مقالات الإمام حسن البنا عن المغرب

لا شك أن سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924، وانقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى دول ودويلات متناحرة هو من أكبر النكبات التى منى بها المسلمون على مر العصور.

ووصل الحال أن فرضت الدول الاستعمارية ثقافتها وأفكارها وقوانينها على شعوب العالم الإسلامي حتى سادت ثقافة المحتل، وانتشر الجهل، وانسلخ المسلمون من دينهم، وافتتنوا بالغربيين فى أخلاقهم وعاداتهم وثقافاتهم وأفكارهم ونظمهم وقوانينهم.

وهو المشهد الذي لخصه الإمام الشهيد حسن البنا بقوله:( لم يترك قطر من أقطار العالم الإسلامي حتى هيمنت عليه دولة كافرة تحت ألفاظ مبتدعة؛ فهذه مستعمرة، وتلك حماية، وذلك انتداب، وكله بمعنى واحد لا يعنى إلا العبودية).

ولقد اهتم الإمام البنا بدولة المغرب الشقيق وما يحدث فيها من قبل المحتل الفرنسي الذي بسط نفوذه عليها عام 1911م حتى عام 1956م.

حيث اهتم بها في كتاباته واستقبال مجاهديها وعقد المؤتمرات من أجلها والسعي لتحريرها من المحتل الفرنسي.

وهذه بعض المقالات التي كتبها عن المغرب الشقيق والطالب التي طالبها لنيل حريتها.

 

المغرب المجاهد منتصر بإذن الله

لن تكون أندلس ثانية إن شاء الله، مهما حاول الغاصبون واستكبر فى أرض الله المتجبرون. فلقد كانت غفوة من غفوات الزمن، نسى فيها العرب والمسلمون أنفسهم، ونسوا الله فنسيهم، وعاقبهم فى الشرق والغرب بانتقاص أرضهم وتقلص سلطانهم والوقوع تحت حكم غيرهم.

أما اليوم فلا. لقد استيقظ الشعور العربي والإسلامي، وسرى فى العروق والدماء والنفوس والمشاعر سيالا دفاقا غامرا قويا، لا يدفعه شىء ولا يقف فى سبيله شىء. لقد عرفنا أنفسنا، وعرفنا غيرنا، وعرفنا معقد عزتنا وسر ضعفنا، وعرفنا قبل ذلك وبعده "ربنا" الذي بيده ملكوت كل شىء، فلا خديعة بعد اليوم...!

قد يطول بنا أمر الجهاد، وقد يكون جهادا قاسيا مريرا نبذل فيه كثيرا، ونواجه آلاما شدادا، وتأخذنا الزلازل والرجفات حتى يقول المجاهدون: "متى نصر الله".. ولكنا سنرى الفجر، وسنشهد مطلع الصبح ومشرق النور، وسنسمع اللحن الشجي بعد طول العناء ينسكب فى آذاننا حلوا نديا: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة: 214].

يا ويح الإنسانية! فيم كان هذا العناء والبلاء، والدماء والدموع، والعرق والجهاد، إذا لم يستفد الناس من وراء تلك التضحيات عدلا وحرية، وأمنا وطمأنينة، وهدأة وسلاما...؟ وأين العهود والمواثيق، والوعود والآمال العذاب، والمؤتمرات تلو المؤتمرات، والتصريحات بعد التصريحات؟

صدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾[الزمر: 8]. الآن، وبعد أن وجدت فرنسا الجريحة الطريحة تحت أقدام الاحتلال ووطأته شيئا من الراحة والعافية، تصب جام الغضب على المغرب العربي الإسلامي، فتقذف طائراتها وبوارجها الجماهير الهاتفة للحرية، المجاهدة فى سبيل الحق الطبيعي، بالقنابل والنيران، وتصب عليهم وابلا من الحميم والجحيم، وتطاردهم فى كل مكان، وتهاجم قواتها أربعا وأربعين قرية إسلامية، وتعتقل الآلاف من أعضاء الجمعيات العاملة المؤمنة، وتحكم المحاكم العسكرية على عشرات من المجاهدين بالإعدام فى الجزائر -كما صرح بذلك وزير داخليتها- وينسى الجنرال ديجول السجون والمعتقلات والتجوال فى أرض الله، ما آب من سفر إلا إلى سفر، ينشد حرية نفسه وحرية شعبه، ويتلمس النصير والمعين عليهما فى كل أمة، وعند كل دولة.

إلا أن الجنرال ديجول قد وجد المعين والنصير على حقه فى الحياة وحق أمته فى الحرية، وساعدته المقادير فوصل إلى ما أراد. فهلا يجد خمسة وعشرون مليونا من أكرم عباد الله على الله والناس النصير فى إخوانهم العرب والمؤمنين- وهم بحمد الله كثير لم تأكلهم الضبع ولم تنقصهم الأيام؟ وهلا يجد هؤلاء الملايين النصير فى الأمم المتحدة فى أوروبا وأمريكا- وقد كان الجنود المغاربة البواسل فى صفوف جيوشها المحاربة فى إيطاليا، وفى حملة فرنسا نفسها، وفى كل مكان، على حين كان الفرنسيون الأصليون فى صفوف الألمان يقاومون جيوش الحلفاء بكل سبيل...؟!

أغلب الظن أن عرب شمال أفريقية من الطرابلسيين والتونسيين والجزائريين والمراكشيين سيجدون النصير فعلا فى العرب والمسلمين من إخوانهم وفى الأمم المتحدة، وقد حاربوا فى صفوفهم. على أنهم بعد ذلك وقبله، أكرم على الله وعلى الإسلام من أن يدعهم نهب الظلم وطمعة الطامعين. فإن تخلى عنهم جند الأرض فسينصرهم جند السماء: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾[يوسف: 21] ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾[المدثر: 31]، ولن تكون أندلس ثانية بحول الله، ويأبى الله ذلك والمؤمنون.

أيها الإخوان المسلمون. أيها العرب فى آفاق الأرض. أيها المسلمون جميعا. يا من تؤمنون بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن القرآن حق، وأن الأخوة هى لب الإيمان وصميمه، وأن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وبأن المؤمنين فى توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وبأن نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- قد قال لكم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه".

اعلموا أن لكم خمسة وعشرين مليونا من إخوانكم المنتشرين فى خير بقاع أفريقية، على شاطئ بحر العرب، من حدود مصر إلى الدار البيضاء على الأطلس، يستصرخونكم ويهيبون بكم، وينادونكم أن اغضبوا قبل ألا ينفع الغضب...!!

اعلموا هذا ثم اعملوا. أقلقوا الدنيا بصراخكم، وأيقظوا الضمير العالمي المشغول عنكم المخدر بالباطل بتيقظكم، وجاهدوا واحتملوا، فلئن جاهد قوم فى سبيل الباطل الذي لا يغنى عن الحق شيئا، فإن جهادكم هو الحق المحض الذي لا حق سواه، لله وللدين وللوطن وللأخوة. فاعملوا والله معكم قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وتضيع فرصة لم تنتفعوا بها عند سنوحها. ولله الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾[الروم: 4](1).

ذكرى الظهير البربري

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 50]

الإسلام دين قوى عزيز، قوى بكل ما فى القوة من معنى، عزيز بكل ما ينطوي تحت العزة من مظاهر ومقاصد ومستلزمات، الإسلام دين الإيمان الصحيح الصادق، والإيمان الصحيح الصادق أقوى قوة فى الأرض وأقرب سبب إلى السماء، ولن تقف قوة أمام المؤمن، وعلى صخرة الإيمان الخالدة الصامدة تتحطم رءوس الجبابرة والعاتين، وهي هى فى خلودها وصمودها وقوتها وجبروتها لا تتكسر ولا تلين.

والإسلام لهذا المعنى ولأنه دين الإيمان الصحيح الصادق الذي يجعل بين العبد وبين ربه صلة قوية محكمة لا واسطة فيها ولا انفصام لها، لهذا المعنى يبعث فى نفوس المسلمين كثيرًا من الأخلاق الفاضلة ما داموا مسلمين.

إنه يغرس فيهم الشجاعة التى تدفعهم إلى اقتحام الصعاب، والاستهانة بالشدائد، ومقارعة الخطوب فى سبيل الحق حتى تنتصر كلمته وتعلو رايته، وأنت جد خبير بشواهد ذلك من سيرة السلف الصالحين، وإن رجلاً كأنس بن النضر إنما لقى جحفل المشركين وخاض صفوفه حتى أصيب بثمانين جرحًا ما بين طعنة برمح أو ضربة بسيف؛ لأنه مؤمن، وإن امرأة كنسيبة بنت كعب إنما خاضت الوقائع وشهدت المشاهد واخترقت الصفوف وجابهت الأبطال؛ لأنها مؤمنة، وإن قومًا نساؤهم كنسيبة، ورجالهم كأنس بن النضر لحريون بسيادة العالم وقيادة الكون، ولقد كان ذلك فسادوا وأرشدوا وأخذوا بزمام الإنسانية إلى أروع مظاهر الكمال.

وإلى جانب هذا يغرس الإسلام فى نفوس أبنائه الإباء، فهم أحمى الناس أنوفًا، وأمنعهم جانبًا، وأعزهم نفوسًا، لا يقبل أحدهم الضيم ولو خر من السماء أو هوت به الريح فى مكان سحيق، وكيف لا يكون هذا والله يقول لهم: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8]، ونبيهم يناديهم: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منى"، وأمة هذا شأنها لا تلين قناتها لِغامِز، ولا يستقيم أمرها لِغاصِب، وهذا أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيط به أعداؤه، وهو فى قلة من العدد وغربة عن الأهل والولد والدار والبلد فيقاتلهم ما وسعه الجهد، حتى إذا أنسوا منه الكلال بذلوا له الأمان إن هو ألقى إليهم السلم فيقول فى عزة وإباء: "لا أمان عندي لكافر"، وما زال يقاتلهم حتى استشهد، وأرادوا أن يحتزوا رأسه فحماه الله ومنعه فلم ينالوا منه مأربًا.

وإلى جانب ذلك أيضًا يزهد الإسلام أبناءه فى متع الدنيا الزائلة ومفاتنها الباطلة، ويصرفهم إلى الجد، ويوجههم إلى الرسالة العظمى التى وكلها إليهم، تلك هى رسالة هداية البشر، وإرشاد الخلق، وقيادة العالم إلى السعادة الروحية، والكمال الممكن فى الحياة الدنيا وفى الآخرة، ويحثهم على أن يفتدوا هذه الغاية بدمائهم وأموالهم، ويعدهم على ذلك جميل المثوبة وعظيم الأجر.

دين هذه تعاليمه محال أن ينهدم سلطان أبنائه، أو ينال العدو منهم نيلاً، أو يستحكم الأمر فيهم لظالم طاغية، أو مستعمر جشع، عرف أقطاب الاستعمار الأوروبي هذه التعاليم فى الإسلام، ولمسوا فى تاريخه تلك القوة الروحية الجارفة التى تنبعث من خلال سطور القرآن الكريم، فإذا هى للمؤمنين هدى وشفاء، وإذا هى لخصومهم عمى وبلاء، فكان من أهم محاور سياستهم فى البلدان التى يستعمرونها أن يهدموا فيها عقائد هذا الدين، ويطمسوا تعاليمه، ويحولوا بين أهله وبين ثقافته، وكم أهاب دعاتهم بحكوماتهم أن يكون هذا هو الهدف الذى ترمى إليه، وهم يعلمون -إلى جانب علمهم بطبيعة الإسلام- أن الاستعمار الفكري أخلد وأبقى من الاستعمار السياسي، وأن الاستيلاء على القلوب والعقائد أمر له أثره وخطره، على حين أن الاستيلاء على المدن والثغور لا يلبث أن يتقلص ظله.

إذا تقرر هذا علمنا منه السر فى مقاومة دول الاستعمار للإسلام وتعاليم الإسلام، وتشجيعها للمبشرين، ودعاة الإلحاد، وغيرهم فى البلاد التى يوقعها سوء الطالع فى أيديهم.

وهم فى تنفيذ هذه السياسة فريقان: فريق ينفذها فى وضوح وجلاء وعنف وقسوة معتمدًا على جبروته وصولته وسلطانه ودولته. وفريق يتلبث بها ويسترها ويزينها ويسلك بها مسالك الدس وانتهاز الفرص، وإن طال به المدى. وكلاهما خطر على عقائد الأمة وكيانها ومستقبلها، ولقد وضع المستعمرون الفرنسيون نصب أعينهم منذ احتلال المغرب أن ينفذوا هذه السياسة، وأن يصلوا بالأمة المغربية إلى هذه الغاية، غير عالمين أن هذه الأمة العريقة فى الإيمان أعز مما يرومون، وأثبت فى دينها مما يظنون، ولقد ظلت فرنسا تسير الهوينا بخطتها هذه حتى ظنت أن الفرصة سانحة فأصدرت فى 11سبتمبر سنة 1914م قانونًا هو المسمى "ظهير ليوتى" تشجع به الشعب البربري على العودة فى أحكامه إلى عاداته الأولى، والتحلل من أحكام الإسلام، وفى 16مايو سنة 1930م عززته بظهير آخر تخرج به البرابرة من حوزة السلطة الدينية والمدنية لجلالة سلطان المغرب، وتشرع له من النظم ما يقطع الصلة بينهم وبين الإسلام بتاتًا، وترى تبيان ذلك فيما يلى من الكلمات.

كان لهذا الظهير دوى عنيف فى نفوس المغاربة المؤمنين الذين يفتدون دينهم بأرواحهم وأموالهم، وكانت احتجاجات ومظاهرات ووفود ومقابلات ونفى وتغريب وسجن وتعذيب، وكل ذلك وغيره لم يثن الأمة المغربية المجاهدة عن عزمتها ولم ينل من إيمانها، ولا تزال حيث هى صامدة فى وجه الباطل، صارخة بكلمة الحق حتى يأتى أمر الله.

تلك هى ذكرى الظهير البربري التى تألم لها النفوس وتدمى منها القلوب، نتحدث عنها إلى القراء تذكرة لهم بواجبهم نحو الأمة المغربية المجاهدة، التى تربطنا بها أقدس الروابط قاطبة، تلك هى رابطة الأخوة الإسلامية، وتحذيرًا للمسلمين من الوقوع فى حبائل وعود الغربيين، وتبيانًا لهذه النوايا التى ينتويها الغرب للإسلام وأبنائه وتكشف عنها الأيام.

أيها الشرق،

ليس بينك وبين الحرية إلا أن تؤمن بمجدك وتتحرر من هذه المظاهر المادية التى قذفتك بها المدنية الغربية، وتستعذب الجهاد -وإن طال مداه، وتستمسك من الإسلام بحبل متين، وحينئذ يعود إليك زمام القيادة، وتحمل المصباح من جديد لتنير السبيل أمام الإنسانية الحائرة(2).

 

ذكرى الظهير البربري يوم 16مايو

كنت أعددت لهذا العدد من جريدة الإخوان المسلمين بقية المقال الأول تحت عنوان: "إلى أى شىء ندعو الناس"، وبينما أنا أنظر تاريخ صدوره إذ رأيته اليوم السابع عشر من مايو، واليوم السابع عشر من مايو هو اليوم الذي يلي السادس عشر منه، وقد شاءت سياسة فرنسا فى المغرب الأقصى أن تجعل هذا اليوم من كل عام يوم أسى ولوعة وذكريات حزينة أسيفة فى نفس كل مسلم.

إنه اليوم الذي شاءت السياسة الفرنسية بالمغرب الأقصى فيه أن تجرب مرحلة جديدة واضحة فى القضاء على الإسلام، وإزاحة البقية الباقية من تعاليمه بين شعب البربر المجيد القوى الإيمان، وتفجع العالم الإسلامي بتكفير سبعة ملايين من المسلمين.

إنه اليوم الذي شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تكشف القناع عن مراميها ومقاصدها، وتجهر فيه بخطتها من تحويل العالم الإسلامي إلى عالم ملحد خاطئ متهتك مخنث، لا يحفظ دينًا يردعه، ولا يحترم عقيدة تحميه ويحميها.

إنه اليوم الذي شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تهزأ بالإسلام وتعاليم الإسلام ورجال الإسلام ودعاة الإسلام ومقدسات الإسلام ومعاقل الإسلام فى قطر من أشد الأقطار إسلامًا، وأعظمها استمساكًا بدين الله، ظل حينًا من الدهر مشرق شمس المؤمنين، ومقر ملك الموحدين والملثمين، ومحراب المخلصين من عباد الله الصالحين.

إنه اليوم الذي شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تطعن أحكام الإسلام طعنة نجلاء، وتطارد تعاليمه وسلطانه بقوة القانون، وتحت جبروت الحديد والنار، فاستظهرت فيه الظهير البربري، وهو القانون الذي ينص على محو الإسلام وقواعده وبيوته وهياكله من نفوس البربر وآثارهم، بحجة النزول على عاداتهم وتنظيم شئونهم بحسب عرفهم.

إنه اليوم الذي شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تجسم للمسلمين مأساة الأندلس، وتمثل لهم رواية العدوان الصارخ على الفردوس المفقود تبين لهم بالعمل كيف تتحكم القوة فى الضمائر، وتلعب المطامع بالحقوق، وتعبث الأهواء بالكرامات والمقدسات التى لا تجد إلا الحق سلاحًا تركن إليه وتستند إليه.

إنه اليوم الذي يطلع فجره فتخفق له القلوب خفقات اللوعة، وتتوثب معه النفوس توثب الغيظ، ويجد معه فؤاد كل مسلم الأسى والحزن، ويشعر كل شرقي فيه بثقل العبء الذي ألقاه الاستعمار على عاتقه، وضيق الغل الذي طوق به عنقه وغل به يديه ورجليه، وشديد الضغط الذي أحيط به من كل جانب، وعظيم الاستهزاء الذي يقابل به المستعمرون كل صيحة حق من صيحات المسلمين، وكل مطلب عادل من مطالب المهضومين المظلومين، ولابد أن ينشق فجر الحق ويطلع صبح النصر، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.

احتل المستعمرون بلاد الإسلام فجعلوا نصب أعينهم كتم أنفاس المسلمين، وخنق حريتهم، وتهديم ثقافتهم المجيدة وإبدالها بثقافة خليعة مستهترة لا تمت إلى الفضيلة ولا تنتسب إلى الرجولة، وهم يرون أن تعاليم الإسلام وقوة روحانيته وشدة تأثيره، وامتلاك سلطانه للقلوب واستيلاءه على النفوس، وشدة استمساك أهله به حتى أن أحدهم ليفتدي عقيدته بنفسه وماله، ثم لا يرى له بعد ذلك فضلاً، بل يرى الفضل لله الذي هداه للإيمان. يرى المستعمرون كل أولئك أكبر عائق أمامهم يعترض مطامعهم، ويحول دون تحقيق آمالهم وأمانيهم من استغلال الشرق، وإطفاء نور حريته، ودوامه فى أيديهم ضعيفًا مستكينًا مستعبدًا ذليلاً، فعمدوا إلى إطفاء نور الإسلام فصادروا معابده ومدارسه من الزوايا والمكاتب، وصادروا لغته وأقصوها من جميع الأعمال الرسمية وشبه الرسمية، وأوقفوا قضاء مصالح الناس على استعمالهم للغة غير لغتهم ولسان غير لسانهم، وغمروا آدابه وفضائله بسيل من الإغراء بالشهوات والإباحية فى اللذائذ، وإلى جانب هذا غزوا أهله بمدارسهم وبعثاتهم وكنائسهم ومرسليهم رجالاً ونساء، حتى إنك لتمر بالبلد الواحد من البلدان فترى فيه وتسمع: الإرسالية الإنجيلية، وبعثة التبشير الكاثوليكية، والرهبان البيض، والراهبات الفرنسيسكانيات، والإرسالية الأمريكية، إلى غير ذلك من المؤسسات التى قامت فى بلاد الشرق بأموال الشرق، بل إن كثيرًا منها فى بلدان كثيرة يشاد من أوقاف المسلمين، لقتل روح الإسلام فى الشرق، وإضعاف سلطانه عن نفوس أبناء الشرق.

دأب المستعمرون على هذا وغلوا فيه غلوًا كبيرًا، وهم فى ذلك بين متحمس لا يبالي ما يأتى وما يدع، وبين متحمس يسلك إلى غايته سبيلاً سهلة خفية، إلا أنها أبلغ تأثيرًا وأفظع تدميرًا، والويل لمن يجرؤ من كبار النفوس وأحرار الفكر على معارضة هذه السياسة الخاطئة والوقوف أمام تنفيذ هذه المناهج المرسومة، التى يبدأ الخلف الاستعماري فيها من حيث ينتهي سلفه بهمة لا تعرف الملل ولا الكلال.

تلك هى خطة الاستعمار التى جرت عليها دول أوروبا منذ احتلت الشرق نظرها الأعمى وسمعها الأصم، ولكن فرنسا لم يكفها هذا فى بلاد المغرب، وأخذ منها التحمس كل مأخذ فاستصدرت قانونًا تلغى به المحاكم الشرعية، وتصادر به التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وتحول به دون تعلم اللغة العربية، وتغلق به مكاتب القرآن، وزوايا الشيوخ، وتمنع به اتصال المتفقهين والمتنورين بإخوانهم المسلمين، ذلك القانون هو الظهير البربري.

وقد أبى عليها الشعب المغربي المجيد هذا العدوان فقام على بكرة أبيه يحتج احتجاجًا داويًا، ويستنكر ذلك الظهير استنكارًا داويًا، وهب معه العالم الإسلامي من كل صوب يبعث الاحتجاج بعد الاحتجاج، ويرسل الصيحة بعد الصيحة، ولكن فرنسا المستعمرة لم يكن منها إلا التنكيل برجال هذه النهضة المباركة من المغاربة بالوعد والوعيد، والجلد والتهديد، والحبس والتشريد، ومطاردة الطارف والتليد، والإعراض كل الإعراض عن هذه الأصوات المرتفعة من كل مكان من بلاد الإسلام، والاستهزاء بعواطف جميع المسلمين؛ لأن الاحتجاج لا يرد فائتًا، والكلام لا يزيد حقًا.

ولكن بعد كل هذا هل نجح المستعمرون؟

حبذا لو كان كل رأس من كل رءوس الاستعمار يسأل نفسه هذا السؤال، ثم يجيب عنه بينه وبين نفسه فى هدأة من العصبية الحمقاء، وخلوة من المؤثرات الطائشة، وبعد عن المطامع والأغراض، إذن لرأى الجواب واضحًا جليًا بأن حصن الإسلام الحصين لن يندك أمام عدوان المعتدين، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[التوبة: 32]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر: 9]، وإنك لترى الجواب العملي فى مكان آخر من هذه الصحيفة أجاب به الغر الميامين من أبناء الغرب وهدموا به آمال المستعمرين.

أيها المستعمرون من أبناء الغرب،

سيروا فى خطتكم فقد رجوناكم كثيرًا أن تعدلوا عنها فلم تستمعوا، ولقد عرفتمونا بذلك أن حسن الظن ورطة، وأن الكلام لا يصلح حجة، وأن الثقة بكم خدعة، فسيروا فى خطتكم واعلموا أنكم ستجنون ثمرها مرًا علقمًا؛ لأن الأيام دول، والدهر قلّب، والإيمان فى القلوب، والإسلام دين خالد، والمسلمون أشد استمساكًا بدينهم مما تظنون.

وأنتم -أيها المسلمون- اذكروا جيدًا أن خطة المستعمرين فى القضاء على الإسلام واحدة وإن اختلفت أشكالها ومظاهرها، فالظهير البربري فى المغرب، والتجنيس فى تونس، والاستئصال فى طرابلس، والمصادرة فى جاوة، كل أولئك وأمثالها ألفاظ لمعنى واحد هو القضاء على الإسلام، فاستمسكوا بدينكم، ووحدوا صفوفكم، وكونوا أنفسكم، وتعرفوا عدوكم، وتبينوا الشباك المنصوبة لكم ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾[الحج: 40](3).

 

الإخوان يعملون على إطلاق سراح الأمير عبد الكريم الريفي

حضرة صاحب العظمة سلطان مراكش:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: نتشرف بأن نتقدم إلى عظمتكم باسم المركز العام للإخوان المسلمين راجين أن تتكرموا بالتوسط لدى الحكومة الفرنسية للإفراج عن المجاهد الكبير السيد محمد بن عبد الكريم الريفي، ولا ريب أنكم بما لكم من نفوذ ومقام كريم تستطيعون- حين توجهون عنايتكم إلى هذا الأمر- تحقيق الأمل الذي طالما رجوناه، وفى هذا تقدير حق وجزاء عدل للمجاهدين من أبناء شعبكم المخلصين.

وتفضلوا يا صاحب العظمة بقبول فائق الاحترام(4).

الأمير عبد الكريم البطل المغربي المجاهد

الأمير محمد بن عبد الكريم

الباخرة كاتومبا- السويس:

باسم الإخوان المسلمين خاصة والشعب المصري الكريم عامة أرفع إليكم أجمل التحيات وأطيب التمنيات وأخلص معاني التقدير والإجلال. ونسأل الله أن يمن على الوطن الإسلامي الكبير بالحرية والاستقلال.

حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين

دولة رئيس الحكومة المصرية

يرجو المركز العام للإخوان المسلمين أن توفد الحكومة من يمثلها فى تحية ضيف المياه المصرية بالسويس البطل العربي المجاهد الأمير محمد بن عبد الكريم.

حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين(5).

 

مذكرة من المركز العام

جناب وزير أسبانيا المفوض بمصر.

تحية واحتراما. وبعد:

ففي الوقت الذي تقرر فيه حقوق الشعوب التى تجاهد فى سبيل استقلالها وحريتها، يفاجأ العالم العربي والإسلامي بموقف أسبانيا الجائر وأساليبها الرجعية من الحركة الوطنية فى مراكش العربية.

وفى الوقت الذي تدعى فيه أسبانيا صداقة العالم العربي تبرهن على حسن نيتها هذه باعتقال الزعماء وقتل الشباب والرجال.

والإخوان المسلمون إذ يقدمون هذه المذكرة احتجاجا على موقف حكومتكم الرجعى من حركة مراكش الوطنية، يعلنون أن العالم العربي والإسلامي متضامن مع إخوانهم أبناء المغرب فى حركتهم التحريرية ضد كل استعمار أجنبي حتى يحققون أهدافهم الوطنية الغالية.

وفى انتظار تبليغ هذه المذكرة لحكومتكم فى مدريد.

تفضلوا بقبول الاحترام(6).

 

حضرة صاحب الفخامة رئيس الحكومة الفرنسية

بعد التحية: نتقدم إلى فخامتكم باسم المركز العام للإخوان رجاء أن تأمروا بالإفراج عن المجاهد الكبير السيد محمد بن عبد الكريم، حيث أن الحكومة الفرنسية قد أفرجت عن كل المعتقلين فى المغرب وأظهرت استعدادها لاتخاذ سياسة التفاهم والتقرب من البلاد العربية. ولا شك أن الإفراج عن هذا الزعيم الكبير مما يعزز هذه السياسة ويقدم عربونا على صدقها، ويرضى شعور العالم العربي والإسلامي، ولنا كبير الأمل أن تستجيبوا لرجائنا هذا. 

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام(7).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (64)، السنة الثالثة، 17 شعبان 1364ﻫ- 26 يوليو 1945م، صـ(3).
  2. جريدة الإخوان المسلمين، العدد (5)، السنة الثالثة، 11صفر 1354ﻫ- 14مايو 1935م، صـ(3-4).
  3. جريدة الإخوان المسلمين، العدد (3)، السنة الثانية، 3صفر 1353ﻫ- 18مايو 1934م، صـ(1-3).
  4. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (145)، السنة الأولى، 27 ذو القعدة 1365ﻫ- 22 أكتوبر 1946م، صـ(3)
  5. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (330)، السنة الثانية، 10 رجب 1366ﻫ- 30 مايو 1947م، صـ(3)
  6. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (546)، السنة الثانية، 30 ربيع الأول 1367ﻫ- 10 فبراير 1948م، صـ(5)
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (145)، السنة الأولى، 27 ذو القعدة 1365ﻫ- 22 أكتوبر 1946م، صـ(3).
المقال التالي رسائل الإمام حسن البنا إلى زعماء الغرب
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر