السبيل إلى الإصلاح في الشرق

تسود العالم الشرقي حالة من الفوضى والاضطراب في جميع مظاهر حياته الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتلك وإن تكن طبيعة عصر الانتقال الذي يجتازه العالم الشرقي الآن ومظهر النهضة الحديثة التي تتمخض بها أممه، إلا أنها تجعل المركز حرجًا يخشى أن ينتج عنه وأد الشرق في ربيع حياته، والقضاء على الإسلام ولما يتمتع العالم بجنى ثمراته وحكم نظراته، ما لم تكن الحكمة والسداد رائد قادة الشعوب الشرقية ومفكريها.

وكثير من أهل العقول الراجحة في الشرق الآن يعتقد أنه إن ظلت هذه الحالة المضطربة تسود الفكر الشرقي، ولم يعمل قادته على التخلص منها بتعيين غاية توجه إليها قوى هذه الشعوب المتيقظة، وتنصرف نحوها جهودها، فستكون العاقبة وبالاً على الشرق وأهله والإسلام وبنيه، وتنتهز الأصبع الأجنبية المستعمرة التي تتستر بقفاز رقيق، وتتحين الفرص لتنشب أظفارها الحديدية في جسم الشرق البضّ، فتقلبه كما يشاء لها الهوى والتقلب، وقد يكون خير السبل لإصلاح الشرق وتخلصه من ورطته الفكرية أن يوجه زعماؤه وقادته جهود الأمم إلى غاية منتزعة من روح الشرق، ملائمة لمزاج أهله لا تنحصر في التقليد لأوروبا ولا لغيرها، بل قوامها إنهاض الشرق من كبوته، واستخدام قواه الكامنة في الإصلاحات العلمية والاقتصادية والمدنية، التي يكون من ورائها قوة الشرق المادية والأدبية.

إلى هذه الأمور الثلاثة يجب أن تتوجه عناية الزعماء في الشرق: العلم والاقتصاد والحقوق السياسية، أما العادات، وأما العقائد والأديان، وأما الآداب ومظاهر الحياة الاجتماعية الأخرى، فهذه لا سبيل إلى نقلها من أمة إلى أمة إلا بفعل الزمن وحده، والأوامر والمراسيم والنظم والقوانين والقهر والجبروت، فكل ذلك لا يفيد إلا هياج الخواطر وثوران النفوس، ولا يغنى من الإصلاح الحقيقي شيئًا، ثم ندمر هذه النظم القاهرة أمام جبروت الشعوب وسلطان الزمن.

اليابان سارت في طريق إصلاح حكيم مبنى على العلم والاقتصاد، فارتقت وتقدمت وغزت أمم الغرب في خصائصها ومظاهر حياتها وقوتها، وتبع ذلك -بفعل الزمن وحده- ما تستدعيه الحال من تحور في العادات والتقاليد.

وتركيا والأفغان سارتا في طريق متهوّر أهوج فأرهقت الحكومة الأولى شعبها في دينه ودنياه، وحملته من عذاب الاستبداد نارًا مستعرة يبدو دخانها خلال هذه المؤامرات المتتالية على الحكومة، وتظهر أبخرتها في الزلازل النفسية التي تتمخض بها المدن التركية، وإن كنا لا نعلم من ذلك إلا قليلاً، وانتهت مناورة الحكومة الثانية بتلك الثورة الفظيعة الماحقة التي تخشى أن تكون وبالاً على الأفغان والشرق.

يا زعماء الشرق، حنانيكم فالأمر جلل. يجب أن نفرق بين ما يؤخذ وما يترك، فليست مظاهر الحياة الأوروبية كلها صالحة ملائمة لمزاج الشرق. فليكن قائدكم في الاختيار المنفعة وصالح المجموع لا الهوى والشهرة ومصلحة طائفة خاصة، ويجب أن نجعل لتاريخنا وحضارتنا وماضينا نصيبًا من التقدير والإجلال، فلا نفنى في غيرنا من الأمم، ولا ننكر فضلاً سجله التاريخ لأسلافنا ولهج الزمان بذكره وعرفته لهم الأمم جمعاء، وكان دعامة من دعائم المدنية الحالية.

اجعلوا الشرق جسمًا قويًا متماسكًا يثب إلى الحياة والرقى على رجليه، ولا تجعلوه مقعدًا مشلولاً يمشى بأعضاء غيره، فإنكم لا تأمنون أن يلقيه فيتحطم هيكله ويتهشم بناؤه.

يجب أن نلاحظ نفسيات الشعوب والجماعات، وضرورة التدريج في إدخال ما يجب أن ندخله من النظم والإصلاحيات، وأن نلاحظ أن المدنيات لا تؤخذ من نهاياتها، وإنما تنقل من أصولها ومبادئها، وأن هذه المظاهر التي يحاول زعماؤنا بثها فينا وانتشارها بيننا لم تكن في أوروبا إلا عن دواع وأصول لم تتوفر في الشرق ولا تتوفر فيه أبدًا.

بقي أمر هام أود أن أهمس به في آذان قادتنا ومفكرينا، ذلك أن أسألهم عن سر عدائهم للإسلام ولنظمه، وموقفهم منها موقف المتحسب المتوجس، وما الذي يمنعهم من أن يجعلوه أساسًا يقيمون به صرح ما يريدون، ويعلم الله والباحثون من العلماء أن الإسلام بروحه وقواعده دين تجديد وثقافة، وشعاره: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85] مردفة بقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

والعجب أنه مع نصوع الحقائق ووضوحها لا نزال نرى فريقًا من قصار النظر في الأقطار الشرقية خاصة يرمون الإسلام بما هو منه براء، ويتوهمون فيه قيودًا ثقيلة من الجمود تقيد الفكر وتمنعه الحرية والبحث، ويقيسونه بتلك النظم العتيقة الكنسية التي لم تقم نهضة أوروبا إلا بتحطيمها والقضاء عليها، وتراهم لذلك يستخدمون الألفاظ التي تداولها المؤرخون لمسميات ذاك العصر، فيقولون: رجال الدين، الرئاسة الدينية، والنظر الديني الضيق، والسلطة الروحية، وغير ذلك من العبارات، ولعل هذا اللبس اللفظي هو الذى جعلهم يتورطون في تشبيه النظم الإسلامية بغيرها من النظم.

وواجبنا إزاء ذلك أن نرفع عن أعين من يريد الحقيقة من هذه الطائفة حجاب الوهم، ونوضح له هذا العبث اللفظي وخداع العناوين التي وضعها مؤرخو أوروبا لذلك العهد، وأن نوضح لهم أن نظم الإسلام ليست من تلك القيود في شيء، بل هي دعائم المدنيات وبواعث النهضات.

وعلينا بعد ذلك أن نجعل هذا الإسلام المتمكن في نفوس أهله أساسًا للنهضة الشرقية الحديثة، وبذلك تصطبغ نهضتنا بصبغة شرقية مجيدة تجذب نحوها أفئدة الشعوب وتعيد للشرق مجده المسلوب وعزه المغتصب.

وقد يتخيل بعض الزعماء الذين يبتعدون عن الإسلام فيمن يسمونهم رجال الدين معارضة لإصلاحهم وعقبة في طريق نهوضهم، فيودون لذلك أن يبتكروا هذا الطريق ويسلكوا إلى النهوض من طريق غيرهم، فليعلم هؤلاء أن هذا الصنف من رجال الدين لا يوجد في علماء الإسلام الآن والحمد لله، وإن كان ظهر في بعض العصور تحت تأثير الحوادث والدسائس، فقد أخذ في الاختفاء وحل محله عنصر حي قوى فهم الإسلام على حقيقته، وتشرب بروحه السامية ومبادئه العالية، فكان بمعزل عن الجمود الممقوت والتشبث المذموم.

وهذا العنصر -والحمد لله- كثير في البلاد الإسلامية الشرقية، ومثله حية قائمة أمام أنظار الجميع، وهو يود من صميم فؤاده أن يؤيد زعماء النهضات وقادة الفكر الشرقي، ويتفق معهم على وضع الأساس الصالح لبناء مستقبل الشرق.

فلم لا يسعى كل من الطرفين في إزاحة هذا الستار الرقيق من الأوهام الذي يحجب كليهما عن الآخر، ويسيران متكاتفين بالأمم الشرقية إلى غاية الكمال؟

ومن أوجب الواجبات وأول وسائل النجاح -ولاسيما في ظروف حرجة كالتي تحيط بالشرق الآن- أن توحد جهود الأمة وتوجه قواها جمعاء إلى ما فيه خيرها وسعادتها.

أما أن تقف قوة ضد قوة، وتستخدم طائفة للقضاء على أخرى، وتنتهج خطة للإصلاح لا يكون وراءها إلا الثورة، فلا يقدرون مقتضيات الأحوال، ولا يلتفتون إلى سنن الكون وقواعد الاجتماع، ولا يصغون إلى أصوات الألم المنبعثة من قلوب الشعوب الدامية.

أما أن يتخذ زعماء الشرق أداة لتنفيذ المآرب والأغراض، وملهاة يلهو بها ساسة أوروبا وعواهلها، وكعابًا تنقلها أصبع الغرب على رقعة الشرق كما تشاء وهم غافلون، يبيتون لهم المكائد وينصبون لاصطيادهم من الشرك.

فذلك كله أو بعضه مما يعرقل سير النهضة الشرقية، ويؤخر ثمارها، ويحول دون نضوجها إن لم يقض عليها، ولن نجني منه إلا قلقًا واضطرابًا لا يغنيان من الحق شيئًا، ذلك إلى ما يعقبه من رد الفعل الذي يبدل فائدة النهضة بالضرر وخيرها بالشر.

تلك كلمة أتوجه بها إلى كل من يعنيهم أمر الشرق المحبوب ويهمهم مستقبله، ناضحة بمرارة الهمّ ومضاضة الألم الذي يتولاني كلما ذكرت الشرق المجيد وما ينتظره من الكوارث إن دامت به الحال على ما نرى من الفوضى والخلل، وأهم ما أقصد إليه في هذه الكلمة -وأرجو أن تكون موضع عناية القادة، ومحل بحوث المفكرين- أمور: 

1-      أن تحدد غاية أساسية توجه إليها قوى الشرق.

2-      أن تكون تلك الغاية ملائمة للمزاج الشرقي متفقة مع روحه العامة الذاتية.

3-      أن تستند النهضة إلى الإسلام في نظمه وروحه ومبادئه.

4-      أن نعنى بالمهم من المظاهر: كالعلم، والاقتصاد وندع السفاسف التي لا تقدم ولا تؤخر: كالعادات، والآداب التواضعية.

5-      أن نوحد جهود أبناء الأمة الواحدة ثم الأمم الشرقية جميعًا في السعي لتحقيق أماني الشرق.

6-      أن نحترس في نقل ما نأخذه عن الأجانب، فلا نأخذ إلا ما ينفعنا حقيقيًا.

ذلك ما أريد أن أنبه إليه الأفكار، وألفت نحوه شبابنا الذين غفلوا عن مستقبل بلادهم، ومصير دينهم، وأهملوا البحث والتقصي، وخدعوا بتمويه الأعداء، فأعجبوا بآرائهم، وجاروهم في أهوائهم، والله خير حافظًا لديننا وبلادنا.

المرجع

مجلة الفتح، العدد (145)، 15ذو القعدة 1347ﻫ/ 25أبريل 1929م، ص (1) وما بعدها

المقال التالي الإخوان بين السياسة والدين
المقال السابق كتابات الإمام البنا إلى الأقباط