذلك النبع الصافي لمعرفة الله.

قد يختلف البشر فى تصور العقيدة فى "الله" -عز وجل-، ولكنهم لم يختلفوا فى القديم ولا فى الحديث فى الإيمان بوجوده وعظمته، وضرورة معرفته والاتصال به.

وإن الجماعة البشرية التى يبلغ تعدادها اليوم 1500 مليون من الأنفس لا تخلو حياة أمة من أممها عن مراسيم العبودية "لله"، كائنة ما كانت هذه المراسيم والطقوس.

وإن تاريخ هذه الأمم جميعًا لم يخلُ يومًا من الأيام من هذه العقيدة، وإن لغات العالم فى القديم وفى الحديث على اختلاف لهجاتها واشتقاقاتها لم تهمل التعبير عما يخالج نفوس الناس من العقائد والمشاعر المتصلة بالله؛ فعلى أى شىء يدل هذا كله إلا على أن العقيدة فى الله الخالق العظيم فطرة فى نفوس البشر، فُطر عليها الناس يوم خلقهم، وصدق الله العظيم: }وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: 172].

سأل رجل جعفر الصادق رضى الله عنه عن "الله"، فقال: ألم تركب البحر؟ قال: بلى. قال: فهل هاجت بكم الريح عاصفة؟ قال: نعم. قال: وانقطع أملك حينئذ من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم. قال: فهل خطر ببالك وانقدح فى نفسك أن هناك من يستطيع أن ينقذك إن شاء؟ قال: نعم. قال: فذلك هو "الله". وإلى هذا أشارت الآية الكريمة: }وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: 67]، والآية الكريمة: }هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22].

دليل البداهة:

ولأن العقيدة فى الله -تبارك وتعالى- مصدرها الفطرة الإنسانية أولا ذهب بعض الفلاسفة إلى أن وجوده –سبحانه- وما يتصل بهذا الوجود من معاني العظمة العامة من البداءة التى لا تحتاج إلى دليل، وإنما جاء الرسل، وتنزلت الكتب لتدل الناسَ على ما سوى ذلك من صفات الكمال، وما يجب أن يتنزه عنه الخالق –سبحانه- من صفات النقص التى لا تليق بجلاله، ولترشدهم إلى حقه عليهم، وحدود صلتهم به وصلته بهم. وليس غريبًا أن يصدق العقل الإنساني أو يؤمن القلب الإنساني بشىء بدون برهان؛ فهذا شأنه فى كل المسائل البدهية، وهي أوليات علومه ومعارفه وأحاسيسه؛ فالكل أعظم من الجزء حقيقة مقررة بدون برهان، والواحد نصف الاثنين كذلك، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وقائل هذا القول لم يبعد عن الحقيقة، ولم يجافِ الصواب عند من سلم إدراكه، وصحت فطرته.

من الأدلة على صدق العقيدة فى الله:

على أن الأدلة على صدق العقيدة فى الله -تبارك وتعالى- ووجوده وعظمته، وجميل صفاته، وتقدسه عن كل نقص، واستحقاقه لكل كمال أكثر من أن تحصر، وهي واضحة بينة فى كل صفحة من صفحات هذا الكون، ومظهر من مظاهر هذا الوجود:

تأمل سطور الكائنات فإنها               من الملأ الأعلى إليك رسائل

وقد خط فيها لو تأملت سطرها           ألا كل شىء ما خلا الله باطل

وجود هذه الكائنات على اختلاف طبائعها وخصائصها ونواميسها دليل قاطع على وجود مكوِّنها وقدرته وعظمته، والتناسق العجيب والارتباط الغريب بينها جميعًا وما يعرض لها من اختلاف الخواص والمميزات بالتحليل والتركيب، وتفاوت نسب العناصر والذرات.. دليل على واسع علمه ومطلق إرادته، ومحال أن تكون المادة الصماء أو الصدفة العمياء هى مصدر هذه الحياة النابضة بالحس والحركة، ومبعث هذا التناسب والتناسق بين هذه المكونات، وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شىء }مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتِ [الملك: 3].

من شهادات علماء الكون:

ومن هنا كان علماء الكون من أعرف الناس بالله، وأوثقهم اعتقادًا به، وكانت العلوم الكونية الطبيعية من الوسائل القريبة إلى معرفة الله، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة }أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 27-28].

وذلك على عكس ما يظنه ويذهب إليه أغرار المخدوعين بقشور من المعرفة، وزخرف أقوال تلقفوها عن الملاحدة فى عصر مضى أوانه، وانقضى إبانه، وهذه بعض أقوال أولئك العلماء الكونيين تنطق بالإيمان بالله رب العالمين.

قال ديكارت: "إنى مع شعوري بنقص ذاتي أحس فى الوقت نفسه بوجوب وجود ذات كاملة، وأراني مضطرًا للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته فى ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال وهى الله"، وقال إسحاق نيوتن: "لا تشكوا فى الخالق فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هى قائدة هذا الوجود"، وقال هرشل: "كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية؛ فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده"، وأفاض هربرت سبنسر فى هذا المعنى فى رسالته فى التربية إذ يقول: "العلم يناقض الخرافات، ولكنه لا يناقض الدين نفسه، يوجد فى شىء كثير من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة، ولكن العلم الصحيح الذى فات المعلومات السطحية، ورسب فى أعماق الحقائق براء من هذه الروح. العلم الطبيعي لا ينافى الدين، والتوجه للعلم الطبيعي لا ينافى الدين، والتوجه للعلم الطبيعي عبادة صامتة، واعتراف صامت بنفاسة الأشياء التى تعاين وتدرس ثم بقدرة خالقها، فليس ذلك التوجه تسبيحًا شفهيًا؛ بل هو تسبيح عملي، وليس باحترام مدعى، إنما هو احترام أثمرته تضحية الوقت والتفكير والعمل، وهذا العلم لا يسلك طريق الاستبداد فى تفهيم الإنسان استحالة إدراك السبب الأول وهو "الله"، ولكنه ينهج بنا النهج الأوضح فى تفهيمنا الاستحالة بإبلاغنا جميع أنحاء الحدود التى لا يستطاع اجتيازها، ثم يقف بنا فى رفق وهوادة عند هذه النهاية، وهو بعد ذلك يرينا بكيفية لا تعادل صغر العقل الإنساني إزاء ذلك الذى يفوت العقل.

ثم أخذ يضرب الأمثلة على ما يقول؛ فقال: إن العالم الذي يرى قطرة الماء، فيعلم أنها تتركب من الأكسجين والأيدروجين بنسبة خاصة؛ بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئًا آخر غير الماء يعتقد عظمة الخالق وقدرته وحكمته وعلمه الواسع بأشد وأعظم وأقوى من غير العالم الطبيعي الذي لا يرى فيها إلا أنها قطرة ماء فحسب. وكذلك العالم الذي يرى قطعة البرد (قطعة الثلج الصغيرة النازلة مطرًا) فيرى تحت مجهره (المنظار المكبر) ما فيها من جمال الهندسة ودقة التقسيم لا شك أنه يشعر بجمال الخالق ودقيق حكمته أكبر من ذلك الذي لا يعلم عنها إلا أنها مطر تجمد من شدة البرد.

قصور العقل الإنساني:

والفكر الإنساني بإجماع المفكرين والعقلاء قاصر عن إدراك كنه ما يحيط به من الموجودات الحسية جميعًا، فضلا عن القوى والكائنات التى لا تقع تحت حسه، وإن كان مجبولا على مواصلة البحث والنظر، وتلك هى مهمته ووظيفته التى لا تنفك عنه، ولا ينفك عنها، على أن قصارى ما يصل إليه معرفة بعض المزايا والخصائص والصفات. أما الحقائق المجردة والماهيات البسيطة؛ فلم تقع فى دائرة إدراكه بعد، والذي يقوله الراسخون فى العلم أنها لن تقع فى إدراكه، وأنه كلما حاول بحكم طبيعته الوصول إليها والحصول عليها أفلتت منه، وتركت بين يديه بعض خصائصها وصفاتها.

العقل الإنساني لم يدرك بعدُ شيئًا من حقائق العناصر المبسطة، وكلما أوغل فى الجري وراء حقيقتها انقلبت أمامه إلى مركبات تضاعف جهله بها، وبعد أن كان أمام عنصر واحد يجِدُّ فى البحث عن حقيقته يصبح أمام عنصرين أو أكثر، عليه أن يبحث عن حقائقها من جديد. وقل مثل ذلك فى ماهية القوى الكونية التى تبدو فى الحياة واضحة كل الوضوح بآثارها، مجهولة كل الجهالة بحقيقتها؛ كالكهرباء والمغناطيسية والأثير والجاذبية إلى غير ذلك من الأسماء والألفاظ والفروض والمصطلحات التى اخترعها الفكر الإنساني ليسُترَ بها حقيقة جهله }وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا [الإسراء: 85].

والعقلاء جميعًا متفقون على أن قصور العقل عن إدراك كنه حقيقة من الحقائق أو جهله بها ليس معناه عدمها أو خفاءها؛ فهي واضحة كل الوضوح بآثارها وخصائصها، خفية كل الخفاء بأسرارها ودقائق ماهيتها.

إن الفطرة الإنسانية السليمة تهتف بالإنسان دائمًا وأبدًا أن يتعرف إلى الله، وكل مظاهر هذا الكون وموجوداته بما فيها نفس الإنسان لا تجد أمام الفكر الإنساني أى مجال لإنكار "وجود الله وعظمة الله"، والدلالة الواضحة على "الله"، وإن القلب الإنساني إذا صفا وأشرق تذوق تذوقًا حقيقة لذة الإيمان "بالله". ولقد سئل أحد العارفين عن الأدلة التى أقنعته بالإيمان بالله، فابتسم، وقال: أغنى الصباح عن المصباح، متى احتاج النهار إلى دليل؟!

فقصور العقل الإنساني عن إدراك حقيقة ذات الخالق وصفاته، وقصور الحواس الإنسانية الكليلة عن الوصول إلى شىء من ذلك ليس معناه العدم والجحود والإنكار، وكما سلم العقل الإنساني والحس الإنساني بما لم يدركه من هذه القوى المحيطة به؛ فإن لزامًا عليه أن يسلم برب هذه القوى ويسلم وجهه إليه }وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 71].

أى الطريقين خير؟

وأما أن عقيدة الألوهية كان لها فى المجتمع الإنساني أسوأ الآثار فقول منقوض من أساسه لا يقوله إلا جاهل بتاريخ البشر أو مكابر فى الحق بغير برهان.

وما وقعت هذه المفاسد التى يذكرونها إلا حين ترك الناس هذه العقيدة أو آمنوا بها على غير وجهها، ودواء ذلك الإيمان والعلم وليس الجحود والكفران. إن خلاصة إيمان المؤمنين بالله الحق أنهم موقنون بأن لهم إلهًا اتصف بالكمالات كلها، وتنزه عن النقائص كلها، لا علم أوسع من علمه، ولا قدرة أعظم من قدرته، ولا كمال أفضل من كماله، وهو معهم أينما كانوا يرى ويسمع، ويحصى ما يقولون وما يعملون، وأنه أمرهم بالخير كله لأنفسهم ولغيرهم، ونهاهم عن الشر كله لأنفسهم ولغيرهم، وإن تعرفهم إليه وصلة أرواحهم به هى السعادة كل السعادة والفوز العظيم والنعيم المقيم.

هذا الإيمان هو وحده -ولا شىء غيره- سر حياة الضمير الإنساني، ويقظة الشعور وإشراق الوجدان، وعماد الخلق، ومصدر الفضيلة فى الإنسان، وعن هذا الإيمان وحده تنبعث أكمل الصفات الإنسانية الاجتماعية من الإيثار والتضحية والحب والرحمة وإسداء الجميل، والتعاون على البر والتقوى، واحتمال مشاق الجهاد والبذل فى سبيل الحق والخير، وإقرار المثل العليا فى أرض الله.

ولا يمكن أن يستقيم فرد بغير ضمير ووجدان مشرق، ومحال أن تنهض أمة بغير الحب والتعاون والبذل والإيثار والجهاد.

ومتى فقد الإيمان فقدت هذه المزايا جميعًا، وانقلب المجتمع إلى قطعان من الوحش والحيوان يأكل بعضها بعضًا، ومصداق ذلك فى تاريخ الأمم جميعًا فى القديم والحديث على السواء.

ولم يرَ تاريخ الإنسانية انقلابًا أعظم، ولا إصلاحًا أتم، ولا حضارة أبقى وأخلد من الانقلابات والإصلاحات والحضارات التى قامت على الأصول والقواعد التى جاء بها الأنبياء العظام موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وعصارة هذه الأصول وخلاصتها وأعلاها وأثبتها "الإيمان بالله".. فماذا يريد أولئك الجاحدون أن يفعلوا بأنفسهم وبالناس؟!

القضاء والقدر:

ودعوى أن الإيمان بقضاء الله وقدره مدعاة للتواكل، معينة على الخمول والكسل.. دعوى منقوضة من أساسها كذلك؛ فإن الإيمان بالقضاء والقدر كما جاءت به الأديان السماوية مفروض على المؤمنين فى النتائج لا فى الأسباب؛ فهم مطالبون بالأسباب، مفروض عليهم السعي لها والأخذ بها، مطالبون بعد ذلك بأن يتركوا النتائج لله مدبر الكون الواحد الأعظم.

ومن هنا كانت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر سر عظمة المسلمين الأولين؛ لأنهم أخذوا فى الأسباب، وبذلوا جهدهم فى استقصائها؛ إنفاذًا لأمر الله، ولم يتهيبوا النتائج الضارة المؤلمة؛ رضا بقضاء الله، ففازوا بالحسنيين، وكان أحدهم حين يخرج إلى الجهاد فى سبيل الله لا يبالي أَوَقَعَ على الموت أم وقع الموت عليه، وتأمل قول أحدهم:

أى يومىَّ من الموت أفر؟                يوم لا يقدر أو يوم قُدّر

يوم لا يقدر لا أرهبه             ومن المقدور لا ينجي الحذر

لترى وتلمس أى معنى من معاني البطولة والشجاعة والاستبسال قذفت به فى نفسه عقيدة القضاء والقدر فى الوقت الذي لم يكن لها عنده أى أثر فى إعداد العدة، وتحين الفرصة، والخروج إلى الصف ومقارعة الأبطال.

وما ابتلى الناس بهذا التواكل والكسل إلا يوم آمنوا بعقيدة القضاء والقدر إيمانًا معكوسًا؛ فأخذوا بها فى الأسباب فلم يستعدوا، ونسوها فى النتائج فلم يرضوا، ولا ذنب فى هذا العكس للعقيدة ولا للإيمان.

الإيمان بالله هو الدواء:

وإن الإنسانية الحائرة المعذبة الضالة لن تجد دواءها وهداها إلا فى ظل عقيدة الإيمان بالله، وجميل قول ذلك الفيلسوف الغربي: "لو لم يكن الله موجودًا لوجب علينا أن نخلقه"، وقوله فى عبارة أخرى: "يجب أن يزج فى السجن صاحب أى مدرسة يكون شعارها: لا يعلم الدين هنا"، وليس الدين إلا الإيمان بالله؛ فهل يطلع ذلك الفجر الذي يغمر فيه هذه القلوب الحائرة المظلمة المتعبة ضياء الإيمان بالله، وتطلع عليها شمس معرفته بالدفء والحرارة والنور؟

أخطاء الشعوب فى عقيدة الألوهية وموقف القرآن منها:

جاء القرآن الكريم يثبت فى النفوس عقيدة الألوهية (الإيمان بالله عز وجل) على النحو الذى ذكرناه آنفًا، وسلك إلى هذا التثبيت أقوم السبل وأيسرها، وأكثرها بساطة وسهولة، وألصقها بالفطرة الإنسانية، وأبعدها عن التكلف والتعقيد كما تقدم، كما عُنى القرآن مع هذا التثبيت بتصحيح هذه العقيدة، ونفى الأخطاء والأغاليط والخرافات والأوهام عنها، ومن أجل ذلك عرض لأوهام الشعوب وأخطاء الأمم الماضية، ورد عليها ردًا مفحمًا واضحًا، وحاربها حربًا قوية صارمة، وسد منافذها ومداخلها وذرائعها سدًا محكمًا، ولم يدع فى ذلك زيادة لمستزيد.

وكانت جملة تلك الأخطاء فيما تناوله القرآن الكريم: الوثنية، والتعدد، والشرك، والتبني، وتأليه البشر وغيرهم من خلق الله؛ كالحيوان والشجر والكواكب، وأصلها جميعًا: القصور فى الإدراك والخطأ فى التصور، والغلو فى التعظيم والحب، ومحاولة إبراز خصائص الألوهية ولوازمها وما يتصل بها وتجسيمها فى صور محسة، ثم سوء استخدام هذه الرمزيات الحسية حتى نسى المقصود الأصلي، وانتقلت هذه الخصائص واللوازم إلى تلك الرموز، هذا مع سوء فهم التعبيرات الدينية، أو تحريفها، أو حملها على غير ما تقصد إليه، والتعمق فى الفلسفة النظرية، والاسترسال وراء الافتراضات العقلية بغير برهان واضح أو دليل قائم؛ مما يورط فى تخيل ما تنزه عنه ذات الخالق -جل وعلا- من حلول، أو وحدة، أو اتحاد، أو غيرها من مزالق الآراء، وكثيرًا ما تقع الشعوب فى هذه الأخطاء كلها أو بعضها جملة واحدة؛ إذ إن أحدها كثيرًا ما يستتبع غيره، ويأخذ بعضها بحجز بعض.

قوم نوح:

ذكر القرآن الكريم قوم نوح، وأنهم كانوا يعبدون الأوثان، وذكر من هذه الأوثان: ود: وهو صنم كان لقبيلة كلب بدومة الجندل. وسواع: وهو صنم لهذيل. ويغوث: وهو صنم غطيف من مراد بالجرف. ويعوق: وهو صنم همدان. ونسر: وهو صنم ذي الكلاع من حمير. وقال بعض أهل التأويل: إنهم كانوا قومًا صالحين، فماتوا، فصنع القوم لهم تماثيل يذكرونهم بها، ويرمزون إلى تقديرهم إياهم بوجودها، ثم تطاول عليهم الزمن فنسوا المقصد الأصلي، واعتبروها آلهة تُعبد من دون الله. وجاء نوح عليه السلام ليردهم إلى الله العلى الكبير؛ فلم يسمعوا له ولم يطيعوه فعاقبهم الله. وفى ذلك يقول القرآن الكريم فى سورة نوح: }قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً * مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللهِ أَنْصَارًا [نوح: 21-25].

قوم إبراهيم:

وذكر القرآن الكريم قوم إبراهيم -عليه السلام-، وسجل عليهم عبادة الأصنام والأوثان، وعبادة الكواكب والنجوم والشمس والقمر والبشر أيضًا، ويفهم من الآيات فى ذلك وفى موقف الخليل -عليه السلام- منهم أن ذلك كان أمرًا منتشرًا بينهم متأصلا فيهم، وأنه -عليه السلام- كان قويًا فى دعوتهم إلى توحيد الله، ثابتًا على الحق الذى آمن به، وكُلِّف بتبليغه واضح الحجة والبرهان أمام باطلهم، وأنه كان كثيرًا ما يحرجهم بوضوح محجته، وقوة حجته، وحسن تلطفه، وبديع أسلوبه؛ حتى ضاقوا به ذرعًا، وأرادوا به كيدًا، ولم يجدوا له عذابًا إلا النار؛ فقال بعضهم لبعض: }حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، فقال الله تبارك وتعالى لنارهم: }كُونِى بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: 69].

ورد اسم إبراهيم -عليه السلام- وقصته فى خمس وعشرين سورة من سور القرآن الكريم فى: البقرة، وآل عمران، والنساء، والأنعام، والتوبة، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر، والنحل، ومريم، والأنبياء، والحج، والشعراء، والعنكبوت، والأحزاب، والصافات، وص، والشورى، والزخرف، والذاريات، والنجم، والحديد، والممتحنة، والأعلى، وجاءت على صور مختلفة مفصلة أحيانًا وموجزة أحيانًا أخرى، ومن أروع ما عرضه القرآن الكريم فى ذلك محاجته لقومه فى عبادة الأصنام، وفى عبادة الكواكب، وفى تأليه البشر.

فى سورة الأنبياء ابتداء من الآية 51 إلى الآية 71 عشرون آية تصور أبلغ تصوير محاجة إبراهيم لقومه فى عبادة الأصنام، وكيف انتصر عليهم أروع انتصار، وفى سورة الأنعام ابتداء من الآية 75 إلى الآية 83 ثماني آيات تصور أبلغ تصوير محاجته إياهم فى عبادة الكواكب، وكيف آتاه الله الحجة عليهم فلم يحيروا معه جوابًا.

وفى سورة البقرة من الآية 258 محاجة إبراهيم لهذا الذي ادعى الألوهية تجبرًا وعتوًا، وكيف ألزمه الحجة }فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258].

وفى الآيات 41-50 من سورة مريم تصوير بديع لمحاورة إبراهيم لأبيه ودعوته إياه، ولما كان يحلى به -عليه السلام- من قوة فى الحجة، ووداعة فى الخلق، ولطف فى الأسلوب، وصلابة فى الحق. ولقد ذهب بعض المفسرين إلى أن "آزر" الذي جاء ذكره فى سورة الأنعام ليس اسمًا لأبى إبراهيم، ولكنه اسم لصنم عظيم من أصنامهم التى كانوا يعبدونها، وأن إبراهيم أراد نهى أبيه عن ذلك بقوله: }آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأنعام: 74]؛ أى اترك آزر، ودع عبادته. وذهب بعضهم إلى أن المخاطب ليس والد إبراهيم، ولكنه عمه أو قريب هو منه بمنزلة الوالد، وليس فى هذين القولين ما يباعد بينهما وبين الصحة، بل لعل هناك ما يرجح ذلك إن شاء الله، والله أعلم بالحق فى ذلك.

والذى يتصل بما نحن فيه أن إبراهيم كان دائب المحاربة للأوثان وللأصنام، باللين تارة، وبالشدة أخرى، لا يدع ذلك، ولا يتسامح فيه؛ حتى مع أقرب الناس إليه }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: 4]، }وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ  وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114]، }وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ [العنكبوت: 25].

ومن هنا وصفت ملة إبراهيم بأنها الحنيفية السمحة البريئة من الشرك، ووصف إبراهيم بما جاء فى سورة النحل }إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: 120-121]. ومن هنا صار أبا للمسلمين أى للذين أسلموا وجوههم لله خالصة، وبرئوا من ألوان الشرك وضروبه ولوثاته }مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج: 78].

وكأنما أراد الحق -تبارك وتعالى- أن ينصرف الناس بدعوة إبراهيم وعمله عن الرمزية والوثنية الخاطئة إلى الرمزية البشرية الصحيحة، فعهد إلى إبراهيم -عليه السلام- أن يبنى الكعبة قيامًا للناس، ويرفع قواعد البيت ليكون رمزًا لمشاعر البشر الفردية والاجتماعية، ومثابة لوحدتهم، وأمنًا لخوفهم وقلقهم، لا رمزًا لصفات الإله -جل وعلا- وخصائصه وأفعاله، فصدع إبراهيم بأمر ربه، وكان شعاره هو وابنه إسماعيل وهما يرفعان قواعد البيت هذا الدعاء الكريم الذى مثل التوحيد الخالص }رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: 127-131]. 

ولقد حرص إبراهيم على أن يجعل الإسلام نبراسًا لذريته، وبقية فى عقبه }وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: 28]، }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ [إبراهيم: 35].

قوم موسى:

واستعرض القرآن بعد ذلك رسالة موسى -عليه السلام- للإسرائيليين والمصريين معًا، وكانت مصر حينذاك تمثل جوانب الرقى الإنساني، وأرقى ما فى الحضارة البشرية من علم ومعرفة وهداية ونور، ولم تكن الوثنية ديانة المصريين الأصلية، ولكن أصل ديانتهم التوحيد على ما عرف من كثير من كتاباتهم وآثارهم، وتجدد النهضات الدينية بينهم، ولكن العوامل التى تعدو على المجتمعات والشعوب فى عقائدهم عدت عليهم أيضًا، فانتقل الدين من الوحدانية الخالصة إلى الوثنية بمظاهرها المختلفة؛ فعبدوا الأوثان من التماثيل والمنحوتات، وعبدوا الحيوان كالعجل والجعران، وعبدوا الكواكب كالشمس، وعبدوا الملوك والفراعنة، واعتبروهم آلهة أو أشباه آلهة، وسرت منهم هذه العدوى إلى بنى إسرائيل، وتمكنت من أنفسهم تمكنًا ذريعًا؛ حتى إنهم بعد أن رأوا من آيات الله ما رأوا على يد موسى -عليه السلام- اقترحوا عليه إثر خروجهم من مصر ونجاتهم من الغرق الذى أهلك الله به فرعون وجنوده أن يجعل لهم آلهة لمجرد رؤيتهم بعض الوثنيين يعكفون على أصنام لهم، ولَمَّا تجف أرجلهم من بلل الماء }وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: 138-139].

وقد طاوعوا السامري على عبادة العجل، وخالفوا هارون فى نهيهم عن ذلك بمجرد أن فارقهم موسى -عليه السلام- بعض أيام لميقات ربه }وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف: 148]، ولم تذكر قصة فى سور كثيرة من القرآن الكريم كما ذكرت هذه القصة، وتكررت بأساليب مختلفة؛ وذلك لكثرة ما فيها من عظات وعبر، ولصلتها بالمصريين وهم من أعرق الشعوب فى بناء الحضارة الإنسانية، وبالإسرائيليين وهم علة البشرية منذ وجدوا إلى اليوم رغم ما أنعم الله عليهم به من النعم الحسية والمعنوية، ولكنهم أبوا إلا أن يبدلوا نعمة الله كفرًا، ويحلوا قومهم دار البوار، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ذكر القرآن دعاوى فرعون الطويلة العريضة، وتألهه على قومه }ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى * فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآَخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَّخْشَى [النازعات: 22-26].

وذكر محاجة موسى لفرعون فى كثير من السور، ومن أروعها وأجمعها فى إيجاز ما جاء فى سورة الشعراء من الآية 23 إلى الآية 51، ولقد كانت لموسى مع هذه المهمة الدينية البحتة -مهمة محاربة الوثنية- مهمة أخرى سياسية؛ هى تحرير بنى إسرائيل، وقد كان نجاحه فى الثانية أعظم بكثير من نجاحه فى الأولى، وإن كان الله قد انتقم من الذين لم يؤمنوا به من فرعون وجنوده أفظع انتقام }وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137].

قوم إلياس:

ومما يتصل بقصص بنى إسرائيل فى القرآن قصة إلياس -عليه السلام- مع قومه، وقد كانوا يعبدون "بعلا" من دون الله، وكانت مواطنهم حول مدينة بعلبك، وإلى هذا الصنم نسبت "وبك"؛ معناها البيت فهي بيت بعل، واختلفوا فى بعل هذا، فقالوا: هو صنم، وقالوا: هو امرأة، وقالوا غير ذلك. وعلى كل فقد كانت أولى مهمات إلياس عليه السلام أن يدعوهم إلى الله، وينكر عليهم دعوة بعل هذا }وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: 123-128]، وإنما يتصل ذلك بقصص بنى إسرائيل؛ لأن قوم إلياس بطن منهم، وهو رسول من رسلهم بعد موسى، عليه السلام.

الوثنية فى بلاد العرب:

وكانت الديانة الغالبة فى جزيرة العرب وبخاصة فى مكة وما جاورها ملة إبراهيم الحنيفية السمحة منذ بنى الكعبة، ودعاهم إلى الله، واستوطن إسماعيل هذه الديار، وأصبح أبا العرب المستعربة، ولكنهم بعد ذلك أصابهم ما أصاب غيرهم من عدوى الوثنية، قال الكلبى فى كتابه "الأصنام": "وكان الذى سلخ بهم إلى عباده الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم، وصبابة بمكة؛ فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به؛ كطوافهم بالكعبة تيمنًا منهم، وصبابة بالحرم، وحبًا له، وهم بعد ذلك يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون، ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا (أى استخرجوا) ما كان يعبد قوم نوح -عليه السلام- منها على إرث ما بقى فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنكسون بها من تعظيم البيت والطواف به؛ فكان أول من غيَّر دين إسماعيل -عليه السلام- عمرو بن ربيعة بن لحى أبو خزاعة، مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء حمة، إن أتيتها برئت، فأتاها فاستحم بها فبرئ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستقي بها لمطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة".

ولقد تعددت الأوثان والأصنام ببلاد العرب وقبائلهم حتى كان لكل واحد منهم إله فى منزله فى بعض الأحيان، وكان بعضها من الحجر، وبعضها من الخشب، وبعضها من الشجر، وبعضها من البلح. وربما كان للقبيلة الواحدة إله أو آلهة متعددة، ولم يمنع ذلك من أن يكون هناك أصنام رئيسة تتمتع بالتقديس والتعظيم من كل القبائل أو معظمها، ومن هذه الأوثان:

1-مناة: وهو من أقدم أوثان العرب، وقد يسمون بعبوديته فيقولون "عبد مناة" أو "زيد مناة"، وكان منصوبًا على ساحل البحر الأحمر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظامًا له من الأوس والخزرج؛ حتى كانوا لا يحلقون رؤوسهم بعد الحج، ولا يحلون من إحرامهم إلا عنده، ويرون ذلك من تمام الحج، قال شاعرهم:

إنى حلفت يمين صدق برة               بمناة عند محل آل الخزرج

والعرب تسمى الأوس والخزرج جميعًا الخزرج.

2-اللات: وكانت بالطائف، وهي أحدث من مناة، وكانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق فسميت اللات، وكان سدنتها من ثقيف، بنو عتاب بن مالك، وقد بنوا عليها بناء، وكانت قريش والعرب جميعًا تعظمها، وتسمى بها، فيقولون "زيد اللات" و"عبد اللات"، وهي المذكورة فى قول عمرو بن الجعيد:

فإنى وتَرْكى وصْلَ كأسٍ لكالذى          تبرَّأ من لات وكان يدينها

وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة بعد فتح مكة وإسلام ثقيف، فهدمها، وعفا على آثارها.

3-العزى: وهي أحدث من اللات ومناة، وكان الذي اتخذها ظالم بن أسعد، وكان بواد من نخلة الشامية يقال له حراض، بإزاء الغمر عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، يزورونها، ويهدون إليها، ويتقربون عندها بالذبح، ويسمون بها، وإليها نسب عبد العزى بن عبد المطلب، وهو أبو لهب. وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: "واللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؛ فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي". وكان لها منحر ينحرون فيه هداياهم يقال له الغبغب، وفيه يقول الهذلي:

رأى فزعًا فى عينها إذ يسوقها            إلى غبغب العزى فوضع فى القسم

وكان سدنتها بنو شيبان بن جابر بن مرة من بنى سليم، واختلفوا فى ماهيتها، فقيل صخرة، وقيل بيت، وقيل ثلاث سمرات (شجرات) متشابكة، ولا مانع من أن تكون صخرة فوق هذه السمرات فى هذا البيت.

وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضى الله عنه بعد الفتح أيضًا فأزالها وهو يرتجز:

يا عُزَّ كفرانَك لا سبحانَك        إنى رأيت الله قد أهانك

كانوا يقولون عن هذه الثلاثة: "إنهن بنات الله"، فرد القرآن عليهم هذه الدعوى الكاذبة فى سورة النجم: }أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم: 19-23].

وكان لهم على هذا النحو أصنام كثيرة، منها "هبل" و"إساف" و"نائلة" و"سعد" و"ذو الشرى" و"الأقيصر" و"ذو الخلصة". ومن طرائفهم أن أعرابيًا أتى يستشير ذا الخلصة هذا -وهو مروة بيضاء بتبالة بين مكة واليمن- فى الأخذ بثأر أبيه، وضرب الأزلام، فخرج له القداح الناهي، فغضب، وضرب وجه الصنم بالقداح جميعًا، وهو يخاطبه بقوله:

لو كنت يا ذا الخلص الموتورا            مثلى وكان شيخك المقبورا

لم تنته عن قتل العداة زورا

وبعض المؤرخين ينسب هذه القصة الطريفة لامرئ القيس حين خرج يطلب بثأر أبيه حجر، ويقول: إن امرأ القيس خاطب الصنم حينذاك بقوله: "قبحك الله، والله لو كان أباك ما قعدت من ثأره".

ومن تقرير الحقيقة أن نقول: إن العرب لم يكونوا يؤمنون بالأوثان إيمانًا واضحًا ولا عميقًا، فهم تارة يعتبروها آلهة، وأخرى يعتبرونها بنات الله كما رأيت، وثالثة يقولون إنها وسطاء وشفعاء }مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى [الزمر: 3] أو شركاء فى الألوهية مع استعلاء الله عليهم بالملكية كما يقولون فى تلبيتهم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، وأحيانًا يكفرون بها ويحقرون من شأنها كما رأيت فى قصة ذي الخلصة؛ فلم يكن لهم فيها رأى ثابت واضح.

وهذا ما دعا كثيرًا من عقلائهم إلى التنزه عن عبادتها كزيد بن نفيل، وأمية بن أبى الصلت، وقس بن ساعدة وغيرهم من الحنفاء الذين أنفوا من الوثنية، وتلمسوا طرق الهداية فى غيرها من المعتقدات، ومما ينسبون من الشعر لزيد بن نفيل:

عزلت اللات والعزى جميعًا               كذلك يفعل الرجل الصبور

فلا العزى أدين ولا ابنتيها        ولا صنمي بنى عمرو أزور

ولكن أعبد الرحمن ربى          ليغفر ذنبي الرب الغفور

ومن هؤلاء من أدرك الإسلام ولم يسلم كأمية بن أبى الصلت، ومنهم من أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وبشر بنجاته وفوزه كورقة بن نوفل وقس بن ساعدة(2).

المصادر

  1. مجلة الشهاب – السنة الأولى – العدد 2 – صـ33 : 38 – 1صفر 1367هـ / 14ديسمبر 1947م.
  2. مجلة الشهاب – السنة الأولى – العدد 3 – صـ24 : 32 – 1ربيع الأولى 1367هـ / 13يناير 1948م.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا عن اليمن
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم