رسالة نظام الأسر

الخلفية التاريخية للرسالة

تميزت دعوة الإخوان المسلمين عن غيرها من الدعوات بالوسائل التربوية المتبعة في بناء الفرد والجماعة، وعلى رأس هذه الوسائل تربعت الأسرة لكونها البناء الدقيق للجماعة من الداخل.

اعتمد الإخوان على الوسائل العامة والمفتوحة كالكتيبة والمعسكر التربوي وغيرها، إلا أنه مع أواخر الثلاثينيات بدأ التضيق على الإخوان المسلمين مما اضطر الإمام البنا لتأسس نظام الأسر التربوي ليحتوي كل أفراد الجماعة في منظومة تربوية، وليميز بين الذين أبهرتهم الجماعة وقوتها وبين المخلصين المحبين للعمل لدين الله من خلال الجماعة.

تعرضت الجماعة لمحنة غلق الصحف في بداية الأربعينيات حتى وصل الأمر لغلق جميع الشعب في وزارة النحاس باشا عام 1943م ومن ثم دعا الإمام البنا لتكوين نظام الأسر ليكون عوضا على اللقاء والمؤتمرات العامة، فأصدر في نفس العام رسالة نظام الأسرة.

وإلى نص الرسالة:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه

الأسرة

يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا ويقوى رابطتهم، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات، فاحرص -يا أخي- أن تكون لبنة صالحة في هذا البناء الكريم "الإسلام".

وأركان هذا الرباط ثلاثة، فاحفظها واهتم بتحقيقها حتى لا يكون هذا تكليفًا لا روح فيه:

1- التعارف: هو أول هذه الأركان، فتعارفوا وتحابوا بروح الله، واستشعروا معنى الأخوة الصحيحة الكاملة فيما بينكم، واجتهدوا ألا يعكر صفو علاقتكم شيء، وتمثلوا الآيات الكريمة دائمًا والأحاديث الشريفة، اجعلوها نصب أعينكم، وتذكروا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد".

ولقد ظلت هذه الأوامر الربانية والتوجيهات المحمدية بعد الصدر الأول كلامًا على ألسنة المسلمين، وخيالاً في نفوسهم، حتى جئتم معشر الإخوان المتعارفين، تحاولون تطبيقها في مجتمعكم، وتريدون تأليف الأمة المتآخية بروح الله وأخوة الإسلام من جديد، فهنيئًا لكم إن كنتم صادقين، وأرجو أن تكونوا كذلك، والله ولى توفيقكم.

2- والتفاهم: وهو الركن الثاني من أركان هذا النظام، فاستقيموا على منهج الحق، وافعلوا ما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، وحاسبوا أنفسكم حسابًا دقيقًا على الطاعة والمعصية، ثم بعد ذلك لينصح كل منكم أخاه متى رأى فيه عيبًا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، وليشكر له ذلك، وليحذر الناصح أن يتغير قلبه على أخيه المنصوح بمقدار شعرة، وليحذر أن يشعره بانتقاصه، أو بتفضيل نفسه عليه، ولكنه يتستر عليه شهًرا كاملاً، ولا يخبر بما لاحظه أحدًا إلا رئيس الأسرة وحده -إذا عجز عن الإصلاح، ثم لا يزال بعد ذلك على حبه لأخيه وتقديره إياه ومودته له، حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولاً، وليحذر المنصوح من العناد والتصلب وتغير القلب على أخيه الناصح قيد شعرة، فإن مرتبة الحب في الله هي أعلى المراتب، والنصيحة ركن الدين: "الدين النصيحة"، والله يعصمكم من بعض، ويعزكم بطاعته، ويصرف عنا وعنكم كيد الشيطان.

3 -التكافل: هو الركن الثالث، فتكافلوا، وليحمل بعضكم عبء بعض، وذلك صريح الإيمان، ولب الأخوة، فليتعهد بعضكم بعضًا بالسؤال والزيارة والبر، وليبادر إلى مساعدته ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وتصوروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يمشى أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرًا"، "من أدخل السرور على أهل بيت من المسلمين لم ير الله له جزاء دون الجنة"، والله يؤلف بين قلوبكم بروحه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

أيها الإخوان، في الواجبات التي بين أيديكم إن وعيتموها، والأعمال التي بين أيديكم إن اتبعتموها ما يكفل تحقيق هذه الأركان، فراجعوا دائمًا واجبات الأخ التعاوني، وليحاسب كل منكم نفسه على إنفاذها، ثم ليحرص كل أخ على الاجتماعات المحددة مهما كانت أعذاره، ثم ليبادر كل منكم إلى تسديد ما عليه لصندوق أسرته، حتى لا يتخلف عن الواجبات متخلف، فإذا أديتم هذه الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية، فإن أركان هذا النظام ستتحقق ولاشك، وإذا قصرتم فيها فسيتضاءل حتى يموت، وفى موته أكبر خسارة لهذه الدعوة، وهى اليوم أمل الإسلام والمسلمين.

ويسأل كثير منكم عما يشغلون به وقت اجتماعهم الأسبوعي كأسرة، وذلك أمر سهل ميسور، وما أكثر الواجبات وأقل الأوقات فليكن ما تشغل به الأسرة اجتماعاتها:

1- يعرض كل أخ مشاكله، ويشاركه إخوانه في دراسة حلولها في جو من صدق الأخوة، وإخلاص التوجه إلى الله، وفى ذلك توطيد للثقة، وتوثيق للرابطة و"المؤمن مرآة أخيه"، وحتى يتحقق فينا شيء من مأثور قوله عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

2- مذاكرة حول شئون الإسلام، وتلاوة الرسائل والتوجيهات الواردة من القيادة العامة للأسر، ولا محل في الأسرة للجدل، أو الحدة، أو رفع الصوت، فذلك حرام في فقه الأسرة، ولكن بيان واستيضاح في حدود الأدب الكامل، والتقدير المتبادل من الجميع، فإذا أغلق شيء، أو أريد اقتراح شيء، أو استيضاحه احتفظ به النقيب حتى يرجع إلى القيادة، فقد عاب الله أقوامًا فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ.. ﴾، ثم أرشدهم إلى ما يجب أن يكون فقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].

3- مدارسة نافعة في كتاب من الكتب القيمة، وليحرص الإخوان بعد هذا على تحقيق معنى الأخوة في المجاملات الطارئة، التي لا تحصرها الكتب، ولا تحيط بها التوجيهات، وإن أشار إليها الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: عيادة المريض، ومواساة المحتاج ولو بالكلمة الطيبة، وتفقد الغائب، وتعهد المنقطع.. كلها مما تزيد رابطة الإخاء، وتضاعف في النفوس الشعور بالحب والصلة.

ولزيادة الترابط بين الإخوان عليهم أن يحرصوا على:

1 -القيام برحلات ثقافية لزيارة الآثار والمصانع وغير ذلك.

2 -القيام برحلات قمرية رياضية.

3 - القيام برحلات نهرية للتجديف.

4 - القيام برحلات جبلية أو صحراوية أو حقلية.

5 - القيام برحلات متنوعة بالدراجة.

6 - صيام يوم في الأسبوع أو كل أسبوعين.

7 - صلاة الفجر جماعة مرة كل أسبوع على الأقل في المسجد.

8 -الحرص على مبيت الإخوان مع بعضهم مرة كل أسبوع أو أسبوعين.

المقال التالي رسالة نحو النور
المقال السابق كتابات الإمام البنا إلى الأقباط