حقيقة قبول حسن البنا تبرع من شركة قناة السويس

نالت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها أكبر كم من الإشاعات دون غيرها من الحركات الإسلامية بسبب منهجها المعتدل، وفهمها للإسلام بمعناه الوسطي وهو ما أقلق جميع الأعداء سواء الغرب أو أتباعهم من حكام العرب والمسلمين.

التبرع بين الحقيقة والتهويل 

صرح الإمام البنا من خلال كتاباته أن جماعة الإخوان المسلمين لم تقبل أي تبرع من أحد إلا من جيوب الإخوان المسلمين، ما عدا 500 جنيه تبرعت بها شركة قناة السويس لاستكمال مسجد الإخوان بالإسماعيلية حيث قال: (ولعلك تعجب حين تعلم أن جمعية الإخوان المسلمين التي قامت بهذه الأعمال العظيمة لم تأخذ إعانة حكومية مرة من المرات، ولم تستعن بمال هيئة من الهيئات اللهم إلا خمسمائة جنيه تبرعت بها شركة قناة السويس للجمعية بمناسبة عمارة المسجد والمدرسة بالإسماعيلية.

ولعلك تعجب كذلك إذا علمت أن الاشتراك المالي فى جمعية الإخوان المسلمين اختياري لا إجباري، وأن العضو الذي يتخلف عن دفع الاشتراك لا ينقص ذلك من حقوق أخوّته شيئًا) ([1]).

غير أنها تحولت إلى إعانة تلقاها حسن البنا من الإنجليز من أجل إنشاء جماعة الإخوان المسلمين لتكون شوكة في ظهر الحركة الوطنية، وأنها جماعة عميلة للغرب، وأن مؤسسها ماسوني يدعم الصهيونية، وأنه كان ضد القضية المصرية .. إلخ من الاتهامات القديمة الحديثة التي ما زالت صحف وإعلام وكتاب ومفكري النظام العسكري في مصر والملكية الديكتاتورية في الخليج تسعى لتصدير هذه الصورة للشعوب المسلمة.

بل إن أحد هذه الصحف ذكرت أن حسن البنا لم يفصح عن هذا التبرع وأنه تم كشفها من خلال الوثائق التي أفرجت عنها بريطانيا بعد خمسين عامًا، وهو ما أظهر هشاشة كتاب وصحفي الديكتاتور العسكري، كون حسن البنا ذكر هذا التبرع في رسائله مثل رسالة هل نحن قوم عمليون وهي التي صدرت في أغسطس 1934م (يعني بعد نشأة الجماعة بـ6 سنوات فقط)، هذا غير أنه ذكر قصة الـ500 جنيه كاملة في مذكراته المعنونة مذكرات الدعوة والداعية، لكن يبدو أنهم يعتمدون على عدم معرفة الناس للأحداث التاريخية ويسعون لتصدير المشهد على حقيقة غير التي كانت عليه.

لماذا قبل الإخوان هذا التبرع؟

لا ينكر أحد قديمًا أو حديثًا أو مستقبلًا أن الإخوان حصلوا على تبرع من شركة قناة السويس وقدره 500 جنيه لاستكمال المسجد والمدرسة، حيث ذكر ذلك الأمر مؤسس الجماعة حسن البنا، وساق القصة كاملة على حقيقتها وليس كما يحاول كتاب وصحفي الديكتاتور العسكري أن يصدرها للناس، بأن حسن البنا هو من سعى للوصول لرئيس شركة قناة السويس لطلب تبرع من أجل بناء مسجد، حيث لم يذكر أحد هذه الرواية (التي يكتبها هؤلاء دائما ويحاولون تشويه الإخوان بها) بل المعلومات التي وصلت سواء من صاحب القصة الأستاذ حسن البنا، أو ما رصد من خلال بعض الوثائق أن الشركة هي من قدمت تبرع للمسجد، وأن الخلاف بين الإخوان حول قبول هذا التبرع أو رفضه.

فيقول حسن البنا: وقبل أن يتم بناء المسجد بقليل وقد أوشكت النقود المجموعة أن تنفد، وأمامنا بعد مشروع المسجد مشروع المدرسة والدار وهي من تمامه بل كلها مشروع واحد تصادف أن مر البارون دي بنوا مدير شركة القنال ومعه سكرتيره المسيو بلوم فرأى البناء فسأل عنه وأخذ عنه معلومات موجزة، وبينما أنا في المدرسة إذ جاءني أحد الموظفين يدعوني لمقابلة البارون بمكتبه بالشركة فذهبت إليه فتحدث إلي عن طريق مترجم بأنه رأى البناء وهو يود أن يساعدنا بتبرع مالي وهو لهذا يطلب منا رسمًا ومذكرة للمشروع، فشكرت له ذلك وانصرفت ووافيته بعد ذلك بما طلب ومضى على ذلك شهور كدنا ننسى فيها البارون ووعده ولكني فوجئت بعد ذلك بدعوة ثانية منه إلى مكتبه، فذهبت إليه فرحب بي  ثم ذكر لي أن الشركة اعتمدت مبلغ خمسمائة جنيه مصري للمشروع، فشكرت له ذلك، وأفهمته أن هذا المبلغ قليل جدا ولم يكن منتظرا من الشركة تقديره لأنها في الوقت الذي تبني فيه على نفقتها كنيسة نموذجية تكلفها 500000خسمائة ألف جنيه أي نصف مليون جنيه تعطي المسجد خمسمائة فقط، فاقتنع بوجهة نظري وأظهر مشاركتي فيها ولكنه أسف لأن هذا هو القرار، ورجاني قبول المبلغ عل أنه إذا استطاع أن يفعل بعد ذلك شيئا فلن يتأخر، وشكرت له مرة ثانية وقلت إن تسلم المبلغ ليس من اختصاصي ولكنه من اختصاص أمين الصندوق الشيخ محمد حسين الزملوط الذي تبرع وحده بمثل ما تبرعت به الشركة وسأخبره ليحضر لتسلمه، وقد كان وتسلم أمين الصندوق المبلغ، وطبعًا لم يفكر البارون في عمل شيء آخر ولم نفكر نحن في أن نطلب منه شيئًا كذلك([2]).

ما الغرض من التبرع وقبوله؟

يتضح أن حسن البنا لم يسع لدى الشركة ولم يفكر في طلب المساعدة منها، ويبدو أن تبرع الشركة لبعض المؤسسات في مصر كان أمرًا شائعًا والدليل أنه ذكر أن الكنيسة قبلت تبرع كبير، وأيضًا أن هذا التبرع لم يكن غير قانوني لأن الحكومة لم تعاقب عليه الإخوان أو الكنيسة أو غيرهم ممن يحصل على تبرع من شركة قناة السويس، بل إن كثير من المؤسسات والجمعيات كانت تحصل على تبرعات تحت رعاية الدولة.

لم يكن هذا التبرع من قبل الإنجليز لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين فواضح من الكلام أن البارون هو من مر هو ونائبه المسيو بلوم وعرض تبرعه.

أيضًا نقطة مهمة: لم تكن جماعة الإخوان المسلمين بالثقل والوزن الذي يجعل البارون يهابها أو يعرض عليها تبرعًا من أجلها، لكن يبدو أنه كان أمرًا عاديًا من قبل هؤلاء أمام المقدسات الإسلامية والمسيحية كالمسجد والكنيسة.

لو كان الأمر كما يصوره أتباع الديكتاتور العسكري السيسي من أن البنا سعى لذلك فلماذا لم يسع مرة أخرى؟ ولماذا لم يكرر البارون تبرعه مرة أخرى طالما أنه كان من أجل شراء الإخوان.

كما أنهم قالوا إن هذا التبرع من أجل أن يتوقف حسن البنا والإخوان عن معارضة الإنجليز، فهل كان الإخوان يشكلون خطرًا على الإنجليز وهم ما زالوا في شهورهم الأولى.

من المؤكد أن لا الإنجليز ولا الحكومة ولا الملك كانوا يعبئون بالإخوان المسلمين في بداية نشأتهم، ونظروا إليها على كونها جماعة دعوية ليس لها أتباع كثر في بداية أول عام من نشأتها ولا تشكل خطرًا على مصالحهم.

ثم ألم يأت هذا التبرع في إطار حملة تبرعات دعا إليها الإخوان المسلمون لبناء المسجد أم جاء التبرع منفردًا وفي غير مكانه ووقته؟

غير ذلك فقد استلم المبلغ الحاج محمد حسين الزملوط (خال المهندس عثمان أحمد عثمان) وكان أمين صندوق جماعة الإخوان المسلمين، فلو كان الرجل يرى في التبرع شيء مخل (وهو من أشراف الإسماعيلية وأعيانها) لم يكن قد قبل به.

العجيب أيضًا أن هؤلاء الكتاب من أتباع الديكتاتور العسكري يهللون لكل كتاب يكتبه أحد من الغرب وكأنه حقائق مسلم بها لابد أن تؤخذ كونها حقائق، رغم أن كل كاتب يكتب وفق أيديولوجيته وليس بالحيادية التامة في أي مجال.

وغير ذلك لو كان هذا التبرع فيه خلل أيضًا لماذا توسعت الجماعة بهذا الشكل رغم أنها كانت تحصل على تمويلها من أفرادها ولا تعطيهم.

أيضًا يحاول أتباع العسكر أن يهيموا الناس أن الإخوان أرادوا فتح علاقات مع الإنجليز ويغير كلام المستشرق البريطاني "جيمس هيورث دن" مدعين أن الإخوان طلبوا ذلك، رغم أنه وفق ما ذكره المستشرق البريطاني "جيمس هيورث دن" أنه تواصل مع الإخوان بناء على اتفاقه مع السفير البريطاني في مصر، وحينما لم يصلوا لحل مع الإخوان شنوا حربهم عليها فحاولوا نفي البنا إلى قنا وأحمد السكري وكيل الجماعة إلى دمياط، وحينما لم يفلحوا اعتقلوا المرشد العام ووكيله وسكرتير الجماعة العام، وحينما لم يفلحوا حاولوا قتل الإمام البنا بسيارة جيش وتصويرها كأنها قضاء وقدر، وحينما فشلوا حاولوا حل الجماعة بتلفيق قضية عسكرية لاثنين من الإخوان بطنطا إلا أن القضاء أنصف الإخوان، وحينما شعروا بخيبة الأمل ضغطوا على النحاس باشا بعدم ترشح البنا في انتخابات عام 1942م، فهل بعد كل ذلك حدث بين هؤلاء اتفاق؟

خاتمة

حصل الإخوان على تبرع من شركة قناة السويس بادر به رئيس الشركة البارون دي بنوا حينما رأى المسجد، حيث لم يتبرع به زلفى للإخوان الذين لم يكن لهم ذلك في ذلك الوقت، ولربما بسبب نظرته أنها جماعة دعوية وأمددت الشركة بخطيب يعظ الناس في مسجد الشركة، لكن حينما بصر وعي الناس طلبوا من البنا تغييره.

أن جميع تمويل الإخوان على أنشطتهم من جيوبهم الخاصة حتى تنقلات الأستاذ البنا ورحلاته كانت من جيبه الخاص حيث جاء في الحساب الختامي لعام 1944: (تكون نفقات الأستاذ المرشد فى انتقالاته وأسفاره ومستلزمات الدعوة منه على حسابه الخاص، كما هي الآن لا من صندوق المكتب، ولا من سهم الدعوة) ([3]).

والواضح أيضًا أنه منذ 90 عامًا لم يقدم أحد دليل قطعي على تلقي الإخوان تمويل من مؤسسة أو دولة أجنبية، وحينما حاولت الدولة تلفيق قضايا لهم من هذا النوع لم تستطع أن تقدم دليل (رغم امتلاكها كل السبل ومؤسسات الدولة) واحد في القضايا التي اتهم فيها الإخوان.

ولو كانت هناك وثائق تثبت أن الإخوان تلقوا أموالًا من دول أجنبية لكانت المخابرات المصرية كشفتها([4]).

ويقول الباحث أحمد بان: (لو صح وكان هناك تمويل أجنبي تتلقاه الجماعة من الخارج ما كان نظام مبارك - عدوهم اللدود - تركهم بل كان أحالهم واستغلها فرصة ليدخلهم السجون لأنه لا مجال هنا لغض الطرف في هذه الموضوعات لأن كلًا من الإخوان ومبارك كان يتربص بالآخر ومن ثم حاول كل طرف منهما أن يفتح لنفسه مساحة على حساب ضرب الآخر ولو كان موضوع التمويل الخارجي صحيحًا ما سكت نظام مبارك أبدًا([5]).

والحقيقة المؤكدة أن هؤلاء أتباع العسكر يريدون تغييب الحقائق، كما حاولوا اتهام الإخوان أنهم من قاموا بثورة على حكم عبد العزيز آل سعود عام 1926م ولم يلفت نظرهم أن هؤلاء هم إخوان نجد الذين تمردوا على الملك وشنوا عليه حرب شديدة.

أيضًا يريدون إخفاء أن جماعة الإخوان التي كونتها المخابرات البريطانية هي جماعة الإخوان الحرية والتي تأسست عام 1941م تحت رئاسة مس فريا إستارك، أما مستر فاي فكان المراقب العام لإخوان الحرية بمصر، وأصدرت نشرة أسبوعية خاصة بها في 24 جمادى الأولى 1361هـ 9 حزيران/ يونيو 1942م، وكان رئيس تحرير هذه النشرة شفيق رمزي، واتخذت الجمعية مقرًا لها في بيت السناري بشارع الكومي بالسيدة زينب([6]).

 


([1]) مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة هل نحن قوم عمليون.

([2])  حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002، صـ79.

([3])  قانون النظام الأساسي سبتمبر 1945م ص 27.

([4])  صفاء عزب: تمويل الإخوان في مصر.. مليارات الجنيهات من الاشتراكات والخارج والتنظيم الدولي، 2 مارس 2013، https://bit.ly/3F4zJJD

([5])  صفاء عزب: المرجع السابق.

([6])  نشرة إخوان الحرية – العدد 191 – صـ1 – 1 ربيع الآخر 1365 هـ / 5 مارس 1944م.

المقال التالي حقيقة تقبيل الإمام الشهيد حسن البنا ليد الملك عبد العزيز بن سعود
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر