كتابات وتفسير الإمام البنا في آيات مختلفة

إعداد موقع الإمام حسن البنا

من صور الخلود فى كتاب الله

فلسطين والحبشة فى آية واحدة

}لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 82-85].

فى العالم اليوم قضيتان كل منهما تشغل بال السياسة وتسترعى التفات العالم؛ هما قضية فلسطين وقضية الحبشة، وقد جمعهما كتاب الله فى آية واحدة، وجلى الحقيقة الواقعة للناس فى صورة موجزة، ولكنها دقيقة واضحة ملموسة.

لمحات من تاريخ المزاج اليهودي:

فى الآية الكريمة وصف للمزاج اليهودي؛ ذلك المزاج المادي القاسي الشديد الذي يعادى الإيمان والمؤمنين، وينفر من دعوة الخير، ويناوئ مظاهر الفضائل، ويقف حجر عثرة فى سبيل التقدم البشرى، ويكون أبدًا لغمًا يتفجر بالدسائس ويثور بالفتن.

كان اليهود قوم موسى فآذوه أبلغ الأذى، وتمردوا عليه أشد التمرد، وهو الذي حررهم الله على يديه، وأنقذهم به من العبودية الشاملة والعذاب الأليم، ووعدهم على لسانه أن يكونوا سادة الدنيا وأئمة الناس، وجعل فيهم به أنبياء وجعلهم ملوكًا، وفضلهم على العالمين؛ فكان جزاء هذا النبى الكريم منهم أن أمعنوا فى إيذائه وتفننوا فى التجني عليه والخروج عن أمره وطاعته، تراهم مرة يقترحون عليه أن يرجع بهم إلى عبادة الأوثان، فيقولون:}اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138].

وتارة يأبون أن يؤمنوا حتى يروا الله جهرة، وتارة ينقلبون بعد إيمانهم كفارًا يعبدون عجل السامري، وتارة يرمونه بالزور والبهتان وهجر القول حتى برأه الله من إفكهم بعد أن ينال الأذى من نفسه فتسمع منه كلمة العاتب الأسيف: }يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ [الصف: 5].

وكانت خاتمة المطاف أن جبنوا عن دخول بلدهم واستعادة وطنهم واستنقاذ أرضهم من أيدي الغاصبين المخربين المدمرين، مع أن الله وعدهم النصر وكفل لهم التأييد، ولكنهم أصروا على موقفهم، وقالوا: }يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: 24]، ففرق الله بينهم وبينه، وكتب عليهم النقمة، وخرج موسى من الدنيا وهو كظيم على هذه الأمة الرعديدة، يتطلع إلى أرض الميعاد من جبل، ولا يجد من هؤلاء الجبناء من ينهض بحق الوطن.

ذلك موقف اليهود من نبيهم، وأما موقفهم من المسيح -عليه السلام- وأنه الصديق فموقف الجحود والإنكار، والتحدي الصارخ، والتجربة تلو التجربة، والدسيسة بعد الدسيسة؛ تارة بينه وبين الشعب، وأخرى بينه وبين الحكومة؛ حتى انتهت هذه المكائد بأن رفعه الله إليه، وأحبط أعمالهم، ورد فى نحورهم كيدهم، وسجل الخزى عليهم: }فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وقولهم: }إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: 157].

حتى إذا بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يؤمنون به قبل بعثه، ويبشرون الناس بنبوته، ويستفتحون به على الذين كفروا، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وكانوا مثال النفاق والإرجاف حتى أذلهم الله وأرغم معاطسهم، وأخرجهم من جوار نبيه }يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الأبْصَارِ [الحشر: 2].

اليهود فى التاريخ الحديث والمعاصر:

أولئك هم اليهود فى التاريخ الغابر. وأما اليهود فى التاريخ الحاضر فهم أبناء آبائهم، أخلاس فتنة، ومواقد شرور، وطعام ثورات، ولقاح دسائس؛ فما من فتنة فى دولة ولا ثورة فى أمة إلا وجدت الأصبع اليهودية من ورائها، تمدها بالوقود، وتعمل على شدتها ومضاعفة أثرها؛ كأنما يريد هذا الشعب أن يثأر من الدنيا كلها لعزته التى أضاعها عناده، وكرامته التى اهتدرتها ماديته، وما ظلمهم "الناس" ولكن أنفسهم يظلمون.

أمعِن النظر فى التاريخ الحديث ترى روسيا وبولونيا وألمانيا وأمريكا وغيرها من دول العالم تضج من دسائس اليهود وتلاعبهم بسياستها؛ حتى دعا ذلك الألمانيين إلى هذا الموقف الغريب من الجنس اليهودي، ومن طالع كتاب "اليهودي المتمول" "لـ فورد" رأى من ذلك الشيء الكثير.

ولقد ضاعف هذا الشر فى المزاج اليهودي أنه لا يقيم للفضيلة وزنًا؛ فكل همه أن يجمع المال كيفما كان، ولو دفع ثمن هذا الجمع من الفضيلة والشرف، وباع فى سبيله مبادئ الأخلاق العالية؛ ولهذا أثروا وافتقر بثرائهم الناس، وتجمع لديهم الذهب الذي يعينهم على قضاء مآربهم، وتحقيق مطامعهم وتلاعبهم بعقول الساسة، وإحباطهم لجهود المصلحين، والفضيلة فى بعض صورها قيد للفاضل، وإن كان أحلى من الحرية وأعذب من الانطلاق.

لقد ضجت كل دولة من دول العالم على سعة أرضها وغناها وثروتها من قسم من هذا الجنس قد لا يتجاوز بضعة آلاف؛ فكيف تستطيع فلسطين ضيقة الرقعة المحدودة الموارد أن تتحمل وحدها شرور هذا الجنس كله مجموعًا من آفاق الأرض؟ إلا أن تكون إنجلترا أرادت أن تعتبر فلسطين جوف القنبلة، لا تزال تحشوه بالبارود والديناميت، وليس بعد ذلك إلا أن تنفجر فيتطاير فى كل ناحية من نواحي الشرق شظية من شظاياها، وتكون أول ضحية لهذه الشظايا مصالح الإنكليز أنفسهم.

إن اليهود فى فلسطين خطر داهم على سياسة الشرق العامة؛ لأن فلسطين قلب الشرق النابض، وموطن مقدسات مسلميه ومسيحيه على السواء. ودسائس اليهود السياسية غير منكورة، مطامعهم فى الوطن القومي غير محصورة؛ فهم لا يقتصرون على فلسطين، ولكنهم سيتحيفون الأرض من كل جانب، وخطر داهم على وحدة العرب فى الشرق؛ لأنهم لا يعيشون إلا فى جو التفريق، ولا يحلو لهم الطرب إلا على نغمات الشقاق، وخطر داهم على أخلاق الشرق؛ فهم قوم خُلُقهم المال، باعوا من قبل آيات الله بثمن قليل، ولا يزالون يبيعون الأخلاق بثمن بخس.

اسمعوا أيها الصهيونيون: لقد أسأتم إلى العالم كله، وأجرمتم فى حق الأمم جميعًا، وإنا ندعوكم إلى التوبة ولا نعاملكم بغير شريعة التوراة؛ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، وأريحوا العالم من ويلاتكم "ذلكم خير لكم إن كنتم تعقلون".

هذا شطر الآية، وله بقية عن عداوة الذين أشركوا، نعلم تفسيرها فى بيان المستر غاندي عقيب إسلام ابنه "عبد الله"؛ ذلك البيان الذي يفيض بالحنق والغيظ، ويرمى بالعداوة والشرر. وشطر الآية الثاني عن المؤمنين فى الحبشة المعاصرة للبعثة، وكيف وجدوا من ملكها وبطانته رقة فى القلوب، واستعدادًا فى الأرواح وحماية المبادئ -العدل والإنصاف- التى كفرت بها أوربا فى هذا العصر، ولعلنا نتحدث عن ذلك فى فرصة أخرى.

وبعد.. أفليس من صور الإعجاز الخالد أن يتحدث القرآن الكريم قبل ألف وثلاثمائة سنة وأكثر عن قضيتي العالم فى هذا العصر، ويجمعهما فى التلاوة من قبل كما اجتمعتا فى الحدوث من بعد }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53](1).

 

بين التضحية والنفعية

} يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ [الأنفال: 1].

الأنفال: الغنائم.

وإصلاح ذات البين: القضاء على أسباب الخلاف والتنازع والشقاق.

ولأصحاب كل دعوة موقفان لا ثالث لهما؛ فهم فى أول أمرهم مجاهدون دائبون على الكدح والعمل، يضحى كل منهم بكل ما يملك فى سبيل إنجاح الدعوة التى آمنوا بها واعتقدوها؛ فهم يخسرون كل شيء ويربحون شيئًا واحدًا؛ هو تثبيت العقيدة، وتوطيد دعائمها. حتى إذا استوثق لهم الأمر، وتمكنوا من أسباب النصر، جاء الموقف الثاني فطالب كل منهم بتضحيته فى الغنيمة التى غنموها، وود أن لو ظفر منها بنصيب الأسد.

وهنا يأتى دور الفضيلة التى اختص الله بها بنى الإنسان، وهنا يُعرَف المجاهدون المخلصون، ويظهر الوصوليون النفعيون. فإذا كانت العقيدة قويمة وجنودها مخلصين لها لا يرون فيها الغناء عن كل ما سواها استوى عندهم العطاء والحرمان، وترقبوا الجزاء الأوفى من هذا الشعور النبيل الأسمى، وكانوا بحق جنود مبدأ لا جنود تجارة وانتفاع ومصلحة خاصة. وإذا كانت العقيدة تزلفًا، وكان الجنود مدخولي الضمائر ضعفاء النفوس تكالبوا على هذا الغُنم؛ فوقعت بينهم البغضاء فيه والشحناء حوله، فهدموا ما بنوا، وتفرقت كلمتهم، وذهبت ريحهم، وانتكسوا وهم أقوى ما يكونون بنيانًا وأعز ما يأملون انتصارًا.

لهذا سد الإسلام باب الانتفاع الشخصي بثمرات الجهاد، وضرب على يد النفعيين بتعاليم قوية؛ فقد طالب بالإخلاص قبل كل شيء، ثم وعد بالأجر الأخروي بعد ذلك، ثم ترك الغنائم للقائد وحده يتصرف فيها كما أمره الله، وحدد له دستور الإسلام ثم "حثهم" على التقوى والإيمان، وعلى الصلاح والطاعة والامتثال، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعملون لله، وما جاد فهو نافلة.

ولقد نزلت هذه الآية الكريمة حين بدا من بعضهم ميل إلى الاستئثار ببعض ما غنم فى غزوة بدر، وكاد الخلاف يقع بينهم، فى ذلك أنزل الله ما أنزل تبيُّنًا لهم وإرشادًا.

وقد روى البخاري فى صحيحه عن بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- أنه قال ما معناه: إنا جاهدنا، وبذلنا، وعملنا؛ فمنا من توفى قبل أن يقبض أجره كمصعب بن عميرt، ومنا من بقي حتى قبض أجره فى الدنيا فهو ينفق منه لنفسه وللناس، ثم يقول هذا الصحابي: والأولون أفضل حالا وأعلى مرتبة، ألا تراه ندم على أنه لم يكن من المجاهدين الذين قضوا كل حياتهم فى الدور الأول من أدوار الدعوة وهو دور الجهاد والتضحية.

وفى هذه الآية الكريمة تنبيه واضح إلى ما يجب أن يكون عليه أصحاب الدعوات من إيثار للتضحية والأخذ بأسباب الوحدة(2).

 

منهاجنا من كتاب الله

}سَبَّحَ للهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الأبْصَارِ * وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر: 1-3].

1- طمأنينة الإيمان:

نزل النبى صلى الله عليه وسلم المدينة محفوفًا بجلال النبوة، مؤيدًا بنصر الله وحياطته، عزيزًا بروعة الدعوة التى جاء بها لإنقاذ البشرية، مسرورًا بمن حوله من أنصار الله وجنوده من المؤمنين الصادقين، يستمع فى لذة واستبشار إلى هذه الأغاني البريئة العذبة والأناشيد المؤمنة الحلوة التى تهتف بها قلوب الجواري والناشئين من أبناء يثرب من حناجرهم:

طلع البدر علينا         من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا               ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا                جئت بالأمر المطاع

نحن جوار من بنى النجار               يا حبذا محمد من جار

هل ترى فى هذا النشيد إلا وضوحًا فى الغاية، وحلاوة فى اللفظ، وبراءة من التكلف، واعتزازًا بالإيمان، وإعلانًا للرجولة، وتقريرًا للدعوة، وترحيبًا بالجوار الكريم صلى الله عليه وسلم؟ هكذا تكون الأناشيد التى تمثل صفاء روح الأمة، وتبعث فى قلوب بنيها الغايات النبيلة، ودعونا من خنوثة مدنية القرن العشرين وما فيها من خلاعة وفجور. واستقر به صلى الله عليه وسلم المقام فى مدينته المؤمنة، وأخذ ينظر فى تنظيم شئون دعوته الشاملة فى هذا المقر الجديد، يؤازره فى ذلك توفيق من الله عجيب وشديد وتأييد وإرشاد سام من الملأ الأعلى، يغدو به جبريل، ويروح بين السماء والأرض.

هؤلاء الأنصار سكان يثرب وأهل السابقة فيها قد وُجِدَ بين قلوبهم الدين الجديد، فدفنوا الخصومات والأحقاد، وأذهب الله عنهم الجاهلية وحميتها الطائشة، فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا. وهؤلاء المهاجرون قد وجدوا فى ظل محبة إخوانهم الأنصار، وما غمروهم به من عواطف الإخلاص العميق والتكرم البالغ ما أنساهم مرارة الاغتراب وغضاضة هجرة الأهل والخلان، فوجدوا فى ظلال النخيل من يثرب المباركة أرضًا بأرض، وخلانًا بخلان، وحبب الله إليهم المدينة، وأذهب عنهم وباءها؛ فكملت لهم النعمة، وتجمعت لهم أسباب الوحدة }هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 62-63].

ولكن إلى جانب هذا الصف المنتظم، وبجوار تلك الكتيبة المؤمنة مواطنون آخرون، لهم حق الجوار، وحق الإقامة، وحق الشركة فى المصالح والأرضين والأموال؛ أولئك هم يهود يثرب من بنى قريظة وبنى النضير وبنى قينقاع، وعلى بعد منهم يهود خيبر ومن والاهم.. هؤلاء اليهود الذين يعتزون بانتسابهم إلى نبى الله إسرائيل، ويفخرون بما ورثوا من تعاليم موسى وهارون، ويترفعون عن الناس بأنهم شعب الله المختار، ويفضلون عرب الجزيرة فى الثقافة والتعليم والمال، وقد نظموا أنفسهم كعادتهم فى منزل ينزلونه تنظيمًا يكفل لهم أن يعيشوا فى كل أمة وهم عنها غرباء، وأن ينتهزوا كل فرصة ليكون لهم الغُنْم وعلى غيرهم الغُرم، ويتربصون الدوائر دائمًا بالأمم والشعوب وإن نعموا بخيرها وعاشوا فى ظلها.

هؤلاء اليهود كانوا يرقبون مبعث النبى الجديد؛ حتى يكونوا أول من آمن به؛ فيسودوا بسيادته، وينبه ذكرهم باتباع دعوته، ويساهمون فى تأييده. فلما جاء، وكان عربيًا ولم يكن إسرائيليا كفروا به، وناهضوا دعوته، وأسرّوا خصومته. ماذا يكون موقف النبى صلى الله عليه وسلم منهم وهو لا بد أن يحدد هذا الموقف تحديدًا واضحًا حتى يتفرغ لما ينتظره من واجبات كبار وأعمال واسعة النطاق؟ وهنا يظهر الخطر فى عدم تجانس الأمة وكثرة الأقليات فيها، وعدم العمل لتوحيد أهدافها حتى تصل إلى غايتها، وما أسعد الأمة المتحدة العناصر المتشاكلة العقائد والآراء والأهداف، وما نصيحة القرآن لأبنائه لو عقلوها }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ [آل عمران: 118-119].

واجه النبى صلى الله عليه وسلم هذه المشكلة؛ مشكلة الأقلية اليهودية من جيران يثرب ونزلائها؛ فكان بين فريقين: فريق المشركين فى مكة، وهؤلاء خصوم ألدّاء، ناهضوا دعوته، وأخرجوه هو وأصحابه من ديارهم وأموالهم وأهلهم، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من أدران الوثنية وعادات الجاهلية. وفريق اليهود فى يثرب، وهم قوم متألِّهون قد ورثوا شيئًا من النبوة والأنبياء؛ فليست الدعوة غريبة عنهم؛ بل كانوا من المبشرين بها والداعين إليها، وهم فى الوقت نفسه ليسوا فى قوة أولئك وهم قد وقفوا موقف المترقب المنتظر، رأى النبى صلى الله عليه وسلم أمام هذا الوضع أن يحالف هؤلاء اليهود، وبخاصة وهو يقدس أنبياءهم، ويشيد بمآثر رسلهم، ويقص عليهم من تاريخهم، ويذكرهم بأيامهم، ويؤكد التوحيد، ويناهض الشرك، وذلك أصل الأديان جميعًا.

فهم والحالة هذه حلفاء طبيعيون لهذه الدعوة لو سلمت نفوسهم من الأهواء والغايات، وساعد على ذلك أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحول فى صلاته إلى بيت المقدس؛ تأليفًا لقلوبهم، وإعلانًا لمسالمتهم، وبيانًا لأن هذه الدعوة الجديدة لن تهدم مجدهم إن اتبعوها؛ بل ستزيد فى كتاب تاريخهم الديني صفحة مجيدة من النور إن آمنوا وأخلصوا. وأنفذ النبى صلى الله عليه وسلم هذه الخطة، وما أحكمها!! فسالم اليهود، وعاهدهم على التعاون التام فيما فيه خير البلد المشترك، وألا يخرجهم من المدينة، وألا يناوئوه فيها حتى يظهر أمر الله، ويقضى الله أمرًا كان مفعولا.

أيد الله نبيه فى غزوة بدر، وأدال للإسلام من خصومه؛ ففرح بذلك بنو النضير من يهود المدينة، وقالوا: "نبى كريم يأتيه الناموس الذي أنزل على موسى، أيده الله، ونصره على قوم وثنيين مشركين". وجاءت غزوة أحد، وكان فيها ما كان من كثرة الشهداء فى صفوف أهل الإسلام، فأثر ذلك فى نفوس اليهود، وقالوا: لو كان نبيًّا لأيده الله ونصره، وَفَاتَهم ما كان فى هذه الغزوة من الدروس العملية الحازمة التى كان لا بد منها لتكوين الأمة الجديدة على أمتن قواعد التكوين، ولكنه الإيمان المتردد الشاكّ، والعقيدة الزائفة المترجرجة، والنفعية القائمة التى تحجب عن القلوب أنوار اليقين وتدع صاحبها متذبذبًا بين الدعوات حائرًا بين الهيئات، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فاللهم أذقنا حلاوة الإيمان، وأسعدنا بكمال اليقين.

 وظن هؤلاء النفعيون الحاسدون أن النصر سيكون لأهل الشرك من بعد ذلك، وشجعهم على هذا منافقو المدينة الآخرون؛ فأوفدوا رئيسًا منهم هو كعب بن الأشرف على رأس أربعين؛ راجعًا بهم إلى مكة يعاهد قريشًا على المناصرة والتأييد، وينقض بذلك عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجت لهم قريش أبا سفيان فى أربعين من رجالها، والتقى الفريقان تحت أستار الكعبة يتعاهدون على الغدر والكفران، ومناهضة دعوة النبى صلى الله عليه وسلم.

 لندع هؤلاء فى مكة يأتمرون، ولنعد إلى يثرب لنرى أثر ذلك فى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته(3).

 

الحاكمية لشرع الله

}فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا [النساء: 65-68].

فى صدر هذه الآية الكريمة أمر من المؤمنين أن يقوموا بالطاعة لله وللرسول ولأولى الأمر منهم، الذين يشاركونهم إيمانهم، ويحرسون دينهم وعقيدتهم، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وإلا انتفت عنهم صفة الولاية إذا خالفوا هذه القواعد؛ لأنهم حينئذ لا يكونون من المؤمنين. ثم بَيَّن تبارك وتعالى أن الخلاف إذا وقع بين الراعي والرعية أو بين ولى الأمر والمأمور رد ذلك الخلاف إلى الله ورسوله، إلى القانون العام، إلى الدستور الخالد الذي تركه فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلى كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم كان الحكم فى ذلك الخلاف لذلك الدستور، فإذا قضى لأحد الفريقين لزمه القضاء.

هذه هى القاعدة المنطبقة التى يجب أن يسلم بها كل مؤمن اعتقد صدق الرسول وأحقية القرآن، سواء أكان حاكمًا أو محكومًا.

ولكن قومًا مرضى القلوب من المنافقين أبوا هذا التسليم، ولجئوا إلى أحكام الجاهلية، وتمردوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، واعترضوا عليهم، فعاتبهم الله عتابًا مرًّا، وبيَّن أن ذلك لا يتفق مع الإيمان؛ فذلك قوله تعالى: } يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ [النساء: 60]. وبيّن أن ذلك هو النفاق الذي يورث الصدود على الهدى، وبين أنهم إنما ينزلون على حكم الله ورسوله إذا كان مفيدًا لهم موافقًا لأهوائهم، أما إذا كان فيه كبح جماح شهواتهم فلا، ثم أرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ما يجب حيال هؤلاء وأمثالهم من عدم الاهتمام بهم مع نفعهم، وبذل النصيحة لهم، والتمسك بما أوحى إليه، ثم بيَّن أن مهمة الرسول تستلزم طاعته، وأقسم تبارك وتعالى بذاته مضافًا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تعزيزًا وتكريمًا. إن الإيمان لا يتحقق لأحد حتى يجعل الرسول أميرًا على نفسه، ويحكمه فيما شجر بينه وبين غيره، ويتقبل حكمه بالرضاء التام والتسليم المطلق بغير حرج فى الصدر ولا غضاضة فى النفس.

حتى ولو كان هذا الحكم قتلا لنفسه أو هجرًا لوطنه وبلده فى سبيل الله، وإن كان لا يصبر على ذلك إلا القليل من المؤمنين، ولقد قال عمر وعمار وابن مسعود وناس من أصحابه صلى الله عليه وسلم: "والله لو أُمرنا لفعلنا"، وكذلك يكون الإيمان. ثم بين تبارك وتعالى أنهم لو أطاعوا لفعلوا الظفر بالأجر العظيم والهداية إلى الصراط، ولكن ذلك خير لهم وأشد تثبيتًا.

ليقرأ إخواننا الذين يعترضون المطالبة بأحكام الله فى أمة تدعى الإسلام، ثم يوردون الشبهات على حدود الله التى أمر بها زجرًا عن المعصية، ومحاربة للجريمة.. 

هل هم لا يزالون بعد هذا مصرين على دعوى الإيمان؟(4)

 

غض البصر

} قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور: 30].

فى الآية الكريمة الأمر بغض البصر؛ وهو خفضه وكفه عن محارم الله تبارك وتعالى، وفيها الأمر بحفظ الفرج؛ وهو صيانته عن غير من تحل له من زوجة أو ملك يمين }إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج: 30-31]. وفى الآية بيان الحكمة فى ذلك؛ وهي أن هذا هو الأزكى والأطهر والأسلم والأخلق بشهامة الرجولة وعفة الإيمان. وفيها التحذير من غضب الله ومقته وعظيم رقابته لخلقه، إن الله خبير بما يصنعون.

أيها الأخ المسلم: هذه العين الباصرة من نعم الله عليك، وتصور أنك فقدتها -أمتعك الله بسمعك وبصرك وقوتك- فماذا يكون حالك؟ وما مبلغ الخسارة العظيمة التى تشعر بها حينذاك؟ هذه النعمة أعطاكها الله لتصرفها فى فائدتك، ولتشكره عليها باستخدامها فى طاعته، ولو شاء لسلب نعمته، ولئن سلب نعمته ليكونن الشقاء فى الدنيا والآخرة.

ثم ماذا تستفيد أيها الأخ من إدامة النظر إلى المحارم، ومن الولوغ فى المعاصي والمآثم! لا شىء إلا تعب القلب، وغماء الضمير، وخسارة المال، وفقدان الشرف، وانهدام الصحة، والابتلاء بالأمراض، ويرحم الله القائل:

وإنك إن أرسلت طرفك رائدًا              لقلبك يومًا أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر              عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنًا طويلا، وترك الخطيئة خير من علاج الداء. وإنك لتديم الالتفات، وتختلس النظرات، والله رقيب عليك، وناظر إليك، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ثم هو محاسبك بعد ذلك على كل ما جنت عيناك، واقترفت جوارحك، إن لم يتغمدك برحمته ويتولَّك بعنايته.

وعن أبى أمامة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة يغض بصره، إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها فى قلبه".

وفى رواية الطبراني: "ينظر إلى امرأة أول رمقة"، وهو المقصود فى الحديث.

وعنه رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لتغضُّنَّ أبصاركم، ولتحفظُّنَّ فروجكم أو ليكفَنَّ الله وجوهكم". فغض يا أخي بصرك، واحفظ فرجك، وغالب نفسك، وفى الحلال مندوحة، وفى العصر فساد، ولتكن داعية الإيمان فى نفسك أقوى من فساد الزمن(5).

 

فرضية الحجاب

}وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31].

غض البصر: خفضه وكفه.

أزكى: أطهر.

الخُمُر: جمع خِمَار؛ وهو ما تستر به المرأة رأسها وصدرها (الطرحة).

الجيب: الشق فى الثوب فوق الصدر.

فى الآية الكريمة لطائف دقيقة، يجب أن ينتبه لها المؤمن الحريص على دينه.

من ذلك أنه أمر المؤمنات بغض البصر، وهو كفُّه عن المحارم، وحفظ الفرج إلا عن زوج، ثم نهاهن بعد ذلك عن أسباب الاختلاط والإغراء جميعًا، ومن ذلك إبداء الزينة، وإذا كان النهى منصبًا على إبداء الزينة فالمراد مواضعها، وإنما جاء اللفظ هكذا مبالغة فى وجوب التحرز والاحتفاظ.

وبعد ذلك بيان من يجوز للمرأة أن تظهرهم على مواضع زينتها، وهم الاثنا عشر صنفًا المذكورة فى الآية، ومنها التابع الصغير أو الذي لا حظ له فى النساء. وليس من هذه الأصناف كما ترى السَّقاء، ولا الخبَّاز، ولا الخادم الكبير، ولا البائع الجوال، ولا أقارب الزوج من أبناء الأعمام والأخوال؛ بل حتى إخوة الزوج أنفسهم كل هؤلاء ليسوا من هذه الأصناف التى يحل للمرأة أن تظهر أمامهم مواضع الزينة من جسمها؛ بل إنما إذا اقتضت الضرورة أن تظهر المرأة أمام هؤلاء فلتظهر مستترة متحجبة، لا يبدو منها إلا الوجه والكفان على الأكثر إذا لم تخف الفتنة.

ومن ذلك تحذير النساء أن يحاولن إظهار ما استتر من زينتهن بضرب الأرجل ونحوه حتى يلفتن نظر من لم يلتفت.

أين هذه الآداب العالية مما نرى فيه نساءنا المسلمات من التبذل والتكشف والاختلاط الشائن؛ بل تَمَادَين إلى ما هو أكثر من ذلك؛ إلى حضور الحفلات والمآدب والمراقصة والمخاصرة، والمبالغة فى التزين للأجانب، وإظهار ما يمكن إظهاره من صنوف هذا التزين لهم. 

وبعد ذلك يزعم كثير من الناس أنهم مسلمون!! اللهم لطفًا(6).

 

سورة الفاتحة"

عاطفة الثلاثاء:

استهل فضيلة المرشد كلامه بحمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله، ثم وجه الحديث للإخوان قائلا: ويأبى الله إلا أن تعلو كلمته، وإلا أن يعود الحق أقوى بما كان متى استمسك به أهله وصبر على بأسائه رجاله؛ لأن الله -تبارك وتعالى- يمتحن عباده المجاهدين }أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142]. وإذا كان المسلمون قد شرع لهم أن يجتمعوا فى يوم الجمعة ليتدارسوا أمورهم ويتعهدوا عواطفهم فإن الإخوان أحيوا هذه الفريضة الكريمة وحرصوا عليها، وزادوا عليها يوم الثلاثاء فجعلوه اجتماعًا لهم، ولا يمكن أن نسمى ما يحدث فى هذا اليوم درسًا أو حديثًا، وإنما نسميه عاطفة دفاقة جياشة. وقد صودرت هذه العاطفة يومًا، لا أقول: صادرتها القوانين، كلا وإنما صادرتها الأغراض والشهوات، وها هى تعود كخير ما تكون فى أقوى صورها وأنصع معانيها؛ فدولة الباطل ساعة، ودعوة الحق إلى قيام الساعة.

وإذا امتد بنا الأمل الواقعي والخيال المشروع إلى وادي النيل وإلى الدول العربية والإسلامية، فوجدنا مثل هذه الجموع تجتمع على كلمة الله وتنبض قلوبها بذكره وتسير على هدى كتابه، عندئذ نرى الدنيا تشرق بنور جديد يحيل ظلال الإنسانية إلى أشعة كلها عدل وحرية ومساواة، وتكون حقائق تطبق على المجتمع، لا مغريات تخدر بها الشعوب وتضلل بها المجتمعات!! ها هو يوم الثلاثاء يعود، وها نحن نلتقي وكأن يد الجوار لم تفرق بيننا إلا كما يمضي الفرق بين ثلاثاء وثلاثاء.

القرآن هو الدواء الشافي:

وهل نتكلم فى سلسلة جديدة؟ وقد لا تكون جديدة عليكم ولكن لا ضير فى تناولها مرة أخرى، وستكون كلماتنا عبارة عن نظرات فى مقاصد كتاب الله الكريم؛ إذ نحن فى أشد الحاجة إلى ذلك؛ لأن الأيام التى تتلو الحروب تكون موسمًا للدعوات؛ لأن هذه المجازر قد غيرت وجه الأرض، فهناك آراء ومبادئ طاحت بها الهزيمة، وأخرى أعزها النصر. وقد يكون من أعجب العجب أن ننتظر من عند غيرنا الدواء مع أن عندنا القرآن الكريم، حبل الله المتين الذي إن تمسكنا به حصلنا على سعادة الدارين. وإذا صح لأوربا أن تتخبط، ولأهل المعتقدات الأخرى أن يضلوا أو ينتظروا تطبيق آراء المجددين ومحاولة السير على نهج المصلحين فلا يصح أبدًا للمسلمين أن يكونوا كذلك؛ لأنهم فى الحقيقة أصحاب النظام الصالح لكل زمان ومكان، وأنهم أولى الناس بالعدل وأجدرهم بالحرية وأحقهم بالكرامة الإنسانية؛ بل إن علينا لمسئولية كبرى لأننا تركنا شعوب أوربا وأمريكا وغيرها لا تسعد بتعاليم الإسلام، ولهم كل العذر من غير شك؛ لأن المتعصبين قد أفهموا سواد عامتهم أن المسلمين إن هم إلا عبدة صنم ضخم اسمه محمد!! وإن هم إلا قطعان من آكلي لحوم البشر فلا عجب إن بحثوا عن الدواء فى كل شىء إلا تعاليم الإسلام، فعلينا أن نحقق معانيه السامية فى نفوسنا ومجتمعاتنا، ثم نصدرها بعد ذلك حتى تعم العالمين.

الفاتحة ومقاصد القرآن:

وسنبدأ بالنظرات فى فاتحة الكتاب؛ لأنها هى السبع المثاني التى استفتح بها هذا الكتاب الكريم، ولأنها ملخص مركَّز لمقاصد القرآن العظيم؛ إذ إن أهم ما يهدف إليه القرآن هو معرفة الخالق -سبحانه وتعالى- ثم معرفة المخلوقين وحقيقتهم، ثم تنظيم الصلة بين المخلوقين والخالق. وقد جمعت هذه المعاني فى الفاتحة؛ إذ أولها تعريف بالخالق –سبحانه- وبرحمته العظيمة ونعمه الجمة الظاهرة آثارها على العالم والثابتة لذات الله سبحانه، وهذه هى فائدة التكرار فى معنى الرحمة. ووسطها يفيد معنى العبودية لله، وأن هذه العبودية توجب التعبد والشكر والارتكان إليه، وفى نهايتها اتجاه إلى الله أن ينظم طريقنا إلى الخير، وأن يفسح سبيلنا إليه وإلى مرضاته.

أما أولها فوضع فيه أن الرحمة أول صفات الله -سبحانه وتعالى- فقال: الرحمن الرحيم، وهنا سؤال: هل البسملة من فاتحة الكتاب أو آية نبدأ بها السور؟ المسألة خلافية، ولكننا لا نرى فى الخلاف سببًا للتفرقة وبذر بذور العداوة والتحزب، وهذه من رحمة الله بنا نحمده سبحانه عليها }الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: 2].

إننا نتجه إلى الله بالشكر على أنه ربانا ورعانا، وهو مالك الملك وبيده كل شىء.

} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4].

إنه سبحانه كما يملك الدنيا ومن فيها يملك الآخرة ويوم الدينونة أى يوم الجزاء.

} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5].

إننا نتوجه إلى الله بالعبادة، وإن الناس جميعًا والنفوس كلها تتجه إلى طاعته وعبادته بالغريزة، لولا الأغراض والجهل والشهوات.

} اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6].

إلى آخر السورة دعاء إلى الله سبحانه أن يجعلنا من الذين بحثوا عن الحق ووجدوه فساروا عليه، فكانوا من الذين أنعم الله عليهم، ولا يجعلنا من الذين بحثوا عنه فلم يجدوه فصاروا من الضالين، ولا من الذين بحثوا عنه ووجدوه ولكنهم عنادًا واستكبارًا لم يتبعوه، فكانوا من المغضوب عليهم. ثم نختم كل ذلك بالتوجه إلى الله بالقبول فنقول: آمين(7).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 11 – صـ1 : 5 – 4ربيع الآخر 1355هـ / 23يونيو 1936م.
  2. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 12 – صـ5 – 29جمادى الأولى 1356هـ / 6أغسطس 1937م.
  3. مجلة النذير – السنة الأولى – العدد 27 – صـ7 : 10 – 13 شوال 1357هـ / 6 ديسمبر 1938م.
  4. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 21 – صـ12 – 22 جمادى الأولى 1358هـ / 11يوليو 1939م.
  5. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 22 – صـ12 – 29جمادى الأولى 1358هـ / 18يوليو 1939م.
  6. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 23 – صـ12 – 7جمادى الآخرة 1358هـ / 25يوليو 1939م.
  7. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 142 – صـ11 – 15ربيع الآخر 1366هـ / 8 مارس 1947م.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا في تفسير آيات سورة الرعد
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا