كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم

إعداد موقع الإمام حسن البنا

لم يعترض الإمام حسن البنا على العلوم الحديثة التي كانت تدرس في التعليم، لكن طالب وزارة التعليم وشيخ الأزهر بالتوازن بين التعليم الحديث والتعليم الإسلامي الذي يعمد لتغذية القلوب وتزكية النفوس وتحسين الأخلاق وتقوية الانتماء للوطن والحفاظ على هويته.

ولذا انتقد الإمام البنا السياسة التعليمية فى البلاد وبين مساوئها وأضرارها على الأجيال المسلمة، وقدم رؤيته لإصلاح أحوال التعليم فى مصر فكتب عن التعليم الابتدائي والعالي والأزهر والجامعي.

 

ملاحظات حول مناهج التعليم وطرقه

(1) فى مصر اليوم أنواع كثيرة من التعليم: فيها التعليم الأولى الذي يشمل الإلزامي والمشروع والقديم ورياض الأطفال، وفيها الابتدائي والثانوي، وفيها التعليم العالي الذي يشمل الجامعتين الأزهرية والمصرية، وغيرهما من المدارس العالية، وفيها التعليم الخصوصي بأنواعه، ولكن هذه الأنواع جميعًا تبدو مفككة الروابط متباعدة الحلقات غير واضحة الغاية، ولاسيما بعد الإصلاح الحديث وتعديل نظم التعليم، فما صلة الأولى بعضه ببعض؟ وما صلته بالابتدائي وبغيره من أنواع التعليم المصري؟ وما هى الغاية منه؟ وهل تتحقق هذه الغاية بدراسة برامجه الحالية؟ وما صلة المدارس الأولية والابتدائية بالتعليم الخصوصي؟ وما صلة الجامعة الأزهرية وفروعها بغيرها من فروع التعليم ومعاهده؟ كل هذه أسئلة يبدو الجواب عليها غامضًا، وحبذا لو كان هناك دور أولى عام يشمل كل أبناء الأمة، وتكون رياض الأطفال جزءًا منه يخصص لأبناء الطبقة الراقية ومن فى حكمها، ثم يتفرع من هذا الدور المدارس الأولية التى تعد طلبتها للجامعة الأزهرية، والابتدائية التى تعد طلبتها للمدارس الثانوية فالجامعة المصرية، ومن الأولى والابتدائي تستقى المدارس الخصوصية، وعلى كل فليس من مهمتي أن أعالج ذلك وإنما أكله إلى الفنيين من رجال التعليم، مذكرًا إياهم بتلك الضجة التى قامت حول توحيد التعليم الأولى والابتدائي.

(2) ويلاحظ أن فى مصر ثقافات مختلفة تجعل التفاهم بين طبقات الأمة شبه متعذر: فهذا حامل شهادة المدارس العليا لا يستطيع أن يتفهم آراء حامل شهادة العالمية مثلاً وهضمها، والآخر كذلك، وإنما كان هذا نتيجة لسببين هامين: أولهما: تفكك الروابط بين معاهد التعليم. والثاني: تباين المناهج تباينًا تامًا. وحبذا لو عملنا على تقريب مسافة الخلف بين الثقافتين فزودنا طالب المدارس بما يحتاج إليه من الدين واللغة، وزودنا طالب المعاهد بما لابد منه من العلوم العصرية حتى لا يكون التفاوت عظيمًا فى نوع التفكير، وربما حقق الإصلاح الأزهري الحديث الغرض الثاني، فهل لوزارة المعارف أن تعمل على تحقيق الغرض الأول؟

(3) وطول المناهج وكثرة المواد أمر واضح جدًا، وخصوصًا فى المدارس الأولية والابتدائية والثانوية، ونحن بذلك نحاول أن نحشو أذهان التلاميذ بكل شىء ولكنهم لا يتمكنون من فهم شىء. ذلك إلى أن كثيرًا من المواد التى تدرس فى المدارس الابتدائية لا يتناسب مع ميول الأطفال ومداركهم، مع مخالفة ذلك لقواعد التربية الحديثة وقلة جدواه على التلاميذ، ولابد فى وضع المناهج وتخير المواد من مراعاة ميول الطفل ومداركه وصلة المعلومات التى تلقن له بحياته.

يقول الأستاذ (صلى) فى كتابه علم النفس للمدرس: إن من النتائج الجلية القيمة التى أنتجتها تعاليم التربية الحديثة أنه من العبث أن يحاول المدرس الاندفاع بالطفل فى ميدان الدراسة النظرية من نحوية وغيرها، وأن تهذيب الفهم يجب أن يبدأ بتدريب الطفل تدريبًا منظمًا على الملاحظة بالحواس، وأن الوقت الذي يخصص لهذا القسم الأساسي من الأعمال المدرسية يعوضه وزيادة ما يكسبه الطفل من المواد العقلية التى ادخرها، فهذه المواد المدخرة تزيد فى سرعة كل العمليات الفكرية الراقية وتجعل نتائجها أتم وأكثر قيمة.

ويقول الأستاذ وليم جيمس فى كتابه محادثات مع المعلمين فى علم النفس ما ترجمته: "إن عملية كسب المدركات الكلية تسير طبقًا لترتيب غريزي معين، وهناك ميل طبيعي لهضم بعض أنواع الأفكار فى سن خاص، وهضم أنواع غيرها فى سن تال، ففى السبع السنوات أو الثمان الأولى من سنى الطفولة يكون أكثر اهتمام العقل بالخواص المحسوسة للأجسام المادية، وأكثر الغرائز نشاطًا هى الغريزة الإنسانية، وبطرق الأجسام ونشرها بلا انقطاع، وبإلباس الدمى الصغيرة ثم نزع ثيابها، وبتركيب الأشياء بعضها مع بعض ثم فصلها، لا يدرب الطفل فقط عضلاته على التوفيق بين حركاتها، بل هو فوق ذلك يكدس مقدارًا من المدركات الطبيعية يبقى طول حياته أساس معرفته بالعالم المادي"، ويقول: "عليك بتغذية الآدمي الناشئ بتجارب من النوع الذى يظهر شغفه الطبيعي به من سنة لسنة، وإذ ذاك ترى أنه ينسج لنفسه متى شب نوعًا قويًا من النسيج العقلي، ولو أن عمله قد يبدو مضيعة للوقت فى أعين أولئك القوم الذين لا يرون سبيلاً للعلم غير الكتب والمعلومات التى تنقل باللفظ".

ومن ذلك نعلم أن طول المناهج واكتظاظها بالمواد النظرية لا يفيد التلميذ كثيرًا، وأن الطريقة المثلى فى إفادة التلاميذ وتثقيف عقولهم اختصار هذه المناهج وحذف المواد التى لا تتصل بحياة الطفل، والتي لا تقوى سنه على إدراكها، واستبدال المواد العملية بها كالأشغال وفلاحة البساتين وما إليها، ويجب أن تحذف اللغة الأجنبية من مدارس الأطفال، ولا يبدأ فى تعليمها إلا بالمدارس الثانوية؛ فإن الطفل الذى لا تقوى مداركه على فهم العلاقة بين الاسم والمسمى فى لغته -والذى هو فى حاجة إلى دراسة لغته وتفهمها- لا يستطيع بحال أن تجمع إليها لغة أخرى بعيدة كل البعد عن بيئته وحياته.

فى فرنسا تبدأ دراسة اللغة الأجنبية عادة فى الفرقة السادسة التى توازى الأولى الثانوية عندنا، وفى إنجلترا ينصح معظم الكتاب فى التربية بعدم البدء فى تعلم اللغة الأجنبية قبل سن الحادية عشرة، وقد أصبحت اللغات الأجنبية اختيارية فى امتحان الدخول للجامعات، والامتحان فيها لمن يختارونها لا يخرج عن ترجمة قطعة سهلة، وكتابة موضوع إنشائي قصير فى غرض متناه فى البساطة، فهل نحن خير من هؤلاء فى ذلك؟ إننا لا نقول بعدم تعلم اللغة الأجنبية، بل ذلك من أمس الضروريات لنا، ولكن دراستها للطفل الصغير يجهد عقله كل الإجهاد، ويضيع عليه فرصة عظيمة من المواد الأخرى التى يحتاج إليها عقله الصغير، ويسند بعض كتابنا قصور متعلمينا فى اللغة الأجنبية إلى هذا البدء المبكر فينشأ الطفل على كراهة هذه اللغة وعدم إساغتها، وما أظرف قوله فى ذلك: إننا نكلف طلبتنا أن يقرؤوا شكسبير وماكولى وبيكون، ولكنا انتهينا دائمًا بأن نكتشف أن الطالب لا يستطيع فهم روبنصن كروزو ولا يجيد كتابة خطاب إنجليزي إلى تاجر يشترى منه قميصًا، فخير لنا وللطفل إذن أن نؤخر دراسة اللغة الأجنبية حيث يشب عقل الطفل ويقوى، ونعوضه عنها بما هو خير له وأنفع.

وطول المناهج كثيرًا ما يؤدى إلى أن يمر المدرس بالمسائل مر السحاب دون بحث أو تمحيص حتى يتمكن من إنجاز المنهج، بل قد يتخطى بعض النقط أو يترك جزءًا عظيمًا بدون تدريس مطلقًا، وهو معذور فى ذلك، ويكون نصيب التلميذ من كل ما يدرس من العلوم حفظ قشور ينساها بمجرد خروجه من المدرسة دون أن تتربى عنده ملكة الفهم والبحث، ولعل هذا هو السبب فى أن كثيرًا من خريجي مدارسنا العليا يحفظون كثيرًا من نظريات العلوم وقوانينها دون أن يستطيع أحدهم إجراء تجربة تؤيد ما حفظ. حقًا إن بالمدارس المعامل الكافية لإجراء التجارب اللازمة ولكن أين الوقت الذي يسمح بشرح النظرية وإجراء التجربة واستيفاء المنهج؟ ولقد كانت هذه الدراسة النظرية سبب تأخر الأمم اللاتينية عن الأمم الأنجلوسكسونية التى أخذت بالدراسة العملية، وقد أفاض فى ذلك جوستاف لوبون وإدمون ديمولان فى كتابه "سر تقدم الإنكليز السكسون" وكتابه "التربية الحديثة" بما لا يدع مقالاً لقائل، فرجاؤنا إلى الوزارة العاملة أن ترحم المدرسين من عبء وطول المناهج، وتدع لهم الوقت الكافي لإفادة تلاميذهم إفادة عملية حقيقية.

(4) نرجو أن تهتم الوزارة بالتعليم الديني الاهتمام اللائق بأثره فى تهذيب النفوس وتطهير الأرواح، وتجعله كمادة أساسية يتوقف عليها ثلث التربية الكاملة وهى التربية الخلقية، فلا يكاد الدين يدرس فى مدارسنا إلا فى السنوات الأولى والثانية والثالثة الابتدائية، وله حصة فى الأسبوع فى المدارس الثانوية وقد نما عقله وقوى إدراكه وانبعثت عاطفته، وأصبح فى دور المراهقة والبلوغ أحوج ما يكون إلى الوازع الديني الذى يعصم نفسه ويحول بينه وبين الفساد الخلقي، وهو فى هذه السن عرضة للشكوك والتقلبات الفكرية، فهو أحوج إلى ما يبث فى نفسه عقيدة دينية صحيحة. نعم إن لدراسة الدين فى المدارس الابتدائية أهمية وخطرًا، ولكن أهميته العظمى وفائدته الجلي فى المدارس الثانوية حتى يستطيع التلميذ أن يقمع بدينه عاطفته الثائرة وعقله الوثاب، ويلزمهما حد الفضيلة والكمال، وحبذا لو قررت الوزارة زيادة الحصص فى المدارس الثانوية، وقررت ذلك فى المدارس العالية وجعلت منهج الدين يشمل جزءًا من القرآن يحفظ بعد تفهمه وإدراك حكمة التشريع فيه، وأصبح الدين مادة أساسية يتوقف عليها النجاح، وجعلت له درجات تحريرية وامتحانًا تحريريًا أسوة بباقي المواد، ولا تعجز الوزارة عن إيجاد حل يوفق بين هذه الأمنية وبين اختلاف أديان الطلبة، فليكن الامتحان الديني خاصًا وإن كان يتوقف عليه نجاح التلميذ أو رسوبه.

وهناك مشكلة لابد أن تفكر الوزارة فى حلها وهى مشكلة تحفيظ القرآن.

كانت المكاتب القديمة تقوم بهذه المهمة، ويتخرج فيها طائفة من الأمة تحفظ القرآن الكريم، ولكن هذه المكاتب تنقرض بانتشار التعليم الإلزامي والابتدائي فأين يحفظ القرآن؟ المدارس الإلزامية لا تعنى به ولا تتسع له، والمدارس الأولية تنقرض هى الأخرى، والابتدائية لا تدرسه ويقولون: إن هناك قسمًا يسمى بقسم الحفاظ، ولكنا لم نعلم نظامه ولا نتيجته ولا مبلغ الإقبال عليه، على أن تحفيظ القرآن فى السن المبكرة قضية فيها نظر، فما هو موقف الوزارة أمام هذا الموضوع الهام؟ لا نريد أن يكون كل متعلم فى الأمة يحفظ القرآن فإن هذا لا يتفق مع نشر التعليم الإجباري، ولكن الذي نريده هو أن يحفظ كل متعلم جزءًا من القرآن، وأن تكون هناك طائفة كثيرة تحفظ القرآن كله. فلتفكر الوزارة وفضيلة الأستاذ الكبير شيخ الجامع الأزهر تفكيرًا جديًا فى هذه النقطة الهامة.

(5) ومما يلاحظ بجلاء فى مناهج التعليم عدم إعطاء التاريخ الإسلامي القسط الكافي من العناية، نعم إن المدارس الابتدائية عندنا تدرسه ولكن بطريقة غير مجدية، إذ يحفظ التلميذ بضعة أسطر من إملاء أستاذه، وفى المدارس الثانوية والعالية حتى التى يتخصص طلبتها بالتاريخ لا تتوفر العناية بهذه المادة الهامة، التى يقدر المربون جميعًا مبلغ فائدتها العالمية والتهذيبية، وكل جهود طلبتنا منصرفة إلى تاريخ أوروبا، ونحن لا نريد أن يمنع تدريس تاريخ أوروبا ولكن نود أن تكون دراسة التاريخ شاملة لدراسة التاريخ الإسلامية بطريقة واسعة مجدية.

(6) وبما أن المدرسة هى معهد التربية، والتربية تعليم وتهذيب، فيجب على المدرسين أن يعنوا بالجانب الخلقي التهذيبي من أبنائهم، وأن يبثوا فى نفوسهم روح الفضيلة، ولا يقصروا جهودهم على تلقين العلوم وشرحها، وليربوا فى نفوس تلامذتهم حب العلم والشغف به حتى يشغلوا وقت فراغهم بعد التخرج فى المدرسة بالبحث والاستقصاء، وإن فريقًا من شبابنا يودع العلم بوداع المدرسة، مع أن المدرسة لا تزوده من العلم إلا بالمبادئ التى تمكنه فيما بعد من التبحر والاختصاص.

نكتب هذه الملاحظات والمناهج المصرية الحديثة لا تزال "مؤقتة" ويد "الإصلاح" فى الوزارة تتناول كل شئون التعليم، راجين ألا يكون الإعجاب بثقافة الغرب وروحه العلمية داعيًا لنا إلى الجري وراءه وتقليده تقليدًا مطلقًا، فإن الغرب يحافظ على روحه، وإن لنا روحًا علينا –أيضًا- أن نحسن المحافظة عليها. والله لا يضيع أجر المحسنين(1).

 

أنجع الوسائل فى تربية النشء تربية إسلامية خالصة

1-أثر التربية فى حياة الأفراد والأمم

أيها السادة، 

أرأيتم بقعة من أديم الأرض أهملت فأنبتت الشوك والسعدان وصارت قفرًا بورًا لا تنبت زرعًا ولا تمسك ماء.

وأخرى تعهدها زارع ماهر بالإصلاح والحرث فإذا هى جنة يانعة تنبت من كل زوج بهيج.

ذلك مثل الأفراد والأمم إذا أهملها رجال التربية ولم يعنوا بوسائل إصلاحها ورقيها، وهذا مثلها إذا قاموا عليها بالرعاية وساروا بها إلى غاية.

فالتربية الصحيحة تهيئ الفرد للعيشة الكاملة، وتصل بجسمه وروحه إلى الكمال الإنساني، وترشده إلى حقوقه وواجباته، وهي لهذا أكبر مؤثر فى حياة الأمم، وعليها يتوقف مستقبلها، وعنها تنتج عظمتها وسقوطها.

فى الكون كل وسائل السعادة للبشر أودعها الله فيه يوم أبدعه، ولا ينقص الناس إلا أن يتعرفوا هذه الوسائل، ويهتدوا إلى الطريق الموصل إلى استثمارها على وجهها ليحيوا حياة طيبة فى الدنيا والآخرة.

علمت ذلك الأمم الحديثة، فكان أول ما تهتم له فى مناهجها الإصلاحية "التربية" تحديد غايتها وتعرف أقرب الوسائل للوصول إلى هذه الغاية.

أراد فريدريك الأكبر مصلح بروسيا العظيم أن يصل بأمته إلى أوج العظمة، فوجد أن أقرب الوسائل لذلك إصلاح التربية بإصلاح أهم وسائلها وهى "المدارس"، فأصدر قوانينه المدرسية العامة فى سنة 1763ميلادية. "وهنا يحسن أن أذكر حضراتكم بأن التربية أمر يشمل كل المؤثرات فى حياة الشخص، وأن التعليم وسيلة من وسائل التربية فقط، ولما كان أهم وسائلها كان مرادفًا لها فى أذهان الكثيرين، فنحن حينما نقول: "التربية" نقصد بها ذلك المعنى الأعم الذى يشمل التعليم وغيره من وسائلها". 

وقد ذكر الباحثون فى حياة الأمم أن السر فى نشاط الإنجليز وعظمتهم ما اختطوه لأنفسهم من طرق التربية الصحيحة بفضل رجالهم المربين أمثال سبنسر وهكسلى وتشارلس إليوت وغيرهم من القدماء والمحدثين. وهذا إدمون ديمولان العالم الاجتماعي الفرنسي العظيم يهيب بأمته أن تفكر فى سبيل إصلاح التربية معتقدًا أن نقص التربية وفسادها هو السبب الأول فى كل ما يعرض للأمة من الآلام والأزمات، وإن فى إصلاح التربية وتكميلها علاج كل ذلك.

وما أبعد نظر ذلك الطبيب الذى ترك الطب واشتغل بأمور التربية ومعالجة مسائلها، فلما سئل عن ذلك كان جوابه: وجدت بالاستقراء الدقيق أن معظم أسباب العلل الإنسانية – الجسمية والنفسية – يرجع إلى نقص فى التربية فآثرت أن أستأصل الداء من جذوره باستئصال سببه الأول على أن أقضى الوقت فى علاج ما ينجم عن هذا السبب، والوقاية خير من العلاج، ولا أشك أنى بذلك أقوم بخدمة أعظم للإنسانية بقدر ما بين طب الأمم وطب الأفراد.

وقديمًا قال الإمام الغزالي: "وكما أن البدن فى الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم.. والصبي مهما أهمل فى ابتداء نشوئه خرج فى الأغلب رديء الأخلاق كذابًا حسودًا سروقًا نمامًا لحوحًـا ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب".

ومن ذلك -أيها السادة- ترون أن التبعة الملقاة على عاتق المربين عظيمة؛ إذ إن بيدهم تشكيل نفسية الأمة ورسم حياتها المستقبلة.

غاية التربية التى نرجوها لأمتنا

يجب أن نحدد غايتنا من تربية النشء تحديدًا دقيقًا واضحًا حتى يمكننا معرفة الوسائل المؤدية إلى هذه الغاية، وما لم نحدد غاية فإننا نسير بالأمة على غير هدى.

ويجب أن تكون هذه الغاية شاملة مشتركة مرضية حتى تتوجه إليها الأمة كتلة واحدة، فإن تعدد الغايات فى الأمم الناشئة وبخاصة فى بدء نهوضها يؤدى إلى تفريق القوى وتوزيع الجهود، فلا تصل الأمة إلى القصد إلا بعناء وبعد زمن.

وقد اختلف المربون فى غاية التربية الإنسانية اختلافًا كبيرًا، فمنهم من جعلها السعادة، ولكل فى السعادة نفسها مذهب خاص، ومنهم من جعلها الارتزاق، ومنهم من جعلها روحية محضة، ومنهم من جعلها الفضيلة والكمال، ومنهم من جعلها العيشة التامة، إلى غير ذلك من الغايات التى كان ينتزعها أصحابها من مستلزمات عصورهم، ومن روح التفكير التى تسود تلك العصور، واختلفت تبعًا لذلك الوسائل، وإن كان المربون قديمًا وحديثًا أجمعوا على وجوب العناية بالغاية الدينية، ولسنا بصدد مناقشة هذه الغايات وبيان الأولى منها بالعناية والرعاية، ولكن الذى يعنينا أن نحدد غايتنا نحن، تلك الغاية التى يجب أن تتوجه إليها جهود الأمم الإسلامية فى هذا العصر بعد الإلمام بكل ما يحيط بها من الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية وغيرها.

وكأننا برأس الموضوع نفسه يملى علينا هذه الغاية ويلخصها فى أنها: حب الإسلام، والتمسك بآدابه، والغيرة عليه.

وبما أن هذا الدين يأمر بالعناية بالشئون الدنيوية، ويحث على السبق والتبريز فيها، مع عدم إغفال أمر الآخرة على حد قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾[القصص: 77]، وعلى حد قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾[النحل: 97]، فليست التربية الإسلامية تربية دنيوية عملية كما كانت عند اليونان مثلاً، وليست دينية محضة كما كانت عند الإسرائيليين قديمًا، وإنما هى جماع بينهما، كما مدح جرير عمر بن عبد العزيز:

فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبه          ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

ونزيد ذلك تفصيلاً فنقول: غاية التربية المقصودة:

1-تحبيب الإسلام إلى النفوس والغيرة عليه.

2-تهيئة السبيل للنجاح فى الحياة.

3-الدفاع عن المصلحة الدينية والدنيوية وتنمية الشعور بالغيرة.

وإذن فما الوسائل التى تؤدينا إلى هذه الغاية؟

وسائل إصلاح التربية الإسلامية

يتأثر الناشئ فى حياته بعوامل كثيرة، وإصلاح تربيته وقف على إصلاح هذه المؤثرات وتوجيهها نحو الغاية الخاصة، وأهم هذه المؤثرات: المنزل، والمدرسة، والبيئة.

المنزل: الطفل أول ما يرى من الوجود منزله وذويه فترتسم فى ذهنه أول صور الحياة مما يراه من حالهم وطرق معيشتهم، فتتشكل نفسه المرنة القابلة لكل شىء المنفعلة بكل أثر بشكل هذه البيئة الأولى، يقول الإمام الغزالي: "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد فى الدنيا والآخرة أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر فى رقبة القيم عليه والولي له".

ويقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه"، وإلى هذا أشار أبو العلاء فى قوله:

وينشأ ناشئ الفتيان منا           على ما كان عوَّده أبوه

وما دان الفتى بحجى ولكن               يعوّده التدينَ أقربوه

وإذا كان للمنزل كل هذا الأثر فى حياة الطفل وجب –تحقيقًا للغاية السالفة– أن يحاط بكل ما يغرس فى نفسه روح الدين والفضيلة، وأهم الوسائل فى إصلاح المنزل:

أولاً: ترقية تعليم المرأة عندنا وتزويدها فى المدارس بالقدر الوافر من الدين والخلق، وإفساح المجال فى مناهج دراسة البنات للبحوث البيتية وتراجم فضليات النساء اللاتي كن مضرب المثل فى الخلق الفاضل فى زمنهن، كنسيبة بنت كعب، وأسماء بنت أبى بكر، وصفية بنت عبد المطلب، وخولة بنت الأزور، وسكينة بنت الحسين، وغيرهن الكثير.

فالأم مدرسة إذا هذبتها          أخرجت شعبًا طيب الأعراق

أما أن تستمر مناهج تعليم البنات عندنا كما هى عليه الآن تعنى بالكمالي والضار وتترك الضروري والنافع، فهذا مما لا يبشر بحياة طيبة للنشء الإسلامي.

تدرس البنت فى مدارسنا الموسيقى واللغة الأجنبية والهندسة الفراغية والقانون الآن، ثم هى لا تعلم شيئًا عن تربية الطفل، ولا تدبير الصحة، ولا علم النفس، ولا الدين والخلق، ولا تدبير المنزل، فأي منهج هذا وإلى أى غاية يوصل؟

من لى بتربية البنات فإنها                فى الشرق علة ذلك الإخفاق

والأم إذا صلحت فانتظر من ابنها أن يكون رجلاً بكل معنى كلمة الرجولة، وأنت إذا استقرأت تاريخ العظماء وجدت أن السر فى عظمة الكثيرين منهم ما بثته فيه الأم من المبادئ الصالحة القويمة بحكم اللبان والتلقين.

وما كان على بن أبى طالب كرم الله وجهه فى حبه للحق وغيرته عليه ومناصرته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا معاوية فى حلمه ودهائه، ولا عبد الله بن الزبير فى شجاعة نفسه، ولا الزبير نفسه فى ذلك إلا سرًا من أسرار فاطمة بنت أسد، وصفية ابنة عبد المطلب، وأسماء بنت أبى بكر، وهند بنت عتبة.

ولئن كان الولد سر أبيه، فكل إناء ينضح بما فيه.

وحرى بمن يسمع فى مهده – لأول عهده بالحياة – ترنيمة أمه:

ثكلت نفسى وثكلت بكري        إن لم يسد فهرًا وغير فهر

بالحسب العد وبذل الوفر         حتى يوارى فى ضريح القبر

أن يكون سيدًا تتفجر الحكمة من جنبه، وتنطوى السيادة فى برديه، كما كان عبد الله بن عباس بتأثير أمه "أم الفضل بنت الحارث الهلالية".

وحري بمن يطرق سمعه لأول مرة تلك الأغاني الخليعة والترنيمات الغثة التى يداعب بها أمهات هذا العصر أبناءهن أن ينشأ ماجنًا خليعًا فاتر الهمة ضعيف النفس.

الأم أستاذ العالم والمرأة التى تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها، فلأجل أن نصلح المنزل يجب أن نصلح الأم التى هى روحه وقوامه.

ثانيًا: أن يحرص الأبوان على أن يكونا خير قدوة لابنهما فى احترام شعائر الدين، والمسارعة فى أداء فرائضه وبخاصة أمامه وعند حضوره يؤدون الصلاة ويقصون عليه من نبأ الصالحين، فأيقظ غرائزه فى هذه السن غريزة التقليد، والمثل الأعلى أمامه أبواه ومن يحيط به من ذويه، فعليهم أن يكونوا كما كتب عمر بن عتبة لمؤدب ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما صنعت والقبيح عندهم ما تركت".

ثالثًا: أن يضع الوالدان نصب أعينهما، أن يشبعوا أبناءهم بروح الدين والشعور الإسلامي فى كل الفرص المناسبة، يتحدث إليهم عن عظمته ورجاله وفائدته وأسراره، ويصطحبهم إلى المساجد والمنتديات الدينية، ويشعرهم المخافة من الله تعالى وهيبته باستخلاص العبر من الحوادث، وأن يعنى بتحفيظهم شيئًا من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: أن يحول الأبوان دون تسرب الكتب الهازلة والصحف الماجنة إلى ابنهما لا بالمنع والتهديد، فإن ذلك مما يزيد شغفه بها وإقباله عليها، ولكن بصرفه إلى كتب نافعة مغرية وإثارة الميل فيه إلى هذه الناحية الصالحة.

وهنا أذكر شدة حاجتنا إلى كتب فى القصص العام الإسلامي للأطفال، تجمع بين تشويقهم إلى المطالعة وملاءمتها لمداركهم وقواهم العقلية، وتزويدهم بالشعور الإسلامي، والقصص الإسلامي غنى بذلك من سير الصحابة والتابعين وأمثالهم رضوان الله عليهم.

وأذكر كذلك ضرورة احتواء المنزل على مكتبة مهما كانت يسيرة إلا أن كتبها تختار من كتب التاريخ الإسلامي، وتراجم السلف، وكتب الأخلاق والحكم، والرحلات الإسلامية والفتوح ونحوها.

ولئن كانت صيدلية المنزل ضرورية لدواء الأجسام، فالمكتبة الإسلامية فى المنزل ضرورية لإصلاح العقول.

وما أجمل أن أذكر هنا قول سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه: "إننا لنروي أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نرويهم السورة من القرآن".

أما واجب جمعيات الشبان المسلمين فى ذلك، فهو إيجاد هذه الروح فى الشعوب الإسلامية وتشجيعها بكل وسائل الإمكان، ومن هذه الوسائل:

1-     درس نظام المنازل والأسر الإسلامية لتعرف أوجه النقص وأسبابه، وأوجه الكمال ووسائلها، وذلك من برنامج اللجنة الاجتماعية التى نصت عليها اللائحة الداخلية.

2-     حمل الأعضاء أولاً على ذلك وإقناعهم بأن هذا من أهم الأغراض التى ترمى إليها الجمعية، والتي تؤدى إلى تكوين نشء إسلامي فاضل، ثم هم بعد ذلك يقومون بدعوة غيرهم.

3-     الإكثار من المحاضرات فى شئون الأسرة والطفل، وتوزيع النشرات لترويج هذه الدعاية.

4-     تأليف اللجان لتصنيف الكتب القصصية اللازمة لخلق هذه الروح فى نفوس الأطفال، وفى الجمعيات بحمد الله من يمكنهم ذلك بسهولة لو وجهوا له شيئًا من عناياتهم، ووهبوا له جزءًا من أوقاتهم، وهو من واجب اللجنة العلمية المذكورة فى اللائحة.

5-     مطالبة الوزارة بإصلاح مناهج تعليم البنات ومدارس المعلمات، والإكثار من التعليم الديني، وتراجم شهيرات النساء المسلمات ونحو ذلك مما يتصل به، والاهتمام بهذا الأمر اهتمامًا يتناسب مع جليل خطره.

6-     إنشاء مدارس لتعليم البنات، وهذا يكون طبعًا بعد أن يشتد ساعد الجمعيات ويقوى، وتجد المعونة من أغنياء الأمة وسراتهم.

وأراني هنا مضطرًا إلى القول بأن جمعيات الشبان المسلمين لم تحقق هذه الغاية إلى الحد المأمول منها، وقد يرجع ذلك إلى أنها فى بدء التكوين، وإلى أن ماليتها محدودة لا تتسع لذلك، إلا أن الواجب أن تهتم بكل وسيلة ممكنة حتى تتمكن فى النهاية من كل الوسائل، والله ولى التوفيق(2).

 

أنجع الوسائل فى تربية النشء تربية إسلامية خالصة

2-أثر التربية فى حياة الأفراد والأمم

المدرسة: وهي العامل الثاني من عوامل التربية، وهو أهمها وأبلغها أثرًا فى حياة الطفل؛ إذ تقوم بالقسم الأعظم من تربيته وهو التعليم والثقافة العقلية، فيجب أن نوجه إليها العناية بالإصلاح حتى تؤدى إلى الغاية المنشودة.

وإذا قلنا: المدرسة، فإنما نعنى أمرين مهمين لا يفترق أحدهما عن الآخر: أولهما: مناهج التعليم التى هى بمثابة الغذاء العقلي للتلميذ. والثاني: المعلم الذي يقوم بتوصيل هذا الغذاء إلى العقل، ولإصلاح المدرسة يجب العناية التامة بإصلاح هذين.

ولإصلاح المعلم عدة وسائل:

أيسرها وأقربها إلى التحقيق مطالبة الوزارة بإصلاح مناهج مدارس المعلمين بأنواعها، وجعلها غنية بالتعليم الديني والتاريخ الإسلامي وفلسفة العقائد وأسرار التشريع ونحو ذلك، يلي هذه الوسيلة أن تقوم جمعيات الشبان المسلمين بفتح فصول ليلية، وفى الإجازات الطويلة كإجازة الصيف -مثلاً- لمن يحب من المعلمين وطلبة مدارس المعلمين من الأعضاء وغيرهم أن يدرس فيها هذه المواد على أيدي كبار حضرات الأعضاء المستطيعين لذلك.

يلى هذه الوسيلة وسيلة أخرى تحول دونها عقبات كثيرة وتغنى عنها الوسيلة الأولى إذا تحققت. ذلك أن تقوم جمعيات الشبان المسلمين بإنشاء مدارس لتخريج معلمي الدين والأخلاق واللغة العربية، والعقبات التى تحول دون ذلك قلة المال، وعدم اعتراف الحكومة بإجازات هذه المدارس وشهاداتها، وحينئذ يكون هذا النوع من المعلمين قاصرًا على مدارس جمعيات الشبان على اختلاف أنوعها.

ويذكرني ذلك نظام اليسوعيين فى مبدأ أمرهم. فقد تألفت جمعياتهم لنصرة البابا وبث الكثلكة فى النفوس، ورأوا أن خير وسيلة لذلك هى إصلاح التعليم فأنشئوا مدارسهم على طبقات مختلفة، منها الابتدائي والثانوي والعالي، وبهذين كان جل اعتنائهم، وانفصلوا عن كل نظام للتعليم إذ ذاك منفردين بنظم إدارية وفنية خاصة، واضطرهم ذلك إلى تكوين معلمي هذه المدارس تكوينًا خاصًا ينتج ما ترمى إليه جماعاتهم من الغايات.

وقد لاقوا فى مبدأ أمرهم نجاحًا عظيمًا، وكانت مدارسهم تعد بالمئين، ولا تزال آثارهم فى الجهاد لدعوتهم باقية إلى الآن.

فإذا لم توافق الحكومة على العناية بالتعليم الديني فى مدارسها طبق ما تريد جمعيات الشبان وطبق ما ينتج الغاية الإسلامية المطلوبة، وتمكنت جمعيات الشبان من سلوك هذا الطريق الاستقلالي فى شئون التعليم، فإنها تكون أبرك وأنفع خطوة يتيمن بها العالم الإسلامي، ويرجو من ورائها الفتح والظفر والرجوع إلى حظيرة دينه القويم.

وقريب من هذه الفكرة ما كان من إنشاء جماعة المصلحين فى عهد الأستاذ الإمام -رحمه الله- لمدرسة دار الدعوة والإرشاد، فقد كانت الغاية منها تخريج معلمين يعظون الشعب ويرشدونه مستقلين عن سلطة الحكومة والقيود الرسمية، فأماتها البخل من ناحية وخمود الهمم وضعف الثبات من ناحية أخرى، ولسنا نريد بذلك أن نتعرض لأنها حققت الغاية أو لم تحقق فليس هذا من قصدنا، على أنها لم تطل مدتها حتى يتمكن الباحث من الحكم، ولكن الذى نريد أن نصل إليه أن فكرة الاستقلال بالتعليم عن النظام الحكومي فكرة خامرت الكثيرين من زعماء الإصلاح، فليس بدعًا أن نعرض بها اليوم وقد تكون الظروف الآن أشد ملاءمة لهذه الغاية من ذي قبل.

فهل تتمكن جمعيات الشبان المسلمين من سلوك هذا السبيل؟ وإذا عجزت أَلاَ تحاول فكرة تخصيص المعلمين وطلبة المعلمين، والوعاظ بفصول يتزودون فيها بالعلوم الإسلامية التى تعينهم على تحقيق الغاية؟ وهل تعجز مع ذلك عن السعي لدى ولاة الأمور فى إصلاح مناهج التعليم وبخاصة فى مصر لما فيها من حركة الإصلاح العلمي السانحة؟

نظنها لا تعجز عن هذين، ونأمل أن نراها فى سبيل تحقيقها قريبًا.

كل ما تقدم سقناه بمناسبة وجوب إصلاح المعلم الذى هو نصف المدرسة.

أما إصلاح المنهج وهو النصف الثاني، فيجب أن يكون بتوفير الحصص الكافية لفروع الدين من الفقه وأسراره، والعقائد وأدلتها، والتاريخ الإسلامي والسيرة واللغة العربية؛ إذ هى وسيلة فهم القرآن وتدبره، وهو أساس هذا الدين وروحه، وإظهار العناية بهذه المادة عناية ظاهرة وجعلها مادة أساسية.

فإذا كانت المدارس مستقلة عن المدارس الحكومية أضيف إلى هذه المواد مواد المنهج الحكومي حتى تحقق بذلك أمل التلميذ فى التقدم إلى الشهادات الرسمية، ويكون مثلها فى ذلك مثل مدارس التبشير التى تبارى مدارس الحكومة فى العلوم الرسمية بعد حذف ما لا لزوم له منها، وتحقق مع هذا غايتها الدينية بإجبار التلاميذ على دراسة الدين والقيام بشعائره.

ولما كان للروح العام أبلغ الأثر فى نفس الطفل وتكوينه الخلقي ولاسيما فى المدارس الابتدائية والسنوات الأولى من الثانوي حيث يغلب عن الناشئ التقليد، وجب أن يكون هذا الروح دينيًا فاضلاً، ووسائل ذلك: أن يكون الاهتمام بالدين واحترامه وتشجيع من يبدو عليهم حبه والعمل به شعار كل موظفي المدرسة من إداريين وفنيين، وإشعار التلاميذ بذلك وإلزامهم أداء الفروض بدار المدرسة، وإعداد مسجد خاص بها تقام به الشعائر كالأذان والإقامة، يقوم بها التلاميذ أنفسهم، ويقابلها أساتذتهم بالامتثال والاحترام والخشوع، فيشب التلميذ على ذلك ويقلدهم فيه.

بعد هذا يمكننا أن نتصور المدرسة التى ننشدها فى التعليم الأولى أو الابتدائي مدرسة كاملة المعدات على طراز أبنية المدارس الأميرية، يلحق بها مسجد يتناسب مع عددها وأهميتها وظروفها الخاصة، تدرس فيها المواد الرسمية زائدًا عليها الدين وتوابعه، يقوم بتدريس ذلك معلم ومدير على قدم فى الدين والأخلاق، وضلاعة فى علومها والتمسك بآدابها، يسودها روح عام ديني فاضل.

ومثل ذلك قل فى المدارس الثانوية والعالية والفنية والصناعية ونحوها، مع مراعاة الغاية الأخرى فى كل.

أما الذي يقوم بالإشراف العام على هذه المدارس فهو جمعيات الشبان المسلمين طبعًا، والحذر من أن تتحول الغاية تدريجيًا ويتغلب العرف والتيار العادي على هذه المدارس المنشأة لغاية خاصة فتجارى غيرها ويضيع المقصد من إنشائها.

فهذه الجمعية الخيرية الإسلامية كان القصد الأول من إنشاء مدارسها تحقيق هذه الغاية بنصها، وبتوالي الأزمان والإدارات أصبحت الآن ولا فرق بينها وبين المدارس الحكومية، واندثر ذلك المقصد الشريف الذي من أجله أنشئت هذه المدارس وله ألفت الجمعية وعليه أسست، والزمن قُلَّب، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

وأما إذا لم تتمكن الجمعية من هذا فلا أقل من أن تبذل الجهد لدى الحكومات وجمعيات التعليم فى تحقيق هذه الوسائل بعضها أو كلها على قدر الممكن، ويكون ذلك جهد المقل وحيلة العاجز، والأمر بيد الله.

ويسرنا أن نرى فرع الإسكندرية يعلن عن فتح فصول جديدة للتلاميذ فى عطلة الصيف، ونرجو أن يكون المهم لديه انتهاز هذه الفرصة فى تشجيع الروح الدينية.

وكذلك أنشأ بعض فروع فلسطين مكاتب ومدارس للتعليم الديني فكانت خطوة نرجو أن تستمر فى طريق الرقى والكثرة والتشجيع.

البيئة: وهى العامل الثالث من عوامل التربية ويجب أن نعنى بشأنها لما لها من عظيم الأثر فى نفس الطفل وخلقه كذلك، وتشمل البيئة:

الإخوان والأصدقاء: يجب أن نرشد الناشئ إلى مصاحبة الأخيار، ونبين له فضيلة ذلك، ونزعه ونحول بينه وبين مخالطة الأشرار، مع شرح ما يستهدف له من الخطر إذا صاحبهم وعرف بصداقتهم، وعلينا أن نفهم الآباء ذلك بالنشرات والمحاضرات والإرشادات وبكل وسيلة ممكنة.

وقد أرشد الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بحديثه المشهور: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما أن تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثة".

كما أرشد إليها القرآن الكريم فى قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾[الكهف: 28].

الأندية والمحال العمومية: وهذه لها عظيم الأثر فى نفس الناشئ، فيجب أن يعرف منها بكل خلق ديني، ويبعد عن كل ما يضم مفاسد الدين والخلق كالمسارح الهازلة والمراقص الخليعة والقهاوى الموبوءة، ويرشد إلى أمثال أندية الجمعيات الإسلامية.

ولنادي جمعية الشبان فى ذلك أثر يذكر فيشكر بما أنه يحول بين الشبان وبين مجالس السوء، ويزودهم بما يسمعون من عظات نافعة، ومحاضرات قيمة، ومذاكرات دقيقة، ومسامرات رقيقة.

الاحتفالات الدينية: يجب أن يصحب الناشئ ولى أمره إلى محال هذه الاحتفالات البريئة التى تتجلى فيها مشاهد جلال الإسلام وروعته كالجمعة، والعيدين، وحفل رأس السنة، وذكرى الهجرة، والمولد بدور الجمعيات الإسلامية لا بتلك المهازل التى تمثل باسم الدين فى الموالد ونحوها.

وبعد -يا ساداتي- فهذه عوامل التربية أو أكثرها وأهمها عالجت فى هذه الكلمة بعض وجوه إصلاحها، وقد رأينا أن جمعياتنا المحبوبة قد قامت ببعض الواجب فى سلوك هذا الطريق، إلا أن المهمة شاقة وفى حاجة إلى جهود متواصلة، وإلى تضحية وثبات وتقدير لما يحيط بنا من ظروف تفرض علينا الدأب فى العمل، فأتقدم إلى حضراتكم بالرجاء الكبير أن نكون جميعًا أعوانًا عاملين على تحقيق هذه الفكرة النبيلة السامية، فكرة تهذيب النشء وتربيته تربية إسلامية، وأن ننفذ ذلك فى كل من لنا عليهم ولاية.

والله حسبنا وهو نعم الوكيل(3).

 

وسائل المحافظة على القرآن الكريم

أهمية القرآن الكريم فى حياة المسلمين العامة

القرآن الكريم هو مصدر الهداية الإسلامية، وأصل الشريعة المحمدية، وأساس دين الإسلام ومادته، منه يأخذ المجتهدون، وعليه يعوّل المشترعون والمستنبطون، لا علم لهم إلا ما علمهم إياه، ولا حكم إلا ما أرشدهم إليه، ولا عقيدة إلا ما ينص عليها، فهو للمسلمين قاموس علمهم، وقانون تشريعهم، ومحور عقائدهم وعبادتهم؟ ودستور آدابهم ومعاملاتهم، ومرشد أئمتهم وحكوماتهم، والمعجزة الخالدة لنبيهم، ومركز جامعتهم؛ ومؤسس وحدتهم، حول لوائه يلتفون، وعند أخوته يلتقون، وبتلاوته يتعبدون. فهو الكتاب الجامع، والنافع الشافع، والحكم العدل، والقول الفصل: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت: 42]. وما السنة إلا متممة، وما العلوم اللسانية واللغوية نَقْليُّها وعقليُّها إلا خادمته: لأجله وجدت؛ ولكشف عجائبه وضعت، ولحفظه والمنافحة عنه وبيان وجوه إعجازه دُوّنت، وما عرفت فى الدنيا أمة عنيت بكتابها عناية المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيهم.

اهتمام المسلمين بالقرآن فى كل أدوار حياتهم

أجل، اهتم المسلمون فى جميع أقطار الأرض بكتاب الله، وقدروه حق قدره، وجعلوه أهم مواد دراستهم، وأفسحوا له المجال فى مناهج تعليمهم، بل جعلوه المحور والأساس فيها، واستغنوا به عن غيره ولم يستغنوا بغيره عنه، فالعالم الفاضل فيهم من كان له فى حفظه وتفهم معانيه والدراية بأحكامه الحظ الوافر، واهتموا لذلك حتى كان الغلام فى كثير من الأعصار يحفظه ويجوّده وما جاوزت سنه العاشرة.

وهم –وإن كان من شيوخ المربين فيهم من رأى تأخير وقت حفظه كأبي بكر بن العربي وابن خلدون– فقد اتفقت كلمتهم على أن الطالب لا يتم حياته المدرسية ولا يستحق لقب الأستاذية إلا إذا حفظ كلام الله وفهم معانيه وأدرك مراميه.

وإن الذي يدرس تاريخ التربية الإسلامية فى كل أعصارها من "مدرسة أبى الدرداء" بمسجد الشام التى كانت تضم ستة آلاف طالب يتعلمون القرآن، إلى عصرنا هذا فى كل قطر من أقطار الإسلام شرقًا وغربًا، يعلم صدق ما نقول، ويرى كيف كان للقرآن المكان الأول من كل قلب، والمحل الأسمى عند كل نفس، والعناية الكبرى فى دور العلم، وفى الجو العلمي مطلقًا.

ضعف العناية بالقرآن ومظاهره

ظلت لكتاب الله مكانته فى مناهج التعليم فى مصر وغيرها إلى عهد المغفور له محمد على باشا وبعده بقليل، ومنذ امتدت اليد الأجنبية إلى مناهج التعليم أخذت العناية بالقرآن تضعف وتتضاءل، وأخذ رجال التربية والتعليم –وجُلهم من الأوروبيين أعداء الإسلام وكتاب الإسلام، الذين يرونه شبحًا مخيفًا يناوئ مطامعهم وآمالهم– يعملون على إقصائه تدريجيًا من المناهج بحجة أن المدارس علمانية، وساعدهم على ذلك روح التقليد الأوروبي التى عمت وطمت، فاستطاعوا أن يحذفوه رأسًا من التعليم العالي والثانوي ثم الابتدائي تقريبًا بعد ذلك، وحصروه فى دائرة ضيقة هى مكاتب الإعانة والمكاتب الأولية فى برنامجها القديم.

ولم يقف هذا التيار ضد القرآن عند هذا الحد، بل أخذ يقوى ويشتد فإذا بمكاتب الإعانة تطاردها المدارس الإلزامية وليس من منهاجها حفظ القرآن، ولئن كان هناك قسم للحفاظ -كما يقال- فإن طبيعة نظامها تجعل الوصول إلى هذه الغاية مستحيلاً، وصارت البقية الباقية من هذه المكاتب تغلق تباعًا أمام عدم الإقبال، وتضييق الوزارة وحظرها فتح مكاتب جديدة رغبة فى تعميم التعليم الإلزامي، وكثرة الشروط الصحية، وعدم استطاعة الفقهاء القيام بها حتى صرنا نعتقد أنه لن تمضي سنوات قلائل حتى تصبح هذه المكاتب لا عين ولا أثر.

وأما المدارس الأولية فبعد أن كان منهاجها القديم يحتم عليها تحفيظ القرآن فى أربع سنوات طبق تقسيم مناسب حددته الوزارة نص المنهج الجديد على إبطال هذا التحتيم وتحفيظ ما يمكن أن يحفظ، ومعناه: أنه إذا لم يمكن تحفيظ شىء لكثرة المواد وتزاحمها كانت هذه المدارس غير مسئولة؛ لأنها نفذت المنهج الذى حددته الوزارة، أوهكذا حاربت الظروف الينبوعين الباقيين لتخريج الحفاظ.

نتائج هذه النظم

أما النتائج الخطرة الملموسة لهذه النظم –إن دامت– فهى:

أولاً: استحالة حفظ كتاب الله على النشء الحديث، ومعنى ذلك انقراض الحفظة بموت من يحملون القرآن من الفقهاء والمرتزقة والعباد الصالحين، أى: أنه سيأتي على الأمة يوم تتلفت فيه فلا ترى حافظًا ترجع إليه إلا أوراق المصاحف، بعد أن كانت الصدور عامرة بكلام الله، والقلوب مستنيرة بحفظه وفهمه.

ثانيًا: ضياع اللغة العربية التى ما كانت العناية بها يومًا من الأيام إلا نتيجة من نتائج العناية بالقرآن الكريم.

ثالثًا: نسيان المسلمين لأصل دينهم وقطع الصلة الحقيقية بينهم وبين كتاب الله، وانهدام ركن عظيم من أركان حياتهم الدينية والاجتماعية والعلمية.

إن دام هذا ولم يحدث له غِيَرٌ            لم يُبكَ ميت ولم يفرح بمولود

وبرهان ذلك الاستنباط عمليًا، أنه كان يتقدم إلى لجان القرعة العسكرية فى كل مركز من مراكز القطر عدد عظيم ممن يحفظون كتاب الله فيعفون بحفظه من دفع بدل الخدمة، وفى السنوات الأخيرة أخذ هذا العدد يتناقص تناقصًا عظيمًا حتى بلغت الحال أنه فى بعض المراكز -ومنها مركز كفر الدوار "بحيرة"- لم يتقدم أحد البتة فى السنة الأخيرة للمعافاة بالقرآن الكريم، والإحصاءات الرسمية والأرقام المحفوظة بوزارة الحربية أعدل شاهد على ذلك.

ولو أنك سألت حضرات الذين يمتحنون طالبي الدخول فى مدارس الفقه والدين – كالأزهر الشريف والمعلمين الأولية – عن مبلغ حفظ الطلبة المتقدمين للقرآن وأجابك هؤلاء بصراحة، لقضيت العجب من إهمال الناشئة الحديثة لحفظ كتاب الله.

ولئن دام ذلك فإن اليوم الذى ينزع فيه القرآن من الصدور، ويمحى من السطور أصبح قريبًا.

لمثل هذا يذوب القلب من أسف          إن كان فى القلب إسلام وإيمان

نهضة المحافظة على القرآن الحديثة وأثرها

هذه النتائج الخطرة أفزعت أهل الغيرة على القرآن فهبوا يفكرون فى وسائل المحافظة عليه، وكان من نتائج هذا التفكير تكوين "جمعيات المحافظة على القرآن الكريم" فى كثير من بلدان القطر كالقاهرة ودمنهور والإسكندرية، ونداء العلماء للشعب فى بيان مزايا التعليم القرآني، وتنُبه الأفكار إلى الخطر الذي يتهددهم بسبب الانصراف عن القرآن، وهكذا.

ولكن هل كل هذه الوسائل تكفى للوصول إلى الغاية، وتضمن تحقيق الأمل؟

الحق أن الجواب سلبى؛ فإن جمعيات المحافظة على القرآن الكريم لم تتمكن إلى الآن إلا من فتح بعض المكاتب للتحفيظ، وهى لا تستطيع أكثر من ذلك لقلة مواردها وضعف ماليتها، والأمة جميعًا تقدر لها هذا المجهود وتشكره أجزل الشكر، وتعلم مبلغ ما يقاسيه القائمون بشئونها فى سبيله من تعب وعناء، على أن المكاتب لا تضمن تخريج الحفظة واستمرارهم على الحفظ، فإنه على فرض استمرار الطلبة فيها حتى يحفظوا فإنهم بمجرد أن يبارحوها ويزجوا بأنفسهم فى ميدان الحياة ويزاولوا أعمالها ومشاغلها سينسونه ويهجرونه، فيذهب حفظهم سدى، ولاسيما والقرآن أشد تفلتًا من صدور الرجال من الإبل فى عُقلها، فإذا لم نفكر فى الطريق الذى يكفل استمرار حفظ هؤلاء الناشئين كان عملنا قليل الجدوى، ضئيل الفائدة، فهما أمران: الحفظ، وضمان بقائه، ولا فائدة فى الأول ما لم يعززه الثاني.

وقل مثل ذلك فى قسم الحفاظ الذى تقول وزارة المعارف: إنه سيقوم بمهمة التحفيظ، وهذان هما الينبوعان اللذان نعتمد عليهما فى تخريج الحفظة لهذا العهد، وقد علمت نضوب مائهما واستعدادهما للجفاف.

فهل نترك المسألة عند هذا الحد؟ وهل ليست هناك وسائل تكفل لنا تحقيق أملنا فى تخريج الحفظة وبقاء حفظهم؟ اللهم إن الوسائل كثيرة سهلة لا تحتاج إلا إلى اليسير من الهمة حتى نسير على الجادة ونصل إلى الغاية، أما ما يحضرني ذكره من هذه الوسائل حتى يكون القول مصحوبًا بالعمل، فهو:

الوسائل الناجعة فى تحفيظ القرآن

أولاً: فى الأزهر الشريف الآن عدد عظيم من الطلبة فى أقسامه الكثيرة، وهؤلاء الطلبة مفروض أنهم جميعًا لم يدخلوا الأزهر حتى أدوا الامتحان فى القرآن الكريم وشهد لهم ممتحنوهم بحفظه، ومفروض أنهم سيكونون فى المستقبل أئمة فى المساجد، ووعاظًا فى الأقاليم، ومدرسين للدين، وهم فى كل ذلك محتاجون إلى القرآن قبل كل شىء.

وإذا كان ذلك كذلك فما معنى أنهم لا يؤدون الامتحان فيه فى الشهادة الثانوية والعالمية والتخصص؟

قد يقول قائل: إنهم يؤدون الامتحان فى القرآن فى الشهادة الأولية، ولكن أليست أربع سنوات بين الابتدائية والثانوية وأربع أخرى بين العالمية والثانوية وثلاث بين العالمية والدكتوراه تكفى كلها لنسيان ما حفظ من القرآن؟

لا نريد أن نغالط أنفسنا فى الحقائق، ولا أن نخدعها عن الأمر الواقع، فإن الموقف موقف إصلاح وتطبيب لا يصح فيه المداراة والمواربة، والمشاهد الملموس الذى لا يستطيع أحد المكابرة فيه أن كثيرًا من العلماء أصبح لا يحفظ كتاب الله بعد أن كانوا قد مهروا به حفظًا وتجويدًا، وتسلمتهم إدارة الأزهر كذلك بنص قانونها، وبشهادة حضرات ممتحني الدخول بمعاهدها، فكيف ترضى أن يتخرجوا تحت إشرافها فينتهون من دراستهم وقد أضاعوا أهم مادة قضوا فيها العمر الطويل، وبذلوا فيها دم النشأة الأولى، وهى بعد أمسُّ المواد بحياتهم العملية وألزمها لما يقومون به من الوظائف كالإمامة والوعظ والقضاء؟ والمخرج الوحيد من هذا القصور:

"أن تجعل إدارة الأزهر الشريف الامتحان فى القرآن إجباريًا مع كل شهادة من شهاداتها، وأن تشدّد فى ذلك تشديدًا يمنع التهاون فى الاختبار، ويشعر الطلبة بتوقف نجاحهم على إجادة الحفظ".

فإذا نفذت إدارة الأزهر هذا الاقتراح كان لنا من الحفظة مائتا حافظ على الأقل يتغنون بكتاب الله فى المحاريب، ويزينون به حلق الوعظ، ويفقهون منه فصل القضاء، وعلم أولياء أمور التلاميذ أن أبناءهم لا يلجون باب المعاهد الدينية إلا إذا حفظوا ففكروا قسرًا فى طريق التحفيظ، ونشطت له المكاتب الحالية كل النشاط.

ثانيًا: قل مثل ذلك تمامًا فى مدرسة دار العلوم العليا، وهى الأخرى مدرسة عربية إسلامية تعدُّ طلبتها لتدريس اللغة والدين فى المدارس، والقرآن قاموس اللغة وأساس الدين، وإدارتها لا تقبل الطالب إلا حافظًا، والمفروض أنه لا يتخرج فى تجهيزيتها إلا وقد حفظ القرآن، فما معنى أن يدخل حافظًا ويخرج ناسيًا مع شدة احتياجه إليه فى حياته العملية؟!

فواجب وزارة المعارف "أن تجعل القرآن مادة أساسية فى امتحان إجازة التدريس"، وبذلك تضمن مائة حافظ كل عام على الأقل يفهمون كتاب الله ويعلمون أوجه فهمه وإعجازه.

ثالثًا: مدارس المعلمين الأولية تشترط فى منح شهادة الكفاءة للتعليم الأولى حفظ القرآن، ولكن تغافل الوزارة وتهاون حضرات أعضاء الامتحان الشفهي يجعل هذا الشرط قليل الفائدة ضعيف الأثر، ويمكن غير الحافظ من اجتياز هذا الامتحان وهو آمن مطمئن، ولا دواء لهذا إلا اهتمام مراقبة التعليم الأولى بالأمر، فإن أهم ما يدرسه متخرجو مدارس المعلمين بالمدارس الأولية القرآن الكريم، ولا معنى لأن يدرس المعلم ما لا يحفظ، وعليها أن تؤكد الوصية لحضرات أعضاء اللجان بإشعار الطلبة بأهمية امتحان القرآن، وبهذه الوسيلة التى لا تكلفنا إلا قليلاً من الاهتمام نضمن خمسمائة حافظ يتخرجون فى مدارس المعلمين الأولية.

وإذا رأت مراقبة التعليم الأولى الحاجة ماسة إلى زيادة حصص القرآن بمدارس المعلمين تحقيقًا لهذه الغاية فعلت ذلك، وخدمت القرآن خدمة جليلة.

رابعًا: بقيت مسألة مكاتب "جمعيات المحافظة على القرآن الكريم"، وهذه لن تؤدى مهمتها إلا إذا ضمنت بقاء تلامذتها على حفظهم. أما أن تحفظهم ثم تهملهم بعد ذلك يشتغلون بمهام الحياة فينسون ما حفظوه، أو يدخلون مدارس الحكومة التى لا يدرس فيها القرآن فتضيع ثمرة مجهودهم ومجهود الجمعية معهم.

والوسيلة فى اتقاء هذا الضياع: 

أن تجعل الجمعية لهذه المكاتب برنامجًا منظمًا يؤهل طلبتها لدخول الأزهر الشريف بعد تمام مدة الدراسة فيها، وتتفق مع إدارة الأزهر على قبولهم بدون امتحان.

ومعنى هذا أن تكون هذه المكاتب بمثابة قسم تحضيري للأزهر كالمدارس التحضيرية لمدارس المعلمين الأولية، وحبذا لو اقتنعت إدارة الأزهر بالفكرة فقبلتها وخصصت من ميزانيتها مبلغًا -ولو قليلاً- لتشجيع الجمعيات على مهمة التحفيظ، وحينئذ يجد تلميذ مكاتب جمعية المحافظة على القرآن نفسه منتظمًا فى سلك تعليمي ينتهي بشهادات الأزهر الشريف، فيطمئن على مستقبله، ويقبل أولياء أمور التلاميذ على هذه المكاتب.

خامسًا: واجب كل مسلم يقضى عليه أن يحفظ شيئًا من كلام الله ليقوم به فى صلاته، فعلينا إذن أن نطالب وزارة المعارف –وعليها أن تقبل– بأن يكون ضمن مناهجها جزء معين من القرآن يجرى مجرى المحفوظات فى كل مدارسها.

هذه طائفة من الوسائل التى يمكن بها أن نحافظ على القرآن الكريم، وبقيت وسائل أخرى تَمُت إلى الموضوع بصلة نشير إليها، وإن كان تحقيقها للزمن وحده.

من تلك الوسائل: تقوية الروح الديني فى الشعب، ومقاومة تيار التقليد الأوروبي، وبخاصة فى نظم التربية والتعليم، وتشجيع طلبة العلم على فهم أدلة الأحكام والتوسع فى تحليل طرق الاستنباط ليجد الطالب نفسه مضطرًا إلى الرجوع إلى القرآن فى تفهم كثير من الأحكام، والعناية بالتشريع الإسلامي والسعي فى تطبيقه فى حياتنا العملية حتى يشعر المسلمون بحاجتهم إلى القرآن، وهكذا.

من يقوم بتنفيذ هذه الوسائل؟؟؟ أما من يقوم بتنفيذ هذه الوسائل فإدارة الأزهر، ووزارة المعارف بالإقدام على التنفيذ، والأئمة والوعاظ بحض الناس فى خطبهم ومواعظهم على التعليم القرآني ومدارسة القرآن، وجمعيات المحافظة على القرآن الكريم بالإكثار من فتح المكاتب ووصلها بالأزهر الشريف.

فإلى هذه الهيئات الثلاث، وإلى كل مسلم غيور على القرآن أتقدم بهذه الكلمة راجيًا أن يكون لها الأثر المحمود فى تدارك هذا الخطر المحدق بكتاب الله، وليسمح لى سادتي العلماء أن أصارحهم بأن هذه وسائل العمل أمامهم، فليعملوا على تنفيذها والأمة جمعاء تنتظر ما يقومون به من مجهود، أما الكلام بالألسنة والنداء على صفحات الجرائد، فلا يغنى عن الواقع شيئًا، ولا يغير من الموقف فتيلاً.

ووالله ربّ القرآن، وما أردت بهذه الكلمة البريئة النيل من أحد، أو تجبيه شخص أو طائفة، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

والسلام على من اتبع الهدى(4).

 

خطاب مفتوح بشأن التعليم الديني

إلى حضرة صاحب المعالى وزير المعارف العمومية

يا صاحب المعالى:

نتشرف أن نرفع إلى معاليكم رجاء نعتقد أنه مطابق لأمانيكم الشريفة وأماني الأمة، وأنكم إذا تفضلتم بقبوله والعمل على تحقيقه تكونون قدمتم لبلادكم أفضل عمل يذكر به العاملون المصلحون، واستوجبتم بذلك شكر الوطن فضلاً عن رضوان الله جل شأنه.

وهذا الذي نرجو ويرجوه كل مسلم غيور على دينه ووطنه هو أن تجعلوا درس الدين الإسلامي فى التعليم العام درسًا أساسيًا، والامتحان فيه إجباريًا، مثل بقية العلوم التى ينبني على التقصير فيها عدم الفوز والرسوب.

يا صاحب المعالى:

إن من نافلة القول أن نبين ما لعلوم الدين من حسن التأثير فى النفوس، وحثها على التمسك بأهداب الفضائل وتربية ملكات الخير فيها، وعصمتها من الوقوع فى القبائح وصرفها عن منازع الشر، وأن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يعنى بمعرفة دينه المعرفة الصحيحة، حتى يمكنه أن يؤدى ما يجب عليه لله تعالى وللناس، وأن التلاميذ والتلميذات ودائع فى يد وزارة المعارف وهم رعيتها وكل راع مسئول عن رعيته، فالضرورة تقضى بأن تعنى بتعليمهم ما يتعلق بأمر دينهم، كما تعنى بتعليمهم ما يتعلق بأمر دنياهم.

ولا يمكن أن يؤتى درس الدين ثمرته والحال على ما نرى، يحضر التلميذ هذا الدرس وهو يعلم أنه درس اختياري يقذف بدرجته فى ذيل الجدول، كدرجة الألعاب الرياضية لا تقدم ولا تؤخر، ولا يترتب عليها رسوب ولا نجاح. لهذا نرجو ونلحف فى الرجاء أن تولوا الدين الإسلامي عنايتكم بجعله مادة أساسية يشعر المقصر فيه أنه مؤاخذ على تقصيره، والمجتهد أنه مكافأ على اجتهاده.

وبدهي أنه لا يبعث المعلم والمتعلم على الاهتمام بالدرس إلا الرغبة فى حسن النتيجة أو الرهبة من سوئها، فإذا لم يكن لمادة الدين تأثير فى النتيجة فقد ضاع الاهتمام به، وليس من المفيد تقرير مادة مهمة كمادة درس الدين بدون أن يضمن جنى ثمارها، ولسنا مغالين فى هذا الطلب؛ لأن المدنية الأوروبية الحالية تعتبر الدين علمًا أساسيًا، ولا يصح أن يكون الإسلام عندنا أقل اعتبارًا من غيره عند غيرنا، كما لا يصح أن يكون الدين الإسلامي إضافيًا فى أهم قطر إسلامي تقصده جميع الأقطار الإسلامية لتلقى العلوم الدينية.

يا صاحب المعالى:

إن مناهج التعليم الديني للمدارس الابتدائية والثانوية حافلة بالمواضيع الجليلة النافعة، ولذلك لا نطلب زيادة فى المواد ولا فى المعلمين، وإنما الذي نرجوه هو جعل درجة الدين مماثلة لباقي العلوم فى الدلالة على الرسوب والنجاح فقط أسوة بمدارس المعلمين. وبما أن المقرر الديني الخاص بالتعليم الثانوي تدرس مواده فى السنة الأولى والثانية فقط، فيحسن النظر فى توزيعه على جميع سنيه أسوة بالتعليم الابتدائي، حتى يسهل تحصيله واتباعه بإتقان.

يا معالى الوزير:

إن الاعتناء بأمر الدين من شأنه تخريج موظفين مخلصين للحكومة والأمة معًا، أمناء على الأموال والأعراض والحقوق، وتخريج فتيات مهذبات وفتيات مدبرات للمنازل، حافظات للغيب، صالحات لتربية أولاد المستقبل، معاونات للأزواج على مشاق الحياة.

وهذا كله يبشر بإزالة أسباب الفوضى والضلال والرشوة والاختلاس وجميع الرذائل، وإحياء الفضائل وحفظ الأمن والآداب والنظام والعدل فى الأحكام، وموجب لارتقاء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، وتضامن الأمة مع الحكومة وتبادل الثقة، وحسن المعاملة بين الأفراد والجماعات، فتسعد الأمة سعادة حقيقية، ويسرنا جدًا أن يحصل هذا الخير العميم على أيدى معاليكم المباركة.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام، ، 

تحريرًا فى 20 من مايو سنة 1935م(5).

 

1- فى مناهج التعليم

كان مما قلناه من قبل -ولا زلنا نقوله الآن وسنظل ننادى به من بعد: إن مناهج التعليم هى أكبر مؤثر فى حياة الأمة القابلة، وهي نصيبها من السعادة أو الشقاء، وحظها من الحياة أو الموت، فيها إن صلحت كل الأماني الطيبة تتحقق بمرور الأيام على يد هذا النشء الصغير أطفال اليوم ورجال الغد، وفيها إن فسدت كل الوباء تزيده الأيام قوة وانتشارًا بكبر هذا النشء وتوليه أمر هذه الأمة. واللجنة التى تضع مناهج التعليم إنما ترسم للأمة طريق الحياة وتقودها إليه، فما أكبر التبعة عليها وأشق العمل الذى تقوم به وأبعده أثرًا فى مقتبل الأمة التى سلمتها هذا الزمام، ولو أن لجنة سياسية تجتمع لتحكم على هذه الأمة بالعبودية أو الحرية لما كان لقرارها من التأثير ما لتلك الموضوعات العلمية التى تختارها لجنة المناهج لتطبع عليها أبناء الأمة وتغذى بها عقولهم وأفكارهم.

وعقل الناشئ –وبالتالي عقل الأمة– صحيفة بيضاء وعجينة مرنة تصورها لجنة المناهج على يد المدرس كيف شاءت، فهى مسئولة عن هذا التصوير أمام الله والتاريخ والوطن. لها شرف المستقبل الزاهر المضيء، وعليها إثم الهاوية التى تتردى فيها الأمة، وقد أتى على هذه الأمة حين من الدهر جعل سوء الطالع مناهجها فيه تحت رحمة قوم يقول أحد وزرائهم (بالمرستون): لا ترضى إنجلترا أبدًا بتقدم مصر ورقيها. فكان من الطبيعي أن توضع المناهج على أساس قشور من العلم لا تسمن ولا تغنى من جوع، ولا يقصد من ورائها إلا تخريج آلات كتابية تقوم بعبء الأعمال الحكومية.

ونحن الآن فى عصر نهضة وتجدد تفتحت فيه أعين الأمة على النور، وهبت تطالب بحياة صحيحة إن لم تتوفر اليوم فلن نيأس منها غدًا، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فمن الطبيعي أمام الظروف الحافزة الكثيرة أن تتجدد النظرات فى مناهج التعليم وسياسته وأساليبه تجددًا مستمرًا حتى يصل التفكير الصحيح الناضج بالأمة إلى الغاية..

وقد استبشرنا خيرًا بهمة سعادة وزير المعارف يوم أسند إليه الأمر فى الوزارة وهو الخبير بشئونها الدارس لمواطن الضعف والقوة فى مناهجها ونظمها، وطلع علينا تقرير سعادته عن التعليم الثانوي فزادنا تفاؤلاً واستبشارًا، وترقبنا من لجان المناهج بعد تلك البواكر الطيبة والبشائر السارة خيرًا كثيرًا، وقلنا: الآن جاء الوقت الذي يتحقق فيه مطلب طالما عملنا وعملت له الأمة، ذلك هو إصلاح فوضى مناهج التعليم، واستكمال ما نقص منها وبخاصة فى الناحية الخلقية والدينية.

ويظهر أننا أسرفنا فى التفاؤل كثيرًا؛ فإن الخطوات التى وصلت إليها لجان المناهج الآن تدل على أننا نسير عكس الغاية.

سيكون لنا حول المناهج وحول التعليم عامة كلمات إن شاء الله، ولكنا وقد بدأنا بهذه الكلمة نريد أن تكون قاصرة على التعليم الديني:

التعليم الديني فى مدارسنا المصرية "مادة إضافية" ومعنى ذلك أن درجات التلميذ فيها لا تحتسب له، فهو غير مؤاخذ على دراسة هذه المادة بشىء، وهى إن احتلت مكانًا فى حصصها الضئيلة فإنما يكون ذلك آخر اليوم بعد أن يكون التعب قد أعيا المدرس والتلميذ معًا، ويشعر التلميذ مع كل هذا بأنها مادة لا أثر لها فى نجاحه أو رسوبه، وهنا الطامة فإن هذا الشعور وحده يدوم بنفس الطفل الصغير فيهمل كل الإهمال شئون دروس الدين من جهة، ويعتقد إلى جانب هذا الإهمال أن الدين أقل خطرًا من اللغة الإنجليزية، وإلا فما معنى أن تكون هذه مادة أساسية محترمة والدين مادة إضافية لا قيمة لها فى حسبان الدرجات.

هذا نقص ارتفعت أصوات المصلحين كثيرًا بوجوب تداركه واستكماله وعلاجه، ونادى بذلك كثير من المفتشين الأفاضل، وأرسلت الجمعيات الإسلامية فيه المذكرة تلو المذكرة لحضرات وزراء المعارف تباعًا، وتحطمت شبهات الذين يتمسكون بهذا النظام أمام قوة الدليل والبرهان فلم تبق ثم حجة للتمسك به إلا القعود وعدم تقدير التبعة وضعف الوازع، هذه واحدة، والثانية أن حصص الدين بالمدارس قليلة لا تسمن ولا تغنى من جوع، فماذا يصنع المدرس فى منهاج طويل قدرت له خطة الدراسة حصتين فقط وهو يستغرق ست حصص أو تزيد، وهو كله لازم للطالب حتى يكون قد أفاد بعض الشيء، وفقه من دينه ما لابد له من فقهه، وهل الحصتان فى كل من السنوات الثالثة والرابعة والثانية بالمدارس الابتدائية تكفيان لدراسة ثلاثة فروع من فروع الدين هى القرآن والفقه والتهذيب؟ وأين دروس العقائد وأين موضوعها فى الحصتين؟ إن تكليف المدرسين باستيعاب المنهاج فى هاتين الحصتين؟ تكليف بما لا يطاق ولا يمكن أن يتحقق.

وهذه الثانية، وقد انتظرنا طويلاً وترقبنا الفرص حتى تألفت لجان المناهج الأخيرة ومنها لجنة الدين، ولم نلبث أن سمعنا ما أخذ من النفس وأوجع القلب وأشعرنا خيبة الرجاء وفقدان الأمل.

يقوم عضوان محترمان فاضلان من أعضاء المكتب الفني لسعادة الوزير هما الأستاذ السكندري والأستاذ مهدى علام فيطالبان بجعل الدين مادة أساسية، ويدليان فى ذلك بأقوى الحجج وأمتن الأدلة حتى لا يجد المعارض سبيلاً إلى الرد، ثم يقترع المجتمعون، فإذا بإجماع على خلاف العضوين الفاضلين فى الرأي من بقية الأعضاء، ونتيجة ذلك طبعًا أن يظل الدين مادة إضافية.

ويأتي دور توزيع الحصص فتظل حصص سنوات الدراسة الابتدائية على ما هى عليه من قلة وضآلة، ثلاث فى السنة الأولى وثنتان فى كل سنة بعد ذلك، وتكون الحصص فى الثانوي حصتين فى السنة الأولى وتحذف بقية الحصص من السنوات الباقية فى الدراسة الثانوية.

طالب الثانوي ذلك الشاب المشبوب القوى الثائر الجسم والعقل معًا الذي هو فى دور من أدوار حياته أحوج ما يكون فيه إلى الوازع الديني الذي يلقنه الفضيلة صحيحة والعقيدة سليمة، ويقوم حارسًا أمينًا على أخلاقه وميوله وعواطفه فيسلم بذلك روحه وجسمه وعقله.

ذلك الطالب يحرم من دروس الدين فيما عدا السنة الأولى من سنوات التعليم الثانوي، فى الوقت الذي تسمح فيه خطة الدراسة بزيادة حصص اللغة الإنجليزية! فكأننا كنا فى ترقب إصلاح المناهج كالمستجير من الرمضاء بالنار.

يا سعادة الوزير، إننا نقولها كلمة بريئة كل البراءة، نزيهة كل النزاهة، طاهرة كل الطهر، لا يمليها إلا الإشفاق العظيم على أخلاق هذه الأمة أن تنهار، وعلى عواطف ناشئتها أن تجمح، وعلى شبابها الذى هو فى رعاية وزارة المعارف أن تضل به الأهواء والسبل، ولا نقصد بها إلا الخير والإصلاح.

إن جهل طلبتنا بالدين جهل فاضح مزر إلى أقصى حدود الزراية، فامح أنت هذا النقص الذى لزم خطة التعليم هذا الأمد الطويل، واقصد بذلك وجه الله وخدمة الوطن.

تلك كلمتنا فى هذه الناحية، وإن لنا بعد إليها وإلى غيرها من نواحي المناهج لعودة إن شاء الله(6).

 

2- فى مناهج التعليم

لما أراد فردريك الأكبر ملك بروسيا إصلاح التعليم فى بلاده وأصدر قوانينه المدرسية التى سنها سنة 1763م كان من هذه القوانين: "على القائمين بشئون الحكومة أن يعملوا على ترقية الأمة وإسعاد جميع طبقاتها بوضع أساس متين لتربية الأطفال فى المدارس تربية صحيحة دينية تغرس فى قلوبهم مخافة الله وترمى إلى أغراض سامية".

ومن المأثور عن شاعر فرنسا الكبير فكتور هيجو: "يجب أن يحكم بالسجن على كل صاحب مدرسة كتب على بابها: لا يعلم الدين هنا".

ويقول فروبل عن نفسه فى مدرسة استاتلم بعد مضى أربعين عامًا على تركه إياها: "تأملت المدرسة أول ساعة دخلتها فإذا التلاميذ جميعًا يرتلون آية الإنجيل: "ليكن دين الله أول همك وأول شىء تسعى إليه"، فكان لهذه الآية من الروعة والأثر فى قلبي ما لم أشعر بمثله قبل ذلك الوقت أو بعده. نعم، كان الأثر فى نفسى شديدًا حتى لقد بلغ من قوته أنى أذكر هذه الآية الآن كلمة كلمة وأحس أصوات الأطفال ونغماتهم واضحة جلية فى نفسى كأن لم يمض عليها أربعون عامًا".

ويقول الأستاذ أرازمس: "يجب أن يعنى كل العناية بالغرض الخلقي من التربية، وأن تنال التربية الدينية نصيبًا وافرًا من عناية المربين".

نقدم بين يدى كلمتنا هذه الآراء التى تعبر عن رأى سياسى قدير وشاعر كبير وأستاذين من أعظم أساتذة التربية، وكل هؤلاء قد أجمعوا على وجوب عناية رجال التعليم بشأن الدين والتربية الخلقية، فإن كنا مسلمين ننزل على حكم الإسلام فى شئوننا وأعمالنا فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[التحريم: 6]، وإن كنا مقلدين نأبى إلا أن نتخذ من نظم أوروبا وكلام فلاسفتها إمامًا فهذا هو كلامهم يحتم على رجال التعليم أن يعنوا بالمسائل الدينية والتربية الخلقية.

وفى الحق أنه ليست هناك وسيلة لتربية الخلق إلا الدين بل الدين وحده، فالعلم والفلسفة والنصائح والإرشادات كلها لا تجدى فى تربية النفوس وتزكية الأرواح إلا إذا استندت إلى الوازع الديني القوى السلطان العظيم الأثر، وإذا استقرت العقيدة الدينية فى نفس من النفوس سمت بها عن الدنايا وألزمتها حدود الفضائل.

ومدارسنا خلو من التعليم الديني، وهذه الحصص القليلة فى المدارس الابتدائية قليلة الفائدة عديمة الجدوى، ولاسيما وهى مادة إضافية والطفل فى هذه السن قلما يتأثر بما يملى عليه أو يتعقل نظريات الدين ومعانيه السامية اللهم إلا أن تساق إليه بعض المشاعر الدينية فى طوايا القصص والحكايات وما إليها، وذلك إن نفع بعض النفع فى تربية الشعور فلن ينفع فى إمداد الناشئ بالمعلومات الدينية، لهذا كان أولى الأدوار بالعناية بدروس الدين دور التعليم الثانوي ودور التعليم العالي بعد أن نحاول إيقاظ شعور الطالب فى هذه الناحية فى التعليم الابتدائي، ومن هنا تتضح ضرورة تعميم دروس الدين فى كل أدوار التعليم.

إن المتخرجين فى المدارس عندنا فى حال يرثى لها بالنسبة للشئون الدينية، فهم لا يعلمون عقائد الإسلام علمًا صحيحًا، ولا يحسنون أداء عباداته؛ لأنهم لا يعرفون ما يصححها ولا ما يبطلها، ولا يغارون على شعائره؛ لأنها لم تحط فى نفوسهم بمظاهر من التكريم تجعل لها القداسة التى تنشأ عنها الغيرة.

أعرف شابًا نال إجازة علمية ولم يكن يصلى وبعد لأي اقتنع بلزوم الصلاة، فأخذت ألقنه كيفية أدائها وكيفية الوضوء قبلها، ووقفنا نصلى وفى أثناء الصلاة تركني وانصرف ثم عاد بعد قليل وأتم صلاته، فسألته بعد الانتهاء عما حدا به إلى الانصراف، فكان جوابه أنه حصر فقضى الحاجة وعاد من غير أن يتوضأ، فأرشدته إلى ما يجب أن يفعل، وأسفت لما وصل إليه شبابنا المثقف من جهالة بأحكام الإسلام، هذا مثل واحد والمثل غيره كثير، ولئن دام هذا فى برامجنا المصرية فعلى الإسلام فى نفوس الناشئة السلام.

فرجاؤنا إلى سعادة الوزير ورجال المكتب الفني الفضلاء وكل من له صوت يسمع فى برامج التعليم أن يبذل الجهد فى تكميل هذا النقص الذي سيظل ثغرة من ثغرات الضعف فى بناء التعليم العام(7).

 

رأى فى إصلاح منهج التعليم الديني فى المدارس المصرية

لسنا فى حاجة إلى أن نبين الفوائد الحقيقية التى تعود على الطلبة من دراسة الدين دراسة صحيحة فى المدارس، فذلك أمر مفروغ منه، ولسنا فى حاجة إلى أن نقول: إن هذه الدراسة إذا أريد بها أن تأتى بهذه الفوائد فلابد من أن تجعل خطة الدراسة تعليم الدين مادة أساسية وأن تعمم دروسه فى كل مراحل التعليم، ولكنا نتقدم بهذه الكلمة الوجيزة لنلقى بها بعض الضوء على تكوين المنهج خاصة، ونسأل الله أن يلهم لجان المناهج ما فيه الخير لهذه الأمة.

فى المدارس الابتدائية:

السنة الأولى والثانية: يكون منهجهما وطريقتهما على النحو الحالي مراعاة لسن الأطفال ومداركهم، أى: يكون فى كل منهما ثلاث حصص توزع على القرآن والفقه والتهذيب.

السنة الثالثة: تزاد فيها حصة القرآن الكريم فيكلف التلميذ فيها حفظ جزء من القرآن، وتختصر موضوعات منهج التهذيب الخلقية ويزاد فى موضوعات التراجم بضع ترجمات لعظماء الإسلام كالخلفاء الأربعة مثلاً، وتستمر حصصها أربعًا: واحدة للقرآن، وأخرى للتهذيب، واثنتين للفقه، أو تقتصر على واحدة فى الفقه فتكون الحصص ثلاثًا فقط.

السنة الرابعة: تقرر لها حصة للعقائد، وحصة للقرآن، وحصة للتهذيب يدرسون فى الأولى مبادئ العقائد الصحيحة، ويحفظون فى الثانية جزءًا من القرآن مع استعادة ما تقدم، ويدرسون فى الثالثة بقية عنوانات التهذيب التى حذفت من السنة الثالثة، مع تحفيظ كثير من الأحاديث الواردة فى الأخلاق.

وهذه المحفوظات الدينية هى خير ذخيرة ينتفع بها التلميذ فى حياته المستقبلة، وفى هاتين السنتين يجب أن يكون الامتحان فى هذه المادة تحريريًا كبقية المواد يتوقف عليه نجاح التلميذ أو رسوبه، ويسأل المدرس عن نتيجته فيها كما يسأل عن نتيجة اللغة العربية، ويعامل القرآن معاملة المحفوظات.

وبذلك يتخرج التلميذ فى المدرسة الابتدائية وقد حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، وشدا شيئًا فى الفقه والأخلاق، وعرف قدوة صالحة من سلفه يأخذ بها.

فى المدارس الثانوية والخصوصية والفنية:

يخصص فى كل سنة من سنواتها ثلاث حصص للدين: إحداها: لتصحيح القرآن واستظهاره كحصة المحفوظات فى اللغة العربية كما فى مدارس المعلمين الأولية الآن، ويحفظ التلاميذ فى هذه الحصة كل سنة جزءًا من القرآن، ويدرسون فى الثانية العقائد بصورة أوسع فى النظر والتدليل، مع العناية بدراسة السيرة النبوية فى هذا الدرس، ويدرسون فى الثالثة الأحكام الفقهية التى تناسب أسنانهم كالغسل وصلاة المسافر، مع البحث عن الأسرار والمزايا والأدلة مشفوعًا ذلك بشىء من الأحاديث النبوية فى فضائل هذه العبادات.

وبذلك يغادر التلميذ هذه المدارس وقد علم بها من العقائد ما يزعه عن مقارفة الشرور والآثام، ومن أحكام الفروع ما يصحح به عبادة ربه على الوجه المطلوب، ومن كتاب ربه جزءًا لا بأس به.

فى المدارس العالية والجامعة:

تخصص حصتان للعقائد وحصة للفقه يبحث فى الأولين عن فلسفة العقائد ورد الشبهات الواردة عليها وتمحيص الأدلة العقلية والنقلية لها، ويبحث فى الثانية عن أدلة الأحكام وعلل اختلافها وكيفية استنباطها بطريقة مجملة.

وتترك العناية بتحفيظ القرآن وتفهم أسراره لمقدرة الطالب على أن يؤدى امتحانًا شفهيًا فى مقرر معلوم آخر العام.

ذلك أساس المشروع الذى نريد أن تعمل وزارة المعارف على إنفاذه فى المدارس.

ولا ينتج الثمرة المطلوبة إلا بمراعاة الملاحظات الآتية:

1-     للقدوة والروح العام فى المدرسة أبلغ الأثر فى نفوس التلاميذ، ومتى شعر المدرسون باهتمام الوزارة ببث روح الدين بادروا إلى تحقيق هذه الغاية؛ لأن شعور المدرس بضعف هذه الرغبة عند الرؤساء والمفتشين يجعله متساهلاً متهاونًا، ويجعل مجهوده قاصرًا قليل الفائدة.

2-     العناية باختيار الكتب الدينية وصرفها للتلاميذ ليشعروا بأهمية هذا العلم، ويستفيدوا بمطالعة هذه الكتب المختارة فى الفقه وفى التهذيب وفى السير وفى العقائد وفى الأحاديث النبوية.

تلك خطة نقترحها معترفين بالعجز والقصور، على أن تفتح بها الباب للمفكرين والنوابغ من رجال التعليم الذين هم أولى بهذا منا وأقدر، راجين أن ينال هذا الأمر من عنايتهم ما يستحقه من الاهتمام والتقدير والتنفيذ المشمول بالشجاعة الأدبية والإقدام(8).

 

فى الإصلاح الأزهري

صورة المذكرة التى رفعها إلى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم... الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

"وبعد" فأشرف بأن أرفع إلى فضيلتكم مقترحات بشأن الإصلاح الأزهري الذي عقدت عليكم الآمال فى إنفاذه بطريقة تحفظ للأزهر صبغته وتعيد للإسلام مجده، وعلم الله أنه ما حدا بي إلى ذلك إلا اعتقادي أن من واجب كل مسلم أن يتقدم بالنصح فى هذا الأمر الخطير الذي يؤثر أبلغ الأثر فى مستقبل الشرق والإسلام، والله أسأل أن يسدد فى الإصلاح خطاكم، وأن يؤيد الإسلام بجهودكم، وأن ينهض مصر ومن ورائها العالم الإسلامي على أيديكم وهو ولى التوفيق.

(1) مقترحات إدارية

‌أ-      تعمل مشيخة الأزهر على ضم مراقبة التعليم الأولى بكل اختصاصاتها إلى الناحية الأزهرية، على أن يتبع ذلك إلغاء مدارس المعلمين الأولية والاستعاضة عنها بقسم إعدادي بعد شهادة (الكفاءة – أو البكالوريا الأزهرية) لتخريج المدرسين بالمدارس الأولية.

‌ب-    ضم شعبة البلاغة والأدب الحالية للتخصص الأزهري إلى دار العلوم، والمطالبة بضم قسم اللغة العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية إليهما، ثم يضم الجميع إلى ناحية الأزهر حتى يتوحد المعهد الذي يتخرج فيه أساتذة الدين واللغة العربية بالمدارس المصرية.

‌ج-     المطالبة بتقرير تدريس الدين فى كل مراحل التعليم، وبأن يكون مادة أساسية فى كل المدارس المصرية.

‌د-     العمل الدائب على إعادة التشريع الإسلامي وجعله القضاء السائد فى الأمة، وتبعًا لذلك يضم قسم التخصص الأزهري الحالي فى كلية الشريعة إلى كلية الحقوق بالجامعة المصرية، ثم يضمان معًا إلى الأزهر.

(2) مقترحات فنية

‌أ-      العناية باختيار مواد الدروس الدينية وجعلها أساسًا فى المناهج الأزهرية، مع جعل حفظ القرآن الكريم مادة أساسية يمتحن فيها الطلبة امتحانًا صحيحًا فى كل مرحلة من مراحل التعليم الأزهري بحيث يتوقف نيل الطالب الشهادة على إجادة الحفظ.

‌ب-    تحرير المناهج الأزهرية من تقليد غيرها من المناهج، والاقتصار فى العلوم الرياضية والحديثة مما لابد منه للأزهري، مع الإلمام بها جميعًا على طريقة التوزيع بين الأقسام والفرق.

‌ج-     العناية باختيار المدرسين وترك الحرية للطلاب فى الأقسام العالية وفى التخصص فى الحضور على من يريدون من الشيوخ.

‌د-     ملاحظة أن يكون مدرسو الرياضة والعلوم الحديثة ممن يميلون بفطرتهم إلى البيئة الأزهرية، مع إنشاء قسم إعدادي يلتحقون به مدة معينة يلمون فيها بما لابد منه من المعلومات الدينية التى تتصل بدروسهم، والتي تحفظ كرامة المدرس وعقيدة الطالب.

ﻫ- العناية باختيار الكتب المدرسية.

‌و-     الاقتصار فى اللغات الأجنبية فى الأزهر على ما لابد منه، وذلك بأن تكون فى مناهج الكلية المخصصة بنشر الدعوة فى البلاد الأجنبية بقسميها العالي والتخصص فقط لا فى كل الكليات ولا فى الأقسام الأولية والثانوية، وجعلها بقدر الإمكان فى أماكن غير أماكن الدراسة الأزهرية، ويجب أن يقوم بتدريسها على أية حال مدرسون مسلمون.

‌ز-     مراعاة القصد فى البعوث الأزهرية إلا أن يكون ذلك بين الشعوب الإسلامية التى يريد أهلها أن يتعلموا الإسلام عن طريق الأزهر.

‌ح-     العناية بالتربية والإصلاح الخلقي الذي يقوى فى الأزهري خلق الرجولة الكاملة، وذلك بأن تكون دراسة الدين فى الأزهر علمية وعملية.

‌ط-     الزي الأزهري يجب أن يبقى كما هو، أو يتقرب أكثر من ذلك إلى الشكل العربي، أما إدخال الأزياء الإفرنجية بالأزهر فجريرة لا يعلم مدى سوء أثرها إلا الله.

ذلك بعض ما أردنا أن نتقدم به من مقترحات فنية وإدارية، وفيما يلى كلمة تفسيرية نلم فيها بالغاية من ذلك والله ولى التوفيق.

(3) مذكرة تفسيرية لهذه المقترحات

مهمة الأزهر ومنزلته: الأزهر أقدم جامعة فى العالم الإسلامي بل فى العالم كله، وقد أكسبته الحوادث صبغة جعلت منزلته فى القلوب سامية، وأثره فى توجيه الفكر الشرقي بالغًا، ينفر الطلاب إليه من كل فرقة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.

وهو لهذا أصبح مظهرًا من مظاهر الإسلام وشعيرة من شعائر الله، لها من الأثر والقداسة ما يجعل رفعتها وصلاحها رفعة للإسلام وصلاحًا له، كما أن تدهورها واندحارها تدهورًا له كذلك، فنحن حين نغار على الأزهر ونعمل فى سبيله نعتقد أننا نعمل للإسلام فى شخص الأزهر، وقد أدرك خصوم الإسلام هذه الحقيقة فجعلوا فى برامجهم النيل من الأزهر والكيد له بقدر ما جعلوا فيها من النيل من القرآن الكريم ومكة المشرفة وتعاليم الإسلام وشرائعه والكيد لها؛ إذ إنها جميعًا شعائر الله ومقدسات المسلمين الغالية.

ومهما قال الناس عن المهمة التى وكل إلى الأزهر أداؤها والقيام بها فى مختلف الأعصار والحوادث، فقد انتهت هذه المهمة فى العرف وفى الحقيقة الواقعة إلى أمرين لا نزاع فى أنهما مهمة الأزهر (أولهما): تعليم المسلمين أحكام الإسلام ونشرها بينهم. (وثانيهما): تعميم الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين.

لهذا يجب أن يكون الإصلاح فى الأزهر قائمًا على أساس الوصول إلى أداء هذه المهمة حق الأداء، وإنما يكون ذلك بتقوية الطلبة إلى أقصى حد فى علوم الدين الغايات منها والوسائل، وتجهيزهم بكل المعدات اللازمة للمعلم الداعية، مع إيجاد الميادين اللازمة لأداء هذه الوظيفة.

التنافس بين الأزهر وبين بقية المعاهد

ولقد أتى على الشرق حين من الدهر كان الأزهر هو المعهد الوحيد لتخريج رجال العلم الدينيين والمدنيين، ليس فى مصر وحدها بل فى الشرق كله، ثم اقتضت الحوادث أن تنشأ مدرسة الحقوق حين عدلت مصر عن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية -وهى بضاعة الأزهر- إلى القوانين الوضعية، وحينئذ وجد معهد ينافس الأزهر ويقوم ببعض مهمته، وجاءت دار العلوم على أنها جزء من الأزهر يتخصص طلبته بتدريس اللغة العربية فى المدارس، وبعد حين صارت مدرسة برأسها لها صبغتها وحقوقها وامتيازاتها، وتبعتها مدرسة القضاء الشرعي على هذا الغرار، فصار الأزهر بين معاهد ثلاثة تجاذبه مهمته الأولى وتضيق من اختصاصه.

ونشأت بعد ذلك مدارس ومعاهد تختلف مهمتها وتبعيتها باختلاف الغايات التى أنشئت من أجلها، ومنها المكاتب الأولية التى يستمد الأزهر منها طلبته وتكاد تكون هى المعين الأول لتغذيته بما يحتاج إليه من الطلاب.

وكل هذه المعاهد صغيرها وكبيرها، لم تحدد صلتها بالأزهر حتى هذا النوع الوحيد الذى هو أمس أنواع التعليم به، ونعنى به التعليم الأولى، فإنها جميعًا تابعة فى كل شئونها لوزارة المعارف.

وانتهى الأمر بإنشاء الجامعة المصرية التى أخذت تجاذب الأزهر حبل قيادة الفكر والسيطرة على شئون التعليم والثقافة، وكل ذلك جعل الميادين الخالية للأزهر محصورة فى الإمامة والخطابة والتدريس فى الأزهر خاصة والمأذونية والقضاء الشرعي (ولا ننسى تلك الدعوة الجريئة التى ينادى بها قوم من مرضى القلوب بين الفينة والفينة يريدون بها تعديل نظم القضاء الشرعي، بحيث يندمج فى القضاء الأهلي، وحينئذ يقفل باب القضاء جملة فى وجه الأزهر والأزهريين، وتنقطع صلة الأمة بالبقية الباقية من تشريعها السماوي).

بهذا التصوير نرى أنفسنا أمام أنواع كثيرة مختلفة متضاربة من أنواع التعليم فى مصر، فهناك:

‌أ-      التعليم الأزهري بفروعه وكلياته، وتمده أقسامه من: ثانوية وابتدائية، وتنتهي إلى غير أساس يتبعها وتهيمن عليه من المدارس الأولية.

‌ب-    والتعليم الأولى الذى تنقطع الطريق بسالكه بعد فترة قصيرة ولا يتاح له أن يتم تعليمه وإن ساعدته الظروف على ذلك؛ إذ ينتهى هذا الطريق إلى غير نهاية يحسن الوقوف عندها.

‌ج-     التعليم الجامعي الذي يستمد من المدارس الثانوية والابتدائية ومن دار العلوم ومن الأزهر أحيانًا كما فى كلية الآداب فى الجامعة.

‌د-     التعليم العالي ويلحق به معهد التربية ويستمد كذلك من المدارس الابتدائية والثانوية.

ﻫ- التعليم الخصوصي والفني ويستمد من المدارس الثانوية والابتدائية على اختلاف فى تقدير المؤهلات بحسب مطالب كل مدرسة.

و- دار العلوم التى ينتهي قسمها التجهيزي فى هذا العام فتظل واقفة فى مفترق الطرق.

وسواء صح ما يشاع من ضم المدارس العالية إلى الجامعة وضم دار العلوم إليها أو إلى الأزهر أو لم يصح، فإن الذي نقصد إليه فى كلمتنا هذه هو توطيد طريق التعليم الأزهري توطيدًا يصل حلقات سلسلته بعضها ببعض اتصالاً وثيقًا، أما النظر فيما عدا ذلك -وإن كان يمت إليه بأقوى صلة- فلسنا نعرض له هنا وإن اضطرنا البحث إلى الإلمام ببعضه.

كيف يكون الارتباط بين حلقات السلسلة الأزهرية

أولاً: يجب أن يضم التعليم الأولى بكل فروعه إلى ناحية الأزهر، وتجهز مناهجه بكيفية تجعلها وثيقة الرابطة بالمناهج الأزهرية، فتضم المكاتب الإلزامية إن بقيت والأولية إن عادت إلى ناحية الأزهر، وتلغى مدارس المعلمين الأولية وتحضيريتها ويستعاض عنها بحملة شهادة الدراسة الثانوية القسم الأول أو الثاني بالأزهر، بعد أن تكون هناك فترة يعدون فيها للقيام بمهمة التدريس بالمدارس الأولية، ويمنحون بعدها إجازة تخولهم هذا الحق وتقوم مقام كفاءة التعليم الأولى الحالي، وبذلك تتحول كل اختصاصات مراقبة التعليم الأولى إلى الناحية الأزهرية، ونكون قد استكملنا بذلك النقص الحالي فى كل منهما، فجعلنا للتعليم الأزهري أساسًا متينًا من هذه المدارس الأولية، وجعلنا للتعليم الأولى نهاية طيبة لمن شاء أن يتم دروسه من التعليم الأزهري.

ثانيًا: تعتبر كل كلية فى الأزهر إعدادًا للمرحلة التى تليها من مراحل الأزهر، فكلية اللغة العربية تجهز للتخصص الذى يقوم بدراسة اللغة العربية فى كل المعاهد المصرية بعد أن تضم دار العلوم إلى هذه الشعبة، وتقتصر كلية الآداب بالجامعة المصرية على الأقسام الحالية بها غير قسم اللغة العربية حتى لا يكون هناك تضارب بين نظام الجامعتين الأزهرية والمصرية، وتكون كلية الشريعة إعدادية لشعبة التخصص الذى يوكل إليه أمر القضاء، وعلى الأزهر أن يسعى سعيًا حثيثًا فى إقناع السلطات المختصة بوجوب العودة إلى التشريع الإسلامي، وحينئذ تضم إليه كلية الحقوق وتمتزج بكلية الشريعة، وتحديد مهمة كل جامعة من الجامعتين تحديدًا دقيقًا، وتكون كلية أصول الدين إعدادية لقسم التخصص، وهو القسم الخاص بالإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد فى البلاد الإسلامية وبالدعوة الإسلامية خارج البلاد. وتتميمًا لهذا الوضع يجب أن ينادى الأزهر بتعميم تدريس الدين فى المدارس المصرية، وجعله مادة أساسية فى كل مراحل التعليم يقوم بتدريسها مدرسو اللغة العربية.

وقد يبدو هذا الوضع بعيدًا أمام الذين يتناسون الحقائق ويغفلون صالح الأمة، أما الذين يضعون نصب أعينهم أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام كما ينص عليه دستور الأمة، وأن الواقع يؤيد هذا النص، فمصر بلد مسلم، بل هو زعيم الشرق الإسلامي كله، والمصريون أمة تعتز بدينها وتحافظ عليه، وأن الأزهر هو محط آمال المسلمين فى الإصلاح الإسلامي، الذي يعتقد هذا يرى هذا الوضع هو ما يجب أن يعمل له كل مسلم غيور.

ذلك إلى ما فيه من توحيد الثقافات وتقريبها، وتحديد الاختصاصات والقضاء على التضارب الذى أوجده الاضطراب فى سياسة التعليم، والذى من أمثلته أن الوزارة تكل التعليم الأولى إلى المتخرجين فى مدارس المعلمين الأولية، وتجيز مزاولته للذين نالوا شهادة الدراسة الثانوية الأزهرية، وهنا يقع التضارب والتفاضل، وكذلك تدريس اللغة العربية فى المدارس المصرية مهمة يتنازعها رجال دار العلوم وهم أساتذتها الأصليون، ورجال كلية اللغة العربية بالأزهر لما لهم من قدم فى دراسة العربية، ورجال كلية الآداب لما يدلون به من نظام جامعي، وكل ما تراه من جدل بين هذه الطوائف فمحوره التنازع حول هذه الغاية، وإذن فالخير كل الخير فى وضع حد لذلك، وتحديد الاختصاص على النحو الذى أسلفناه.

إصلاح المناهج فى الأزهر

ننتقل بعد ذلك إلى ناحية إصلاح المناهج فى الأزهر الشريف، وذلك إنما يكون بحسن اختيار المواد الدراسية، وبحسن اختيار المدرسين وإعدادهم، وحسن اختيار الكتب الدراسية.

فأما من الناحية الأولى فقد أجمع المربون على أن أول أساس يجب أن ينظر إليه فى اختيار المواد الدراسية الغاية التى يجهز لها الطالب.

والغاية التى يجهز لها الطالب فى الأزهر لا مشاحة فى أنها تعليم الناس الدين ونشر دعوة الإسلام بينهم، وعلى هذا يجب أن يلاحظ فى مواد الدراسة الأزهرية هذه الملاحظات:

‌أ-      العناية بالدروس الدينية عناية تجعل الطالب الأزهري ضليعًا فيها، ملمًا بأصولها، جيد الملكة فى تذوقها، وبذلك نحرص على كرامة الأزهر وصبغته الإسلامية التى يجب أن تظل خالدة فيه.

‌ب-    تحرير مناهج الأزهر من تقليد المدارس المدنية الذى خضعت له فى العهد الأخير، والذى نجم عنه شحن المناهج بالعلوم المدنية على طريقة تحول بين الطالب وبين هضم إحدى الناحيتين، بل يجب أن يكون تدريس هذه العلوم فى الأزهر بقدر وكيفية تجعلها لا تطغى على الصبغة الأزهرية، ولا تعوق الطلبة عن التضلع فى الناحية الدينية، مع الإلمام بأكبر قدر ممكن منها، ليس الأزهر مدرسة للهندسة ولا للزراعة ولا للتجارة ولا للطب ولا للرياضيات، ولكنه مدرسة التعليم الديني قبل كل شىء ولا نمانع فى أن يدرس الأزهريون كل المواد، وأن يأخذوا من المعارف العامة بالنصيب الأوفى الذى يؤهلهم لفهم بيئتهم، ودراسة العصر الذى يعيشون فيه دراسة تمكنهم من حسن الاتصال بالناس وإفادتهم، وتقرب بين ثقافتهم والثقافات الأخرى، ولكن الذى نمانع فيه أن تحول هذه الدراسة دون المقصد الأول وتصبغ الأزهر بصبغة غير صبغته ولون غير لونه.

وإنما نصل إلى الجمع بين تدريس العلوم الرياضية فى الأزهر وعدم طغيانها على صبغته الصحيحة بأن تكون هذه العلوم فى المناهج على سبيل التوزيع، ففى الأقسام الأولى مثلاً تدرس مبادئ الرياضة من حساب وهندسة ورسم وما إليه، وفى الثانوي يزاد عليها ما يمت إليها بصلة كالطبيعة والكيمياء والجبر، ويضاف إلى ذلك مبادئ التربية وعلم النفس، وكل ذلك بقدر شامل موجز، وفى الإعدادي لإجازة التعليم الأولى يتوسع فى دراسة المواد التى تتصل بصناعة التعليم كالتربية علمًا وعملاً، والمنطق وعلم النفس، وتدبير الصحة وهكذا، وفى كل كلية يتوسع فى دراسة ما يمت إلى مهمة هذه الكلية بصلة، وبذلك نجمع بين التعميم والاختصاص.

وإذا كنا لمسنا ناحية حاجة الأزهري وهو طالب الإسلام إلى هذه العلوم، فأحر بنا أن نلمس حاجة غيره من طلبة المعاهد الأخرى المدنية إلى تعلم الإسلام، فمما لا شك فيه أن حاجة الأزهري إلى هذه العلوم المدنية أقل من حاجة طالب الطب وطالب الهندسة وطالب الزراعة وطالب التجارة وطالب الرياضة إلى الدين، ولهذا كان من أوضح العدل أن يلح الأزهر فى وجوب تعميم دراسة الدين فى كل هذه المعاهد.

جـ- الاقتصار فى اللغات الأجنبية على الضروري: إن إدخال اللغات الأجنبية فى مناهج الأزهر ضرورة اقتضتها مهمة الأزهري فى تعميم دعوة الإسلام، فنحن لا ننكر على المناهج الأزهرية اشتمالها على هذه اللغات، ولكن الذى نريد أن نحرص عليه الاقتصار فى دراستها على القدر الضروري الذى دعت إليه الحاجة، بحيث لا تكون هذه اللغات فى أقسام الأزهر كلها، إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، ولكن تكون فى القسم الذى يخصص للدعوة وهو كلية أصول الدين، وبذلك نحفظ للأزهر صبغته الإسلامية الشرقية، أما إذا عممت فى أقسام الأزهر فستزاحم قطعًا المواد الأساسية التى هى مهمة الأزهر الأولى، وتصبغه بصبغة ليست منه فى شىء، وتكون وسيلة إلى أن يتسرب إلى الأزهر مدرسون أجانب عن بيئته حقيقة أو مجازًا، فيكون لذلك فى نفوس أبنائه أسوأ الآثار.

وحبذا لو كانت دروس اللغات فى ناحية غير الناحية الأزهرية، بأن ينشأ قسم خاص يلتحق به من توكل إليه مهمة الدعوة، ويتفرغ فيه لدراسة اللغة التى سيقوم بالدعوة بين أبنائها، أو بأن يكون ذلك فى فصول ليلية، وكل ذلك حرصًا على الصبغة التى لزمت الأزهر منذ أكثر من ألف سنة.

وأما عن الناحية الثانية وهى إعداد المدرسين وحسن اختيارهم فأمامنا لذلك عدة وسائل، فأما من حيث المدرسين الحاليين فإن إصلاح شأنهم يكون فى ترك الحرية للطلاب فى الكليات وأقسام التخصص فى الحضور على الشيخ الذى يريدون حضور درسه، وإذن فسيكون هناك تنافس بين الشيوخ فى الإجادة والإفادة ويكون البقاء للأصلح، وأما من حيث المدرسين فى المستقبل فإن إصلاح المناهج كفيل بإصلاح شأنهم بعد الوقت المناسب.

وأما مدرسو المدنية: الرياضة والعلوم، فمن واجب إدارة الأزهر الاهتمام بشأنهم فقد لوحظ أن كثيرًا منهم لا يتصل بالبيئة الأزهرية إلا بصلة الارتزاق فقط، وهو مع ذلك متبرم بها، ولذلك أثره بالغ فى التقصير فى أداء مهمته، كما لوحظ أن كثيرًا منهم يجهل البسائط فى الدين، ويجيب على ما يوجه إليه من أسئلة فى الموضوعات الدينية التى قد يكون لها مساس ببعض موضوعات فنية إجابة مضحكة أو مشككة، مما يجعل منزلته فى نفس الطالب الذى يتلقى عنه ضئيلة هزيلة. ولإصلاحهم يجب أن تعنى الإدارة باختيارهم ممن يميلون بفطرتهم إلى بيئة الأزهر، ثم ينشأ قسم إعدادي يلتحقون به فترة قبل مزاولتهم التدريس يلمون فيه بما لابد منه للمدرس من المسائل الدينية، على أن يكون هذا نظامًا مؤقتًا حتى تثوب المدارس المدنية إلى الرشد وتعنى بشأن الدين.

أما الناحية الثالثة وهى العناية باختيار الكتب، فقد ألم بها باحثون كثير على أثر ما لوحظ من عناية الكتب المتداولة بالألفاظ والجدل أكثر من عنايتها بالعلم والملكات، وإنما يكون إصلاح هذا النقص بالعودة إلى بعض كتب المتقدمين الدسمة المليئة بالعلم فى سهولة ودقة بحث، وبأن تؤلف لجان فنية مهمتها الانتقاء والاختيار وإمداد الأقسام الأزهرية بالمصنفات التى تنتج دراستها غزارة العلم وقوة الملكة.

ملاحظات عامة

‌أ-      البعوث الأزهرية التى يقصد منها تثقيف أبناء الأزهر يجب أن تضيق دائرتها وتقتصر فيها على قدر الحاجة، على حين يجب الاهتمام كل الاهتمام بتوسيع دائرة المبعوثين إلى الشعوب الإسلامية لتعليم أبنائها الإسلام.

‌ب-    هناك بوادر خلقية ونفسية تنتاب الأزهريين فى هذا العصر يجب أن يبادر بعلاجها علاجًا سريعًا حاسمًا، من أمثلتها: انتشار فكرة التحرر من قيود البحث الصحيح إلى ما تمليه الأهواء ويمت إلى الزراية على السلف تحت عنوان حرية الفكر أو الانتصار للاجتهاد أو غير ذلك من المزاعم، ومنها: التهالك فى حب الدنيا والخنوع للمادة والاستهانة بكرامة العلم، ومنها: التهاون فى أداء الفرائض وعدم الاحتفاظ بالمظاهر الإسلامية أخذًا بالرخص الفقهية وجريًا وراء التيار، وإنما كان منشأ ذلك فى الأزهر أن نظمه الجديدة جعلت منه مدرسة علمية فقط الغرض منها تدريس المواد ومعرفة العلوم بعد أن كان دارًا للتربية والعلم معًا، ففقدان روح التربية الصحيحة بالأزهر جر إلى نفوس أبنائه كثيرًا من الضعف، وعلاج ذلك إنما يكون بالقدوة الحسنة، وبأن يؤخذ الطلبة بأداء الفرائض والاستمساك بحبل الدين عمليًا، وبأن يستعان على ذلك بدراسة كتب التربية الإسلامية التى تمت إلى التصوف الصحيح بصلة كإحياء الغزالي دراسة عملية لا علمية فقط.

‌ج-     الزي الأزهري يجب أن يبقى عربيًا، وإن كان ولابد من تعديله فإلى ما يقربه من ناحية العروبة أقرب مما هو الآن، فكلما تعمق الزي الأزهري فى عروبته كلما زادت مهابة أبنائه وصلحت بذلك نفوسهم، أما أن يصرح للأزهريين بارتداء الملابس الإفرنجية أو خلع العمائم فتلك جناية كبرى على الشرق وعلى الإسلام وعلى الأزهر تعقب أسوأ الآثار.

‌د-     مما يشرف الأزهر ويرفع من شأنه فى العالم الإسلامي أن يعنى بشأن ضيوفه من الطلبة غير المصريين عناية تسهل عليهم الاستفادة منه من جهة، وتجعل الأزهر يجنى من وجودهم بمصر أطيب الثمرات من حيث الارتباط المنشود بين مصر وبقية الأقطار.

بقيت بعد ذلك مسألة تبعية الأزهر، وكل ما نرجو أن يلاحظه أولو الأمر فيها وجوب استقلال الأزهر استقلالاً تامًا عن مهاب الزوابع والأعاصير، وإبعاده كل الإبعاد عن التورط فى الشئون السياسية والحزبية التى ليست من مهمته.

ولعلى بذلك أكون قد أديت أمانتي وقدمت نصيحتي، والدين النصيحة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(9).

 

3- فى مناهج التعليم

من عيوب المناهج المصرية فقدان الغاية أو خفاؤها وعدم تقديرها، للتربية والتعليم فى كل أمة غاية من الغايات هى المحور الأول الذي يدور عليها اختيار المناهج والمواد الدراسية، وبدون ملاحظة هذه الغاية تكون المناهج قاصرة مضطربة قد تؤدى إلى الإضرار بالأمة وناشئتها. لما أراد المفكرون أن ينهضوا بأممهم فى الغرب أهابوا بها أن تحدد الغاية من التربية والتعليم، وأن تخضع المناهج الدراسية لهذه الغاية، وبين أيدينا من هذه النماذج رسالة التربية لهربرت سبنسر التى وجهها نداء حارًا قويًا إلى الأمة الإنجليزية بوجوب تحديد قيمة المعارف الإنسانية، وتحديد غاية التربية والتعليم فى الأمة الإنجليزية، واختيار ما يوافق هذه الغاية من تلك المعارف ويؤدى إليها.

وغاية التربية -وإن كان فيها عناصر أساسية تنحو نحوها الأمم جميعًا- فإنها تختلف باختلاف الظروف والبيئات والأفكار والمعتقدات التى تسود الأمة إلى حد كبير، لهذا كان أول الواجبات على الذين يريدون أن يضعوا للأمة مناهج نافعة أن يقدروا هذه الظروف حق قدرها ويحددوا غاية التربية بحسبها.

وقديمًا وحديثًا اختلفت غاية التربية والتعليم فى الأمم وربما تنوعت فى الأمة الواحدة إلى نواح كثيرة، فهى عند أمة تنحو منحى الارتزاق، وعند أخرى تنحو نحو الفضيلة، وعند أخرى تكون التوفيق بين الشخص وبيئته أو الزهادة والتقشف والاستبحار فى الحياة الروحية وقد استحسنوا أن يجملوا التعبير عن هذه الغاية فى المعيشة الكاملة.

لسنا نريد أن نحاكم هذه الغايات ونمحصها ونبين الكامل منها والقاصر، فذلك له موضع آخر، ولكن نريد أن يكون بحثنا حول هاتين النقطتين: هل للتعليم والمناهج عندنا غاية تؤدى إليها؟ وهل هذه الغاية توافق الظروف التى تحيط بالأمة الآن؟

قبل هذا العصر بفترة قصيرة انحصرت الغاية من التربية العلمية فى المدارس المصرية فى أمر واحد (هو تخريج آلات كتابية تقوم بأعمال الوظائف الحكومية) لهذا تأثرت مناهج التعليم بهذه الغاية تأثرًا كبيرًا، وكانت العلوم فى المدارس لا تعدو قشورًا يتعرف منها الطالب كيف يقوم بهذه الأعمال.

وجاء دور النهضة فربت فى نفوس رجال التربية والمعارف فى مصر روح الإصلاح، وأخذوا يتلمسون الغاية الصحيحة للتربية والتعليم فى هذه الأمة، وعمدوا إلى تعديل المناهج بين الفينة والفينة بما يتفق مع الوصول إلى الغاية التى تخيلوها صالحة.

هذه نهضة مباركة من غير شك ومجهود مشكور كذلك. ولكن الذى نلاحظه أن هذه الغاية لا تزال مجهولة خفية متذبذبة لا يستقر لها حال، ولا تتضح فيما يوضع من مناهج وما يلقى من آراء وما يتخذ من وسائل. 

وقد أنتج هذا كثرة التغيير والتبديل وأن يلقى اليوم ما كان مقررًا بالأمس القريب، ولذلك عدة عوامل فإن تأثر كثير من رجال التربية والمعارف بالغاية القديمة غاية الاحتفاظ بالمظاهر القشرية والهياكل التى جرى عليها العرف، مضافًا إلى ذلك التأثر بروح عصر الانتقال التى حالت دون اتحاد أفكار حضراتهم أو كثير منهم فى وجهة واحدة، مضافًا إلى ذلك العقبات التى توضع فى طريق المنهاج الصحيح، كل ذلك جعل الغاية خفية مذبذبة، وجعل سياسة التعليم ضعيفة مضطربة، وجعل المناهج لا تكاد توضع هذا العام حتى تتبدل فى العام الذى يليه.

إننا فى حاجة إلى جرأة نمسك معها مبضع الجراح الماهر نقتطع به الزوائد التى يضر بقاؤها، ونطهر الجروح التى تفاقم خطرها، لابد من تضحية، ولابد من صيحة قوية، ولابد من تحوير مجرى النظام الحالي فى التعليم من وثبة قوية متزنة يسبقها تحديد الغاية تحديدًا صحيحًا، أما هذا التردد والتهاون فلا تكون نتيجته إلا الانتكاس الدائم والتجارب الفاشلة.

فلتحدد غاية التربية والتعليم، إن مصر أمة شرقية، بل هى زعيمة الشرق الإسلامي علمًا وعرفانًا وحضارة وأدبًا تسير نحو النهوض والرقى والتقدم بخطوات واسعة، وتريد أن تجارى غيرها من الأمم فيما وصلت إليه من درجات فى هذا السبيل.

وهي من هذا المعقل الأول للإسلام دين الله الخالد، وقد أذاها الاحتلال الأجنبي -الذي تحاول بكل قواها التحرر من قيوده ورفع نيره- أذى كثيرًا سياسيًا واقتصاديًا، هذه اعتبارات صحيحة ترسم لنا الغاية التى يجب أن تكون هدفًا ترمى إليه المناهج الدراسية، ولن تكون هذه الغاية إلا (تخريج رجال أقوياء النفوس يعتزون بدينهم وقوميتهم، ويعملون على إحياء حضارة الشرق وتحريره من القيود الأجنبية الاقتصادية والسياسية)، ولأجل أن نصل إلى هذه الغاية لابد من تغيير جوهري فى الحياة الدراسية: روحها وموادها وأنواعها.

وأهم ما يجب أن يقصد إليه هذا التغيير الجوهري: العناية بالتاريخ الشرقي والإسلامي فى المدارس وصبغه بالصبغة التى تجعل الطالب يعتز بأسلافه الأمجاد، وتتجلى أمامه مفاخرهم ومظاهر بطولتهم، والعناية بناحية التربية الخلقية فى المدارس، بأن نترك للمدرس والطالب الفرصة الكافية للتهذيب الخلقي إلى جانب التهذيب العلمي، ولا يكفى فى هذا تقرير دروس للأخلاق، فإن الناحية العملية أجدى بكثير فى هذا المعنى من الناحية العلمية، والاهتمام بشئون الدين فى المدارس مادة ومظهرًا وتقديرًا فإن الدين هو الإصلاح الخلقي الصحيح، بل هو أقرب الوسائل وأجداها فى إصلاح الخلق.

والإكثار من التعليم الصناعي والزراعي والتجاري، والعمل فى كل الفروع، وتوجيه الطلبة إلى ناحية الحرية فى الأعمال لا التقييد بالوظائف الحكومية، والعناية بأن تكون هذه المناحى فى مدارس المعلمين أوضح ما تكون، فإن المعلم هو القدوة الأولى لتلاميذه، وهو المنهج الحي الناطق الذي يطبعهم بطابعه ويصبغهم بصبغته.

ذلك بعض ما أردنا أن نشير إليه فى هذه الناحية، وأن نلفت إليه نظر حضرات الأساتذة المربين أعضاء لجان المناهج راجين أن يكون له فى نفوسهم الأثر المنشود(10).

 

4- فى مناهج التعليم

سلسلة التعليم فى مصر مضطربة متفككة فأنت أمام عدة أنواع لكل وجهة، وكثيرًا ما تتضارب وتختلف، وكثيرًا ما تنقطع إلى غير غاية، وكثيرًا ما تتعدد فى غير حاجة، وقد كان من أثر ذلك أن اختلفت الثقافات اختلافًا واضحًا كان له أثر كبير فى اضطراب حياة الأمة الفكرية والخلقية والاجتماعية، وتضارب عقائدها وأفكارها وطرائق فهمها للحياة، فأنت ترى أنواع التعليم فى مصر على النحو الآتي:

1-     التعليم الأولى: ويشمل المدارس الإلزامية، وتحضيرية المعلمين، والمعلمين الأولية.

2-     التعليم الابتدائي، ويليه التعليم الثانوي.

3-     التعليم الفني والخصوصي: ويشمل مدارس الزراعة، والتجارة، والفنون، والصناعات، والزخارف ونحوها، ولا صلة لها البتة بالتجارة العليا والزراعة العليا والهندسة.

4-     التعليم العالي: ويشمل الجامعة والمدارس العليا بأنواعها.

5-     التعليم الأزهري: ويشمل الأزهر بأقسامه وكلياته وتخصصه.

6-     دار العلوم: وتستمد طلبتها من الأزهر، وتخرج أساتذة اللغة العربية والدين بالمدارس المصرية.

والذى يتأمل هذه الأنواع جميعًا، ويفتش عن صلتها بعضها ببعض، يجد أنها مفككة الأوصال تمامًا، وأن الصلات بينها عمليًا وعلميًا على أضعف ما يكون.

فطالب المعلمين الأولية لا يجد مدرسة ينتمى إليها ويتم تعليمه فيها إذا أحب ذلك، ومثله فى هذا مثل طالب الزراعة المتوسطة، أو التجارة المتوسطة، أو الفنون، والتعليم الأزهري كله لا يعتمد على أساس ثابت من التعليم الأولى ولا يتصل به صلة رسمية، ودار العلوم لا تجد لها موردًا بعد انتهاء تجهيزيتها إلا الأزهر، وتتضارب مهمتها مع مهمة تخصص البلاغة والأدب فيه ومع المهمة المزعومة لمتخرجي قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وهذه نماذج من الصعوبات التى نشأت عن تفكك سلسلة التعليم يضاف إليها تباعد فى المناهج يجعل الفكرة العامة مختلفة تمام الاختلاف عند أبناء كل معهد عن غيره.

وفى وسع وزارة التعليم أن تتلافى كل ذلك بسهولة وتربط أنواع التعليم بعضها ببعض على النحو الآتي:

الحلقة الأولى: حلقة التعليم الأولى أو الإلزامي أو العام أو ما شئت من هذه الأسماء.

الحلقة الثانية: وهي التى تلي الحلقة الأولى، وهي حلقة التعليم التحضيري، وهذه تنقسم المدارس فيها إلى شعبتين: التحضيرية للأقسام الأزهرية، والتحضيرية للأقسام الثانوية.

الحلقة الثالثة: وهي حلقة التعليم الثانوي، وتنقسم المدارس فيها إلى شعبتين كذلك: ثانوية الأزهر وثانوية التعليم العالي، ومن هذه الحلقة تتفرع شعب مدارس المعلمين الأولية بعد القسم الأول الثانوي فى الأزهر، وشعب المدارس الفنية والخصوصية بعد القسم الأول الثانوي للتعليم العالي.

الحلقة الرابعة: وهي حلقة التعليم الإعدادي، وتقوم مقام القسم الثاني فى التعليم الثانوي الحالي، ويجهز الطلبة فيها وفقًا للمعاهد التى يلتحقون بها، فيكون هناك الإعدادي الأزهري والإعدادي الجامعي والإعدادي العالي بحسب كل معهد من المدارس العالية، وتعتبر مدارس التعليم الفني والخصوصي السابقة إعدادية لما يماثلها من المدارس العالية لمن يشاء أن يتم سلسلة التعليم.

الحلقة الخامسة: وهي حلقة التعليم العالي، وتشمل: الكليات الأزهرية، وكليات الجامعة، والمدارس العليا.

الحلقة السادسة: وهى حلقة التخصص وتشمل: دكتوراه الجامعة، وتخصص الأزهر، ويتصل به دار العلوم.

على هذا الترتيب تجعل معاهد العلم مرتبطة متصلة يأخذ بعضها بحجز بعض، ويجعل للطالب مجالاً للاقتصار إن أراده، وللتتميم إن استطاعه. أما ناحية تقريب الثقافة فتكون بأن يعمل الأزهر على العناية بالعلوم المدنية بأن يأخذ أبناؤه منها بنصيب على شريطة ألا يخرجه ذلك عن صبغته وتجعله نسخة مكررة من المدارس المدنية تتسم موسم الدين، وبأن تعمل المعاهد المدنية على العناية بالعلوم الدينية بحيث تأخذ منها بنصيب لا يدع أبناءها فى غمرة من الجهل بكل أصول الفكرة الدينية وفروعها.

وكل ذلك ممكن لو توجهت إليه العزيمة واقتنع أولو الأمر بما ينتجه هذا التوحيد والتقريب من خير لهذا البلد الأمين(11).

 

5- فى مناهج التعليم

تعلم اللغات الأجنبية عنصر حى من عناصر التعليم، ولاسيما وظروفنا وحاجتنا إلى أن ننهل من مناهل الثقافة الأجنبية فيما لابد لنا منه فى نهضتنا شديدة ماسة؛ كل ذلك مسلم لا يختلف فيه اثنان، ولكن الذى نراه غريبًا أن نتغالى فى تعليم اللغات، وأن نجعلها أسسًا فى المناهج المصرية فى كل أدوار التعليم حتى الدور الابتدائي، وإن أية أمة من الأمم مع شعورها بالحاجة إلى تعلم لغة أجنبية لم تغال هذه المغالاة، وفى البلاد الراقية التى تنقل عنها وزارة المعارف كثيرًا من نظمها لا يبدأون تعلم لغة أجنبية إلا بعد مرحلة طيبة من التعليم الثانوي، أعنى فى الفرقة السادسة أو السابعة من مراحل التعليم، وأساطين المربين تواترت وصاياهم فى وجوب تأخير تعلم اللغة الأجنبية إلى سن متأخرة وبعد مرحلة كبيرة، ولكن وزارتنا لم تأخذ بهذا ولا بذاك وهي ماضية فى خطتها من المغالاة باللغة الأجنبية إلى حد ينتج أسوأ الآثار. قد يقال: إن للناحية السياسية وللوضع الحالي تأثيرًا فى ذلك، ولكنا ونحن نبحث الأمر بحثًا علميًا كل غرضنا منه الوصول إلى الحقيقة لا يسعنا إلا أن نقرر الواقع، ولاسيما ونحن نسمع الدفاع عن فكرة المغالاة باللغات الأجنبية من أفواه مصرية، ونرى آثار ذلك فى المدارس بلجان مصرية.

إن اللغات لم تعد أنها وسائل ثقافة فهى غير مقصودة لذاتها، ولكن لما تؤهل له من صلة بثقافة أهلها ونتائج أفكارهم، وليس من الحكمة أن تضيع الغاية فى سبيل الوسيلة وأن ننسى التثقيف الصحيح؛ لأننا مشغولون بوسائل التثقيف، وقد دلتنا التجارب ونادى بذلك المربون المصريون على سوء أثر المغالاة باللغات الأجنبية فى كل أدوار التعليم، وقد وضح ذلك فى مظاهر ثلاثة:

أولها: ضعف الطلاب فى اللغة العربية -وهي لغتهم الوطنية- ضعفًا مخجلاً مريعًا، فطالب البكالوريا عندنا لا يكاد فى المستوى العادي يصحح قراءة الجريدة، ولا يحسن التعبير كتابة أو كلامًا عما يقصد، وهو أعجز ما يكون عن الاستمرار فى التزام اللغة بضع دقائق، بل إنه لا يكاد يدرك كثيرًا من التراكيب العادية فى لغته، وهذا قصور غريب أهم أسبابه -فيما نعتقد- تكليفنا الطالب أن يحذق لغتين وثلاثًا فى وقت يجب أن يكون كله وقفًا على لغته الوطنية.

وثانيها: ضعف الطلاب فى اللغة الأجنبية نفسها، وذلك أن الطالب الغريب على اللغة لا يمكنه إدراك تركبها ولا سر جمالها ولا تذوق عذوبتها إلا فى سن كبره بعد نضوج فكره نوعًا من النضوج، وبعد معرفته بأساليب تذوق عذوبة اللغة وجمالها فى لغته هو أولاً، لهذا نحن نضع حدًا فاصلاً وسدًا منيعًا بين الطالب وبين اللغة الأجنبية بتكليفه تعلمها فى سن باكرة ويلازمها هذا الشعور فى كل أدوار تعلمها، فيخرج من المدرسة قاصرًا فى نفس اللغة التى استنفدت معظم جهوده، ولو أننا انتظرنا عليه قليلاً حتى يتم نضوج فكره بعض الشيء ثم قدمنا له هذه اللغة لتناولها بفهم وشغف، ولكان ذلك أكبر مساعد له على النبوغ والتبريز فيها والانتفاع بها.

ولقد أشار إلى ذلك الأستاذ إسماعيل القباني -الذي مارس شئون التربية والتعليم فى مصر طويلاً، وله فيهما بحوث قيمة- فى كلمته التى ألقاها فى مؤتمر المعلمين الذي عقد للنظر فى توحيد التعليم الأولى والابتدائي بالقاهرة، وهي نظرة حكيمة يجدر بوزارة المعارف أن تفكر فى نتائجها تفكيرًا جديًا.

وثالثها: طغيان اللغات على المواد الأخرى وسلبها نصيبها من حصص التدريس، ففى الوقت الذي تكون فيه حصص التدريس بالمدارس الثانوية أربعًا وثلاثين حصة تستأثر اللغات بتسع عشرة حصة ويبقى للمواد كلها خمس عشرة حصة فى الأسبوع، فانظر أى إجحاف يقع على هذه المواد من المغالاة فى شأن اللغات، ولعلك تقول: إن معظم هذه الحصص للغة العربية كلا بل إن تسعًا منها للإنجليزية وأربعًا للفرنسية وستًا للعربية، فانظر بأي مقياس تقيس وزارة المعارف اللغات التى يجب أن يحذقها الطالب المصري.

وقد يقول قائل: إن الوزارة مضطرة إلى هذا؛ لأن التعليم العالي يحتاج من طالبه إلى حذق ومهارة للغة الأجنبية التى تكون بها معظم كتب المواد فى المدارس العالية وفى الجامعة فكيف يجمع بينها، وقد نادى بذلك فعلاً ناظر مدرسة الهندسة.

والجواب على ذلك: أن هذا لن يكون أبدًا بأن تتخم المناهج الثانوية باللغات، فقد علمت خطأ معاجلة التلميذ بلغة لم يألفها، وإنما تكون بإنشاء أقسام إعدادية للمدارس العالية يدرب فيها الطلبة على اللغة التى يكثر استخدامها فى مدرستهم، وبذلك تجمع بين الفائدتين: فائدة العناية بالمواد الدراسية وإفساح المجال لها فى وقت التلميذ، وفائدة التقوية اللازمة للطالب فى المدارس العليا.

ذلك بعض ما أردنا أن نعرض له فيما يختص باللغات الأجنبية فى مناهج التعليم، ونحن نعلم أن وزارة المعارف ماضية فى خطتها، وأن لجان المناهج لا تحب أن تعلن فى ذلك رأيها، وإنما تسير فى حدود خطة تقيد أعضاءها، ولكنه الحق يقال، والحق أحق أن يتبع(12).

 

مستقبل الثقافة فى مصر

للحقيقة والتاريخ

مذكرة الإخوان المسلمين إلى معالي وزير المعارف وفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر

ليسمع الدكتور طه حسين

بسم الله الرحمن الرحيم

تحريرا فى 16 من ربيع الآخر سنة 1357ﻫ

سيدى صاحب ......أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله ومن تبع هداه، وأرفع إليك تحية الإخوان المسلمين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا صاحب.. إن من أمتن دعائم النهضة وأقوى أركانها وحدة الفكرة ووحدة العاطفة ووحدة الشعور ووحدة الآلام والآمال وذلك كله يتمه وحدة الثقافة، لهذا كانت فكرة توحيد المدارس الدينية والمدنية إلهاما مباركا فى هذا الوقت الذى نتهيأ فيه للعمل والنهوض، ولكن الفكرة وحدها لا تكفى بل لابد من الإنفاذ والعمل، والإنفاذ وحده لا يكفى بل لابد من التفكير فى أفضل طرقه ووسائله حتى لا تنحرف بنا الطريق فتضر أكثر مما تفيد. لهذا كان من واجب الغيورين أن يتقدموا بما عندهم من ملاحظات وآراء والحقيقة رهن البحث والتفكير.

إننا يا صاحب .. أمة متحدة فى كل شىء إلا فى شىء واحد لعله أهم مظاهر الوحدة هو الثقافة والتفكير، ولقد طفت هذا القطر المصري الكريم من أقصاه إلى أقصاه، وجبت مدنه وقراه، واتصلت بأوساطه المختلفة وبيئاته العديدة فوجدت الوحدة تشمل كل مظاهر حياته من نظام معيشة وتقاليد وعادات إلا بعض الخلاف الموضعي الذي هو وليد الظروف الخاصة فقط وليس هناك تخالف جوهري فى نظم الحياة العامة. فنظام حياة الطبقي الوسطى مثلا فى أسوان هو نظام حياة هذه الطبقة فى القاهرة وفى طنطا وفى الزقازيق وفى غيرها شرقا وغربا، فالمأكل واحد والمشرب واحد والملبس يكاد يكون واحدا وهكذا، ولكن الخلاف الصارخ؛ الخلاف العظيم فى التفكير والثقافة والآمال والآلام، ولهذا لا تكاد تلتقي وجهات النظر إذ دار بحث قضية من القضايا فى مجتمع من مجتمعاتنا المصرية.

هذا الخلاف طبيعي بالنسبة للظروف التى اجتازتها الأمة قديما وحديثا ولخطوات التطور التى نخطها ولعصر الانتقال الذي نجتازه.. مما جعل ثقافة الأمة ذات طابعين متميزين تميزا تاما لا يكاد يلتقى أحدهما بالآخر وإن أخذا يتقاربان. فلقد أتى على مصر زمان كانت ثقافتها فيه تدور حول محور واحد هو فروع الدين وتنحصر فى معهد واحد هو الأزهر وفروعه ففى الأزهر يتخرج العلماء والأئمة والوعاظ والقضاة والحاكمون، وأبناء الأزهر هم الذين يثقفون الأمة ويطبعونها بالطابع الذى يريدون، واستمر ذلك وقتا رسخت فيه أصول هذه المدرسة وثبتت دعائمها، ثم جاء دور الاتصال بأوروبا والنقل عن أوروبا فى أطواره المختلفة. فأنشئت المدارس المدنية إلى جوار الأزهر، وعدت على اختصاصاته واحدا فواحدا حتى حصرته فى نطاق ضيق هو نطاق الفكرة الروحية، وأخذت منه كل المظاهر العملية تقريبا، وتعددت أنواع التعليم وتكاثرت وتكررت التجارب فإذا بنا نرى سلسلتين من أنواع المدارس:

فهناك الأزهر وأقسامه وفروعه من الابتدائي والثانوي والكليات وأقسام التخصص ويلحق به فى مهمته مدارس المعلمين الأولية والمدارس الأولية إن شئت ذلك.

وهناك كذلك المدارس المدنية من رياض الأطفال والابتدائي والثانوي والجامعة ويلحق بها المدارس الخصوصية والفنية من زراعية وصناعية وتجارية إن شئت ذلك، وهناك معهدان حائران بين القسمين هما: دار العلوم ومعهد التربية.

لكل من هاتين السلسلتين أثر بالغ فى نفوس قسم من أقسام الأمة، وكل نوع من هذه المدارس يهيمن على عقول وأفكار يوجهها كثيرا ما يكون بعيدا عن توجيه القسم الآخر، وفى ذلك ما فيه من الخطر على أمة ناهضة لا سناد لها إلا الوحدة. وإذن لابد من أن نبحث فى وحدة الثقافة ولابد من أن نعمل على تحقيقها.

يظن كثير من المدنيين أن فى مقدور الحكومة وفى مقدور الصحف وغيرها من دعاة الفكرة المدنية القضاء على آثار الفكرة الإسلامية وتخليص الأمة منها وصبغ كل شىء بالصبغة المدنية البحتة ويحتجون لذلك بما فعلته بعض الأمم الشرقية فى هذا السبيل، وهم يتحمسون لفكرتهم هذه ويوجهون إليها الشعب بمختلف الوسائل والدعايات، وفاتهم أن الحال فى مصر غيره فى البلاد الأخرى؛ فقد امتزج الإسلام بدم كل مصري وتغلغل فى قلبه وروحه ودمه وعروقه وآمن به إيمانا هو أبقى على الزمن الباقي من الزمن. فكل محاولة فى سبيل هدم هذا الإسلام فى نفوس المصريين محاولة فاشلة، إن أخفت مظاهرها حينا فلن تقضى عليه، وإنها لتظهر بأقوى مجاليها فى أحيان أخرى كثيرة والواقع أعدل شاهد على ذلك، فقد ظن الناس فى وقت قريب أن الإسلام قد وهن فى نفوس الشعب حتى عجز عن حماية نفسه، وإذا بهذا الإسلام ينتفض فتتحطم باسمه هيئات راسخة، وتتغلب باسمه حكومات وطيدة ويهرم الدهر بعد ذلك والإسلام إسلام.

ويظن كثير من الدينيين أن هذه المظاهر المدنية شر كلها، وأن تخليص الأمة من شرورها وآثامها هين ممكن، فهم يتحسسون لفكرتهم بدورهم، ويدعون الناس إليها بمختلف الوسائل والأساليب، وإن كانت أجهزتهم أضعف وأسلحتهم أقل، ولكنهم يجدون من الشعب تعزيزا وتأييدا. وهؤلاء متغالون كذلك؛ فإننا لن نستغنى أبدا عن هذه القوة المادية ولن نتغلب على أعدائنا إلا إن سبقناهم فى ميادين علومهم ومعارفهم، وأعددنا أنفسنا بمثل ما يعدون لنا إن لم يكن فى الكم ففى الكيف على الأقل.

وإذن فلا محيص من المزج بين الفكرتين، وبخاصة والإسلام دين مرن فسيح يساعد على الإصلاح ولا يقف فى طريقه، ويحض على التعلم ولو بأقصى الأرض، ويأخذ الحكمة وهى ضالة ولا يبالى من أى وعاء خرجت، ويجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وذلك هو واجبنا لتوحيد الفكرة وللقضاء على هذه الفوضى وتكوين الأمة القوية العزيزة الموحدة الأهداف والغايات هو الذى يجعلنا نستقبل فكرة توحيد المدارس الدينية والمدنية فى الدور الابتدائي والثانوي بسرور وفرح واستبشار: ولهذا يتقدم الإخوان المسلمون بهذه الملاحظات معتقدين أنها ستلقى من عنايتكم ما يتكافأ مع الغاية التى أملتها والشعور النبيل الذى أوحى بها:

أولا- نرجو ألا يكون ذلك على حساب الفكرة الإسلامية، وألا يكون معناه تقليد الغرب فى سلخ مناهج التعليم عن الفكرة الدينية والعدول بها إلى العلمانية البحتة بالتدريج، بل لابد أن يكون المقصود بذلك تكوين الطالب فى أدوار فعلية تكوينا صالحا تتكافأ فيه معلوماته الدينية ومشاعره الروحية وتربيته الخلقية مع ثقافته العلمية.

ثانيا- نرجو أن يكون هذا التوحيد فاتحة تعديل تام فى مناهج التعليم؛ تعديلا يجعلها غذاء صالحا للعقول والأرواح فى كل المعاهد، ويبعد بها عن الحشو واللغو، ويربط سلسلة التعليم بعضها ببعض فيتكون نظام المعاهد فى مصر على النحو الاتي مثلا:

أ- التعليم التحضيري أو الأولى ومنه رياض الأطفال. ويكون إجباريا ذا منهاج يتناسب مع مدارك الطفل فى هذه السن ومع مطالبه النفسانية.

ب- التعليم الابتدائي. ويستمد من سابقه، وتحذف منه اللغات الأجنبية بتاتا وتضاف دروسها إلى اللغة الوطنية والعلوم الإسلامية الخلقية، وهذا الرأي وهو حذف اللغات الأجنبية من المدارس الابتدائية يقول به معظم حضرات رجال المعارف المختصين بالتربية ودراسة علم النفس، وقد نادوا به من قبل وهو المعمول به فى كل الأمم الأجنبية حيث يخصص هذا الدور من التعليم بإتقان لغة البلاد.

ج- التعليم الثانوي. ويستمد من سابقه، وتدرس فيه لغتان أجنبيتان لغة شرقية ولغة غربية بدلا من لغتين غربيتين، وذلك هو المتفق مع نهضتنا وآمالنا ومطامحنا وصلتنا بالشرق، ويعنى فيه بالدروس الإسلامية والخلقية وتاريخ الإسلام والتربية الوطنية، ويلحق بهذا التعليم ويكمله أو يبنى عليه التعليم الفني والخصوصي ومدارس المعلمين الصغيرة بعد تخصص فى التربية وعلم النفس.

التعليم العالي أو الجامعي. ويستمد من سابقه، وتتفرع الجامعات فيه إلى الجامعة الأزهرية بأقسامها الحالية بعد تعديل وزيادة بحسب حاجة الأمة ومقتضيات الأحوال، والجامعة المصرية بأقسامها بعد تعديل كذلك، والجامعات الأخرى التى ستتطلبها النهضة، ويلحق بهذا القسم المدارس العسكرية ومدارس المعلمين الراقية بعد تخصص فى التربية وعلم النفس كذلك، أو تكون هذه الدراسة فى كليات جامعية مع توحيد الدرجات وتحديد الاختصاصات فى كل الكليات، ويعنى فى جميعها بالدراسات الإسلامية وتاريخ الإسلام على تفاوت يتناسب مع مهمة كل منها بحيث يخرج الطالب وقد حذق تعاليم الدين والعقائد... وبذلك تتم مراحل التعليم العادية فى الأمة، ويفتح المجال أمام من أراد الاستزادة من عبادات ومعاملات... إلخ بما رأوا فى إطالته.

وحبذا لو فكر فى اختيار طائفة من خريجي الكليات الإسلامية والعربية المقترحة فى متانة من الخلق وغنى من الثروة، يحتلون هذا المسجد العتيق (الأزهر) ويتفرغون للبحث والتنقيب والكتابة والتأليف وإمداد العالم الإسلامي بما هو فى حاجة إليه من فتاوى ونظم وأحكام، وتجرى عليهم أرزاق كافية ويكونون بعيدين كل البعد عن تقلبات السياسة وعواصف الحكومات وتحكم الملوك والأفراد، يخدمون العلم للعلم، ويقولون الحق للحق، ويتمكنون من دراسة دين الله، ويختصون بهذه البحوث فى شريعته، ويختارون من بينهم شيخهم فيكون هو شيخ الإسلام، وبذلك ينفصل منصب شيخ الإسلام عن منصب مدير الجامعة الأزهرية، وحبذا لو انفسح صدر هذا المجمع الإسلامي للعلماء من الأقطار الإسلامية الأخرى على اختلاف أقطارهم ومذاهبهم فوسعهم وتعاونوا على إحقاق الحق وتقريب وجهات النظر وجمع شتات المسلمين ودعوتهم جميعا إلى الخير. وحبذا لو تم مشروع توحيد مناهج التعليم فى الأقطار الإسلامية فيسهل بذلك على الطلاب من كل قطر إسلامي أن ينتسبوا رأسا إلى كليات الجامعة الأزهرية.

بقى أمامنا مشكلة لابد من علاجها فى وضوح وجرأة وصراحة؛ تلك هى مشكلة تحفيظ القرآن الكريم: فقد درجت المناهج فى مصر وتقرر فى أذهان الناس أن تحفيظ القرآن جزء من مناهج التعليم لأول أدواره، إذ إن هذه السن هى وقت قوة الحافظة والذاكرة ولا يتيسر حفظه فيما بعد ذلك، وصار هذا عرفا يجد الناس فى مخالفته كثيرا من الحرج ويخيل إليهم أن ذلك ضياعا لكتاب الله، وترى من جانب آخر أن اشتغال الطلبة بحفظ القرآن كله فى هذه السن يفوت عليهم كثيرا من استخدام مواهبهم العقلية، ويعطل كثيرا من قواهم النفسانية، ويرسم القرآن فى عقولهم وقلوبهم ألفاظا لا معنى لها، ويعودهم القراءة بدون تفكير ولا تدبر فى مستقبل حياتهم، فهذه الطريقة إن خرجتهم أوعية القرآن فقد حرمتهم لذة تدبره وثمرة التفكير فى معانيه ومقاصده، والمشكل قديم، وقد عالجه "أبو بكر بن العربي" وأشار إليه، وأبان أن التحفيظ ابتداء طريقة المشارقة. ونقد هذه الطريقة نقدا مرا وزكى طريقة المغاربة والأندلسيين فى البدء بتعليم اللغة وتذوق الأدب، ثم يأتى دور دراسة القرآن بعد ذلك، ونحن نريد أن نوفق بين حفظ كتاب الله والمحافظة عليه وبين الانتفاع بكل القوى والمواهب فى الطفل وتربيتها جميعا تربية متناسقة بحيث يقوى بعضها بعضا ويمد بعضها بعضا، ولنجمع بين الفائدتين نقترح أن يوزع حفظ ثلث القرآن على الأدوار الثلاثة من أدوار التعليم السابقة الأولى والابتدائي والثانوي، فيحفظ التلميذ فى مدة دراسته التحضيرية أو الأولية جزءا واحدا فقط، وفى دراسته الابتدائية أربعة أجزاء مع استذكار الماضي، وفى دراسته الثانوية خمسة أجزاء مع استذكار ما سبق؛ وبذلك يكون كل متعلم فى الأمة قد حفظ شيئا من كتاب الله، ويكون كل من تخرج من المدارس الثانوية قد حفظ ثلث القرآن. وفى دور الدراسة العالية يحفظ كل طالب فى كليات الأدب أو الدراسات الإسلامية الثلثين الباقيين بحيث لا يجاز بشهادته إلا إذا أدى امتحانا دقيقا تاما فى القرآن كله، ويحفظ كل طالب فى الكليات الأخرى خمسة أجزاء ليتم بذلك حفظه لنصف القرآن، ولا يعطى شهادته كذلك إلا بامتحان دقيق فى كتاب الله، وللتغلب على صعوبة اختلاف الأديان فى المدارس يكلف غير المسلمين من الطلبة حفظ محفوظات مختارة من جيد النظم والنثر تحل درجاتها محل درجة القرآن الكريم فى الشهادات والامتحانات المدرسية. ويلفت دائما نظر الكلية إلا أن القرآن شىء يتعبد به فهو للعلم وهو للعبادة، فعليهم أن يقرأوه دائما كذكر لله يطلب به ثوابه ويتقرب به إليه حتى يدوم تعلقهم به، وتستمر ملازمتهم له، ويستذكرونه عن رغبة وإجلال لا عن عنف وإرهاق، وبذلك نخدم كتاب الله ويكثر عدد الحفاظ المتفقهين، ويقضى على الاحتراف بالقرآن الذى ما نزل إلا ليكون نورا وهداية للناس جميعا، وتنحل مشكلة تحفيظ القرآن على أفضل وجه ولا يختص بدراسته قوم دون قوم.

ومن متممات هذا البحث أن نصارح بأنه لابد من التفريق بين منهاج التعليم وأماكنه بين البنين والبنات فى غير الدور التحضيري، فليس تكوين البنت كتكوين الغلام؛ وليست مهمتها كمهمته، ولا بأس بأن تتعلم ما تشاء وترقى فى درجات التعليم إلى ما شاءت؛ ولكن فى حدود ما يناسب تكوينها ومهمتها، وفى بعد تام عن الفتيان بعد سن التعليم الأولى، ولا يعتذر عن ذلك بقلة الأماكن أو قلة الأموال، فإن صيانة أخلاق الأمة وكيانها الأدبي أمر واجب لا يكثر فى سبيله إنفاق، وقد جربنا مضار هذا الاختلاط واكتوينا بناره وحسبنا هذه التجارب، والرجوع إلى الحق خير من التمادي فى الباطل.

تلك بعض المقترحات الإصلاحية نضعها بين يديكم لمناسبة التفكير فى إصلاح مناهج التعليم وتوحيد أنواعه رجاء دراستها وإنفاذها، وهى نقطة إجمالية ليس هنا موضع تفصيلها، والإخوان المسلمون على استعداد للتقدم بالتفصيل إذا طلب إليهم ذلك وصحت العزيمة على العمل، كما أنهم على استعداد كذلك لأن يقاوموا بكل ما أوتوا من قوة كل نظام وكل توحيد وكل منهاج يراد به سلخ البقية الباقية من المظاهر الإسلامية فى أية ناحية من نواحي حياة الأمة السياسية أو الاجتماعية أو التشريعية أو الثقافية، فنحن أمة مسلمة قبل كل شىء لا تعدل بتعليم الإسلام شيئا، ونريد أن نستعيد ما فقدنا من إسلامنا، لا أن نفقد ما بقى منه بين أيدينا وسنعمل لذلك مهما كان الثمن الذى سندفعه غاليا، ومهما كانت التضحية التى نبذلها عزيزة كريمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(13).

 

هكذا يدرسون فى المدارس الأجنبية فى مصر

صورة الخطاب الذي وجهه مكتب الإرشاد العام

إلى رفعة رئيس الحكومة ووزير الداخلية 

ومعالى وزير المعارف وفضيلة الأستاذ الكبير شيخ الجامع الأزهر

حضرة صاحب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:

فقد وقع فى يدنا جريدة طليانية اسمها "الدومنكان" وقد رسم فى الصفحة الخامسة من العدد نمرة 7 السنة الثانية والأربعين اسم كتب عليه باللغة العربية "محمد" وكتب عنه مقال فيه قدح فى مقام الرسول  صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم، والصورة مع ذلك بشعة لا تليق بجلال النبوة، وفى هذا التصوير مهما كان ما فيه من العدوان على مقام الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

وكذلك وقع فى يدنا كتاب اسمه "غاية الأرب من لغة العرب" وهو موضوع لتعليم اللغة العربية وتدرسه المدارس الإيطالية بمصر، وفيه فى صفحة 281: "وبالجملة يمكننا القول بأنه حيثما حل العرب أكرهوا شعوب تلك البلاد على اعتناق الدين الإسلامي، فكان الفضل الأعظم فى هذا الانتشار السريع العجيب راجعا للسيف لا إلى الحجة والبرهان على حد قول شاعرهم أبى الطيب المتنبي المجد للسيف ليس المجد للقلم".

وفى صحيفة 282 عن القرآن: "لو سألت أحد علماء الإسلام عن حقيقة القرآن وجلية أمره لأجابك على الفور بأنه الكتاب الذى أنزله الله سبحانه وتعالى على أشرف أنبيائه محمد، وبأنه آخر الكتب المنزلة، ناسخ لجميع الكتب قبله، وحكمه باق ليوم القيامة لا يمكن أن يلحقه تغيير ولا تبديل، وبأنه أعظم آية على نبوة محمد لكونه آية عقلية باقية مدى الدهر، بلغ فى الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق الإنسان، فدل على أنه ليس من كلام البشر بل كلام خالق القوى والقدر، وربما بالغوا فى إطرائه إلى أن جزموا بأنه ليس من وضع البشر ولم يكتب فى وقت من الأوقات بل كان وجوده منذ الأزل، كما ذهب إلى ذلك غير واحد فى أيام المأمون... إلى آخر ما هناك من الأقوال الواهية التى لا ثبات لها على محك الجدل، بل هى أقوال من شأنها تمويه الحقيقة وإبعادها عن روامها، فلا غرو إذا ما خالفناهم فيما ذهبوا إليه وقلنا كلمة الحق؛ وهى أن القرآن كتاب كبقية الكتب وثمرة من ثمار العقل البشرى نادى به بطريقة التبشير أولا ثم جمعه على صورته الحالية بعد موت النبى أحد تلامذته زيد بن ثابت."

ذلك إلى ما فيه من أمثلة كثيرة تنتصر للطلينة وتنال من شعور كل مسلم: فبما لكم من سلطان فى مراقبة هذه المطبوعات ودفع ضررها عن الأمة نطلب إليكم مصادرة هذه الجريدة ومنعها من التداول، ومصادرة هذا الكتاب الجارح، ومنع مدارس الجالية الإيطالية فى بلدان المملكة المصرية من تدريسه مراعاة للقومية وصيانة، لعقيدة من عساهم أن يكونوا بهذه المدارس من المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله(14).

 

من أهداف الدعوة

إصلاح التعليم

حول تقرير معالي وزير المعارف المصرية

الروح العالمي، الاتجاه الديني، ماذا يجب أن يكون؟

كتب معالى وزير المعارف المصرية تقريره الهام عن إصلاح التعليم فى مصر، وقد تلقته الأوساط الرسمية والهيئات الاجتماعية المعنية بالنهضة الحديثة فى مصر والبلاد العربية والإسلامية باهتمام عظيم، بل جاوز هذا الاهتمام حدود هذه البلاد الغربية، فكان لهذا التقرير صداه فى صحفها وعلى ألسنة وزرائها وعظمائها. وليس ذلك الاهتمام بغريب، فإن الموضوع فى ذاته عام يستحق أن نوجه إليه كل عناية واهتمام، والكاتب رجل مسئول، بل هو المسئول الأول عن شئون التربية والتعليم فى مصر، ولتصريحاته واتجاهاته قيمتها العملية فى توجيه معاهد التعليم ومدارسه. والتقرير فى ذاته -مهما قيل عنه- تقرير عظيم، بل هو ثورة فكرية إصلاحية على النظم البالية التى ترددت الشكوى منها فى كل مكان.

ولقد أشار هذا التقرير فى وضوح إلى عميق أثر التعليم فى توجيه نهضة الوطن، ونقل كلمة الحكومة الإنجليزية التى صدرت بها كتابها الأبيض عن شئون التعليم بعد الحرب: "على تعليم الشعب فى هذه البلاد يتوقف مصير الوطن". كما نقل عن لجنة حزب المحافظين قولها فى تقريرها: "إن التعليم هو النشاط الأساسي للدولة ولا يجوز أن يحول دون انتشاره وإتقان وسائله أى اعتبار..."

وتناول التقرير بعد ذلك كثيرا من الموضوعات والآراء القيمة، وتجلت فيه الرغبة الأكيدة فى تجديد شامل يتناول سياسة التعليم العامة وطرقه ووسائله ودوره ومعاهده، وتتوفر به الفرصة لكل طالب علم حتى يتعلم.

ولسنا نريد أن نناقش فى هذه الكلمة ما جاء فى هذا التقرير من آراء، ولعلنا نستطيع أن نوفق إلى ذلك فى كلمات متتابعة إن شاء الله مقدرين لوزير المعارف المصرية قوله فى نهاية تقريره: "نحن من أجل هذا كله نرحب أصدق الترحيب وأخلصه بكل ما يوجه إلى ما فى هذا التقرير من نقد، واثقين بأن الذين يبتغون المصلحة العامة لا يكرهون النقد ولا يشفقون منه". ولكنا أردنا أن ننبه الأذهان إلى بعض الأمور الأساسية التى يجب أن يهتموا لها بمناسبة هذه الموجة العالمية التى ستتناول نظم العالم كله جميعها بالتغيير والتبديل، وبمناسبة هذه الرغبة الأكيدة من وزير التعليم فى الإصلاح والتعديل.

تعليم عالمي:

وجهت الحرب القائمة أذهان زعماء الشعوب وقادة الأمم وجهة إنسانية بعد أن كشفت لهم عن مبادئ العصبية الجنسية وما تبث فى النفوس والرؤوس من خطأ وقسوة وفساد، فانطلقوا ينادون بوجوب التفكير فى وضع قواعد السلام المنتظر على أسس عالمية تتساوى فيها الأمم، ويشعر كل شعب بحق غيره فى الحياة والمدنية والتقدم، ويشيع بها فى كل نفس معنى الشعور بوجود الآخرين وحقهم، وأنه لا فضل لأحد على أحد، ولا لشعب على شعب، إلا بمقدار ما يلزم الجماعة الإنسانية من خدمات نافعة. وتبعا لذلك انطلقت الصيحات بوجوب مراعاة ذلك فى كل الشئون الحيوية للأمم وأخصها التربية والتعليم. وتبعا لذلك أيضا ظهر تقرير وزير المعارف يحمل هذا الطابع الإنساني الجميل ويساير هذه النهضة الاجتماعية المناسبة. ونحن -العرب والمسلمين- أعرق الناس فى الشعور بهذا المعنى العالمي وتقديسه واعتقاده وإعلانه للناس والتعامل معهم على أساسه، يوم أن لم يكن يشعر به أحد، أو يجرؤ على إعلانه إنسان، أو يدين الناس لغير شريعة القوة والجبروت، فخلقنا العربي هو المساواة والنصفة والإيثار، وديننا الإسلامي هو الإنسانية الكاملة فى أروع صورها وأجمل مظاهرها وأبهاها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء: 1]. فاتحة سورة النساء. ولقد جاءت رسالة نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم رسالة عالمية فى حدودها وتعاليمها ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان: 1]. فهذا الشعور الجديد على الناس عريق فينا ولله الحمد، ونحن لهذا نفرح ونهش له، ونرجو أن يكون الذين يهتفون به الآن صادقين فى حديثهم عنه، عازمين على العمل به والنزول على حكمه حين تزول غاشية الحرب، وترفرف حمامة السلام. ولكنا مع هذا نحب أن نقول يجب ألا يفهم الناس أن معنى هذا الاتجاه العالمي أن تنسى الأمم مقوماتها الذاتية ومشخصاتها الخاصة بها، فإن لكل أمة ولا شك صفاتها وخصائصها، وعليها أن تحتفظ بهذه الخصائص والمشخصات، حتى تحفظ بذلك كيانها ولا تفنى فى سواها، وأن تستخدم هذه الخصائص نفسها فى جلب الخير للجماعة الإنسانية، وبذلك تخدم القومية العالمية، وتجنى الشعوب والأمم أفضل ما فى الشعورين من خير وفائدة، وإذا كنا نطالب الأمم القوية بأن تنزل قليلا أو كثيرا عن هذا الاعتزاز البالغ بأجناسهم ومميزاتهم وخواص شعوبهم، فذلك لأن لهم من قوتهم سياجا آخر يحفظون به وجودهم وينالون به حقوقهم- أما الأمم الناشئة فلا حصن لها ولا سياج إلا أن تعتز بوجودها وتستمسك بخصائصها ومشخصاتها.

اتجاه روحى:

ولقد وجهت هذه الحرب كذلك أذهان زعماء الشعوب وقادة الأمم إلى الناحية الروحية، وجعلتهم ينادون بوجوب الرجوع إليها والاعتماد عليها فى تكوين عالم فاضل يحب الخير ويشعر بالرحمة ويعمل للسلام، ويعترفون بأن ذلك لن يكون إلا عن طريق الخلق والدين، بل إنهم ليعترفون بأن الجيل الماضي -وقد قام صرح عظمته على المادة وحدها- كان جيلا فاشلا، لم تثمر حياته للناس إلا العلقم والصاب والدماء والدموع والعرق والبلاء المحيط الذى غرقت الدنيا فيه للأذقان، وهم لهذا يتواصون بوجوب تطعيم المدارس والمعاهد بالدين؛ قواعده، وعقائده، وعباداته، وشعائره، ولقد عرض تقرير وزارة المعارف المصرية لهذا المعنى فى موضعين.. قال فى أولهما عن الكلام على التعليم الإلزامي -وقد أجمع الباحثون على أن تعليم الدين يكون له شأن كبير فى هذه المدارس- والواقع أن جميع الإصلاحات الحديثة أو المعتزمة بعد الحرب ترمى إلى العناية بشأن الدين وتعليمه باعتبار أنه تربية الروح، ورفع مستوى الأخلاق من عناصر التعليم الهامة، وأن كثير من المصائب التى يرزح العالم تحتها يرجع إلى عدم تربية الروح. وقال فى الموضع الثاني تحت عنوان "التعليم الديني فى المدارس" طالب اللوردات فى مجلسهم بجعل الدين مادة أساسية لا مادة إضافية فى منهاج مزدحم. وفى تقرير لجنة التعليم لحزب المحافظين لوحظ أن قليلا من الناس يحتفظون بتوازنهم الروحي من غير مساعدة المعتقدات الدينية. وحتى هذا القليل اكتسبوا هذا التوازن من تقاليد فكرية وشعور موروث فى العهود التى كانت تسود فيها سلطة المعتقدات الدينية. وقد صرحت الحكومة فى مجلس البرلمان أنها تعتزم الاهتمام بالتعليم الديني، وجاء فى الكتاب الأبيض: أنه لا بد من الاعتراف بالمكان الخاص للتعليم الديني فى الحياة المدرسية، وأنه يجب أن يكون له مكان أظهر وأبرز فى حياة المدرسة وعملها، كما يجب أن يعنى بالتعبدات العملية. وما أولى مصر بأن تحذو هذا الحذو، فتهتم بتعليم الدين وبالعبادات العملية فى مدارسها، ووزارة المعارف تعد بأن تجعل هذا الموضوع نصب عينيها، بل تعد بأن يكون أساسا من الأسس التى تراعى عند إصلاح التعليم.

إن الذى يسمع هذه الأقوال يتبين -ولا شك- إلى أى مدى تطورت الفكرة الإنسانية الحديثة بالنسبة للدين، وتعدل موقف الغربيين منه حتى صاروا يفكرون هذا التفكير "الرجعى" البحت وإن الذين درسوا تاريخ أوروبا يعلمون مبلغ الجهود العظيمة التى بذلتها الدولة فى تخليص التعليم من أدران التدين، وتطهير المدارس من كل ما يمت إلى الدين أو يتصل به. فهذا الانقلاب فى التفكير الغربى"رجعية" محمودة نرحب بها -نحن المسلمين- أجمل ترحيب ونرجو من ورائها للغرب والشرق كل خير، وإذا كان ديننا الإسلامي الحنيف وقرآننا السماوي الكريم قد رسم لنا أفضل المناهج فى حياتنا العملية والروحية، فإن من واجبنا أن نوجه يقظة الضمير الإنساني واتجاهه هذه الوجهة الروحية لتعود إلى هدى ديننا، ولنجعل من هذا الدين القيم عمادا للتعليم ولشئون الحياة جميعا فى نهضتنا الحديثة وسنكون بذلك الفائزين.

لا أقول إننا نطالب الحكومة المصرية أو الحكومات العربية والإسلامية بالتعليم الديني فى مدارسها، فتلك نعمة ترددت حتى صارت مملوله، وليس الدين الإسلامي قواعد تستظهر، ولا ألفاظا تحفظ وتستذكر، ولكنه روح من فيض الله، وعقيدة يمتلئ بها القلب، ويفيض بها الشعور والوجدانات، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات، وآداب، ينظم بها شأن المجتمع، ونحن نريد أن يتربى أبناؤنا فى مدارسنا على هذا كله، وأن تهيمن عليهم فى تصرفاتهم جميعا روح الإسلام المشرقة، وأن تكون دعامة لذلك: القدوة الصالحة، والتوجيه الحسن، والشعور العامر الذى يفيض به جو المدرسة كله ويراه التلميذ فى كل شىء يقع نظره عليه فيها.

وبعد: فما الذى نتمنى أن يكون؟

نريد أن يتجه تفكير المصلحين المعنيين بشئون التعليم للوصول بالمدارس والنشء الجديد والجيل الجديد إلى هذه الأهداف الثلاثة:

تعليم عالمي. فالعلم لا وطن له.

وثقافة قومية. فلا حياة لأمة لا تعتز بوجودها ولا تعرف حق أمجادها.

وتربية إسلامية. فلا بقاء لشعب إلا بخلق ولا خلق بغير دين(15).

 

حياتنا التهذيبية

قد يظن أن التهذيب نتيجة من نتائج العلم، والحقيقة أن العلم، شىء والتهذيب شىء آخر، وقد يكون الشخص عالمًا وليس مهذبًا وبالعكس؛ لأن مرجع العلم إلى العقل ومرجع التهذيب إلى الخلق، وهما قوتان مختلفتان من قوى النفس ولكل منهما نوع خاص من التربية، وغاية ما بينهما من صلة أن العلم يكشف للشخص عن حقائق الأشياء، ويريه وجوه النفع والضرر منها فيساعده ذلك على مصاحبة الحسن ومجانبة القبيح، وبعبارة أخرى: إن العلم سلاح إن استعمل فى تدريب النفس على الفضيلة أفاد، وقد يكون معوانًا لها على الرذيلة أحيانًا، فليس التهذيب نتيجة لازمة له مطلقًا. كانت أثينا مهد العلوم وعش الفلاسفة ولم تكن الفضيلة فيها مرعية كما هى فى إسبرطة التى لم تبلغ شأو شقيقتها فى العلوم والفنون.

إذا تقرر هذا أمكننا القول بأننا وإن كنا تقدمنا تقدمًا علميًا محسًا، وخطونا إلى الرقى العلمي خطوات، إلا أننا نلاحظ انحطاطًا عامًا فى المستوى الخلقي يشمل معظم طبقات الأمة؛ فقد كثرت الجرائم، وضعف الشعور بالتبعة الأدبية والقانونية، واشتد تيار الخلاعة والتهتك وأولع بهما الشبان والشابات فى المنزل وفى الشارع وفى المتنزه، وكان لكل هذا أثره فى فشو روح الإباحية والإلحاد، والاستهتار بالشئون الدينية، والاستخفاف بأدائها، والإقبال على المسكرات وما شاكلها من السموم القاتلة، وتفكك روابط الأسر واختل نظامها لسهولة طرق البغاء وما فى حكمه، وكل هذه مظاهر تدلنا على ما وصلت إليه الآن من الضعف الخلقي، ولاشك أن هذا نتيجة لعصر الانتقال الذى تجتازه مصر الآن، وهو من أخطر الأدوار فى حياة الأمم، وأثر من آثار المدنية الحديثة التى نكرع من بحرها، ولابد أن يصحب المدنية والانتقال تغير شديد فى سلوك المرء وأخلاقه، فتتلاشى تلك الأخلاق المؤسسة على النظم والعادات المرعية والعقائد الدينية، ويحل محلها نوع آخر من الأخلاق عماده المصلحة الذاتية، وأنت لو قارنت بين البدوي والمدني لوجدت من الأول خلقًا متينًا أساسه الوجدان والحرية، ولوجدت من الثاني خلقًا متكلفًا أساسه التصنع والرياء.

يحدثنا التاريخ بلسان الكاتب اليوناني أرستوفانس عن أثينا بعد الحروب الفارسية أن الإلحاد قد فشا، والآداب قد فسدت، وصار الناس أحرارًا فى سلوكهم لا يحتشمون ولا يتقيدون بنظام أو قانون، وأصبح الأطفال ذوي خبث ودهاء قد فسدت نياتهم ونضب ماء الحياء من وجوههم، وأصبحت الحلائل جامحات عاصيات مبذرات غير عفيفات، وأصبح البعول وقد أهملوا منازلهم وأغفلوا حقوق الزوجية وعاشوا لأنفسهم لا غير. أما رجال الوطن فقد تحولت وجهتهم إلى جمع المال وكسبه من الطرق الشريفة وغير الشريفة، لا يبالون بما نالهم من عار وسمعة سيئة، وأما الموالي فقد تعودوا العصيان والكسل وقل فيهم الولاء والإخلاص، وإن أردت الإجمال فقل: فسدت شخصية الإنسان وتمشت فى طريق الغواية والضلال.

هذا ما يحدثنا به التاريخ عن أثينا فى دور انتقالها، وهو ما نكاد نراه بعينه فاشيًا بيننا. وطبائع الأمم -وإن تقادم العهد- متشابهة، والواجب يقضى على الزعماء والمصلحين أن يتداركوا هذا الأمر بالعلاج المفيد والدواء الحاسم، وأن يقفوا من الآن فى تهذيب أخلاقها موقف المرشد الحكيم. والسبيل المجمل فى الإصلاح الخلقي هو الرجوع بالناس إلى تمسكهم بدينهم وتقوية روح العقيدة السماوية فى نفوسهم، ولن يؤثر فى النفس الإنسانية شىء كالعقيدة، ولن يصلح أخلاق الأمم كالدين، وخصوصًا الأمم الشرقية التى شابت مفارقها فى مدارسة العقائد والأديان، ومحال أن تقوم القوانين الوضعية أو الفلسفة البشرية أو العلوم الإنسانية مقام العقيدة السماوية التى تهبط على النفس المجدبة فتثمر بها روحًا وريحانًا، وتحل بالفؤاد الخاوي الأصحر فتملأه تقى وإيمانًا ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَّشَاءُ﴾[الأنعام: 88].

وسائل التعليم والتهذيب العامة:

أهم هذه الوسائل عندنا: المساجد، والصحف، والأندية، والجمعيات الإرشادية الإسلامية الناشئة، ودور الكتب العامة، والتأليف، والنشر. ويسرنا أن النهضة الحديثة شملت هذه الوسائل كلها وإن كان شمولاً قاصرًا، إلا أنا نرجو له بالمثابرة والزمن الكمال والوصول إلى الغاية المرجوة.

فأما المساجد فقد كانت إلى عهد قريب مهملة بأيدي بعض الأئمة يدرس كل منهم ما يشاء، فاهتمت وزارة الأوقاف بطبع كتابها فى الفقه وتوزيعه عليهم توحيدًا لمادة التدريس وإعانة للمدرس، وإن كانت كل الشروط اللازمة لم تتوفر فى هذا الكتاب إلا أنه خير من السكوت المطلق، واهتمت وزارة الداخلية بتعيين الوعاظ الرسميين الذين يشملون المراكز والبلاد بوعظهم وإرشادهم ولاشك أن أثرهم وتهذيب الأمة العام سيكون واضحًا قريبًا، ولعل وزارة الداخلية تعجل للوجه القبلي بنصيبه من هؤلاء الوعاظ الفضلاء، ولعلهم يقدرون مهمتهم حق قدرها، فيخلصون لله حق الإخلاص فى إفادة الأمة وتطهير روحها، ويكونون فى ذلك خير قدوة لها.

وأما الصحف فقد كثرت وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وأصبح يتناولها كل طبقات الشعب تقريبًا، ولقد يكون من المعجب السار أن ترى جماعة من الحمالين أو الحوذية قد تحلقوا حول قارئ بيده صحيفة فى مقهى ينصتون إلى عباراتها، ويحتدم بينهم الجدال فى تفسير نصوصها، مما يدلك على نضوج الرأي العام وتكونه فى مصر، وإن كان مجال النضوج لا يزال بعد فسيحًا. وهناك نوع من الصحف إثمه أكبر من نفعه، وهو الصحف الماجنة الخليعة وهي كثيرة، وحبذا لو راقبتها إدارة المطبوعات مراقبة جدية، وخلصت الفتيان والفتيات من شر سمومها وخطر نفثاتها، ونناشد حضرات الصحفيين الأجلاء أن يكونوا نصراء للفضيلة عونًا للإصلاح الحقيقي، أمناء على أخلاق الأمة ومصالحها كما تقتضيه مهمتهم الشريفة، وألا يجاروا أعداء الدين والفضيلة فى استهتارهم وإباحتهم.

وأما الأندية فهى كالصحف يتوقف تأثيرها فى الحركة التهذيبية على نوع الدعاية التى تقوم بها، وإنا ندعو الأمة إلى أن تغشى الأندية المعروفة بحثها على الفضيلة واحترامها للأخلاق.

وإنا لعظيمو الاستبشار بهذه الجمعيات الإسلامية المباركة أمثال: جمعية الشبان المسلمين، والهداية الإسلامية، ومكارم الأخلاق، التى تعمل للفضيلة والدين، وتبين للأمة وجوه النفع والضرر، وترشدها إلى ما به حياتها وسعادتها، وتحث الأمة على تشجيعها والإقبال عليها، فذلك نوع من أنواع الجهاد الإسلامي، وفائدة علمية تهذيبية عظيمة، وإذا علمنا أن جمعية الشبان المسلمين ألقت بناديها فى العام الماضي زهاء ستين محاضرة فى موضوعات طلية قيمة، عدا محادثاتها ومناظراتها ومسامراتها العلمية الأدبية، علمنا مبلغ الفائدة التى تعود على من يغشى ناديها ويواظب على استماع دروسها. 

ولقد كان هذا النوع من التهذيب الإسلامي العام يكاد يكون معدومًا فى بلادنا، فجاءت هذه الجمعيات فسدت فراغه وأروت ظمأ الناس ما قيض الله لها سبيل الرقى والنجاح، وقد كان من آثار هذه الجمعيات تلك الصحف الغنية بموضوعاتها العلمية والفنية والأدبية التى يجد فيها كل من قرأها العلم واللذة والإقناع.

وأما دور الكتب فقد انتشرت منذ عهد قريب بمساعي مجالس المديريات والمجالس البلدية، وأثرها فى نشر العلم والتهذيب معروف، وفق الله القائمين بأمرها إلى تغذيتها بالكتب النافعة الجيدة.

وقد كان من مظاهر نهضتنا تلك المؤلفات الحديثة والقديمة التى تخرجها المطابع يومًا فيومًا، وتلك الشركات التى تؤلف لإحياء الكتب القيمة ونشر الكتب الكبيرة، ويخيل إلينا أن الكتب التى طبعت حديثًا فى الموضوعات الدينية وحدها تزيد عن خمسين كتابًا من الكتب الكبيرة النادرة التى ما كان يظن أحد أنها تروج فى هذه الأيام، ومع هذا فقد راجت وانتشرت بشكل سار مما يدل على تعطش الناس إلى العلم وحبهم للاطلاع.

ذلك مجمل القول فى حياتنا العلمية والتهذيبية، نختمه بالرجاء الكبير إلى حكومتنا وشعبنا أن يحلا مواطن النقص فيها محل النظر الدقيق والرعاية الجدية، وأن يعالجا نقصنا الخلقي وفسادنا الأدبي علاجًا حاسمًا حتى تبلغ أمتنا بذلك غاية الكمال الممكن، والله ولى التوفيق(16).

المصادر

  1. مجلة الشبان المسلمين الشهرية، السنة الثانية، المجلد الأول، الجزء الرابع، شعبان 1348ﻫ/ يناير 1930م، ص(280-285).
  2. مجلة الشبان المسلمين الشهرية، السنة الثانية، المجلد الثاني، الجزء الثاني، جمادى الآخرة 1349ﻫ/ نوفمبر 1930م، ص(89- 97).
  3. مجلة الشبان المسلمين الشهرية، السنة الثانية، المجلد الثاني، الجزء الثالث، شعبان 1349ﻫ/ ديسمبر 1930م، ص(188-194).
  4. مجلة الفتح، العدد (234)، السنة الخامسة، 26شعبان 1349ﻫ/ 16يناير 1931م.
  5. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (6)، السنة الثالثة، 18صفر 1354ﻫ/ 21مايو 1935م، ص(31-32).
  6. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (11)، السنة الثالثة، 24ربيع الأول 1354ﻫ/ 25يونيو 1935م، ص(3-5).
  7. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (12)، السنة الثالثة، غرة ربيع الآخر 1354ﻫ/ 2يوليو 1935م، ص(3-5).
  8. الإخوان المسلمون الأسبوعية، العدد (12)، السنة الثالثة، غرة ربيع الآخر 1354ﻫ/ 2يوليو 1935م، ص(14-15).
  9. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (13)، السنة الثالثة، 8ربيع الآخر 1354ﻫ/ 9يوليو 1935م، ص(3-10).
  10. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (14)، السنة الثالثة، 15ربيع الآخر 1354ﻫ/ 16يوليو 1935م، ص(3-5).
  11. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (15)، السنة الثالثة، 22ربيع الآخر 1354ﻫ/ 23يوليو 1935م، ص(3-4).
  12. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (16)، السنة الثالثة، 29ربيع الآخر 1354ﻫ/ 30يوليو 1935م، ص(3-4).
  13. النذير، العدد (6)، السنة الثانية، 6 صفر 1358ﻫ / 28مارس 1939م، ص(3-7).
  14. مجلة التعارف، العدد (7)، السنة الخامسة، 21 صفر 1359ﻫ/ 30مارس1940، ص(10).
  15. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (33)، السنة الثانية، 29 ربيع ثان 1363ﻫ/ 22أبريل1944م، ص(3-4، 17).
  16. مجلة الشبان المسلمين الشهرية، السنة الأولى، المجلد الأول، الجزء الثاني، جمادى الآخرة 1348ﻫ/ نوفمبر 1929م، ص(104-108).
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا حول فهم الإخوان للدين والسياسة
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر