رسالة الجهاد


الخلفية التاريخية للرسالة
 [الجهاد سبيلنا] شعار وضع الأستاذ البنا منذ اللحظة الأولى لانطلاق فكرته ونشأة جماعة الإخوان المسلمين، بحيث لم يفرق ما بين العمل التعبدي والجهاد لتحرير الأرض من المحتلين والمحافظة عليها، وأن كل أرض يرفع فيها اسم الله يجب الحفاظ عليها.

ولد حسن البنا في وقت كان الاستعمار جاسم على صدر العالم الإسلامي كله، مستنزفا خيراته، فارضا عليه الجهل والمرض والاستعباد، فوجد أن أفضل وسيلة مع العدو هو مقاومتهم بالقوة التي يعرفها، فنادى في الأمة بالعمل من أجل التحرر، وطالب الحكومات المتعاقبة بوقف المفاوضات مع المستعمر لأنه لا طائل منه إلا استنزاف الوقت والجهد.

وحينما لاحت في الأفق المؤامرة العالمية على مقدسات المسلمين وإعطاء وطن قومي للصهاينة في فلسطين، انتفضت الشعوب وترجمها الإخوان بالمطالبة بفتح باب الجهاد، وتلقفتها بعض المؤسسات الرسمية مثل جامعة الدول العربية وتبنت فكرة التصدي للصهاينة، ولذا فتحت باب التطوع لمن أراد التصدي للصهاينة.

كان الإخوان على رأس من سارع بالتطوع بل وتشكيل لجان لشراء السلاح من البدو وإعداده للمجاهدين، وفي هذا الوقت العصيب عام 1947م أصدر الإمام البنا رسالة الجهاد ليوضح فيها مدى مشروعيته وأهميته في الإسلام وأثره على الأمم ونتائجه العظيمة في نيل الحريات والتقدم بالوطن. 

إلى نص الرسالة

 

رسالة الجهاد

﴿وَجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78]

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المجاهدين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه، ومن جاهد في سبيل شريعته إلى يوم الدين.

الجهاد فريضة على كل مسلم

فرض الله الجهاد على كل مسلم فريضة لازمة حازمة لا مناص منها ولا مفر معها، ورغب فيه أعظم الترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، فلم يلحقهم في مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم، ومن اقتدى بهم في جهادهم. ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنحها سواهم، وجعل دماءهم الطاهرة الزكية عربون النصر في الدنيا وعنوان الفوز والفلاح في العقبى، وتوعد المخلفين القاعدين بأفظع العقوبات، ورماهم بأبشع النعوت والصفات، ووبخهم على الجبن والقعود، ونعى عليهم الضعف والتخلف، وأعد لهم في الدنيا خزيًا لا يرفع إلا إن جاهدوا، وفى الآخرة عذابًا لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل أحد ذهبًا، واعتبر القعود والفرار كبيرة من أعظم الكبائر وإحدى السبع الموبقات المهلكات.

ولست تجد نظامًا قديمًا أو حديثًا دينيًا أو مدنيًا، عنى بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة، وحشدها كلها صفًا واحدًا للدفاع بكل قواها عن الحق، كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم فياضة بكل هذه المعاني السامية، داعية بأفصح عبارة وأوضح أسلوب إلى الجهاد والقتال والجندية وتقوية وسائل الدفاع والكفاح بكل أنواعها من برية وبحرية وغيرها على كل الأحوال والملابسات.

وسنورد لك طرفًا من ذلك على سبيل التمثيل لا على سبيل الاستقراء والحصر، وسوف لا نتناول شيئًا من الآيات والأحاديث بشرح أو تعليق طويل. فسترى في جزالة ألفاظها ونصاعة بيانها ووضوح معانيها وقوة الروحانية فيها ما يغنيك عن ذلك كله.

بعض آيات الجهاد في كتاب الله

فمن القرآن الكريم قوله تعالى:

1 - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

ومعنى كتب: فرض، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ [البقرة: 183] في نفس السورة وبنفس العبارة والتركيب.

2 - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا في الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 156-158].

ومعنى ضربوا في الأرض: خرجوا فيها مجاهدين. وغزى: غزاة محاربين.

وانظر إلى مقارنة المغفرة والرحمة للقتل أو الموت في سبيل الله في الآية الأولى، وإلى خلو الآية الثانية من ذلك لخلوها من معنى الجهاد، وفى الآية إشارة إلى أن الجبن من أخلاق الكافرين لا المؤمنين، فانظر كيف انعكست الآية.

3 - ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآيات [آل عمران: 169- 175]، فارجع إلى تمامها في المصحف.

4 -﴿فَلْيُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء: 71-78]، فارجع إليها في المصحف الكريم لترى كيف يحض الله المسلمين على الحذر، وممارسة القتال في جيوش أو عصابات أو فرادى كما يقتضيه الحال، وكيف يوبخ القاعدين والجبناء والمخلفين والنفعيين، وكيف يستثير الهمم لحماية الضعفاء وتخليص المظلومين، وكيف يقرن القتال بالصلاة والصوم ويبين أنه مثلهما من أركان الإسلام، وكيف يفند شبهات المترددين ويشجع الخائفين أكبر تشجيع على خوض المعامع ومقابلة الموت بصدر رحب وجنان جريء، مبينًا لهم أن الموت سيدركهم لا محالة، وأنهم إن ماتوا مجاهدين فسيعوضون عن الحياة أعظم العوض ولا يظلمون فتيلاً من نفقة أو تضحية.

5 -سورة الأنفال كلها حث على القتال، وحض على الثبات فيه، وبيان لكثير من أحكامه، ولهذا اتخذها المسلمون الأولون -رضوان الله عليهم- نشيدًا حربيًّا يتلونه إذا اشتد الكرب وحمى الوطيس، وحسبك منها قول الله -تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾[الأنفال: 65].

6 -سورة التوبة وكلها كذلك حث على القتال وبيان لأحكامه، وحسبك منها قول الله تبارك وتعالى في قتال المشركين الناكثين: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 14].

وقوله -تبارك وتعالى- في قتال أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

ثم إعلان النفير العام في آيات داوية صارخة ختامها قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41].

ثم تنديد صارخ بموقف القاعدين الجبناء الأنذال، وحرمان لهم من شرف الجهاد أبد الآبدين في قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ الآيات [التوبة: 83].

ثم إشادة بموقف المجاهدين، وعلى رأسهم سيدهم الكريم صلى الله عليه وسلم، وبيان أن هذه هي مهمته المطهرة وسنة أصحابه الغر الميامين في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 88-89].

ثم بيعة بعد ذلك جامعة مانعة لا تدع عذرًا لمعتذر في قوله -تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

7 -سورة القتال، وتصور كيف أن سورة بأكملها تسمى سورة القتال في كتاب الله الحكيم، وأن أساس الروح العسكرية كما يقولون أمران: الطاعة والنظام، وقد جمع الله هذا الأساس في آيتين من كتابه، فأما الطاعة ففي هذه السورة في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ، طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾[محمد: 20-21].

وأما النظام ففي سورة الصف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].

8 -سورة الفتح، وهي أيضًا كلها في غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى الإشادة بموقف رائع من مواقف الجهاد العزيز، تحت ظل الشجرة المباركة، حيث أعطيت بيعة الثبات والموت، فأثمرت السكينة والفتح فذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا* وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 18-19].

هذه -يا أخي- بعض المواضع التي ورد فيها ذكر الجهاد، وبيان فضله، وحث المؤمنين عليه، وتبشير أهله بالثواب الجزيل والجزاء الجميل، وكتاب الله مملوء بمثلها فتصفحه وتدبر ما جاء فيه من هذا الباب، تر العجب العجيب، وتدهش لغفلة المسلمين عن اغتنام هذا الثواب.

نماذج من الأحاديث النبوية في الجهاد

وإليك بعض الأحاديث النبوية الشريفة في ذلك:

1 - عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنى ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أنى أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" رواه البخاري ومسلم.

السرية: القطعة من الجيش لا يكون فيها القائد العام له.

2 - عن أبى هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم من يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة، اللون لون الدم، والريح ريح المسك".

الكلم: الجرح، ويكلم: يجرح.

3 -وعن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعنى أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعنى المشركين. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت -يا رسول الله- ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين: ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى، أو نظن: أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ إلى آخر الآية. رواه البخاري.

من دون أُحد: أي من جهة جبل أحد.

4 -وعن أم حارثة بنت سراقة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة -وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك، اجتهدت عليه في البكاء. قال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى". أخرجه البخاري.

السهم الغرب: الذي لا يعرف راميه. اجتهدت عليه في البكاء: بكيت بكاء شديدًا.

فانظر -يا أخي- كيف كانت الجنة تنسيهم الهموم والمصائب وتحملهم على الصبر عند المكاره.

5 - وعن عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". أخرجه الشيخان وأبو داود.

6 - وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله تعالى فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

أي: له أجره.

7 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعده، فإن شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة". رواه البخاري.

ومثل الفرس كل عدة في سبيل الله.

8 - وعن أبى هريرة رضي الله عنه قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: "لا تستطيعونه". قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول: "لا تستطيعونه". ثم قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد". الستة إلا أبو داود.

9 - وعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو ظهر بعيره، أو على قدمه حتى يأتيه الموت. وإن من شر الناس رجلاً يقرأ كتاب الله لا يرعوى بشيء منه" رواه النسائي.

لا يرعوى، أي: لا ينكف ولا يتعظ ولا ينزجر.

10 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى" الترمذي.

11 - وعن ابن أبى عميرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أقتل في سبيل الله أحب إلى من أن يكون لي أهل المدر والوبر" أخرجه النسائي.

أهل المدر والوبر، أي: أهل الحواضر والبوادي.

12 - وعن راشد بن سعد رضي الله عنه، عن رجل من الصحابة، أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال: "كفاه ببارقة السيوف على رأسه فتنة" أخرجه النسائي.

وهذه من امتيازات الشهيد في الموقعة، وكم له من امتيازات كهذه ستأتي بعد فاستمع.

13 - وعن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة" الترمذي والنسائي والدارمي وَقَال الترمذي: حسن غريب.

وهذا امتياز آخر للشهيد.

14 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجب ربنا تبارك وتعالى من رجلٍ غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، فعلم ما عليه، فرجع حتَّى أريق دمه، فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبةً فيما عندي، وشفقةً ممَّا عندي حتى أريق دمه، أشهدكم أنى قد غفرت له"‏.

شفقة: خوفًا. وأريق دمه: سال دمه.

15 - وعن عبد الخير بن ثابت بن قيس بن شمَّاس، عن أبيه، عن جده قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها أمّ خلاد وهي منتقبة تسأل عن ابن لها قتل في سبيل الله تعالى، فقال لها بعض أصحابه: جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أُرْزأ ابني فلن أُرْزأ حيائي. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ابنك له أجر شهيدين". قالت: ولم؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب". أخرجهما أبو داود.

أرزأ ابني: أفقده وأصاب فيه. وفى هذا الحديث إشارة إلى وجوب قتال أهل الكتاب، وأن الله يضاعف أجر من قاتلهم، فليس الجهاد للمشركين فقط ولكنه لكل من لم يسلم.

16 - وعن سهل بن حُنيف رضي الله عنه، أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" أخرجه الخمسة إلا البخاري.

17 - وعن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنفق نفقة في سبيل الله تعالى كتبت له بسبعمائة ضعف". رواه الترمذي وحسنه، والنسائي.

18 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب. فذكر ذلك لرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اُغْزُوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" رواه الترمذي.

عيينة: عين صغيرة تفيض بالماء.

19 - وعن المقدامِ بنِ معدِ يكربَ قال: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "للشَّهيدِ عندَ اللهِ ستُ خصالٍ: يغفرُ لهُ في أوَّلِ دفعةٍ، ويُرى مقعدهُ من الجنَّةِ، ويجارُ من عذابِ القبرِ، ويأمنُ من الفزعِ الأكبر ويوضعُ على رأسهِ تاجُ الوقارِ الياقُوتةُ منها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويزوَّجُ اثنتينِ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العين ويشفَّعُ في سبعينَ من أقربائهِ". رواه الترمذي وابن ماجه.

20 - وعن أبي هُرَيرَةَ رضي الله تعالى عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "من لقىَ اللهَ بغيرِ أثرٍ من جهادٍ لقىَ اللهَ وفيهِ ثُلمةٌ". رواه الترمذي وابن ماجه.

21 - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه" رَوَاهُ مُسلِمٌ.

22 -وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً في سَبيلِ اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، كَانَتْ كَأَلفِ لَيْلَةٍ، صِيَامِها وَقِيَامِها". رواه ابن ماجه.

23 - وعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ رضى الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم [قَالَ]: "غَزْوَةٌ في البَحْرِ مِثْل عَشْرِ غَزَوَاتٍ في البَرِّ. وِالَّذى يَسْدَرُ في البَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ في دَمِهِ في سَبِيلِ اللهِ سُبْحَانَهُ". رواه ابن ماجه.

يسدر: يميل ويهتز وترتج به السفينة.

وفيه الإشارة بغزو البحر ولفت نظر الأمة إلى وجوب العناية بحفظ سواحلها وتقوية أسطولها، ويقاس عليه الجو فيضاعف الله للغزاة في الجو في سبيله أضعافًا مضاعفة.

24 -وعن جَابِرَ بْنَ عِبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنه يقُولُ: لَمَّا قُتِلَ عِبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَا جَابِرُ! أَلاَ أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللهُ تعالى لأَبِيكَ"؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا إِلاَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا. فَقَالَ: يَا عَبْدِى! تَمَنَّ عَلَىَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ! تُحْيِيِني فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيةً. قَالَ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّى ﴿أَنَّهُمْ إِليْها لا يَرْجَعُونَ﴾ [يس: 31]. قَالَ: يَا رَبِّ! فأَبْلِغْ مَنْ ورائي. فأَنْزِلَ اللهِ تعالى هَذهِ الآيَةَ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذيْنَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتًا...﴾ الآية كلها [آل عمران: 169]. رواه ابن ماجه.

25 - وعَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم قَال: "لأَنْ أُشَيِّعَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ فأكففه عَلَى رَحْلِهِ غَدْوَةً أَوْ رَوْحَةً، أَحَبُّ إِلىَّ مِنَ الْدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا". رواه ابن ماجه. فأكففه على رحله: فأساعده عليه. غدوة: بالغدو وهو الصباح. روحة: في الرواح وهو المساء.

26 -وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر". رواه مسلم.

27 -وعن أبي الدّرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته". رواه أبو داود.

28 - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم.

29 -وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". قال عمير بن الحمام: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك: بخ بخ؟" قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي، إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل. رواه مسلم.

30 - عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف من الروم حتى دخل عليهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقى بيده إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه. قال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد علينا ما قلنا ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. رواه الترمذي.

ولاحظ -يا أخي- أن أبا أيوب حين يقول هذا كان في سن كبيرة قد جاوزت الشباب والكهولة، ومع هذا فقلبه وروحه وإيمانه مثال للفتوة القوية بتأييد الله وعزة الإسلام.

31 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق". رواه مسلم وأبو داود ونظائره كثيرة.

والأحاديث الكريمة في ذلك وأمثاله، وفى غزو البحر وتفضيله على غزو البر بمرات، وفى غزو أهل الكتاب كذلك، وفى تفصيل أحكام القتال، أكثر من أن يحيط به مجلد كبير، وندلك على كتاب (العبرة فيما ورد عن الله ورسوله في الغزو والجهاد والهجرة) للسيد حسن صديق خان وهو خاص بذلك البحث، وكتاب (مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام)، وما جاء في كتب الحديث كلها في باب الجهاد ترى الكثير الطيب.

حكم الجهاد عند فقهاء الأمة

مرت بك الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة في فضل الجهاد، وأحب أن أنقل إليك طرفًا مما قاله فقهاء المذاهب، حتى المتأخرين منهم في أحكام الجهاد ووجوب الاستعداد، لتعلم إلى أي حد ضيعت الأمة الإسلامية أحكام دينها في قضية الجهاد بإجماع آراء المسلمين في كل عصر من أعصارهم فاسمع:

1 - قال صاحب (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر) مقررًا أحكام الجهاد في مذهب الأحناف: (الجهاد في اللغة: بذل ما في الوسع من القول والفعل).

وفى الشريعة: قتل الكفار ونحوه من ضربهم ونهب أموالهم وهدم معابدهم وكسر أصنامهم.

والمراد: الاجتهاد في تقوية الدين بنحو قتال الحربيين والذميين إذا نقضوا، والمرتدين -الذين هم أخبث الكفار؛ للنقض بعد الإقرار- والباغين بدءًا منا فرض كفاية، يعنى يفرض علينا أن نبدأهم بالقتال بعد بلوغ الدعوة، وإن لم يقاتلونا، فيجب على الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته، وإذا قام به بعض سقط عن الباقين، فإذا لم تقع الكفاية بذلك البعض وجب على الأقرب فالأقرب، فإن لم تقع الكفاية إلا بجميع الناس فحينئذ صار فرض عين كالصلاة، أما الفريضة فلقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾[التوبة: 5]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة"، وإن تركه الكل أثموا..

إلى أن قال: فإن غلب العدو على بلد من بلاد الإسلام أو ناحية من نواحيها ففرض عين، فتخرج المرأة والعبد بلا إذن الزوج والمولى، وكذا يخرج الولد من غير إذن والديه، والغريم بغير إذن دائنه).

وفى كتاب "البحر": (امرأة مسلمة سبيت بالشرق وجب على أهل المغرب تخليصها [ما لم تدخل حصونهم وحرزهم]) اﻫ.

2 - وقال صاحب (بلغة السالك لأقرب المسالك في مذهب الإمام مالك): (الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى كل سنة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقي، ويتعين (أي: يصير فرض عين كالصلاة والصوم) بتعيين الإمام، وبهجوم العدو على محلة قوم، فيتعين عليهم وعلى من بقربهم إن عجزوا، ويتعين على المرأة والرقيق مع هذه الحالة، ولو منعهم الولي والزوج والسيد ورب الدين إن كان مدينًا، ويتعين أيضًا بالنذر، وللوالدين المنع منه في فرض الكفاية فقط، وفك الأسير من الحربيين، وإن لم يكن له مال يفك منه فرض كفاية، وإن أتى على جميع أموال المسلمين) اﻫ.

3 – وفى متن المنهاج للإمام النووي الشافعي: (كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، وقيل: عين، وأما بعده فللكفار حالان:

أحدهما - يكونون ببلادهم ففرض كفاية، إذا فعله من فيهم [الكفاية من المسلمين] سقط الحرج عن الباقين.

والثاني - يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن، وإن أمكن تأهب لقتال وجب الممكن حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن).

4 - وفى (المغنى) لابن قدامه الحنبلي قال: (مسألة- والجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين، [ويتعين في ثلاثة مواضع]:

أ- إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام.

ب- إذا نزل الكفار ببلدة تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

ج- إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير معه.

وأقل ما يفعل مرة كل عام.

قال أبو عبد الله (يعنى الإمام ابن حنبل): لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد، وغزوة البحر أفضل من غزوة البر.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك. قالت أم حرام: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة" متفق عليه.

ومن تمام الحديث أن أم حرام سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لها لتكون من هؤلاء فدعا لها، فعمرت حتى ركبت البحر في أسطول المسلمين الذي فتح جزيرة قبرص وماتت بها ودفنت فيها، وهناك مسجد ومشهد ينسب إليها رحمها الله ورضى الله عنها.

5 - وقال في (المحلى) لابن حزم الظاهري: مسألة- والجهاد فرض على المسلمين، فإذا قام به من يدفع العدو ويغزوهم في عقر دارهم ويحمى ثغور المسلمين سقط فرضه عن الباقين، وإلا فلا قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 41]. ولا يجوز إلا بإذن الأبوين، إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثًا لهم، أذن الأبوان أم لم يأذنا، إلا أن يضيعا أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك من يضيع منهما.

6-وقال الشوكاني في (السيل الجرار): (الأدلة الواردة في فرضيه الجهاد كتابًا وسنه أكثر من أن تكتب ها هنا، ولكن لا يجب ذلك إلا على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. وقبل أن يقوم به البعض هو فرض عين على كل مكلف، وهكذا يجب على من استنفره الإمام أن ينفر، ويتعين ذلك عليه).

فها أنت ذا ترى من ذلك كله كيف أجمع أهل العلم مجتهدين ومقلدين، سلفيين وخلفيين، على أن الجهاد فرض كفاية على الأمة الإسلامية، لنشر الدعوة، وفرض عين لدفع هجوم الكفار عليها. 

والمسلمون الآن كما تعلم مستذلون لغيرهم محكومون بالكفار، قد ديست أرضهم، وانتهكت حرماتهم، وتحكم في شئونهم خصمهم، وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم، فضلاً عن عجزهم عن نشر دعوتهم، فوجب وجوبًا عينيًّا لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم، وأن ينطوي على نية الجهاد وإعداد العدة له حتى تحين الفرصة ويقضى الله أمرًا كان مفعولاً.

ولعل من تمام هذا البحث أن أذكر لك أن المسلمين في أي عصر من عصورهم قبل هذا العصر المظلم الذي ماتت فيه نخوتهم، لم يتركوا الجهاد ولم يفرطوا فيه حتى علماؤهم والمتصوفة منهم والمحترفون وغيرهم، فكانوا جميعًا على أهبة الاستعداد، كان عبد الله بن المبارك الفقيه الزاهد متطوعًا في أكثر أوقاته بالجهاد، وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك، وكان شقيق البلخي شيخ الصوفية في وقته يحمل نفسه وتلامذته على الجهاد.

وكان البدر العيني شارح البخاري الفقيه المحدث يغزو سنة ويدرس العلم سنة ويحج سنة، وكان القاضي أسد بن الفرات المالكي أميرًا للبحر في وقته، وكان الإمام الشافعي يرمى عشرة ولا يخطئ.

كذلك كان السلف -رضوان الله عليهم، فأين نحن من هذا التاريخ؟

لماذا يقاتل المسلم؟

أتى على الناس حين من الدهر وهم يغمزون الإسلام بفرضية الجهاد وإباحة القتال، حتى تحققت الآيات الكريمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. فها هم الآن يعترفون بأن الاستعداد هو أضمن طريق للسلام. فرض الله الجهاد على المسلمين لا أداة للعدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية، ولكن حماية للدعوة وضمانًا للسلم، وأداء للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون، رسالة هداية الناس إلى الحق والعدل، وإن الإسلام كما فرض القتال شاد بالسلام فقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [الأنفال: 61].

كان المسلم يخرج للقتال وفى نفسه أمر واحد أن يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وقد فرض دينه عليه ألا يخلط بهذا المقصد غاية أخرى، فحب الجاه عليه حرام، وحب الظهور عليه حرام، وحب المال عليه حرام، والغلول من الغنيمة عليه حرام، وقصد الغلب بغير الحق عليه حرام. والحلال أمر واحد أن يقدم دمه وروحه فداء لعقيدته وهداية للناس.

عن الحارث بن مسلم بن الحارث، عن أبيه قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقت أصحابي، فتلقاني أهل الحي بالرنين، فقلت لهم: قولوا: لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوها، فلامني أصحابي وقالوا: حرمتنا الغنيمة، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه بالذي صنعت، فدعاني فحسن لي ما صنعت، ثم قال لي: (ألا إن الله تعالى قد كتب لك بكل إنسان كذا وكذا من الأجر). وقال: (أما إني سأكتب لك بالوصاية بعدى)، ففعل وختم عليه ودفعه إلى) أخرجه أبو داوود.

وعن شداد بن الهادي رضي الله عنه، أن رجلاً من الأعراب جاء فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فكانت غزاة غنم فيها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقسم وقسم له. فقال: ما هذا؟ فقال: (قسمته لك). فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكنى اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا -وأشار بيده حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة. قال: (إن تصدق الله يصدقك). فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به النبي محمولاً قد أصابه سهم حيث أشار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: (صدق الله فصدقه)، ثم كفن في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه. فكان مما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا وأنا شهيد على ذلك). أخرجه النسائي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغى عرضًا من الدنيا. فقال: (لا أجر له). فأعادها عليه ثلاثًا كل ذلك يقول: (لا أجر له) أخرجه أبو داود.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟

قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" أخرجه الخمسة.

وأنت إذا قرأت وقائع الصحابة رضوان الله عليهم ومسالكهم في البلاد التي فتحوها، رأيت مبلغ عزوفهم عن المطامع والأهواء، وانصرافهم لغايتهم الأساسية الأصلية، وهي إرشاد الخلق إلى الحق حتى تكون كلمة الله هي العليا، ورأيت مبلغ الخطأ في اتهامهم رضوان الله عليهم بأنهم إنما كانوا يريدون الغلب على الشعوب، والاستبداد بالأمم، والحصول على الأرزاق.

الرحمة في الجهاد الإسلامي

لما كانت الغاية في الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل، فقد حرم الله العدوان، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وأمر بالعدل حتى مع الأعداء والخصوم فقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، وأرشد المسلمين إلى منتهى الرحمة.

فهم حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون ولا يمثلون ولا يسرقون ولا ينتهبون الأموال، ولا ينتهكون الحرمات، ولا يتقدمون بالأذى، فهم في حربهم خير محاربين، كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين.

عن بريدة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصاته بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا" رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" أخرجه الشيخان.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعف الناس قِتلةً أهل الإيمان" أخرجه أبو داود.

وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النهب والمثلة" أخرجه البخاري.

كما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ، والإجهاز على الجرحى، وإهاجة الرهبان والمنعزلين ومن لا يقاتل من الآمنين، فأين هذه الرحمة من غارات المتمدينين الخانقة وفظائعهم الشنيعة؟ وأين قانونهم الدولي من هذا العدل الرباني الشامل؟

اللهم فقه المسلمين في دينهم، وأنقذ العالم من هذه الظلمات بأنوار الإسلام.

ما يلحق بالجهاد

شاع بين كثير من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر، وأن هناك جهادًا أكبر هو جهاد النفس، وكثير منهم يستدل لذلك بما يروى: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب أو جهاد النفس).

وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له ونية الجهاد والأخذ في سبيله. فأما هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح، قال أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر في "تسديد القوس": هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عبلة.

وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر، على أنه لو صح فليس يعطى أبدًا الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين ورد عادية أهل الكفر عنها، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص لله في كل عملها، فليعلم. وهناك أمور تلحق بالجهاد منها: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقد جاء في الحديث: "إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". ولكن شيئًا منها لا يوجب لصاحبه الشهادة الكبرى وثواب المجاهدين إلا أن يَقتل أو يقتل في سبيل الله.

خاتمة

أيها الإخوان:

إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا ألا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة.

واعلموا أن الموت لابد منه، وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، ولن يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وتدبروا جيدًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا في صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا في قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[آل عمران: 154].

فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله.

 

المقال التالي رسالة المرأة المسلمة
المقال السابق كتابات الإمام البنا إلى الأقباط