نماذج من شرح الحديث النبوي للإمام حسن البنا

إعداد موقع الإمام حسن البنا

حاول الإمام حسن البنا شرح بعض الأحاديث التي وردت في مذكرة الأدب العربي للسنة الأولى بكلية الحقوق، ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اجتهد في تخريج الحديث، و شرح الحديث عن الصحابي الذي رواه خاصة إذا كانت له خصوصية معينة؛ كأن يكون قليل الرواية عن رسول الله، ثم يقوم بتوضيح بعض الألفاظ والتراكيب الصعبة، ثم يعرض المعنى الإجمالي للحديث، ثم يقف عند العظة والعبرة من الحديث.

 

النية

عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

بين الروح والجسد:

نحمدك اللهم على آلائك، ونصلى ونسلم على جميع رسلك وأنبيائك، وبعد:

فقد اقتضت الحكمة الإلهية البالغة، والإرادة الربانية القاهرة أن يوجد هذا الإنسان البديع فى أحسن تقويم، وأن يمتاز على سائر أنواع العالمين، وأن تسخَّر لمصلحته عوالم الأرض والسماء، فقال جَلَّ مِنْ قائل: }وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ [الجاثية: 13]، وقال: }هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29]، نعم خلق الله –تعالى- هذا الإنسان، وجعله جسمًا وروحًا؛ فالجسم هو جملة الأعضاء الظاهرة والباطنة من اليدين والرأس والرجلين والقلب والكبد والرئتين والأمعاء... إلخ، وكل من هذه الإجراءات له خاصته، ومجهز بالوسائل التى بها يؤدى وظيفته على الوجه الأكمل... وهذه الوظائف يسير بعضها مرتبطًا ببعض قوة وضعفًا بحيث إذا تعطلت واحدة منها لسبب ما ضعفت من أجلها بقية الوظائف، وربما تعطلت نهائيًا.

أما الروح فهي السر الإلهي الكامن فى هذا الجسم، والمحرك الوحيد لوظائفه المختلفة، والمدير العام لهذه الأعضاء الظاهرة والباطنة، ومقر صدور هذه الأوامر هو قلب العبد؛ فالفكرة متى استقرت فيه، وتوجهت الإرادة القوية للتنفيذ سَرَتْ الأوامر أسرع من البرق إلى العضو المختص؛ فنفذ ما وضع فى القلب تصميمه، وصدرت به أوامره من قول أو عمل أو عزيمة.

لهذا ترى صدور الأوامر النفسية للأعضاء أشبه بزر الكهرباء، بمجرد الضغط عليه تتحرك جميع الأجهزة المتصلة به؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.

ومما قدمته تعلم أيها القارئ المتدبر أن أعضاء الجسم -ظاهرة كانت أو باطنة- ما هى إلا آلات مسخرة تصدع بما يأمر به القلب، وتتبع فى ذلك وحي الضمير، وعلى مقتضى هذا البيان الصادق تكون المسئولية واقعة على القلب، والحسابُ منصبًا على ما يبرم فيه؛ ولهذا كان خطاب الله –تعالى- متوجهًا إلى هذا القلب، وحسابه تعالى قاصرًا على ما يصدر منه، ولا سيما أنه تعالى لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.

أهمية النية:

إذن فلا عجب أن يكون الاعتداد بالأعمال على قدر النية الباعثة عليها؛ فقد يكون العمل ظاهره الخير وفاعله معاقب عليه؛ كمن صلى رياء، أو تصدق خدعة، أو هاجر لتحصيل عَرَضِ الدنيا، كما أن العمل قد يكون ظاهره العصيان وصاحبه مأجور عليه؛ كمن تعاطى مسكرًا وهو يجهله بنية التداوي؛ فهو من حيث نية التداوي مثاب، ومن حيث جهله بحقيقة الدواء غير معاقب.

وبذلك ظهر جليًا أن الله تعالى إنما ينظر إلى القلوب، ولا يؤاخذ إلا على ما انطوت عليه، واسمع إن شئت الحديث الشريف إذ يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

تخريج الحديث:

فضلا عن الحديث الذي هو موضوع كلمة اليوم وقد تقدم لفظه، وقد أخرجه البخاري ومسلم وجميع أصحاب الكتب الصحيحة عدا مالكًا فى موطئه، فإنه إنما رواه رضى الله عنه فى أربعة مواضع من سننه، وهي: الإيمان، الطهارة، العتق، الطلاق.

وقد اخترت البدء بهذا الحديث رجاء إخلاص النية فى خدمة السنة المطهرة، وابتغاء الكمال فى أداء هذا الواجب المحمدي النبيل، ورغبة فى أن يتم هذا المقصود بما يمليه الحديث المذكور على القلوب من روح الإخلاص وطهارة الطوية فى جميع الأعمال.

وقد ورد هذا الحديث بعدة روايات يختلف بعضها عن بعض تعريفًا وتنكيرًا، وإفرادًا وجمعًا، كما أن بعض هذه الروايات قد خلت من الجملة الثالثة وهي "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، ولكن جميع هذه الروايات تتفق فى المعنى المراد منها.

شرح مفرداته اللغوية:

(الأعمال) جمع عمل وهو المهنة والفعل.

(النية) هى التصميم القلبي على فعل شىء مع الشروع.

(امرئ) الرجل المراد به المكلف ذكرًا كان أو أنثى.

(الهجرة) بكسر الهاء هيئة الهجر، وأصله القطع والترك، ولكنها غلبت على الانتقال من أرض إلى أرض أخرى، والهجرة فى الشرع: ترك دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، أما الهجرة عند أهل التحقق فهي: ترك ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه ويرضى عنه.

فقه الحديث:

الأعمال التى تصدر من المكلف سواء كانت كلامًا باللسان أو عملا بالجسم أو اعتقادًا بالقلب جميعها لا عبرة بها ولا يقبلها الله -جل وعلا- ولا يرتبط بها حكم شرعي إلا إذا اقترنت بالنية القلبية، وعلى قدر هذه النية من المعرفة بتفاصيل المنْوِى والاختيار فى تنفيذه يكون الاعتداد به ومحاسبة العبد عليه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. أما إذا ما صدر العمل من العبد ناسيًا له أو جاهلا معذورًا أو مكرهًا بشرط الإكراه فلا عبرة به ولا فائدة للعبد منه، ولا يتعلق به حكم شرعي. اللهم إلا إذا ترتب عليه إتلاف شىء من حقوق العباد؛ فعليه أو على وليه العوض.

وحيث تبين ذلك فاعلم يا أخي -زادك الله علمًا- أن العبد إذا قصد بعمله وجه الله تعالى، وابتغى بإخلاص النية فيه رضاء المولى الرحيم، واتباع حضرة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، وصبر على المكاره، وحارب دسائس النفس والهوى.. كان حقًا على الله تعالى أن يقبل عمله ويجزيه عليه الجزاء الأوفى. أما إذا كان الحامل له على عمله هو تحصيل غرض الدنيا من مال أو ولد أو تحقيق شهوة نفسية أو بهيمية فليس له من عمله -مهما تعب فيه- سوى ما نوى؛ أى أن عمله مردود عليه، ولن يصله من دنياه إلا ما قدر له.

بعض ما يؤخذ من الحديث:

1-     الحث على إخلاص القلب فى جميع الأعمال لله تعالى؛ بحيث لا يقصد بها غيره حتى يشعر العبد بمعنى التوحيد الحق، ويتلذذ بالعبادة الصحيحة، وبذلك تكون أعماله التى خلت من الغايات كاملة الثواب يسعد بها فى الدنيا والآخرة.

2-     الحث على التعلم والتعليم، وخاصة الأمر الذي تتوقف عليه صحة العبادة؛ فإنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة لتوقف العمل على السنة، ولا تصح النية إلا إذا كان المنْوىُّ معلومًا؛ لأنه يستحيل على الجاهل أن يأتى بعمل صحيح سواء نواه أو لم ينوه.

3-     الترفع عن قصد الدنايا من الأعمال أو ابتغاء الشهوات الزائلة من ورائها، وتمحيص النية فى الأعمال الجليلة لخير الدين والوطن.

4-     أجمع الأئمة على أن النية شرط فى صحة الأعمال؛ بمعنى أن العمل لا يقبل، ولا يتعلق به حكم شرعي إلا إذا صحبته النية، فرضًا كان العمل أو نفلا، وسواء كان مقصودًا لذاته كالصلاة والزكاة والصوم والحج مثلا، أو كان وسيلة لغيره كالوضوء أو الغسل أو التيمم. فإن هذه الثلاثة وسائل للصلاة، وخالف فى الوسائل أبو حنيفة ومن تابعه؛ فإنهم يرون صحة هذه الوسائل بدون نية، فقط إنهم اشترطوا كمال الثواب فيها على النية.

5-     وحيث إن صحة العمل وكمال ثوابه متوقفان على النية التى تصحبه، فينبغي للعاقل من المكلَّفين أن يُخْلِصَ هذه النية من قلبه، ويمحص الغاية من عمله لله تعالى؛ فإنه يعلم السر والنجوى، وهو تعالى وحده صاحب الخيرة فى قبول الأعمال أو رفضها، وهو الذي -بمحض فضله- يثيب العبد عليها، وخاصة إذا علم العبد بأن الله تعالى هو المتكفل بالرزق، وهو المتصرف فى شئون الخلق دون شريك، وقد جف القلم بما كان وبما يكون من أمر الخلائق؛ فلا تغيير ولا تبديل.

وإذا تبين أن الله تعالى أرفع من أن يكون له شريك فى ملكه؛ فأحرى أن لا يكون له شريك فى قلب عبده الذي هو مشرق أنواره ومهبط أسراره ومحل خطابه ومناجاته، فتنزه ربنا عن قبول الأعمال التى يَقْصد بها العبد مع الله غرضًا دنيويًا، وهاك معنى الحديث القدسي عن الله عز وجل يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل لى عملا أشرك معى فيه غيرى فأنا منه برىء، وهو للذي أشرك".

اللهم إلا إذا قصد العبد مع طاعة ربه تسهيل أموره، وزيادة الخير من الحلال للاستعانة بنعم ربه على حسن عبادته، وإحكام خطة الجهاد فى سبيله؛ فذلك ما لا شرك فيه، ولا بأس به، ولا غبار عليه. ولو أن الأنسب لمقام التوحيد الخالص هو خلوص القلب من كل هذه المقاصد إلا من حب الله تعالى وطاعته؛ لأنه الله وكفى(1).

 

عاقبة الفساد

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله نفر من المهاجرين: "يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التى لم تكن فى أسلافهم. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا. ولا نقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فيأخذ بعض ما فى أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم".

المفردات والتراكيب:

فشا الأمر: ذاع وانتشر.

أخذوا بالسنين: أخذوا بالقحط ونقص الثمرات واشتداد الأزمات.

شدة المؤنة: كثرة المطالب وإلحاح الحاجيات.

القطر: المطر والغيث.

جعل الله بأسهم بينهم: أوقع الخلاف والفرقة فى صفوفهم.

إجمال المعاني:

أسمعت -أيها القارئ- هذا الحديث، وتدبرته، وفهمت معناه. وبربك ألست ترى أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كأنما يحدثنا نحن عن عصرنا هذا؛ فيقص علينا من حوادثه، ويبين ما ترتب عليها من النتائج المؤلمة والثمرات المُرَّة المحزنة؟!

هو حديث شريف يا عزيزي قصه المصطفى صلى الله عليه وسلم على المهاجرين من أصحابه منذ خمسين وثلاثمائة وألف سنة، واستعاذ بالله -تبارك وتعالى- أن تظهر هذه الخصال فى أصحابه الذين أحبهم ومنحهم عطفه وشفقته لما يعلم من سوء أثر هذه الخصال، وأنها داعية البلاء والشقاء والانحلال والفناء فى كل أمة ظهرت فيها، وكل جماعة فشت بينها، فلماذا نرضى نحن أن تفشوَ بيننا وتنتشر هذه المفاسد التى لم يرضها المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه، واستعاذ بالله منها وحذرهم الوقوع فيها؟! وألست ترى أيها العزيز أن هذا الحديث الشريف معجزة من معجزات بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم من أعلام نبوته؟ وما ينطق عن الهوى. 

وهل علمت أن عالمًا اجتماعيًا أو باحثًا "سيكولوجيًا" أو فيلسوفًا باحثًا فى طبائع الأمم وسنن الاجتماع وُفِّق إلى مثل هذا البيان الرائع والحكم الصادق والتصوير الدقيق فى بيان الملل التى تعترض حياة الأمم، وما يترتب عليها من أعراض وآثار.

كفاك بالعلم فى الأمىّ معجزةً             فى الجاهلية والتأديب فى اليتم

(وبعد) فلا نريد أن يكون حظنا من أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم وإرشاداته السلمية أن نعجب بألفاظها فحسب ونتغنى بصدقها فقط؛ فذلك لا يزيد صاحبها كمالا فوق كماله، ولا يضيف إليها جمالا أنضر من جمالها، ونحن إذا وقفنا عند الرسوم والألفاظ صَدَق علينا قولُ القائل:

إذا لم تلاحظ غير حُسْن شياتها          وأعضائها فالحسن عنك مُغَيَّب

ولكنا نريد أن يكون الحظ الأوفر من دراسة الحديث على صفحات هذه الجريدة الاعتبار والعظة والمبادرة إلى العمل بما فيه الخير لنا والابتعاد عما فيه الشرور والآثام.

خمس خصال:

وهذه خصال خمس ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أن لكل واحدة منها أثرًا شديد السوء فى حياة الأمم:

أولاها: فشوّ الفاحشة وظهور الزنا فى الأمة حتى يصير ذلك متعارفًا لديها، والأثر الذى يترتب على ذلك أن تفشو الأمراض وتكثر العلل فى هذه الأمة حتى تهدم صحتها، وتقصف أعواد شبابها، وتحطم أعصاب أبنائها، وقد ظهرت هذه الخصلة -مما يؤسف- فى الأمة الإسلامية، وفشت حتى اعترفت بها بعض حكوماتها، وحمتها قوانينها، وعرف فيها ما يسمى بالبغاء الرسمي والترخيص للبغايا بمزاولة الفاحشة، فظهر مع ذلك ما لم نكن نعرف من الأمراض الخبيثة والسرية، من زهري وسيلان وغيرها مما قضى على فتوة الشباب، وحطم أجسامهم بقدر ما نال من رجولتهم وهدم من عزتهم، وصدق رسول الله.

وثانيتها: نقص المكيال والميزان وضعف الأمانة وخراب الذمم والغش فى البيع والشراء، وهذه الخصلة إذا ظهرت فى أمة ترتب عليها آثار ثلاثة: القحط والأزمة، وكثرة المطالب وزيادة النفقات، واشتداد الحكام فى المطالبة بالحقوق الرسمية. ومن الأسف أن هذه الخصلة تجلت فى الأمة الإسلامية؛ فظهرت آثارها واضحة جلية؛ فهذه الآفات الزراعية تهدد الناس فى ثمراتهم ومحصولات أرضهم، وهذه الأزمة المالية تأخذ بخناقهم وتمسك بتلابيبهم، وهذه المطالب الكمالية تحز فى نفوسهم وترهقهم فى صباحهم ومساءهم، وهذه الحكومة تشتد عليهم فى المكوس والضرائب لا تترك معدمًا ولا تتجاوز لفقير، وما سمعنا بكثرة البيوع الجبرية فى وقت كما سمعنا بها فى هذا الوقت، وصدق رسول الله.

والخصلة الثالثة: أن يتملك الشح نفوس الأغنياء من الناس فيبخلوا بحق الفقراء، ولا يخرجوا ذلك النصيب القليل الذى جعله الله فى أموالهم للسائل والمحروم، والذى يترتب عليه دوام الألفة والمحبة والتعاون بين طبقات الأمة، فإذا تملك الشح نفوس الأغنياء فمنعوا الزكاة عاقبهم الله -تبارك وتعالى- بمثل عملهم، وجزاؤه عدل، فمنع عنهم موارد رحمته وغيث نعمته، وحبس عنهم القطر ومنع المطر، فأجدبت الأرض واستحكمت الأزمة، وقلَّت الأقوات ونقصت الثمرات، ولم يغل الغنى من أرضه ما كان يغله والمطر غزير والخير كثير، فيفوت عليه بهذا الانتقام أضعاف أضعاف ما كان سيأخذه منه الفقير والمسكين، وهذا هو العقاب الطبيعي لتلك الجريمة، وذلك ما وقع فعلا؛ فإن الجدب والقحط والأزمات كل هذه تقاسى مرارتها وتتذوق آلامها، وَلَعذاب الآخرة أخزى، وفى الحديث الشريف ما معناه "ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة؛ يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التى جعلت لنا فاقتص لنا، فيقول الله -تبارك وتعالى-: وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأبعدنهم".

وما أشد التوبيخ فى هذه العبارة "ولولا البهائم لم يمطروا" فواأسفاه حين ينحط بنو آدم الذين أكرمهم الله وفضلهم عن منزلتهم؛ فيكرمهم الله لأجل البهائم!!

والخصلة الرابعة: أن تنقض الأمة عهد الله ورسوله، وما عهد الله ورسوله إلى الناس إلا التمسك بكتابه، والعمل بدينه، والإخلاص فى عبادته والابتعاد عن وساوس الشهوات وهمزات الشياطين }أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس: 60-61] }وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: 172]، هذا هو عهد الله إلى الناس أن يؤمنوا به إيمانًا يشجع نفوسهم، ويقوى على الحق قلوبهم، ويدفعهم إلى الخير لا يهابون فى سبيله أحدًا، ولا يخشون فيه لومة لائم، وأن يحلوا كتابه ودينه من نفوسهم المحل اللائق به، فيحلوا حلاله ويحرموا حرامه ويقيموا أحكامه، فإذا فعلوا ذلك فقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإذا أهملوا فقد نقضوا ميثاقهم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.

هؤلاء الناكثون إنما جزاؤهم أن يمنع الله عنهم نصره، ويسلط عليهم عدوهم؛ فقد وعدهم الله أن يكف عنهم أعداءهم ويكفيهم خصومهم إذا قاموا بما عاهدوا عليه، فإذا نكثوا تخلف هذا الوعد، وتركهم الله لأنفسهم، وسلط عليهم عدوهم، فيأخذ ما فى أيديهم من أرض ومال وعزة وسلطان، وذلك ما يشكوه المسلمون فى هذا الزمان.

والخصلة الخامسة: أن يضع الناس لأنفسهم أحكامًا غير ما وضع الله، ويعطلوا هذه الأحكام السماوية التى وضعها لهم بارئ السماوات والأرض وعالم خفيات الأمور ومكنونات النفوس، فإذا انصرف الناس عن حكم الله إلى حكم وضعوه فى أنفسهم كثر الخلاف بينهم فيما وضعوه؛ لأن كلا منهم يدَّعى أن نظامَ وَضْعِه أصلح، وفائدةَ مبادئه أجلّ وأعظم، وليس ثَمَّ ما يرفع الخلاف أو يحسم النزاع، فتستمر الفتنة ناشبة والأمة مضطربة والنفوس حائرة حتى يلمع فى ثنايا هذه البأساء شعاع من نور الله على يد مصلح حكيم يرجع بالأمة إلى حكم ربها وهداية دينها فتنقطع مادة الشر ويسود قانون الألفة؛ فما ترك قوم حكم ربهم إلا جعل الله بأسهم شديدًا بينهم، وهانحن نرى ذلك فى شئون كل أمة من أمم الإسلام أهملت أحكام القرآن.

وبعد فهلا يتعظ المسلمون بما فى هذا الحديث العظيم الذي يؤيده الواقع، ويثبت وقائعه المشاهدات فيتخلصوا من هذه الآلام جميعًا(2).

 

عاقبة الفساد

عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة فى قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التى لم تكن فى أسلافهم من قبل. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا حبس الله عنهم القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما فى أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم".

هل تريد أيها الأخ شرحًا لهذا الحديث وهو كما نرى معجزة نبوية صادقة، وتحليل صحيح لأحوال الأمم، ولتكون المجتمعات الإنسانية وبيان صادق لما يترتب على هذه الكبائر من عظيم النتائج، خمس خصال مهلكات هن بلاء شديد يدعو النبى صلى الله عليه وسلم للمهاجرين من أصحابه ألا يدركوهن: أن تظهر الفاحشة فى المجتمع فتصير عادية واضحة بين الناس أو رسمية تعترف بها القوانين والأحكام الوضعية؛ فتكون العاقبة انتشار الأمراض والأوجاع والطاعون.. أليس كذلك؟ وينقص القوم الكيل والميزان ويتعاملون بالغش والكذب، فتنزع منهم البركة، ويؤخذون بالقحط والجدب وآفات الزراعة وكثرة التكاليف، وقسوة الضرائب والأموال التى تجبى منهم مع الجَوْر فى الأحكام.. أليس كذلك؟ ويمنعون الزكاة ويشحون بالصدقة ويبخلون بما لا يغنيهم وهو يرد غائلة البؤس عن كثير من الناس، فيعاقبهم الله بحبس القطر، ودوام الجدب، وقلة المحصول، وإنما يُمطَرون لتشرب هذه البهائم، فيحيون بحياتها، ويعيشون إكرامًا لها. تلك منزلة ليست بعدها منزلة عن الهوان والنزول عن مرتبة الإنسان.

وينقض الناس عهد الله ورسوله، وما ذلك العهد إلا الطاعة والاستقامة }أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس: 60-61]، فيسلط الله عدوهم يستولى على أرضهم، وينقلب على شئونهم.. أليس كذلك؟ ويحكم الحاكم بغير ما أنزل الله، ولا يتحرى أحكامه؛ بل يتبع الجور وما تهوى الناس، ويشرع الناس لأنفسهم ما لم يأذن به الله من القوانين الوضعية القاصرة، فتقع الخصومة، ويدب الخلاف.. أليس كذلك أيها الناس؟

ذلكم تشخيص الداء، وبأيديكم تناول الدواء؛ فاعملوا والله معكم(3).

 

التراحم بين المسلمين

عن جرير  رضى الله عنه قال: أتى النبىَّ  صلى الله عليه وسلم قومٌ عراة مجتابى النمار متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالا  رضى الله عنه فأذن، وأقام، وصلى، ثم خطب: "}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا… الآية، والآية التى فى الحشر }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، ثم قال: ليتصدق الرجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُره، من صاع تمره". حتى قال: "ولو بشق تمرة". فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من ثياب وطعام حتى تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من سَن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء".

الألفاظ والتراكيب:

النمار: جمع نمرة وهي ثوب كالرداء.

ومجتابى النمار: نمارهم مقطعة مخرقة من البلى والفاقة وطول العهد.

تمعر وجهه: إذا تغير من التأثر.

الفاقة: الفقر والحاجة.

والبر: القمح.

تهلل وجهه: أشرق من السرور.

سن سنة حسنة: عمل عملا من أعمال الخير تبعه الناس فيه.

المعنى الإجمالي:

يقص علينا راوي هذا الحديث شأنًا من الشئون التى شاهدها فى صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم فيقول:

إن قومًا فقراء محتاجين من قبل مضر جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وثيابهم مخرقة مهللة من الفقر والحاجة، فتأثر المصطفى  صلى الله عليه وسلم لحالهم، وظهر ذلك فى وجهه، ودخل حجرته متأثرًا، ثم خرج فى وقت الصلاة، فأمر بلالا بالأذان والإقامة، وخطب فى المسلمين بعد ذلك منتهزًا فرصة اجتماعهم، فاستفتح  صلى الله عليه وسلم بالآية الكريمة }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1] الآية من سورة النساء، ثم ثنى بالآية الكريمة }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18] فى ختام سورة الحشر. وإنما بدأ النبى صلى الله عليه وسلم بهاتين الآيتين لما فيهما من أسباب الحث على الصدقة والتواصل والتراحم بين الناس؛ إذ إن مضمون الآية الأولى أن الناس إخوة من نفس واحدة، فيهم أرحام متصلة وأنساب مرتبطة؛ فعليهم أن يراعوا ذلك، فيساعد بعضهم بعضًا فى الشدة، ويبادر كل منهم إلى معونة ابن أمه عند الحاجة. ومضمون الثانية أن ما تقدمه فى هذه الدنيا ينفعك فى الآخرة؛ فعليك أن تكثر من الخيرات وأعمال البر فى هذه الحياة لتنتفع بها فى حياتك الثانية الباقية.

ثم بعد هذا التمهيد الذي هو فى غاية البراعة وحسن الاستهلال والتوطئة للمقصود، وإعداد النفوس للغاية.. أمرهم بالصدقة من الدنانير أو الدراهم أو الملابس أو ما يجدون حتى لو لم يجد أحدهم إلا شق تمرة لكان من الجميل أن يُحضره ويتقى به النار.

فكان عن هذا الحث النبوي أن تَبادَرَ المسلمون، وأخذوا يتصدقون حتى جاء بعض أنصاره بصُرّة مملوءة عجزت كفه عن حملها لكثرة ما فيها من الخير، وهكذا يجب على المسلمين أن يبادروا إلى إجابة الدعوة إلى الخير حتى تتحقق لهم البشارة فى قوله تعالى: }فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ [الزمر: 7-8].

وبعد هذا وضع النبى صلى الله عليه وسلم للمسلمين قانونًا عامًا شاملا تطبق مواده على كل عمل يعمله الإنسان، ولا غرو؛ فقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.

تتلخص مواد هذا القانون فى مادتين:

المادة الأولى: عملت عملا حسنًا ينفعك أو ينفع أمتك، ويندبك إليه الدين؛ فلك ثوابك. فإن اتبعك الناس فى ذلك فلك مثل ثواب كل من اتبعك، وهذا الثواب الذي تأخذه من فضل الله لا ينقص من ثواب الذين فعلوا هذا الخير شيئًا، وذلك يشمل العمل الإيجابي كإحياء سنة أماتها الناس، ويشمل العمل السلبي كإبطال بدعة لا يقرها الدين جرى عليها الناس، مثال الأول: أن يأتى رجل إلى بلد لا تُعْنَى بالأذان فيؤذن فى مسجدها فيتبعه على ذلك قوم آخرون. ومثال الثاني: رجل أبطل هذه العوائد الفاسدة فى فرح أو مأتم فتبعه قومه على ذلك فله ثوابه ومثل ثوابهم.

وأكثر من ينتفع بهذه المادة من هذا القانون العادل الفاضل الرؤساء والأعيان والزعماء قادة الأمم والعلماء؛ لأنهم هامات الناس والمطاعون فيهم والقدوة بينهم، فإذا فعلوا شيئًا أخذه الناس عنهم، فلينتهزوا هذا الثواب الخالد المتجدد بإحياء آداب الدين فى أنفسهم وبيوتهم، وإبطال ما ينافيه من المفاسد فى أنفسهم وبيوتهم ليتبعهم }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام: 123].

والمادة الثانية: أن هذا الجزاء كما يكون فى الخير يكون فى الشر؛ فمن عمل عملا يأباه الدين واتبعه الناس فى ذلك فعليه عقوبته هو ومثل عقوبة كل من تبعه من الناس لا ينقص ذلك من عقوبتهم شيئًا، وهو يشمل العمل الإيجابي كإحياء مفسدة من المفاسد، ويشمل العمل السلبي كإبطال سنة من السنن. مثال الأول: من ابتكر للناس عوائد فاسدة جديدة يأباها الناس من تهتُّك أو خلاعة أو تبذير وتفاخر فى حفل أو فرح أو مأتم أو زار أو نحو ذلك، فتبعه الناس فى العمل بمثل ما عمل. ومثال الثاني: من منع الزكاة أو ترك الصلاة فقلده متبعوه فى ذلك.

وأشد من يؤاخذ بهذه المادة ويقع فى إثمها القادة والرؤساء أيضًا؛ لأنهم هم المقتدَى بهم فيما يفعلون، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

ولقد أكد النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث آخر صحيح معناه أنه ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول -وهو قابيل- كفل منها أى مثل عقوبة القاتل؛ لأنه أول من سن القتل فهل يفقه المسلمون هذا فيبادروا إلى سبل الخيرات، ويبطلوا ما فشا بينهم من منكرات؟

وهنا يملؤنى فرحًا وسرورًا أن جمعية برمبال القديمة للإخوان المسلمين قد سنت سنة ما أحسنها، وأحيت خطة دينية ما أقدمها، وذلك أنها استأجرت مخزنًا لجمع زكاة الحبوب، ودعت الناس إلى إخراج الزكاة، وبدأ أعضاؤها بأنفسهم؛ ففي المخزن الآن زكوات وصدقات، والوارد عليه لا ينقطع، والجمعية تقوم بتوزيع ذلك على المستحقين فى نزاهة وعدالة وتقدير.

ذلك عمل ما أبركه على المسلمين، وما أسمى معناه، وأجلّ مرماه، وأعذب وقعه على النفس المؤمنة. لقد خفق قلبي حين قرأته وما يزال يخفق لذكراه خفقات كلُّها التأثر به والفرح له والأمل فيه.

فإلى جمعية برمبال أقدم تقديري، أما الشكر والجزاء فعلى الله، وإلى أهل برمبال أقدم سروري، أما الشكر والجزاء فعلى الله كذلك، راجيًا أن يكون للجمعية وللأهلين الكرام ببرمبال القديمة دقهلية ثوابهم وأجرهم ومثل أجور من يتبعهم على ذلك من عباد الله الصالحين الذين يقدرون قول الله -تبارك وتعالى- }خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103].

وإلى جمعيات الإخوان المسلمين وغيرهم من الهيئات الدينية أتوجه بكل قلبي راجيًا أن يكون من بينهم من ينهج هذا النهج القويم، ولهم أجرهم وثوابهم لا ينقص منه شىء حتى نكون بحق عمليين لا كلاميين، والله المستعان(4).

 

انهيار الأمم

عن أبى أمامه الباهلي  رضى الله عنه عن النبى  صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كيف بكم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبانكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؟ قالوا: وَكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسى بيده وأشد منه سيكون؟ قالوا وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون، يقول الله تعالى: حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران".

الألفاظ والتراكيب:

طغى نساؤكم: جاوزن حدود واجباتهن وحقوقهن.

والذي نفسي بيده: قسم بالله فيه استشعار عظمته.

المعروف: المقصود به هنا ما أباحه الدين أو أمر به، والمنكر ما حظره أو نهى عنه.

لأتيحن لهم: لأرسلن عليهم.

الحليم: العاقل المفكر الكبير الحلم وهو العقل.

مجمل المعاني:

هذا الحديث، وإن ضعف من الطريق الفني كما ترى؛ فإن طريقيه يقوى بعضهما بعضًا، وهو بعد ذلك سنة اجتماعية صحيحة، ومتسلسلة منطقية مسلمة المقدمات صحيحة النتائج، تبين للناس من أين يبدأ انهيار الأمم، وانهدام عظمة الشعوب القوية، ثم يتمادى بها ذلك ويتابع أسبابه حتى يحار المصلحون العقلاء فى تلمس طريق إنهاضها ورسم خطة إحيائها، وأنت إذا قرأت هذا الحديث بإمعان وتدبرته رأيت كل جملة وثيقة الارتباط بما قبلها، تتراءى لك نتيجة طبيعية لها.

فطغيان النساء هو الشرارة الأولى التى تتطاير فى جو الحياة الاجتماعية للأمة؛ فيمتلئ بالدخان والحمم، ثم تندلع عنها النيران هنا وهناك حتى يتحطم بنيان هذه الأمة ويندك صرح مجدها، والمرأة لولب العلو أو الانخفاض فى حياة الأمم الاجتماعية؛ لما لها من كبير الأثر فى تربية النشء؛ إذ هى المدرسة الأولى لأبناء الأمة حينما تكون أمًا، ولما لها من عظيم التأثير فى نفس الشباب حينما تكون فتاة، ويرحم الله ذلك القائل:

نحن قوم تذيبنا الأعين النُّجْلُ            على أننا نذيب الحديدا

وما أعرق تلك الحكمة فى المرأة التى تهز المهد بيمينها وتهز العالم بيسراها، وإذا كانت الإنسانية قد ترنمت بهذه المشاعر نحو المرأة فى عصر كانت فيه المرأة أقل منزلة وأضعف شأنًا مما هى عليه الآن.. فماذا يقول أبناء هذا الجيل الذي طغت فيه المرأة على كل حد وجاوزت كل قيد؟

ما أقوى ضعف المرأة، وما أضعف قوة الرجال أمامها!! فإذا جاوزت المرأة الحدود التى حدَّها لها الدين، وخرجت على قانون الطبيعة، وخالفت وظيفتها فى الحياة، وتناهت فى التزين والتبرج، وسارت كما شاءت وشاء لها الهوى، ودانت بالإباحية والتهتك - كان ذلك أول مؤذن بدبيب الفساد إلى صميم الأمة القوية المجيدة، والتاريخ فى كل الدول والعصور أعدل شاهد. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الطغيان من النساء فسق الشبان، وخروجهم على سنن الرجولة، وميلهم إلى الشهوات، وأخذهم فى طريق الطراوة والخنوثة، واستنامتهم إلى اللذة، وغفلتهم عن أداء الواجبات، وكان كل ما يفكر فيه أحدهم فتاة يخدعها أو امرأة تخدعه، أو خليعة تبتز دمه وماله ثم تنبذه نبذ النواة.

وكانت نتيجة ذلك الخلق فى الشبان إهمال الجهاد وتركه، وأي شاب ذلك الذي يترك ذراعي خليلته الطاغية وقد تشبث الهوى بفؤاده، فيذهب إلى حيث يصارع الأقران، ويعانق الموت ذيادًا عن وطنه أو دفاعًا عن دينه وعقيدته؟! وأية عقيدة لذلك الصب العميد؟ وأي جهاد غيرهن يريد؟ ومتى كان قتيل الظِباء قتيل الظُّبى؟ وأي قوة ومنعة بعد ذلك لهذه الأمة التى نام شبابها عن نصرتها، وغفل رجالها عن حمايتها، إنها طعمة الطامعين ونصيب الناهبين.

ومن رعى غنمًا فى أرض مسبعة         ونام عنها تولى رَعْيَها الأسد

ارتاع الأصحاب الكرام لهذه الأنباء، وهم الذين لم يروا إلا نساء عفيفات وسيدات نبيلات، همهن المَكْرُمات، وغايتهن كرائم الغايات، إذا أرقصت إحداهن طفلها كان غناؤها عند ذاك:

ثَكَلْتُ نفسي وثَكِلْتُ بكري        إن لم يسُد فهرًا وغير فهر

بالحسب العد وبذل الوفر         حتى يوارى فى ضريح القبر

ولم يألفوا من نسائهم إلا ما قال عمرو بن كلثوم:

يَفُتْنَ جيادنا ويقلن لستم          بعولتنا إذا لم تمنعونا

وهم الذين لم يعرفوا فى شبانهم إلا رجولة مكتملة وفتوة بادية وعزة لا تنال، يتسابقون إلى الموت ويتراكضون إلى الجهاد، فإذا أخر المصطفى صلى الله عليه وسلم ناشئًا من أبنائهم لصغر سنه شب الآخر على قدميه حتى لا يخرج من الصف ويُحرم ثواب الجهاد. وإذا أصيب فتى من فتيانهم فى ذراعه فلم يبق منها إلا جلدة تضايقه وتعوقه عن الكر والفر وضع كفه بين قدمه وأسفل ركابه ثم قام فى الركاب، ففصل ذراعه عن جسمه حتى لا تكون من المعوقات له عن أن يصول ويجول.

وهم الذين كان الجهاد ألذَّ أعمالهم عندهم وأحب عبادتهم إليهم، فإذا سمعوا النفير ثاروا إليه خفافًا وثقالا لا يلوون على شىء؛ حتى تغسل الملائكة أحدهم بين السماء والأرض؛ لأن النفير أعجله عن امرأته وعن طهره، فطهره الله الذي جاهد فى سبيله، وصار اسمه بين الخالدين من المجاهدين الشهداء: حنظلة غسيل الملائكة.

إن أولئك القوم الذين كان هذا حال نسائهم وشبانهم ونفوسهم غريب عليهم أن يسمعوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يتحدث إليهم عن طغيان النساء وفسق الشبان وترك الجهاد؛ لهذا سألوه فى لهجة المستغرب: "وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟!".

فأخبرهم  صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كائن، وبأنه سينتج نتيجة أخرى لا تقل عنه خطورة، ولا تضعف عنه أثرًا فى بناء الأمة هذه النتيجة هى: أن يترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتترك الأمة التواصي بالحق والصبر، وتهمل التناصح فيما بينها والاسترشاد؛ فلا يقيم مستقيمُها مائِلَها، ولا يرشد عالمُها جاهلَها، ويترك حبل كل إنسان فيها على غاربه يلهو ويعبث ويسرح ويمرح، ولا رقيب ولا حسيب؛ فيعم فيها الشر، وتفشو بين أبنائها فاشية السوء، ويفسد العرف العام وهو ميزان الفضيلة ومقياس تقدير الأعمال، وما قيمة الفضيلة فى أمة فسد تقديرها، واختل معيارها، واضطربت موازين الحسن والقبح فيها.

فأما أن ذلك نتيجة طبيعية لطغيان النساء وفسق الشباب وترك الجهاد؛ فذلك لأن الشر إذا سرى والداء إذا استشرى صارت المعصية عادة مألوفة عند الناظرين إليها والسامعين بها؛ فلم ينكروها ولم يتأثروا بمرآها؛ ذلك إلى أن معظمهم مبتلى فكيف ينكر على شريكه فى البلية؟! وكيف يشركه فى الفعل ويفرده بالعجب؟! ذلك إلى ما يورثه انتشار المعاصي من قسوة القلب وفساد المزاج وغلظ الروح؛ مما يؤدى إلى استسهال أمر المعصية والاستهانة بشأنها، مع أن الصغيرة مهلكة، والكبيرة موبقة، ومحقرات الذنوب يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه.

ولقد مر بنا عصر كان الناس يعجبون فى مجالسهم ويستغربون فى أحاديثهم أن امرأة من القرية خرجت لحاجتها أو قصرت ملاءتها أو أخذت زينتها، فصرنا فى عصر أَلِفَ الناس فيه التهتك لما يرون من مظاهره، وهان عليهم المنكر لطول ما لابسوه. وأما أن هذه الخصلة إذا وجدت فى أمة كانت سر دمارها ونذير انهدامها؛ فلأن الداء إذا حسم بالدواء زال أثره، وظل الجسم صحيحًا معافى، فإذا ترك وأهمل سرى وانتشر حتى يودى بالحياة ويهدم البينة تهديمًا، فإذا تناصحت الأمة وتواصت بالحق والصبر، وضربت على يد أهل المنكر، وأطرتهم على الحق أطرًا، ثابوا إلى رشدهم، فسلمت حياة الأمة من شرورهم، فإذا تركوهم وشأنهم ونفضوا من إصلاحهم أيديهم سرى الداء منهم إلى غيرهم حتى يعم الأمة جميعًا، ويكون مثلهم فى ذلك مثل الذين استهموا فى السفينة فأخذ بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها؛ فكان أهل الأسفل إذا استقوا الماء مروا بأهل الأعلى، فقال بعضهم لبعض: لو أننا ثقبنا ثقبًا فى أسفل السفينة نستقى منه الماء فلا نعبر على أولئك القوم ولا يكون لهم علينا مِنة. فلو تركهم أهل الأعلى لغرقوا جميعًا لأن الضرر محيط بهم، وواجبهم حينئذ أن يضربوا على أيديهم ويمنعوهم من فعلتهم، ولا يستقيم لهم حينئذ أن يحتجوا بأن ذلك نصيبهم، وهم أحرار فيما يفعلون به، أرأيت -يا عزيزي القارئ- كيف يودي ترك العاصي يتمادى فى غيه بحياة الأمة جميعًا؟

ورأيت كذلك فساد الاحتجاج بالحرية الشخصية فى خرق سياج الآداب العامة، والخروج على مألوف العادات القومية وقوانين الفضيلة التى هى من مقدسات العالم كله؟! والله -تبارك وتعالى- بالمرصاد لأولئك الذين يهملون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأن المعروف حِماه، ولكل ملك حِمى، وحِمى الله محارمه، والله أغير على حِماه أن يُستباح، وعلى حرماته أن تُنتهك، وقد قص علينا أن اللعنة والخزي والعار والدمار حلّت على قوم بأنهم كانوا إذا عصى الرجل تركوه وقالوا: ما لنا وله، فذلك قوله تبارك وتعالى: }لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة: 78].

وإنما تعلو الأمم وتهبط فى ميزان الرضوان الإلهي والفضل الرباني بهذا المقياس أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولأمرٍ ما قال تعالى: }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 110].

وبعد.. فإلى هذه النتيجة المرة؛ نتيجة ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يؤدى طغيان النساء وفسق الشبان وترك الجهاد، وهذه النتيجة تؤدى إلى أقسى منها متى اعتادت الأمة وألفها أبناؤها، تؤدى إلى عكس الحقائق، فينشأ جيل من الأمة فى المنكر الصرف؛ فيكون هو المعروفَ لديه، ويكون المعروف الحقيقي مجهولا عنده؛ لأنه لم يألفه ولم يره، وهاأنت ترى نساء عصرنا يرون العابدة القانتة الصالحة المصلية المحتشمة الحيية امرأة جامدة متأخرة لم تعلم أصول المدنية، ولم تدخل المدرسة الحديثة مدرسة الأذواق والمودات، وارحمتاه لنا.

لقد وصلنا إلى هذا الحال وإلى أشد منه. لقد صار الشاب إذا صلى وصام واستحيى من الحرام بين إخوانه وأقرانه من شباب ينتسبون إلى الإسلام جامدًا مقلدًا ورجعيًا متمشيخًا، ينبذ بينهم بالألقاب، ولا يعد فيهم من خيرة الأصحاب، وهذه نتيجة تؤدى إلى أفظع منها. كذلك أن تعشق الأمة المنكر فتأمر به، وتتمرد على المعروف فتنهى عنه. ولقد علمت من بعض أبناء الطبقة التى يسمونها راقية من خاصم خطيبته لأنها أبت أن تتناول الخمر معه، ومن طلق زوجته لأنها لم تشايعه على إباحيته ولم ترض أن تكون هدفًا لنظرات إخوانه وملهاة لعواطف أخدانه، ومن لم يكن لصديقه عيب عنده إلا أنه يحب الصلاة ويغشى المساجد وذلك حديث مستفيض يدمى له القلب، وتذوب منه لفائف الفؤاد يتفكه به الراقون والمتعلمون فى مجالسهم ويسمرون به فى أنديتهم.

} وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: 16].

إن هذه الأمة إذا وصلت إلى هذا الحد من الفساد لم تعد صالحة لحمل أمانة الله التى حملها عباده، ولم تصلح للخلافة عن الله فى الأرض؛ فكان عن ذلك أن يضربها الله بالذل والهون، وأن تتوالى عليها النكبات والمحن والمصائب والفتن، ويعوج سبيل حياتها، وتلتوى عليها مسالكها وطرقها التواء يحار المصلحون فى علاجه ويعجزون عن إصلاحه؛ فتلك هى الفتنة التى توعد الله بها أمثال هذه الأمة؛ حتى إنها لتدع الحليم حيران، ثم يكون بعد ذلك أحد أمرين:

إما عذاب يستأصل هذه الأمة، ويذهب بها كأمس الدابر؛ فتصبح لا أثر ولا عين. وفى أنباء أمم الشهوات التى خلت كعاد وثمود وقوم لوط وقوم نوح والرومان واليونان بل الأندلس الزاهية الزاهرة عبرةٌ للمعتبرين وعظة للمتعظين.

وإما عدو قاهر يسلطه الله على هذه الأمة العابثة اللاهية، فيذلها، ويؤدبها، ويصب عليها جام الغضب وسوء الانتقام؛ حتى تثوب إلى رشدها، وتعود إلى سبيل الله التى رسم لها، والظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه.

هذان طريقان لا ثالث لهما ولا محيص عنهما، وتلك سنة الله فى خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

وأما بعدُ فقد سمعت الحديث، وقد تحدثت إليك عن شرحه، وما خرجت عن متنه؛ فتعال معى وقفة قصيرة لنرى أين أمتنا من هذا الحديث؟ ألست ترى أنها قد أشربت الكأس حتى الثمالة، وأنها قد تردت فى مهاوي الفساد إلى الدرك الأسفل؟ طغى النساء، وفسق الشبان، وتُرك الجهاد، وأُهمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وصدق فينا وعيد الله؛ فارتكسنا فى كل شئوننا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخلقية ارتكاسًا ترك الحليم تعبًا حيران، وسُلط علينا عدو قاهر شديد، وخصم ماكر عنيد، يسيمنا الخسف وسوء العذاب، يضربنا بأيدينا، ويشترينا بأموالنا، ويمتن علينا بخيراتنا، وله بعد ذلك الربح وعلينا الغرامة.

يا قومنا كفى كفى، وعودوا إلى أمر الحق يعُد إليكم النصر، }فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ [هود: 57]، وصدق الله ورسوله(5).

 

أسباب ضعف الأمة

عن ثوبان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: لا. بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن فى قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهة الموت".

الألفاظ:

يوشك: يقرب.                           الأكلة: جمع آكل.

تتداعى الأمم: يدعو بعضها بعضًا.              الوهن: الضعف.

الشرح:

هو حديث من أعلام النبوة، ومن سنن الاجتماع وقواعد بناء الأمم فى نهضاتها وكبواتها وتناحرها وتنازعها وفناء بعضها فى بعض حتى يبقى الأنسب، وما أكثر أعلام النبوة! وما أكثر ما يرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعظم المصلحين شأنًا، وأعرفهم بالله وسنته فى خلقه إلى مصادر العظمة ليحثنا على الاستمساك بها، وإلى أسباب الفناء لينفرنا منها، ولكن المسلمين بَعُدوا عن هذا المعين الذي لا ينضب، والمورد الذي لم يتكدر، وخاضوا فى وشل من الآراء والنظرات، فوقعوا فى فشل فى النتائج والثمرات.

قضية هذا الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: سيأتي وقت من الأوقات يستضعفكم غيرُكم من الأمم؛ فيدعو بعضها بعضًا إلى التهامكم والقضاء على دولتكم، ويرتفع بذلك النداء فيما بينهم، ويكون القضاء عليكم أمنيتهم التى فيها يفكرون ولها يعملون.

فقال أحد الأصحاب الكرام الذين ما كان يخطر لهم ببال؛ لأنهم بالإيمان يعتزون وبنصر الله يؤيدون: هل نكون حينئذ عددًا قليلا يا رسول الله؟ وإلا فما الذي يدعو هذه الأمم إلى استضعافنا والتهجم على عزتنا والطمع فى دولتنا؟ 

غفر الله لك أيها الصاحب الكريم ورضى عنك، كأنه رضى الله عنه ظن أن الأمم تضعف وتقوى بكثرة العدد ووفرة الأفراد. فكشف له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سر القوة، وأبان له مصدر العظمة، وعرفه أن الأمم لا تقاس بكثرة أفرادها ولا بعدد رجالها، فقال له: لا، بل أنتم يومئذ كثير؛ كثير فى العدد، كثير فى الأشخاص، كثير فى الأفراد، ولكنكم ضعاف الهمم، خامدو العزائم، ميتو النفوس، خفاف الأحلام والقلوب، غثاء طفيلي يطفو على وجه الدنيا لا يرد عاديًا، ولا يمنع ظالمًا، ولا يحمى حقيقة؛ كذلك الغثاء الذي يطفو على وجه الماء حين السيل.

ولقد أردف المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا البيان عن أخلاق الأمة حين الضعف ببيان نتائجه ومستلزماته فى حياة الأمة العامة.

وذلك أن الأمة إذا وصلت نفسيتها إلى هذا الحد من الخور نزع الله من قلوب أعدائها هيبتها، وخلت صدورهم من رهبتها والخوف منها، فاجترءوا عليها، وامتدت ألسنتهم وأيديهم بالسوء إليها، وقذف الله فى قلوبهم الوهن؛ فأحبوا الحياة واطمأنوا بها، وركنوا إلى الدنيا، وفرحوا بزهرتها، وكرهوا الموت والتضحية فى سبيل الحق؛ فأدى بهم ذلك إلى الفناء فى غيرهم واكتساح دولتهم، أو يبدل الله بهم قومًا يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون فى سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم.

تلك هى قضية هذا الحديث الشريف، وأنت فيه أمام عبر ثلاث كل منها تسترعي النظر وتقف بالفكر:

أما أولاها: فصدق هذا الحديث الشريف وانطباقه تمام الانطباق على حال الأمم الإسلامية، كيف طمع فيها أعداؤها، واجترأ عليها خصومها، وتداعوا إلى التهامها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. وكيف نزع الله من قلوب أعدائها المهابة منها، وقذف فى قلوبها حبَّ الدنيا وكراهية الموت، وهم عدد كثير كعديد الطيس.

ولا أدرى ماذا يكون جواب هذه الأمم الكثيرة التى تجاوز أربعمائة مليون من الأنفس إذا وقفت أمام ربها، ووقفت معها أهل بدر الذين لم يتجاوز عددهم ثلاثمائة رجل ونيفًا، فقال لهم ربهم: هؤلاء بضع مئات نصروا الإسلام وأيدوه، وأنتم ملايين من البشر خذلتموه وأضعفتموه، كيف يكون جوابهم حينذاك؟ اللهم ألهمنا حجتنا، ووفقنا إلى عمل يصلح عذرًا بين يديك ومنجاة من تبعة الغفلة والتقصير.

إن أعداء الإسلام تداعوا عليه كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وما أروع هذا التشبيه وأدقه من حيث اهتمام المتداعين بالنداء، ومن حيث الإشارة إلى ما فى نفوسهم من سعار الجوع ونهم الشهوة وسرعة الالتهام.

لقد تداعى التتر على الأمة، فسال بهم سيلهم، ونالوا منها، وبلغوا من ذلك ما أرادوا أن يبلغوا حتى قوَّضوا الدولة العباسية، وعفُّوا آثار المجد الإسلامي الباذخ فى عصرها.

ولقد تداعى من بعدهم الصليبيون من أمم أوروبا ما بين صقالبة وألمان وغالبيين وإنكتار، ودوَّى بينهم بوق الجشع فى الاستيلاء على الشرق؛ فكانت تلك الحملات التسع التى لاقى منها الشرقيون ما لاقوه.

ولقد هيأ الله للإسلام فى هاتيك العصور مَن ردّ كيد المعتدين، وخضد شوكة الظالمين، وأبقى دماء المسلمين. ولقد كانت فى الأمة الإسلامية بقية من روح وحمية ونخوة إيمان وقومية، كانت عدتَّهم عند النوائب وسلاحَهم عند الطوارئ.

وفى هذه العصور الحديثة تداعت أمم أوروبا على الشرق، تهدم بنيانه، وتصدع أركانه، ووضعت المسألة الشرقية حلمًا لذيذًا حلوًا، يراه كل غربي فى اليقظة وفى المنام، وتعمل أوروبا لتحقيقه عمل المحب المستهام، وتسعى فى كسح دولة الإسلام القائمة حتى يتم لها ما تريد ببلاد الإسلام، وتستعين فى ذلك -وهو الأنكى والأدهى والأمر- بهدم تعاليم الإسلام وأحكام الإسلام، وتحتل النفوس والأفكار قبل أن تحتل البلاد والديار؛ حتى إذا تم لها ما تريد لم تجد نفسًا قوية تطالب بحقها، ولم تلق روحًا مؤمنة تستمد قوتها من إيمانها.

خطة مرسومة، وطريقة معلومة لم ينفعنا عِلْمنا بها، ولم يزعنا ألمنا منها عن غشيانها؛ بل كنا كالفراش يعلم أنها النار ثم يقربها وتلسعه؛ فلا يجانبها حتى يحترق بحرها ويفنى بشررها!!

كذلك كان موقف أوروبا من الأمم الشرقية، وموقف الأمم الشرقية من الأمم الغربية؛ حتى وصلوا من اهتضام حقوق المسلمين إلى ما نرى من خزى وعار؛ فمن للإسلام فى ساعته يرد عنه الكيد، ويرد له المجد، ويحمى بيضته، ويذود عن عرينه؟

هناك كانت بقية من أبطال المسلمين ردوا عادية التتاريين، وهناك كان صلاح الدين دفع كيد الصليبيين؛ فمَن رجلٌ اليوم؟ ومَن بطلٌ الساعة؟ اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا.

تلك عبرة تُسيل الدمع، وتُذيب القلب، وتأخذ من النفس، وما كان الألم ليرد حقًا، وما كان الظن ليغنى عن الحق شيئًا.

أما العبرة الثانية فى الحديث؛ فانظر كيف أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يصارح أمته بأن القلة والكثرة لا معول عليهما فى قوة الشعوب وضعفها؛ فكم من أمة كثيرة العدد كثيرة الأفراد، ولكنها ضعيفة مستعبدة لا تدفع ضيمًا ولا ترد كيدًا! وكم من أمة قليلة العدد ضيقة الرقعة، ولكنها عزيزة الجانب مرهوبة الصولة محفوظة الكرامة! فالذين يعتمدون على الأرقام الحسابية فى نهضات الشعوب مخطئون كل الخطأ، وذلك أمر يؤيده القرآن كما ينطق به الحديث الصحيح، كما يؤيده التاريخ الصادق. يقول الله -تبارك وتعالى-: }كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249].

وفى قصة طالوت وجالوت عبرة للمعتبرين؛ فقد كان طالوت فى قلة من العدد، وبخاصة بعد أن تخلف عنه معظم جيشه بعد الابتلاء بالنهر، وكان فى ضعف من العدد بعكس خصمه جالوت الذى كان فى عدد عديد وقض وقضيض وجحفل لجب يحجب الشمس ويسد الأفق، وكان من أمرهم ما قال الله -تبارك وتعالى–: }وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة: 250-251].

وهما موقفان من أروع المواقف فى القرآن الكريم، لو فهمهما المسلمون وتأملوا ما فيهما من روائع حكم الله وسننه فى خلقه لعلموا تمام العلم أن الكثرة والقلة ليستا شيئًا مذكورًا فى حساب الخصومة بين الشعوب والنهضات فى الأمم:

موقف المسلمين فى بدر: وقد كان أعداؤهم ثلاثة أمثالهم، وفوق ذلك كتب الله لهم النصر، وامتنّ عليهم بذلك، فقال: }وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: 123].

وموقفهم فى حنين: }إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة: 25-26].

ولقد رووا أن عمر رضى الله عنه أمدّ جيشًا من جيوشه برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي، فعجب المسلمون لذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين، يستمدك قائد من قوادك، وإنما يريد أن تبعث له بقوة وعدد، فتمده برجل واحد؟! فقال عمر رضى الله عنه: "لا يُهزم جيش فيهم مثل هذا". وقد كان كما قال رضى الله عنه؛ فإن القعقاع ما وصل إلى الجيش حتى بث فيهم روحًا من الحمية والنظام والحماس ما جعله يكتسح مَنْ أمامه مِنْ أعدائه ويكتب له النصر.

وهو عمر الذي أمد عمرو بن العاص حين فتح مصر بأربعة رجال، وعدهم عليه أربعة آلاف، وقال له: سرت بأربعة آلاف، وأمددتك بأربعة آلاف، وهذه أربعة آلاف أخرى، ولا يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة.

ورووا أن خالدًا فى إحدى وقائعه سمع رجلا من الجيش يقول: ما أكثر العدو وما أقلنا. فغضب وقال: ويحك، إنما يكثر الرجال ويقلون بالإيمان والصبر.

أفرأيت صدق هذه الفراسة وتقدير الرجال للرجال.

ولولا أن الأمر كذلك لما رأيت ثلاثين مليونًا فى جاوة وغيرهم كثير يسترقهم سبعة ملايين من الهولنديين، ولما رأيت خمسين مليونًا من الإنجليز يحكمون ربع المسكونة.

ترى الرجل النحيف فتزدريه              وفى أثوابه أسد مزير

ويعجبك الطرير فتجتبيه         فيخلف ظنك الرجل الطرير

هذه عبرة تحدو المسلمين على إصلاح نفوسهم وتقوية رجولتهم. وما أجمل أن يشبه المصطفى صلى الله عليه وسلم تلك الأمة الكثيرة العدد الضعيفة القلوب الخاوية الأفئدة بأنها غثاء السيل، تلعب به الأمواج، وتعصف به الرياح، ويلين لكل غامز، ويجرى فى كل تيار، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

أما العبرة الثالثة فى الحديث الشريف وهي جليلة رائعة، تسترعي النظر، وتستهوى الفكر، وتستوجب من رؤساء الشعوب وقواد الجماعات ودعاة المبادئ أن يقدروها قدرها، ويجعلوها محور خططهم ودعامة جهادهم؛ تلك العبرة هى:

"بيان أعظم الأخلاق تأثيرًا فى حياة الأمم والشعوب؛ فقد أشار النبى  صلى الله عليه وسلم إلى هذا الخلق إشارة واضحة جلية، بعد أن بين أن كثرة العدد لا تغنى فتيلا، وبيان ذلك أن الأخلاق الفاضلة وإن اشتركت فى حسن الأثر وإنتاج الخير إلا أن منها ما يعود أثره وخيره على الفرد نفسه، وتلك هى الفضائل الشخصية كالزهادة والورع مثلا، ومنها ما يعود على المجموع وينهض بالأمة، وتلك هى الفضائل الاجتماعية، وأظهر أثرها التضحية فى سبيل الجماعة، وإذا نما هذا الخلق فى أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات كان انتصارها وفوزها محققًا، وإنما يساعد على نمو هذا الخلق فى النفس أن تستصغر هذه الأعراض الفانية، وتتلذذ بما فى التضحية من حلاوة وجمال.

والناس فى هذا الخلق صنفان: صنف يتناساه ويحقر من قيمته ويقول: إذا مت ظمآن فلا نزل القطر، ويرى أن من حقه أن يستغل هذا المجموع ويسخر من استطاع منهم فى سبيل مصلحته الذاتية، أولئك الأنانيون النفعيون أهل الأثرة والشح، وأولئك هم سوس الأمم الذي يهدم بنيانها ويفسد كيانها، ويجعل نهضتها عقمًا لا تلد قاحلة، ولا تنبت خيرًا، ولا تُدِرّ برًا.

وصنف قدر هذا الخلق، وآمن به؛ فهو يشقى ليسعد الناس، ويألم ليتحمل عنهم آلامهم، ويتعب ليرتاحوا، ويسهر ليناموا، وينفق ليجلب لهم الثروة والرخاء، ولسان حاله يقول:

فلا هطلت علىَّ ولا بأرضي              سحائبُ ليس تنتظم البلادا

أولئك أهل الإيثار والفضل والسخاء والبذل الذين قال الله فيهم: }وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9]، وأولئك وإن كانوا قلة فى الأمة وندرة فى الشعوب وغرة فى جبين الزمن إلا أنهم دعائم النهضات ومعاقل المبادئ السليمة وأنصار الحقائق وشموس هداية الكون.

وما زال التاريخ يحدثنا أن هؤلاء هم الذين تحيا بهم الأمم، وتنهض بفضل تضحياتهم الشعوب والدول، وأن أمة اليابان الحالية ليس هناك من سر فى عظمتها وارتقائها إلا نمو هذا الخلق واستكماله فى أبنائها.

أرأيت تلك الأم التى يتقدم ولدها إلى الجندية ليموت فداء الوطن، فأبى القانون أن يقتله، فرجع إليها حزينًا كاسف البال، وأخبرها الخبر، وأظهر لها أشد الأسف؛ لأنه رُدَّ إلى الحياة، ولم يُقبل فى ساحة الموت والشرف، فطمأنتْه، وأحيت فى نفسه الأمل، وأكدت له بكل ما فى وسعها أنه غدًا سيكون جنديًا، وغدًا لا يقف القانون فى سبيله، وأنها ستتغلب على قوة القانون، وفى الصباح دخل عليها ليرى ما أعدت للغد من وسائل تهيئ له تحقيق أمنيته، وكيف تتغلب هذه العجوز على القانون الصارم، وإذا به يراها جثة هامدة، وقد تركت له هذه البطاقة "يمكنك الآن أن تذهب إلى ساحة الوغى لتموت فى ميدان الشرف دفاعًا عن الوطن، ولا تجد فى القانون ما يمنعك من ذلك".

ما أروع هذا العمل! وما أمتن هذا الخلق! وما أعرق الأصل وفرعه فى التضحية النبيلة! وهل رأيت ذلك النبأ الذي يقول: إن اليابان حين احتاجت إلى تجربة أداة من أدوات القتال تجتاج كل من قاربها طلبت لذلك خمسمائة شاب، فتقدم إليها خمسة آلاف يتسابقون إلى الموت، ويتراكضون فى سبيل التضحية بالحياة ليحيا الوطن!!

ولقد كنت تقرأ هذه الصفحات المجيدة فى تاريخ اليابان الحديث؛ فتهتز لها نفسك، ويمتلئ قلبك إعجابًا بهذه النفوس وتقديرًا لها؛ فإنك واجد أمثال هذه الصفحات كثيرًا فى كتاب المجد الإسلامي فى تاريخ الصدر الأول، وإن موقف نسيبة بنت كعب حين وقعت بين يدي الرسول، وقد أخذت تناضل وتجالد لا تبالى بجراحها القاتلة ودمائها السائلة، وتستنهض ابنها، وقد آلمته ضربة عاتية من خصم جبار عنيد، فتضمد جراحه، وتقول: قم فجالد القوم، ونافح عن دينك ونبيك.

هذه إحدى هذه الصفحات التى سُطرت بحروف من نور فى تاريخ الإسلام المجيد، والتي تذكرك بموقف هذه اليابانية التى ذهبت ضحية الوطن.

وإن موقف سمرة بن جندب، ورافع بن خديج؛ هذين الفتيين اللذين تسابقا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على حداثة السن وغضارة العود إلى ميدان الجهاد - صفحةٌ أخرى من هذا الكتاب المجيد يذكرك بموقف ذلك الشاب الياباني المتحمس، هو خلق واحد، وسنة الله التى لا تجد لها تبديلا لا تنهض الأمة إلا على هام الضحايا، ولا ترقى إلا بجهود المجاهدين الذين يحمون الحقيقة بالنفس والمال. فإذا ألفت الأمة الشهوات، وركنت إلى اللذائذ، وأحبت الدنيا، واطمأنت إليها؛ فقل على مجدها وعزتها العفاء، وفى قصص الأندلس عبرة لأولى الألباب.

(وبعد) فهل رأيت أيها القارئ الكريم كيف أجمل المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه المعاني الجليلة والمرامي النبيلة والغايات السامية والحقائق العالية فى كلمتين اثنتين "فقال قائل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"، ولا غرو؛ فقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم؛ فهل يعتبر المسلمون فيصححوا نفوسهم، ويستكملوا رجولتهم، ويفيقوا من سكرة الشهوات، ويتجهوا إلى ميدان العمل، اللهم حقق(6).

 

فضائل القرآن

عن الحارث الأعور قال: "مررت فى المسجد؛ فإذا الناس يخوضون فى الأحاديث، فدخلت على علىّ رضى الله عنه فأخبرته، فقال: أَوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إنى سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: أما إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تعالى؛ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله تعالى، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذى لم تنتهِ الجن إذ سمعته حتى قالوا }إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعي إليه هدى إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور".

الألفاظ والمعاني:

دخل الحارث الأعور وهو أحد أصحاب علىّ رضى الله عنه المسجد، فوجد الناس يتكلمون فى أحاديث مختلفة، وقد كان عهده بهم فى بيوت الله -تبارك وتعالى- والنبوة مشرقة والدين غض أنهم إنما يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ فلم يعجبه ما رأى من تبدل الحال، وذهب إلى الإمام علىّ -كرم الله وجهه- وقص عليه ما رأى، وكأن الإمام رضى الله عنه كان عنده من ذلك علم جاءه تأويله، وصدق لديه تفسيره، فقال: أوقد فعلوها؟ أوقد وقعت منهم ووقعوا فيها؟ وأراد أن يأخذ من هذه الحادثة تفسيرًا لكلام سمعه من قبل من النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أما أنها ستكون فتنة؛ أى سيُفتن الناس عن آداب الدين يومًا من الأيام، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وما كان الإمام -كرم الله وجهه- ليسمع النبى صلى الله عليه وسلم يتنبأ بفتنة مستقبلة ويسكت عن السؤال عن طريق الخلاص منها؛ ولهذا سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: فما المخرج منها يا رسول الله؟ كيف يتخلص الناس من هوجاء الفتن إذا هبت نكباتها، وأدجن ليلها، وأظلمت مسالك النجاة، والتبس الأمر، وعبس الشر؛ فدله المصطفى صلى الله عليه وسلم على القرآن الكريم والشفاء العظيم والدواء الناجع والبلسم الشافي النافع؛ ذلك هو كتاب الله -تبارك وتعالى- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ثم بين صلى الله عليه وسلم سر ذلك كله فقال: 

"فيه نبأ ما قبلكم" يشير إلى ما حواه القرآن الكريم من روائع الفصول وجلائل العبر.

"وخبر ما بعدكم" من شئون الآخرة والمعاد والحياة الثانية التى أخفى عنا شأنها، وبَعُد على عقولنا إدراكها، أو خبر ما بعدهم من الحوادث؛ فتكون الإشارة فى ذلك إلى ما عرف عن القرآن من نبوءات صدقها الزمن وحققها الدليل والبرهان، وفى سورة الروم نبأ من ذلك فارجع إليه إن شئت.

"وحكم ما بينكم" من مواثيق وصلات وتقاليد ومعاملات، وحدود وخلافات، لم يترك من أحكام الإسلام صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها تلويحًا أو تصريحًا.

"هو الفصل ليس بالهزل" حق لا يمازجه باطل، ويقين لا يخالطه ريب، وصدق لا يعتوره كذب أو اختلاق.

"من تركه من جبار قصمه الله تعالى" إذا أعرض عنه مُعرضٌ استصغارًا لشأنه، أو إهمالا لأمره، أو استبدالا لغيره به - كان محاربًا لربه متعرضًا لغضبه، ناكصًا على عقبه، تحل عليه النقمة، ويقع عليه العذاب، ويذله الله -تبارك وتعالى- فيتردى من شامخ عزته، ويسقط من علياء جبروته، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولئن صح ما يرويه الأدباء عن الوليد بن يزيد من أنه تحدى المصحف حين توعد الجبابرة وأنذر أهل العناد فألقى به، فمزقه الله كل ممزق، ولئن صح كذلك ما سمعناه عن ذلك الطاغية التركي الذى أهان المصحف فشُلّ لوقته، وقضى بعد ثلاث غير مأسوف عليه، لكان فى ذلك عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.

"ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله"؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وقد جمع الله فى كتابه سعادة الدنيا والآخرة، ووصف به طرق الهداية فى شئون المعاد والمعاش؛ فمن أراد سبيلا غير سبيل الله ضل، ومن سلك طريقًا غير طريق القرآن خسر، }وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115].

"وهو حبل الله المتين" صلة بين الله وبين الخلق، طرفه بيد الله وطرفه بأيديهم؛ فمن تمسك به وصل، ومن تركه انقطعت به طريق الوصول، }وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: 170].

"وهو الذكر الحكيم" الذي يُذكر القلوب بربها، ويبصرها بآخرتها، ويقذف فيها نور الحكمة، ويملؤها بفيض اليقين.

"وهو الصراط المستقيم" الذي لا ينحرف سالكه عن منهج الخير، ولا يحيد عن مهيع الصواب.

"وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة" إذ هو من قدسيته وحرمته فى حرز حريز من تأويل المبطلين وتحريف المعتدين، ومن ذا الذي يعارض حكم الله، أو ينقض ما أنزل الله، أو يدعى لنفسه رأيًا أقدس من كتاب الله؟

"ولا تشبع منه العلماء" فإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، ولكأنك حين تقرأ كتاب الله فى روضات نضرات وحدائق يانعات. ولقد كان عبد الله بن مسعود  رضى الله عنه يقول: "إذا قرأت آل حم (ولا تقل الحواميم ولا الطواسين، ولكن قل: آل حم وآل طس) رأيتني فى روضات نضرات أتألق فيهن"، ولكن كان الذى لم يتمرس بمعاني كتاب الله -تبارك وتعالى- لا يتذوق حلاوتها كاملة، فإنه -ولا شك- سيجد من ذلك ما يثلج صدره ويسر نفسه، وأن العالم بالله الذى أشرقت شمس الفرقان فى صدره ليجد من ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر }اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ [الزمر: 23].

"ولا يخلَق على كثرة الرد" ولا يبدو خلقًا باليًا ولا ثقيلا مملولا إذا أكثرت من تلاوته، وواظبت على قراءته؛ بل إنه ليزداد بالتكرير حلاوة، ويتراءى جديدًا عند كل تلاوة، ويذكرك بقول القائل:

لكل لقاء نلتقيه بشاشة           وإن كان دهرًا كل يوم نزورها

"ولا تنقضي عجائبه"؛ فأنت إذا تدبرت معانيه وفكرت فى أسراره انكشف لك مع كل فكرة فكرة، وعند كل تدبر معانٍ مبتكرة، وهو كتاب الخلود، لا تزال العصور تفسر معانيه، والحوادث تنكشف عن مراميه، والعلماء على بكرة أبيهم فى كل علم وفن يكشفون عن أسراره، ويوضحون لوامع بروق العلم من إشاراته، ثم هو بعد ذلك أسمى من الزمن، وأوسع من علوم البشر، يغترفون من فيضه ما شاءوا وما وسعهم الجهد؛ فلا ينضب معينه، ولا تنفد فرائده، ولا تنتهى فوائده }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53].

"وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبًا يهدى إلى الرشد فآمنا به"، بلى ليس الجن وحدهم تأثروا بالقرآن، وأخذوا بحلاوته، وابتهروا بجماله؛ فإن الحق يأذن له، والملائكة تنزل لاستماعه، والمؤمنون يذوبون حنينًا إليه، والكافرون يشهدون بأحقيته، والجمادات تشعر بعظمته }لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ [الحشر: 21].

"من قال به صدق" لأنه الحق.

"ومن عمل به أُجر" لأنه الطاعة.

"ومن حكم به عدل" لأنه دستور العدالة.

"ومن دعي إليه هدى إلى صراط مستقيم" لأنه مصباح الهداية.

وكأن الإمام رضى الله عنه حين وصل إلى ذلك المقام، ورأى ما فى هذا الحديث الشريف من معانٍ نبيلة ومرامٍ جليلة -وهو أحق الناس بزنة الكلام وأولاهم بتفهم حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام- أراد أن يشعر صاحبه بجلال هذا الوصف الدقيق، فقال: "خذها إليك هدية سنية وعظة مرضية"؛ فهي جملة مدرجة فى الحديث، وخاتمته صراط مستقيم(7).

 

حلاوة الإيمان

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يلقى فى النار".

العقيدة إذا تمكنت من النفوس، واستولت على القلوب، وتغلغلت بين الجوانح، واستقرت فى أعماق الأفئدة، ودانت بها الأرواح واعتقدتها – لا بد أن يكون لها مظاهر وآثار تدل عليها وتنتج عنها؛ فإذا لم تترك أثرًا ظاهرًا، ولم تحمل على عمل واضح كان ذلك لأحد أمرين لا ثالث لهما: إما لأنها عقيدة عقيمة لا تأتى بخير، وإما لأن الإيمان بها ناقص وسلطانها على القلب ضعيف، وكثير من أولى العقائد قضوا وهم أثبت من شم الجبال لم يتزحزحوا عن مبادئهم، ولم يفارقوا عقائدهم، ولم يؤمنوا بغير ما آمنت به قلوبهم، ولم يبيعوا إيمانهم رغبة أو رهبة، وذلك أروع مظاهر البطولة، وأقدس عواطف الإيمان.

وتاريخ البشرية حافل بعظمة هؤلاء الأبطال الكرام الذين تبدو عظمتهم تاجًا على هام الزمن، وغرة فى جبين الأيام.

إن الذي خلق الحقيقة علقمًا              لم يُخْلِ من أهل الحقيقة جيلا

وهذا تاريخ الإسلام يحدثنا عن موقف الغر الميامين من أصحاب نبى الإسلام  صلى الله عليه وسلم أولئك الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وباعوا دماءهم وأنفسهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؛ ويحدثنا عن مواقف العلماء الأعلام من أئمة المسلمين الذين أرادتهم الأهواء على غير ما يعتقدون؛ فلم يقولوا بغير ما يعملون، وما منهم إلا من امتحن؛ فكان الوفي الأمين على دين الله الثابت على الإيمان بالحق، وأذكر مالكًا فى المدينة وقضية الطلاق الثلاث، وأبا حنيفة فى العراق وولاية القضاء، والشافعي بين يدى الرشيد، وأحمد بن حنبل بين يدى المأمون، والمعتصم وطاووس مع أبى جعفر والفضل مع الرشيد، وسفيان الثوري معه، والحسن البصرى مع ابن هبيرة، وسعيد بن جبير والحجاج، وغير هؤلاء كثير ممن أُعْنِتوا فى سبيل الحق فلم ينحرفوا عنه قيد شعرة.

} وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146].

هذه بعض آثار العقيدة الصحيحة فى نفوس من يعتقدونها، وقد حدثنا النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث الشريف عن علامات ثلاث لقوة العقيدة وثبات الإيمان.

أولها: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فيَسْمو بعقيدته عن أن يزنها بعرض من أعراض الحياة أو يبيعها بغاية من غاياتها، وإنما تكون هذه العقيدة محور أعماله ومعقد آماله هى له كفاء، وكل شىء لها فداء، قد اتحدت بها نفسه؛ فهو هى وهي هو، اسمان لمسمى واحد، ولفظان لمعنى واحد "أنا من أهوى ومن أهوى أنا".

يقف عليها كل مواهبه، ويخضع لها جميع مطالبه؛ فهي المطلب الأول، والمطالب لها خدم، وهي المقصد الأسمى، والمقاصد بعدها عدم، وأنت إذا دققت النظر وجدت أن لكل امرئ غاية أساسية يحاول الوصول إليها فى حياته، ويجعل كل الغايات تبعًا لها مؤدية إليها، وإنما تتفاوت أقدار الرجال بسمو أقدار الغايات "على قدر أهل العزم تأتى العزائم".

فما أسمى أن تكون غايتك الأولى فى حياتك "حب الله ورسوله"، وإن الله لا يرضى من عباده الصادقين بغير ذلك، واقرأ إن شئت قوله تعالى: }قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24]. على هذه المبادئ تربى رجال الإسلام الأولون؛ فباعوا لله ولرسوله نفوسهم وأموالهم، وجادوا بها رخيصة فى سبيل الحق؛ فبينما كان أحدهم يجالد فى ميدان القتال حتى يستشهد بعد ثمانين ضربة بسيف وطعنة برمح إذا بالثاني يحمل ماله كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أبقيت لعيالي الله ورسوله. 

وفى المقام فضل قول تضيق عنه الأوراق، وتدرك حلاوتَه أذواقُ أهلِ الأذواق، وما عندكم ينفد وما عند الله باق.

وثانية هذه الخصال : "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله"، وذلك أن النسب والصلة والأخوة والقرابة بين أولى العقائد وأبناء المبادئ القوية أمتن وأخلد وأبقى من الصلة الرحمية والنسبية الدموية، ونسب فى شرع الهوى أقرب بيننا من نسب أبوي.

وقلت أخي قالوا أخ من قرابة؟            فقلت: نعم إن الشكول أقارب

وهاأنت رأيت أن السلف الصالحين -رضوان الله عليهم- فهموا ذلك من كتاب الله؛ فكانت العقيدة كل شىء عندهم؛ بها تقرب الأنساب المتباعدة، وتلتقي القبائل المتنافرة، وتجتمع القلوب المتخاصمة، ذلك إن اتحدت؛ فإن اختلفت فقد تباعدت الأسباب وتقطعت الأنساب.

}قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: 4]، وحتى هذه الصلة بين إبراهيم وأبيه قد انقطعت حين اليأس من هدايته والقنوط من إيمانه }وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114].

ولقد بارز أبو عبيدة أباه فى غزوة أحد، وهمّ أبو بكر بالخروج لابنه عبد الرحمن قبل إسلامه -رضى الله عنهما- فى غزوة بدر، ولقد باعد الكفر بين أبى لهب وبين شرف الاتصال بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وهو صنو أبيه، ووصل الإيمان بين سلمان وبين البيت المطهر وهو فارسي لا يمُتّ إلى العروبة بصلة "سلمان منا أهل البيت".

وهل علمت -يا صاح- صلة بين المهاجرين والأنصار غير صلة الإسلام؟ وهل رأيت اندماجًا بين جماعة من الجماعات كذلك الاندماج الذي أوجده الاتحاد فى العقيدة بينهم؟ فكانوا يُحلِّونهم بيوتَهم، وينفقون عليهم أموالهم، ويواسونهم فى كل شىء، ويقدمونهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

كذلك إذا استوت العقيدة على قلب صاحبها كان كل شىء يتصل بها حبيبًا إلى نفسه أثيرًا لديه مقربًا عنده، وكان كل شىء يخالفها ممقوتًا أمامه بعيدًا عن نفسه.

أيا ساكني أكناف دجلة كلّكم              إلى القلب من أجل الحبيب حبيب

فإذا وصل الإنسان إلى هذه المرتبة؛ مرتبة حب إخوانه فى العقيدة والإيمان كان ذلك دليل تغلغل العقيدة من نفسه، وتمكن الإنسان من فؤاده. وكذلك قل فى البغض فى الله أيضًا: }لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ [المجادلة: 22].

وفى الحديث "وهل الإيمان إلا الحب والبغض" ؛ ولهذا كانت العلامة الثالثة "أن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يلقى فى النار"؛ فهو ثابت على عقيدته، قوى فى إيمانه، يكره كل ما يخالفها، ويمقت أن يعود إلى نقيضها ويسلب نعيم اعتقادها كما يكره أن يلقى فى النار.

إذا وجدت هذه الدلائل الثلاث دل ذلك على وصول العبد إلى ذروة الإيمان وكمال اليقين، وهناك يجد سعادة المؤمنين ولذة الموقنين التى دونها كل لذة، وأقل منها كل سعادة، وما السعادة إلا عقيدة تنبع من القلب، ولا تأتى من خارجه أبدًا.

وإن المؤمنين ليجدون من نعيم إيمانهم وحلاوة يقينهم ما يجعلهم يحقرون كل لذة، ويستقلون كل سعادة إلا سعادتهم مهما أوذوا فى سبيلها، ومهما وجدوا من عنف وإرهاق، وهل رأيت ذلك الذي سجن فى سبيل عقيدته وعُذب أشد العذاب؛ فكان يقول لمعذبيه: إنكم لن تستطيعوا تعذيبي مهما أسرفتم فى هذه الوسائل المادية؛ فإن جنتي وبستاني فى صدري ولا سلطان لكم عليه، وإن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلى شهادة، ولو بذلت لكم ملء قصوركم هذه ذهبًا لما كافأتكم بتلك النعمة التى أنعمتم بها علىّ من حلاوة العذاب فى سبيل الإيمان.

وهل رأيت ذلك الذي يصلت السيف على رأسه، وتشحذ الشفرة لقتله؛ فيكون كل ما يستقبل به ذلك أن يقول:

ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا             على أى جنب كان فى الله مصرعي

وذلك فى ذات الإله وإن يشأ             يبارك على أوصال شلو ممزع

ويقاسى غمرات الاحتضار فلا يُنسيه ذلك أن يقول: 

الحمد لله إذ لم يأتني أجلى               حتى اكتسيتُ من الإسلام سربالا

(وبعد) فاقرأ هذين البيتين بتفهم وتدقيق لترى إلى أى حد يستشعر المؤمنون لذة إيمانهم ويغالون بها فوق كل شىء:

أيا صاحبي قف لى مع الحق وقفة               أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا

وقل لملوك الأرض تجهد جهدها          فذا المِلكُ مِلك لا يُباع ولا يُهدى

أفلست بعد هذا كله قد آمنت بأن للإيمان الصحيح حلاوة دونها كل حلاوة يجدها من كمل يقينه، ودلت عليه هذه الخصال الثلاث؟ اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين(8).

 

حلاوة الإيمان

"ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود فى الكفر بعد إذ أنقذه الله تعالى منه كما يكره أن يلقى فى النار".

للإيمان حلاوة وطعم ولذة يتذوقها القلب، وتنعم بها الروح، وتظهر آثار ذلك على الجوارح وفى الأعمال، ومن أراد أن يظفر بهذه اللذة الروحية فعليه بهذه الثلاث خصلات:

أن يحب الله ورسوله فوق كل شىء، وآية ذلك وعلامته أن يقدم مرضاتهما وطاعتهما على كل عزيز فى الحياة. وأن يحب إخوانه من المسلمين لله فيسلم صدره من كراهتهم ومن بغضهم وحسدهم والحقد والعدوان عليهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويؤثرهم إن استطاع سبيلا إلى الإيثار؛ حتى تقوى الرابطة الإسلامية؛ فلا يجد العدو ثغرة ينفذ منها إلى صفوف المسلمين. وأن يكره الكفر ومظاهر الكفر وأعمال أهل الكفر والعودة إليها كما يكره أن يقذف فى النار.

تلك هى صفات المؤمن الحق الذي يحرص على أن يتذوق حلاوة الإيمان. أما إذا كانت طاعة الله ورسوله بغيضة إليه وهو يسارع دائمًا إلى العصيان والهزء بأحكام الله.

وأما إذا كان يمنح مودته وعطفه وصلته وبره لغير إخوانه من المسلمين من أجانب وكفار.

وأما إذا كانت عاداته وأعماله أعمال أهل الكفر، ورضى بقانون أهل الكفر وتعليم أهل الكفر فى نفسه وفى بيته وفى كل شأنه؛ فهذا محروم مطرود من رحمة الله؛ فأي الفريقين أنتم يا مسلمي هذا الزمان؟ انظروا واعترفوا وتوبوا إلى الله(9).

 

صاحب القرآن

عن عبد الله بن عمرو -رضى الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد، ولا يجهل مع من جهل وفى جوفه كلام الله".

الألفاظ والتراكيب:

قرأ القرآن: حفظه ووعاه.

استدرج النبوة بين جنبيه: اشتمل عليها.

أن يجد مع من وجد: أن يحقد مع من حقد، ومنه الموجدة والحفيظة والضغن.

ولا يجهل مع من جهل: لا يغضب مع من غضب، ويعتدى على من اعتدى، ومنه قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا          فنجهل فوق جهل الجاهلينا

إجمال المعنى:

القرآن بما اشتمل عليه من أصول الإسلام وقواعد الدين وأحكام الملة ومقاصد الشريعة.. أصل الدين وأساسه ومعينه ومنبعه، عنه تتلقى الأحكام، ومنه تؤخذ الأصول والقواعد، وإليه يرجع الأئمة والمشترعون؛ فهو لهذا ميراث النبوة، وصورة الوحي الباقية، وهل كانت مهمة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا إيصال كتاب الله إلى الأمة، وبيان ما أجمل من أحكامه للناس؟ } وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ [النحل: 44].

وهل ترك القرآن من أصول الإسلام شيئًا لم يعرض له، ولم يشتمل عليه، ولم يفصله للأمة تفصيلا؟ لهذا كان من يقرأ القرآن ويعيه ويحفظه قد حفظ جملة الدين، واحتوى صدره على أصوله وأسسه، واشتمل جوفه على روحه وخلاصته؛ فمن واجبه أن تتزكى نفسه، وتتصفى روحه، وتسمو عواطفه ومداركه عن المرتبة التى وقف عندها عوام الناس ودهماؤهم؛ حتى يكون قد تأثر بتعاليم القرآن، وانتفع بحفظه إياه، وكيف يجتمع فى مكان واحد ميراث النبوة والحقد والضغينة؟! وكيف يكون القرآن فى صدرك ولا يكفك عن المحارم، ويمنعك المآثم، ويعقلك عن الفحشاء والمنكر، ويزعك عند الغضب والتهور ويحملك على الحكمة والسداد؟!

ذلك مجمل ما فى الحديث من المقاصد؛ فهل عمل بذلك قراء كتاب الله تعالى؟

إن قراء كتاب الله تعالى أصناف ثلاثة جمعتهم الآية الكريمة: }ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ [فاطر: 32]، وانظر كيف بدأ بظالم نفسه، وهم أولئك الذين يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولا يمازج نفوسهم، ولا تتصل به أرواحهم فى كثير ولا فى قليل؛ فحظهم من القرآن ترديد باللسان، وتجويد للمخارج؛ فإذا فتشت فى عقولهم لم تجد لمعانيه أثرًا، وإذا كشفت عن قلوبهم لم تجد لها به صلة، وصدق رسول الله "رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه".

ومنهم مقتصد، فهم من القرآن ما الطاعة وما العصيان، ووجد من أثره فى نفسه ما يحمله على فعل ما أُمر به واجتناب ما نُهى عنه، مقتصرًا فى ذلك على حدود الواجبات والمحرمات؛ فهو إن صادفته العناية سلم، وإن مالت به الأهواء ندم.

ومنهم سابق بالخيرات، أضاء فى قلبه مصباح الهدى، وأزهر فؤاده بسراج الحكمة، وفتح الله عليه من أبواب الفهم عنه والتلقي من فيضه ما أدرك به أسرار القرآن الكريم؛ فتأثرت به نفسه، وامتزج بقلبه، وتخلل مسالك روحه لأمر ما قالت عائشة -رضى الله عنها- فى النبى صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرآن". أنا أحب أن أفهم من هذا التعريف معنى أدق من معناه السطحي؛ فهو بمعناه السطحي يريك أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يتمسك بآداب القرآن، ويحمل نفسه عليها؛ امتثالا لأمر ربه، وتنفيذًا لتعاليم كتابه، ولكنى أحب أن أفهم من ذلك معنى أعمق؛ فيخيل إلى أنها إنما تقول: إن القرآن تخلل مسالك الروح الزكي، فامتزج بها، وامتزجت به؛ حتى صارت تعاليمه طبيعة من طبائع هذا الروح الزكي، تصدر عنه طبعًا لا تكلفًا ولا تعمُّلا، وهم درجات عند الله، ومن أرقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم درجة؟

هاأنت ترى أقسام قُراء القرآن بلسان القرآن؛ فانظر أين قراء عصرنا من هذه الأقسام. أظنك معى فى أن الغالبية العظمى من القسم الأول، وندر أن تجد من القسم الثاني، ومن لنا بواحد.. واحد فقط من القسم الثالث؟!

إن قراءنا ظلموا أنفسهم فى كتاب الله، وظلموا كتاب الله بنسبة حفظه إليهم؛ فهم فى واد والقرآن فى واد آخر، يقرءون فلا يحسنون، وحسب أحدهم نغمات الأصوات وتقاسيم الألحان، وما عدا ذلك فلا وزن عندهم ولا قيمة؛ فإن أحسنوا القراءة لم يفهموا معنى، ولم يدركوا قصدًا، وحسب أحدهم خرافة سمعها بثها فى نفوس السامعين، أو غريبة ألقيت إليه يغرب بها على الجالسين؛ فإن فهموا لم يعملوا؛ فكثير منهم لا يتورع عن فعل الموبقات وارتكاب المنكرات.

يا قراءنا على رِسْلِكم؛ فإنكم ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم فى نبوته بنص حديثه؛ فأعطوا القرآن حقه تلاوة وفهمًا وتنفيذًا وعملا.

وبعدُ.. فإذا كان الفرد الواحد يهب الله له القرآن مطالَبًا بالمحافظة عليه، والأخذ به؛ فما بالك بالأمة اختارها الله لكتابه، واصطفاها على الناس بقرآنه، وورثها نعمته الكبرى على نبيه، تهمل هذا الكتاب، وتنصرف عنه، وتتبدل به غيره، وتذر تشريعاته كالمعلقة؛ لا هى أعلنت انصرافها عنها، فيعلم الناس أين هى من دين الله، ولا هى أخذت بها؛ فتكون قد حرست الأمانة التى استودعها الله إياها، وكلفها حراستها والمحافظة عليها؟!

يا قومنا قرآنَكم قرآنَكم يرحمكم الله، أديموا قراءته، وأكثروا تلاوته، وتفهموا معانيه، وتفقهوا فى مقاصده وأغراضه، ثم احملوا أنفسكم على ما يحملكم عليه؛ فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وأقيموا حدوده، وأعلنوا أحكامه.. يكن ذلك سعادتكم وحظكم فى الدنيا والآخرة(9).

 

حق المسلم على المسلم

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه".

المعنى:

بَيْن المسلمين رابطة قوية وتعارف وثيق، يصل بهم إلى حد الأخوة كما قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم"، وقد علمت فيما مر بك من شرح الأحاديث الشريفة أن صلة الروح والعقيدة والمبدأ أقوى من صلة النسب وأمتن، وأولى بالرعاية عند الله، وأجدى فى مصلحة الأمة؛ لهذا عمل الإسلام فى كل مظاهره وتشريعاته على تقوية هذه الرابطة الروحية، ومتانة هذه الأخوة الإسلامية. وفى هذا الحديث الشريف خصال ست كل واحدة منها توجب قوة أخوة الإسلام، وتذكر المسلمين بها، وتحدوهم إلى المحافظة عليها، وهذه الست خصال يستحقها المسلم من أخيه المسلم، وعليه أن يؤدى له مثلها رعاية لرابطة الإسلام؛ فهو حق أدبي أخوي قد يكون متصفًا بالوجوب الشرعي، أو بما هو أقل منه من مراتب الطلب كالندب والاستحباب والسُّنِّية بناء على تظاهر الأدلة الفقهية على أحد هذه الأحكام.

وسواء كان هذا أو ذاك؛ فإن المسلم مطالب من الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- بأن يؤدى لأخيه هذه الحقوق، ويكون له عنده مثلها؛ فإن قام بهذا الحق أخذ على ذلك أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلا؛ لأن العمل على تقوية رابطة الإسلام عمل جليل له عند الله ثواب عظيم، وامتثال أمر النبى  صلى الله عليه وسلم والعمل بسنته أمر جليل له ثواب عظيم، والتودد إلى الناس وسلامة الصدر من جهتهم أمر عظيم له ثواب عظيم، وكل واحدة من هذه الستة المذكورة فى الحديث مظهر لذلك كله يستحق صاحبها -متى خلصت نيته- ما كتب الله لها من ثواب؛ فكيف يزهد المسلم فى هذا الأجر، ويتراخى فى هذه الحقوق؛ لأن منها لم يتصف بأنها فريضة شرعًا أو اتصف بأنه أقل من الواجب؟!

فاعلم يا أخي أن هذه المصطلحات إنما وضعت لتحديد أوامر الشريعة وأحكامها. أما ثواب الله -تبارك وتعالى- فإنما يتبع الإخلاص فى النية والجمال فى المقصد؛ فقد يربو ثواب السنة على ثواب الفريضة إذا خلصت النية فى الأولى وتكدرت فى الثانية. وبالإحسان فى الطوية تفاضلت الأعمال؛ فأدِّ لأخيك المسلم حقه مهما كان ضئيلا، واقصد بذلك الخير والإعانة عليه، وأخلص النية فى ذلك لله يكُن لك عند الله أفضل الأجور وأثنى المراتب، إن شاء الله.

أما الحقوق التى وردت فى هذا الحديث الشريف فهي ستة كما ترى: "رد السلام، وإجابة الدعوة، وإخلاص النصيحة، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنازة"، وفى كل منها مقال مفصل نوجزه فيما يلي إن شاء الله تعالى:

السلام: فأما كيفيته فأقلها أن يقول: "السلام عليكم"، وكمالها أن يزيد: "ورحمة الله وبركاته"؛ فيرد عليه الآخر بمثلها أو بأحسن منها، فيقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، ومعناه: الأمان والدعاء بالحفظ والسلامة، والسلام: اسم من أسمائه تعالى؛ فكأنه يتفاءل لصاحبه بأن يكون الله معه يرعاه ويكلؤه، وهذه هى الكيفية الإسلامية التى أبطل بها الإسلام ما سواها من ألفاظ التحية مثل: عِمْ، وأنعم صباحًا أو مساء، وأبيت اللعن… وغيرها، قال الأول: "أتاني أبيت اللعن أنك لمتنى"، وقال الآخر: "فقالوا الجن قلت عموا ظلامًا"، وقال غيره: "صبحك الله بخير يا باكر".. فكل هذه ونحوها أبدلنا الله خيرًا منها "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

ومن ذلك تعلم يا أخي أن ما ولع به بعض المسلمين فى هذا العصر من أنواع التحايا والتسليمات غير الإسلامية سواء كانت عربية مثل: "سعيدة"، أو "نهارك سعيد"، أو "تصبح بخير"، أو إفرنجية مثل: "بنجور" أو "بنسوار" أو "أروفوار" أو غيرها من الألفاظ مخالف لتحية الإسلام، مضيع لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، خروج على القومية الإسلامية، مصادم لروح العزة الذي يجب أن يحتل نفوس المسلمين؛ فاحذر أن يجرفك تيار الافتتان، وافخر بمظاهر دينك وشعائر قومك:

لعمرى لرهط المرء خير بقية             عليه وإن عالوا به كل مركب

وأما حكمه فعند قوم الوجوب بدءًا وردًا؛ أخذًا بظاهر أحاديث الأمر به، ونقل ابن عبد البر أن الابتداء بالسلام سنة، والرد فريضة، وعليه جمهور العلماء.

وأما موضعه فعند اللقاء لظاهر هذا الحديث، وعند المفارقة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، وليست الأولى بأحق من الآخرة". وعند العودة ولو بعد مفارقة قصيرة لحديث أبى داود "إذا لقى أحدكم صاحبه فليسلم عليه، فإن حال بينهما شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه". وقال أنس: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون؛ فإذا لقيتهم شجرة أو أكمة (مرتفع من الأرض) تفرقوا يمينًا وشمالا؛ فإذا التقوا من ورائها يسلم بعضهم على بعض".

ويسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي؛ لورود السنة بذلك، ولو تلاقى صغير فى السن كبير فى الفضل والمقام مع كبير فى السن صغير فيهما فلم يرد فى ذلك نص، وظاهر الحديث اعتبار السن على كل حال، وبذلك قال العلماء.

والذي تنشرح إليه النفس أن يرجع فى ذلك إلى العرف والظرف، والله أعلم.

وإذا تساوى المتلاقيان؛ فكلاهما مأمور بالسلام، وخيرهما الذي يبدأ به، وهذه الخيرية ثابتة للبادئ وإن كان أكبر؛ فإن السلام خير، والبداءة بالخير مستحبة على كل حال. وقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن الأغر الزمنى قال: قال لى أبو بكر: "لا يسبقك أحد بالسلام"، وأخرج الترمذي من حديث أبى أمامه مرفوعًا أن "أولى الناس بالله من بدأ بالسلام". وقال حسن وأخرج الطبراني فى حديث "قلنا يا رسول الله إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم لله تعالى"، وأخرج البخاري فى الأدب المفرد من حديث جابر "الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل".

ويجزئ عن الجماعة أحدهم ابتداء وردًّا لحديث على -كرم الله وجهه-: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم".

والسلام مطلوب على من عرفت وعلى من لم تعرف، وحسبك بالإسلام معرفة وأخوة.

وفى الصحيحين أن "أفضل الأعمال إطعام الطعام، وإفشاء السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف"، وإنما كان ذلك كذلك لما يترتب على السلام من غرس الحب وزيادة الأنس.

كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما

                يزرع الود فى فؤاد الكريم

وقد قال عمار رضى الله عنه: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: إنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار".

ومن مشى فى الشوارع المطروقة كالسوق مثلا؛ فهل يسلم على كل من لقيه؟ ذكر الماوردي أنه لا يسلم إلا على البعض؛ لأنه لو سلم على الكل لتشاغل عما خرج لأجله، ولخرج عن مألوف الناس، ولفت الأنظار إليه، وشغل غيره عن مهامه كذلك، ويكره السلام على من كان يأكل، أو يشرب، أو يقضى حاجته، أو فى الحمام من غير مئزر، أو نائمًا، أو ناعسًا، أو مؤذنًا.

والسلام حين خطبة الجمعة مكروه، ولا يجب الرد عند من ذهب إلى أن الإنصات إلى الخطبة واجب كالمالكية، ويجب الرد عند من قال: إن الإنصات إلى الخطبة سنة كالشافعية، وعلى كلا القولين فلا ينبغي أن يجيب إلا واحد، والمشتغل بقراءة القرآن الأولى ترك السلام عليه حتى لا يضطر إلى قطع قراءته، قال الواحدي: فإن سلم عليه رد بالإشارة، وإن رد لفظًا استأنف الاستعاذة وقرأ، وتعقبه النووي، وذهب قوم إلى أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد، والله أعلم.

وهل يسلم على من ظن أنه لا يرد عليه أو يترك السلام عليه تغليبًا لظنه؟ قولان: وحجة من قال بالأول أن الأحكام لا تسقط بإهمال بعض الناس لها، وحجة الآخرين أن توريط المسلم فى المعصية بترك الرد أشد من مصلحة السلام عليه.

وتوسط آخرون فقالوا: يسلم عليه، فإن رد فبها، وإن لم يرد نبهه بنحو قوله: "رد السلام فإنه واجب"، فإن سكت ولم يجبه حلله من حق الرد تخفيفًا للمعصية، ولعل هذا هو أعدل الأقوال وأقربها إلى الدليل.

ويندب السلام لمن دخل بيتًا ليس فيه أحد لقول الله تعالى: }فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النور: 61] الآية، وكيفيته ما أخرج البخاري فى الأدب المفرد وابن أبى شيبة بإسناد حسن عن ابن عمر رضى الله عنه: "يستحب إذا لم يكن فى البيت أحد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، وأخرج الطبراني، وعن ابن عباس نحوه.

هذه بعض الأحكام المتعلقة بالسلام، وبقيت أحكام تتصل به، منها: السلام بالإشارة، وتقبيل اليد مع السلام أو المصافحة معه، والقيام، والسلام على غير المسلمين، نتكلم عنها فيما يأتى إن شاء الله(10).

 

أفضل الأعمال

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد فى سبيل الله؟ قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور".

أبو هريرة رضى الله عنه هو عبد الرحمن بن صخر -على أرجح الأقوال فى نسبته-، وهو دوسي (أى من قبيلة دوس).

والحج المبرور الذي لا تعقبه كبيرة من الكبائر التى يترتب عليها الطرد من رحمة الله -تبارك وتعالى-. وفى حديث جابر مرفوعًا "إن بر الحج إطعام الطعام وطيب الكلام"، وزاد بعضهم "وإفشاء السلام". ولعل المقصود بذلك أن يكون الحج قد أثر فى نفس الحاج حتى أصلح خلقه، وألان عريكته، وطهر روحه؛ فظهرت آثار ذلك التطهير فى أعماله من السخاء والجود وحسن المعاملة والحب والألفة وما إلى ذلك.

والحديث بيّن واضح رجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل العمل، أرفعه درجة وأجزله ثوابًا وأعلاه رتبة وأسناه عند الله منزلة. العمل الذى يقرب إلى الله، ويوجب الجنة، ويباعد بين عامله وبين النار، وأي فضيلة فوق هذه الفضائل كلها؛ فكان جواب رسول الله  صلى الله عليه وسلم دالا على أن أول عمل تتوفر فيه هذه الشرائط (الإيمان بالله ورسوله) التصديق اليقيني الذى يخالط القلب، ويمتزج بالروح، ويتخلل كل ذرة فى النفس حتى تفيض منه الأفئدة بجلال الله، وعظمته، وقدرته، وحكمته، وعلمه، ورقابته، والاعتقاد الثابت واليقين المكين بصدق رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وشريف منزلته، وشامل رسالته، وكبير فضله، ومتانة دينه، وصحة شريعته؛ تصديقًا لا يقتصر على اللسان، ولا يقتصر على السطور فى الصحائف، ولا على الألفاظ تحفظ والعبارات تردد، ولكنه عاطفة قوية تشيع فى النفس جميعًٍا، فتشع فيها النور، وتشعرها برد اليقين }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ [البقرة: 165].

فإذا كان ذلك كذلك فقد أتى المرء بأفضل العمل، وقد استعدت نفسه لأفضل المسالك، وقد بنى أساسًا لا ينهار ولا يتداعى، يبنى عليه بعد ذلك ما شاء من الفضائل والكمالات، والإيمان الصحيح مصدر كل خير وسعادة، والإلحاد والمروق مصدر كل شر وشقاء.

ولكن السائل يريد ما يلي ذلك من أنواع الفضائل، أو أحب أن يستزيد من هذا الخير الفائض، أو شاء أن يستمتع بهذه الحكمة الرائعة التى ينطق بها لسان النبوة؛ فسأل المصطفى صلى الله عليه وسلم: ثم ماذا؟ فكان جواب السيد الأفضل صلى الله عليه وسلم: "الجهاد فى سبيل الله". ما أعذب هذا وأحلاه! أجل.. الجهاد فى سبيل الله أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله، وأي عمل أفضل من أن تخرج بنفسك ومالك مقاسيًا الصعاب، محتملا المشاق، مضحيًا بذلك كله "لله"، لا تريد من ورائه إلا أن يرضى الله عنك، وإلا أن يصح عقد البيع فيما بينك وبينه }إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111]، وأنت إذا تأملت رأيت الرابطة فيما بين العملين أقوى ما تكون؛ فإن المؤمن إذا صح إيمانه بعثه إلى الجهاد فى سبيل هذا الإيمان طائعًا مختارًا، ولن يكون المجاهد مجاهدًا فى سبيل الله حقًا إلا إذا كان مؤمنًا حق الإيمان.

ولم يقف السائل عند ذلك فقال: ثم ماذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حج مبرور؛ حج إلى بيت الله -تبارك وتعالى- تغسل به الذنوب، وتطهر به النفوس، وتتجدد الأرواح، ويعود منه الحاج كيوم ولدته أمه. حج مبرور يروى الغلة، ويذهب الجوي، ويطفئ شوق المشوق، أو يزيده زيادة هى أحب إليه من الإطفاء، والرابطة بين ذلك كله وثيقة متينة؛ فإذا المؤمن "المؤمن" ثم جاهد حمله إيمانه على زيارة بيت ربه ومسجد نبيه، وحمله جهاده على أن يرى العذاب فى ذلك عذبًا، والمشقة سهولة، وهكذا تأخذ تعاليم الإسلام بعضها بحجز بعض إلى الخيرات والمكارم. فهيا يا أبناء الإسلام حققوا الإيمان، وأحسنوا الجهاد، وتسابقوا إلى الحج المبرور(11).

 

الأنصار

عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار".

الأنصار هم أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مناصرة دعوته، وإظهار شريعته، وتأييد دينه. وعلى أن يسمعوا ويطيعوا فى المنشط والمكره؛ فوفوا بعهدهم، وعملوا بقولهم، وحافظوا على موقفهم. وكانت لهم فى ذلك المواقف الغر، يحدوها الظفر والنصر، وهم من قبائل الأوس والخزرج، وهما بطنان من الأزد، وكانت ديارهم مأرب باليمن، فهاجروا بعد سيل العرم فى القرن الثاني عشر قبل الإسلام، ومروا على يثرب، وكان يسكنها إذ ذاك بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع وغيرهم، فنزلوا على حكمهم، وما زالوا كذلك حتى استبد "القيطون" -أحد ملوك اليهود- وطغى وظلم، فاستغاث الأوس والخزرج بملوك غسان، فنصروهم، وأوقعوا بيهود يثرب، ومن ثم صار الحكم فى المدينة إليهم، وأصبحت لهم عصبية عظيمة، ولهم حروب مشهورة وأيام معدودة فى الجاهلية، منها: يوم سمير، ويوم كعب، ويوم الربيع، ويوم البقيع. وكان التنافس بين البطنين عظيمًا؛ مما أدى إلى الخلاف الدائم بينهم، وكانوا يلقبون فى الجاهلية "بنى قيلة" نسبة إلى أمهم، فلما جاء الإسلام وكانوا أسبق الناس إلى مناصرته سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم "الأنصار"، وأيد الله هذه التسمية فى غير موضع من القرآن الكريم؛ من ذلك قول الله -تبارك وتعالى- }وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100]، وقول الله -تبارك وتعالى- فى آية ثانية }وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: 74]. وهاأنت ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سماهم الأنصار، وجعل علامة الإيمان محبتهم وعلامة النفاق كراهيتهم. وكان صلى الله عليه وسلم يختصهم بمحبتهم ويواليهم بعطفه.

روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شِعبًا لسلكت وادي الأنصار وشِعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"، قال أبو هريرة: "بأبي وأمي هو ما ظلم، آووه ونصروه"، أو كلمة أخرى [أخرجه البخاري].

وكان كثيرًا ما يوصى بهم؛ فقد روى أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأنصار كرشى وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" [أخرجه الشيخان والترمذي]، وكرش الرجل: جماعته، وعيبته: موضع سره.

لهذا كان الأنصار -رضوان الله عليهم- يعتزون بهذا اللقب، ويحرصون عليه، ويرون فيه رمز فخارهم وشعار عزتهم وعنوان أمجادهم.

حدثوا أن وفدًا من الأنصار استأذن على معاوية، فخرج الآذن يقول: ليدخل بنو قيلة، فغضب النعمان بن بشير وصاح بابنه هاتفًا:

يا قيسُ لا تُجِبِ النداء فما لنا            نسبٌ نُجيب به سوى الأنصار

نسبٌ تخيّره الإله لقومنا          أَثْقِلْ به نسبًا على الكفار

فأنت ترى أن عصبية الجاهلية وعنجهيتها قد اندثرت فى نفوسهم أيما اندثار، وحل مكانها نسب آخر هو مؤازرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناصرة دينه، فنعما هو هذا النسب.

ولقد عرف الأنصار بين العرب قاطبة والناس جميعًا بعدة أخلاق، إن كانت هى جرثومة الخلق العربي الكريم وأصله؛ فإنها نمت فى نفوس الأنصار، وقويت أصولها، وأورقت فروعها؛ فكادوا يكونون بها صنفًا برأسه، وتكون فيهم نوعًا خاصًا بنفسه.

عُرفوا بالرقة واللين وسلامة الذوق ونقاء السريرة ظاهرًا وباطنًا حتى أنزل الله فيهم: }إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]، وحتى أخذ المهاجرون عنهم هذه الرقة واللين، وحتى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتجوز معهم فى غير مجاوزة لحدود الله طبعًا؛ فيرسل المغنية إلى عرسهم، ويعلمها الغناء الذي تحدوهم به، ويقول: "إن الأنصار يحبون اللهو". وعُرفوا بالنجدة والشجاعة وعلو الهمة وقوة اليقين والجلَد فى الشدائد. وحسبك أن تسمع خطيبهم سعد بن معاذ يقول يوم بدر: "لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا. إنا لصُبُر فى الحرب، صُدُق عند اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك"، فسر على بركة الله.

وعُرفوا بالسخاء والكرم والبذل والعطاء، وحسبك من ذلك فى قوم أن ينزل الله فيهم }وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

ورضى الله عن أبى بكر رضى الله عنه؛ إذ سجل فضلهم، وأبان عظيم منزلتهم، وجمال خلقهم فى إحدى خطبه؛ إذ يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار لو شئتم أن تقولوا: آويناكم فى ظلالنا، وشاطرناكم فى أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم. وإن لكم من الفضل ما لا يحصيه العد وإن طال به الأمد؛ فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوي:

جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت           بنا نعلنا فى الواطئين فزلَّت

أَبَوْا أن يملونا ولو أن أُمَّنا                تلاقى الذي يَلْقَوْن منا لملَّت

همو أسكنونا فى ظلال بيوتهم            ظلالِ بيوتٍ أدفأت وأظلَّت

فهم -رضوان الله عليهم- كانوا فى فجر الدعوة عزتها اللامعة وشمسها الساطعة، وكانوا بعد ذلك للخلفاء الراشدين قوة وعددًا وظهرًا، ثم كانوا بعد ذلك كله موارد العلم ومناهل الفضل، ثم ما زالوا -وقد تقلبت الصروف، وتداولت الظروف- مثال الخلق الفاضل وعنوان الأدب الكامل.

فليس عجيبًا بعد هذا أن تكون علامة الإيمان حب الأنصار، وهل حبهم إلا من حب الإسلام ورسول الإسلام عليه الصلاة والسلام؟

وليس عجيبًا كذلك أن يكون بغضهم علامة النفاق؛ فإنه لا يكون إلا عن رقة دين وضعف يقين واستهانة بشريعة الله، ونقص لفضل الله الذي تفضل به على عباده؛ إذ هداهم بالإسلام صراطًا مستقيمًا، نفعنا الله بمحبتهم وجمعنا وإياهم فى مستقر رحمته(12).

 

النصيحة

عن أبى رقية تميم بن أوس الداري رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

تعريف بالصحابي:

تميم بن أوس الداري رضى الله عنه صحابي جليل، وليس له من المرويات فى البخاري ولا فى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث. وقد اختلف العلماء فى نسبته: أهو دارى أم ديري على أقوال كثيرة، أفاض فى ذكرها الإمام النووي فى شرحه على مسلم فى آخر المقدمة، ومن قال إنه دارى نسبة إلى جده الدار بن هانئ، ومن قال ديري نسبه إلى دير كان يتعبد به، إذ كان نصرانيًا قبل أن يسلم. فارجع إلى تفصيل ذلك إن شئت. وقد أسلم رضى الله عنه سنة تسع، وكان بالمدينة ثم انتقل إلى الشام فنزل ببيت المقدس.

معنى النصيحة:

والنصيحة كلمة جامعة يراد بها تقديم الخير للمنصوح له، وهي إما مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه؛ بمعنى أن الناصح يتحرى إصلاح شأن صاحبه كما يتحرى من يخيط الثوب صلاحه، أو هى مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من شمعه؛ بمعنى أن الناصح يتحرى تخليص ما يتقدم به إلى صاحبه من شوائب الغش والخداع، ولعل ذلك أقرب، ولكل وجهة هو موليها، وحسبك ذلك من تحرير الألفاظ، وهلمّ إلى المعاني، وبالله التوفيق.

شرح الحديث:

"الدين النصيحة": جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة؛ فكيف ذلك مع أن النصيحة جزء من أحكام الدين وفروعه؟ قالوا: هى على تقدير: قوام الدين وركنه وأساسه النصيحة؛ بمعنى أنه لا يكمل إلا بهذا الجزء كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"؛ أى تمامه وأهم أركانه الوقوف بعرفة، كذا قالوا -رضى الله عنهم- وهو وجه حسن.

وأحب أن نقف معًا أمام هذه الجملة الرائعة لنستجلي بعض ما فيها من أسرار البيان: أجل: الدين النصيحة، وإنما الناس يا أخي أمام الدين ثلاثة:

رجل بعُد عن الدين وبعُد الدين عنه؛ فليس هو منه فى قليل ولا كثير، وذلك ناقص بكل معاني النقص.

ورجل فقه الدين على درجة من فقه تجعله متدينًا لنفسه لا يفيد غيره شيئًا فهو قاصر، وإنما الدين معنى من المعاني العامة التى تنتظم الناس جميعًا.

ورجل تمكن الدين من قلبه، وملك عليه نفسه، فأنار فؤاده بعد ظلمة، وأنطق لسانه بعد عجمة، وأخرج منه رجلا كاملا يفيض الدين من حاله ومقاله؛ فأخذ يرشد الناس إلى الخير وينصح له بالمعروف؛ فهذا بحق مثل كامل من نماذج الدين الصحيحة التى تتكون به ويتجسم بها.

فانظر كيف أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أرقى مراتب الدين بتلك الجملة الحكيمة، لك أن تقول هذا، ولك أن تقول: إن المقصود بالدين أن يتميز الحق من الباطل، وأن تطمئن النفس بالإيمان، والنصيحة لا تكون نصيحة إلا إذا كانت حقًا يسوقها صاحبها فى جرأة وطمأنينة وثقة بالله والحق؛ فهي -والحالة هذه- أقوى دلائل الدين وأظهر مظاهر الإيمان.

قال الأصحاب -رضوان الله عليهم-: لمن نقدم النصيحة يا رسول الله؟ فأجاب الصادق المصدوق: "لله" من الدين النصيحة لله وليس الله -تبارك وتعالى- فى حاجة إلى إرشاد خلقه ومعونتهم }مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: 51] وإنما تكون النصيحة لله -تبارك وتعالى- بالإيمان به، والتصديق بكمالاته وتنزيهه ومحبته، والحب فيه والبغض فيه، وامتثال أمره واجتناب نهيه. إنك إن فعلت ذلك فقد نصحت ربك بإخلاص نفسك، ونصحت لنفسك فيما يتعلق بحقوق ربك، فنلت السعادتين، وفزت بالحسنيين.

"ولكتابه" ومن الدين النصيحةُ لكتاب الله بالإكثار من تلاوته والإقبال على مدارسته، وبذل الجهد فى تفهمه، والعمل بأحكامه، وتحرى أفضل السبل لنشر دعوته وإعلاء كلمته وتحقيق غايته.

"ولرسوله" ومن الدين النصيحةُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأما فى حياته صلى الله عليه وسلم فقد كان ذلك ببذل النفس والنفيس فى طاعته ومرضاته، وتحرى الحق فى مشاورته، كما فعل سلمان رضى الله عنه فى الخندق، وكما فعل الحباب رضى الله عنه فى بدر. وأما بعد أن اختار الرفيق الأعلى فالنصيحة له صلى الله عليه وسلم بمحبته ومتابعته، وتحرى سنته، والذود عن شريعته، ومدارسة حديثه، والنزول عند أوامره صلى الله عليه وسلم.

"ولأئمة المسلمين" ومن الدين النصيحةُ لرؤساء المسلمين خلفاء أو ملوكًا أو وزعماء أو قادة؛ فكل رئيس فى عمله إمام فيه، وعلى أهل الخبرة بشأنه أن يحضوه النصح ويقدموا له سبل الإرشاد ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وإنما المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وصاحب الرياسة فى حاجة إلى عيون ناقدة تعضدها قلوب ذكية وأفئدة طاهرة مخلصة؛ ليطلع بذلك على ما أخفاه عنه منصبه من شئون رعيته وأحوال الولاية، وكلكم راع وكل راع مسئول، وليست هناك جريمة أفظع من تزويق الباطل للقادة وإخفاء الحق عن عيونهم، وإن كان مرًا فإنهم ذوائب الناس وهاماتهم على سيرهم يسيرون، وإن هلكوا هلك بذلك خلق كثير، ولست فى حاجة إلى أن أبين لك مواقف الغر الميامين من السلف الصالحين مع الولاة والسلاطين أو أمام الجبابرة المتغطرسين، وإن كان السيف مصلتًا والموت قاب قوسين أو أدنى، وسيمر بك من ذلك الكثير.

إن الذي خلق الحقيقة علقمًا              لم يخل من أهل الحقيقة جيلا

وستسمع عن معاوية وناقديه، وعن الحجاج ومناضليه، وعن سليمان وأبى حازم، وعن الحسن وابن هبيرة، وعن مالك وسليمان بن على، وعن أبى حنيفة والمنصور، وعن الشافعي والرشيد، وعن طاووس وأبى جعفر، وعن أحمد والمعتصم، وعن الفضيل والثوري مع هارون، سترى من ذلك ما يملؤك عجبًا، وتلمس معه أن الإيمان إذا حل قلبًا تضاءلت أمامه الدينا، وذلت له أعناق الجبارين.

"وعامتهم" ومن الدين النصيحة لعامة المسلمين على القاعدة الشرعية: توقر كبيرهم وتشفق على صغيرهم، وتسلك فى سبيل ذلك كله الحكمة والموعظة الحسنة. وإنما المؤمن مرآة أخيه، والنصيحة إن لم تلتزم حدود الحق فى ألين ثوب وأجمله انقلبت فضيحة تؤدى بصاحبها إلى النار؛ فمتى كُنتَ أهلا لإسداء النصح والقيام بحق الأمر؛ فعليك أن تبذل للمسلمين جميعًا ما تعلم من أبواب الخير، وأن تحذرهم ولوج الشر؛ فلن يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.

وبعد.. أفرأيت كيف يرشد النبى صلى الله عليه وسلم الأمة إلى تمام اليقظة؟ وكيف يعطيها حق الرقابة والمحاسبة لأولى الأمر مهما عظموا؟ وكيف يكون بهذا الحديث الواحد ما يسمونه فى لسان هذا العصر بالرأي العام؟(13).

 

رابطة الإسلام

عن جابر وأبى طلحة -رضى الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يخذل امرءًا مسلمًا فى موضع تُنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته. وما من امرئ ينصر مسلمًا فى موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته".

هو الإسلام الذي يجمع شتات القلوب، ويوحد نوافر النفوس، ويتألف شواذ الطباع، ويجعل من المسلمين جسدًا واحدًا فى تعاطفهم وتراحمهم وتوادهم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، هى لُحمة الدين ونسبه، ورباط الإيمان وسببه، تقطعت الروابط وذلك الرباط قوى متين، وانطمست الأسباب وهذا السبب واضح مبين. عليه نحيا، وعليه نموت، وعليه نبعث إن شاء الله.

إن الله لم يرتضِ للمسلمين إلا أن يكونوا إخوة، وامتنَّ عليهم فى محكم كتابه بهذه المنة، وهو فى هذا الامتنان يذكرهم بهذه الفريضة، وأن الأنصاري الذى كان يقدم للمهاجري نفسه وماله وأهله لم تكن تربطه به رابطة من دم أو نسب، إن هو إلا الإسلام، ولأمر ما خلد الله فى ذلك ذكرهم، فقال تبارك وتعالى: }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

لم ير السلف رابطة أولى من هذه الرابطة بالرعاية؛ فكان الأجنبي لديهم شقيقًا كريمًا وأخًا حميمًا بالإسلام، وكان القريب بعيدًا وعدوًّا لدودًا إذا ناوَأَ دعوة الإسلام، أليس منهم من قتل أباه فى سبيل الله؟ وأليس منهم من افتدى بنفسه أخاه فى دين الله؟ وهل علمهم القرآن غير هذا العلم وأدبهم بغير هذا الأدب، إذ يقول لهم: }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4]؟

القول فى هذا أمر يطول، وأنت إذا تصفحت كتاب الله وأحاديث رسوله وجدت حق المسلم على المسلم كأخ كريم وولى حميم فريضة مقررة وأمرًا محتومًا لازمًا. وإذا تصفحت سير كرام السلف الصالح رأيتهم درجوا على ذلك، وآمنوا به، وتغلغل فى نفوسهم، وفاضت به قلوبهم الطاهرة.

هذا سرى السقطي يستغفر الله سبع سنين؛ لأنه قال: "الحمد لله" حين علم أن حانوته نجا من حريق وقع، وقال فى ذلك: "ويل لسرى، يحب لنفسه ما لا يحب لغيره، ويؤثر حانوته بالنجاة دون حوانيت المسلمين"، ولو أخذ المسلمون بهذا الأدب ما ضعفت قوتهم، ولا تفككت وحدتهم، ولا تمكن عدو منهم، ولكنهم تخاذلوا فخذلهم الله، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، نؤمن بهذا وندين به، ونلقى الله عليه رغم أنوف دعاة القومية الخاصة الذين يمكنون لأعدائهم فى بلادهم وهم لا يشعرون، وحسبنا من ذلك ما يرويه الحاكم فى حديث صحيح "من لم يهتم للمسلمين فليس منهم". هذه العاطفة النفسية والأخوة الإيمانية لن تكون كلامًا لفظيًا ولا أمنية خيالية، ولكنها عقيدة لا بد أن يكون لها أثرها الخارجي العملي، ولا بد أن تتمثل فى كل صلات المسلمين ومعاملاتهم؛ فمن خرج على هذه العقيدة أو ادعاها ادعاء ولم يأخذ بمستلزماتها استحق عقوبة تتكافأ مع جريمته، وعلى ضوء هذه المبادئ نتفهم الحديث الشريف.

أى مسلم يرى أخاه فى ضيق وشدة وكرب وعسرة وموضع اعتدى فيه عليه؛ فنال عدوه من كرامته، وانتهك حرمته، وانتقص عرضه، واستبد به، وأذاقه صنوف الهون، ثم هو يرى ذلك وهو ساكت واجم لا يبدى حراكًا ولا يمد يده لنصرة، إلا كان ذلك دليلا على ضعف إيمانه ورقة دينه واستهانته بحقوق الأخوة التى هى فريضة منزلة، ومتى كان كذلك فإن الله يكافئه بحرمانه رحمته ورضوانه فى وقت يكون أشد ما يكون رجاء لهما وحاجة إليهما، وذلك }يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 34-37].

وأي إنسان يضمن لنفسه النجاة بعمله أو يعتقد السلامة إذا خلى بينه وبين نفسه؟! ومن حرم فضل الله فأي شىء بقي له؟! لهذا كان الوعيد فى هذا شديدًا والجزاء صارمًا عنيفًا، ولكن الجريمة تستحق ذلك وأشد منه.

وأي مسلم يرى أخاه على هذه الحال فيخف لنصرته ويلبى نداءه ويقف إلى جانبه ويدفع عنه عدوان المعتدين وظلم الظالمين إلا كان ذلك دليلا على قوة إيمانه ومتانة يقينه ومعرفته فرائض ربه، واستحق بذلك جزاء من جنس عمله؛ أن يؤيده الله فى الشدائد، وينصره فى الملمات والخطوب، ولينصرن الله من ينصره، ومن حاز نصر الله فقد حاز كل خير؛ فهو جزاء سني شريف؛ لأن العمل سني شريف كذلك، ومن يعمل مثقال ذلك خيرًا يره.

أيها المسلمون هذا دستور دينكم وقول نبيكم، ولستم فى وقت من الأوقات مظلومين مهضومين كما أنتم فى هذا العصر الذي يقولون: إنه عصر المدنية؛ فقد تمزقت وحدتكم، واحتُلت أرضكم، وسلبت أموالكم، واستغلت مرافقكم، وصدق فيكم قول دعبل بن على:

ترى فَيْأَهم فى غيرهم مقتسما             وأيديهم من فيئهم صفرات

ونِيلَ من كرامتكم، وانتُهكت حرماتكم، وانتقصت أعراضكم، فلستم أحوج إلى التساند والمساعدة والتكاتف لكم الآن؛ فكونوا كما قال رسولكم صلى الله عليه وسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. أما كيف تتعاونون؟ وأنى منكم التعاضد؟ فاعلموا يا أحبائي أن الأمر أيسر، وإذا صدق العزم وضح السبيل، والحاجة تفتق الحيلة، وفى الوقت الذي يسودكم فيه هذا الشعور بحق، وتعلمون أنه أمر لا بد منه ترون كيف تكون السبيل واضحة إلى التعاون والتآزر، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل(14).

 

وصية جامعة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى ذر الغفاري رضى الله عنه: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلق حسن".

وأبو ذر الغفاري هو الصحابي الجليل جندب بن جنادة أهل الفضل والسابقة، وعنوان صدق اللهجة والصراحة فى الحق والمناداة به وإن كان مرًّا، وإن نفر عنه الناس جميعًا، وقد تقدمت له ترجمة واسعة فى جريدة الإخوان المسلمين.

كان كثيرًا ما يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ينيله ثواب الله ومرضاته، ويبعده عن سخطه وعقوبته، ويلح فى أن يوصيه المصطفى صلى الله عليه وسلم الوصايا الجامعة، ويلقنه الحكم البارعة. وما كان صلى الله عليه وسلم يبخل على أصحابه بهذه الدرر الغوال والوصايا الخوالد، ومنها تلك الوصية الذهبية فى هذا الحديث الشريف.

أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وجُمعت له أطراف البيان؛ فكان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس لسانًا، وأوضحهم بيانًا، وأسماهم معنى، وأرقهم لفظًا ومبنى. ولأنه صلى الله عليه وسلم معين العلم الفائض، ومستقر العرفان الواسع؛ ترى الجملة الواحدة من كلامه الشريف تزخر بالحقائق، وتفيض بالخيرات، وتنطوي على مكنون علم يملأ النفوس إعجابًا وروعة، ويكون لها نعم المدد الروحي.

حديث اليوم جمل ثلاث، كل جملة أربع كلمات؛ فهي اثنتا عشرة كلمة، انظر على أى علم احتوت وعلى أية مقاصد اشتملت، وانظر إلى هذا التقسيم البارع، والسهولة العذبة، والترتيب المنطقي الذي تجلى فى هذه المعاني الشريفة؛ حتى إن بعضها ليأخذ بحجز بعض فى لطف أرق من النسيم وأحلى من البرء وأعذب من المنى.

"اتق الله حيثما كنت" خف الله -تبارك وتعالى– وراقبه، واجعل بينك وبين غضبه حاجزًا حتى لا تتعدى حدوده ولا تتخطى أوامره، ولا ترتكب ما نهى عنه فيحل عليك بذلك غضبه، ومن يحلل عليه غضب مولاه فقد هوى، واجعل هذه التقوى وهذه المراقبة صنعتك اللازمة فى أى مكان، وفى أى زمان، وفى أى عمل.

سئل بعض الصالحين عن التقوى ما هى؟ فقال لسائله: "ألم تسر فى طريق فيها شوك؟ فقال السائل: بلى، قال: فماذا كنت تصنع؟ قال: كنت أنحيه عنى حتى لا أتأذى به وأسير فى طريقي، قال: يا هذا إنك حين تنحى الشوك عنك وتبتعد بذلك عنه قد اتقيته، وجعلت حاجزًا بينك وبينه؛ لئلا تتأذى به؛ فتقوى الله أن تجعل بينك وبين حدوده حاجزًا يمنعك أن تقارف معصية أو ترتكب إثمًا".

هذا رجل عرَّف التقوى بأثرها فى النفس ومظاهرها على الجوارح، وتستطيع أن تقول: إن تقوى الله عاطفة من خوف الله وإعظامه وخشيته، تتملك قلب العبد وتستولى على نفسه؛ فتوقظ ضميره، وتحيي شعوره، وتجعل من نفسه لنفسه وازعًا، وتقيم عليه منه حارسًا؛ فيكون عن ذلك ما علمت من بعد عن معصية ومبادرة إلى طاعة. ولعله إلى هذا أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: "التقوى هاهنا"، ويشير إلى صدره الشريف صلى الله عليه وسلم، وهي بهذا المعنى أثر من آثار معرفة الله -تبارك وتعالى- وتقدير عظمته وحسن مراقبته }وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الألْبَابِ [البقرة: 197]، وإنما يتفاوت الناس من التقوى بحسب مراتبهم فى معرفة الله -تبارك وتعالى- وحسن مراقبته ودوام ذكره، ولأمر ما قال تعالى: }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]. وهي لهذا ولأنها فى القلب ومن عمل القلب كانت أقرب أسباب الوصول، وأرضى وسائل القبول، إنما يتقبل الله من المتقين، ولأن عواطف الإنسان جزء لا ينفصل عنه كانت التقوى مطلوبة منه فى كل وقت وعلى أية حال، وعلى هذا التنبيه فى الحديث الشريف، وقد قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 35].

"وأتبع السيئة الحسنة تمحُها" فى الجملة الأولى أمرنا بالتقوى، والتقوى كما عرفت عاطفة نفسية تترقى فى النفس وتنمو بدوام المراقبة، وإنما يكون ذلك عن جهاد النفس وكفها عن الشرور وتوجهها إلى الخيرات، والإنسان فى هذه الحال فى حرب مع نوازع الشر فى نفسه، وفى مصادمته لعوامل الإثم ودواعي الشهوات، والحرب -كما يقولون– سجال؛ يوم لك ويوم عليك؛ لهذا أرشدنا الرسول الأعظم والهادي الأكرم  صلى الله عليه وسلم إلى أفضل الوسائل إلى النصر، وإلى أقرب القرب إلى النجاح، ووضع لذلك قاعدة عامة؛ تلك هى أن يبادر الإنسان إلى الخيرات إذا أحس بوقوعه فى السيئات، فإذا فعل ذلك محا الله عنه إثم السيئة وعارها، وأذهب من قلبه أثرها، وأثابه على ما قدم من حسنة. فإذا ثابر على تلك الخطة القويمة والطريقة الحكيمة فى مجاهدة نفسه أنتجت هذه المثابرة قوة فى العزيمة، ومحت من نفسه صفة الضعف، فطهرت بذلك نفسه، وقضى على صفات الشر فيها؛ فيكون المحو حينئذ محوين: محو الأثر والعقوبة، ومحو الصفة والتخلق. وألست ترى فى هذه القاعدة إلمامًا معجبًا بما يقول أحدث علماء النفس فى قوانين تكوين العادات؟!

والناس فى هذا أقسام أربعة:

قسم: إذا كبَتْ به نفسه، وزلت قدمه، وهوت به نوازع الشر، فتورط فى العصيان.. استحلى ذلك واستعذبه، وأقام عليه، وأخذ فى أسبابه؛ فأولئك هلكوا والعياذ بالله، وباءوا بالخسران المبين، ولعل هذه الآية الكريمة أشارت إليهم: }وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) [الأعراف: 175-176].

وقسم: تَجْمَحُ به شهواته، فيظلم نفسه بمقارفة العصيان؛ فإذا استشعر ذلك استشعر معه ندمًا يملأ أقطار نفسه، وهمًّا يأخذ بنياط قلبه؛ فيذكر رحمة الله التى وسعت كل شىء، فيلجأ إلى مولاه تائبًا من ذنبه نادمًا على فعلته؛ فتكون تلك حسنة تمحى بها سيئته، وتقوى بها على الخير نفسه، ويستحق بها من فضل الله وكرمه جميلَ المثوبة. ولعل إلى هذا القسم الإشارة فى هذه الآية الكريمة: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 135-136].

وقسم ثالث: تنصهر نفسه بلهيب هذا الندم؛ فيحذر المعصية، ويمقتها، ويخاف من شبحها، ويهرب من دواعيها ووسائلها، فإذا برقت له بوارقها وازَّينت أمامه مواطنها ذكر رقابة الله عليه، واستحضر ذنبه السابق، وتمثل ندمه الممض؛ فنجا بنفسه، وهرب من فوره، وفر إلى الله، ونعم المولى ونعم النصير. ولعل إلى هذا القسم الإشارة بالآية الكريمة: }إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: 201].

وقسم رابع: دامت به هذه المراقبة، وصارت طبيعةً تلازمه وسجية لا تفارقه؛ فحجزته عن المعاصي، وحالت بينه وبين المخالفات، وحفظته حفظًا أحاط بكل جوانبه. ولعل أولئك الذين أشارت إليهم الآية الكريمة: }إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا [الإسراء: 61].

وإذا تأملت نظم القرآن الكريم فى التعبير عن خصائص كل قسم رأيت من ذلك المعجب المطرب، ولولا خوف الإطالة لأخذت معك من ذلك بطرف، فحاول أن تتفهم أسرار التركيب فى هذا النظم العجيب، وسيمنحك الله من هذا العلم بقدر زكاء نفسك وصفاء لبك ونقاء قلبك. وفى المقام فضل وبسطة، وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد، وحسبي أن أقول لك: ليس من مراتب أهل الإيمان القسم الأول، وأول مراتبهم القسم الثاني، وهذه الأقسام يتصل بعضها ببعض فى طريق الجهاد النفسي والتربية الروحية، فإذا كنت من أبناء القسم الثاني فأدم ذكر الله ومراقبته لترقى إلى القسم الثالث، فإن كنت من أهله فأدم ذلك لترقى فى مدارج القسم الرابع، وحينئذ تكون من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

"وخالق الناس بخلق حسن": قد علمت أن الجملة الأولى أمر بالتقوى، والثانية تبيان لأخصر الطرق لتنفيذ هذا الأمر، فاعلم إذن أن هذه الثالثة ذكر لثمرة من ثمار الائتمار به ومظهر من مظاهره؛ وذلك أن العبد إذا أخذ نفسه بتقوى الله تهذبت أخلاقه، وتطهرت طباعه، وزكت شمائله وسجاياه، وكان من مظاهر ذلك أن يخالق الناس بخلق حسن، فيلين لهم جانبه، ويخفض جناحه، ويعفو عمن ظلم، ويصل من قطع، ويحمل نفسه على معالى الأمور، ويحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، وتلك مرتبة من مراتب السمو النفسي لا ينالها إلا الأفضلون.

أفلست معى بعد هذا البيان الموجز للحديث الشريف فى أنه نمط عالٍ من التربية الروحية التى لا تنبع إلا من معين عرفان النبوة، وفى أنه ترتيب منطقي حكيم، فيه لطف، وفيه رقة، وفيه عمق، وفيه دقة، وفيه متسع لفهم الفاهمين وقول القائلين؛ فإن وجدت لسانًا قائلا فقل(15).

 

من هدى الرسول صلى الله عليه وسلم

المراء لا يأتى بخير

عن أبى الدرداء وأبى أمامه وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك -رضى الله عنهم- قالوا: خرج علينا رسول الله  صلى الله عليه وسلم يومًا ونحن نتمارى فى شىء من أمر الدين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا، فقال: "مهلا يا أمة محمد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء فإن المؤمن لا يمارى، ذروا المراء فإن الممارى قد تمت خسارته، ذروا المراء فكفى إثمًا ألا تزال مماريًا، ذروا المراء فإن الممارى لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات فى الجنة: فى رباضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربى بعد عبادة الأوثان المراء". 

فى الحديث نهى عن المراء.

والمراء: الجدل والاختلاف فى أمر من الأمور وبخاصة فى أمور الدين، وهناك فرق جوهري بين المراء والبحث؛ فالمراء: أن يحدد كل أحد من المتماريين رأيًا ثم ينصره بتعصب وشدة، والبحث أن يتعاون الاثنان على معرفة الحقيقة، ولا يتعصب واحد لرأى أبدًا، ويتمنى كل منهما أن يظهر الحق ولو على يد خصمه، وفى ذلك القول المأثور عن الشافعي  رضى الله عنه وفيه "ما ناظرت أحد إلا تمنيت أن يظهر الحق على يده"، وهذا المعنى نادر جدًّا فى النقاش بين الناس؛ إذ إن الجميع يريد كل منهم أن ينتصر لرأيه، وألا ينهزم بين يدى خصمه، وهذا هو المراء الممقوت.

مظاهر شدة النهى فى الحديث:

والنهى عن المراء فى هذا الحديث جاء لشدة متناهية، وقد تجلت هذه الشدة فى أمور عدة فى الحديث الشريف، منها:

1-     غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا لم يغضب مثله.

2-     أنه انتهر المتمارين وهم من خيرة أصحابه الكرام رضوان الله عليهم.

3-     أنه جعل الخطاب للأمة جميعًا فى صورة دعوة إلى التمهل، وعلق على هذا الخلق هلاك الأمم من قبل.

4-     أنه نهى عن المراء سبع مرات متكررة، وفى كل مرة يبين خطرًا من أخطار هذا الفعل، وفى بعضها يذكر الثواب الجزيل لمن انتهى عنه وتركه حتى فى حال الصدق، وهذا سدٌّ لذريعة من ذرائع الشيطان يثير بها الجدل بين الناس فيوسوس لكل منهم أنه على الحق، وأنه إنما ينتصر للحق، وأنه إن سكت فقد أضاع الحق وهزم أهله، وهكذا فسد رسول الله  صلى الله عليه وسلم هذه الذريعة؛ لأن ما ينجم من أضرار المراء يربى ويزيد على ما ينتظر من فائدة الانتصار، وفى الغالب يكون الإنسان مخدوعًا، وبالتجربة وجدنا أن الحق لا ينتصر ولا يظهر بالمراء أبدًا؛ ففي المراء التعصب، والتعصب عدو للحق أينما كان.

5-     وفى بعض مرات النهى يبين صلى الله عليه وسلم أن المراء أول المناهي بعد عبادة الأوثان، وما ذلك إلا لشدة خطره ووبيل أثره.

هذا الحديث يؤكَّد بأحاديث كثيرة وردت فى هذا المعنى، نسوق بعضها ليعلم الإخوان أن المصيبة بالجدل كبيرة، وإنه محال أن يؤدى إلى خير أبدًا:

1-     عن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه قال: كنا جلوسًا عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتذاكر، ينزع هذا بآية وينزع هذا بآية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يفقأ فى وجهه حب الرمان، فقال: "يا هؤلاء بهذا بعثتم؟ أم بهذا أمرتم؟ لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".

2-     وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ }مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلا [الزخرف: 58].

3-     وعن ابن عباس -رضى الله عنهما- عن النبى صلى الله عليه وسلم أن عيسى -عليه السلام- قال: "إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعْه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبْه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالم".

إذا عرفت هذا، وعرفت عظيم المصيبة بالجدل والمتجادلين؛ فسأضرب لك هذا المثل الذي تعرض له حجة الإسلام الغزالي رضى الله عنه لتعلم قلة الفائدة فى الجدل واليأس من الوصول إلى الحق عن طريقه، قال: "الناس أربعة: ذكي متعصب فلا تجادله؛ لأنه يستخدم ذكاءه فى تضليلك عن الحق إرضاء لتعصبه، وبليد متعصب فلا تجادله من باب الأولى؛ لأنه لا يفهم ولا يتحول، وبليد غير متعصب فلا تجادله كذلك؛ لأن بلادته تحول دون فهمه فيضيع تعبك معه بغير فائدة، وذكى غير متعصب فتكلم معه؛ لأنه هو الذي يستفيد".

فبربك يا أخي كم من الناس يتوفر فيه هذا الشرط؟ فخير للإنسان أن يريح نفسه.

أضرار الجدل والمراء:

أما الأضرار التى تنجم عن الجدل والمراء فكثيرة، أظهرها: وقوع التباغض والتهاتر بين المتجادلين، فيتبدل حبهم بغضًا وصلتهم قطيعة، وقد وجدنا ذلك بالتجربة، وليس هناك لغم ينسف الجماعات ويدك الهيئات أقوى من هذا اللغم؛ لغم المناقشات والمجادلات، وليس هناك وقت أشأم ولا أضيع من الوقت الذي يعرفه أعضاء الجماعة فى الجدل والخصومة والمراء وأخذ الآراء.

لهذا نلفت نظر الإخوان المسلمين خاصة، والقراء الكرام عامة إلى أن يأخذوا بهذا الهدى النبوي الكريم، ويكونوا فى مجتمعاتهم واجتماعاتهم مثال الهدوء والتسليم؛ فإن اقتنع بعضهم ببعض فبها، وإلا رجعوا إلى من هو أوسع منهم علمًا وأكثر تجربة، ورجعوا إلى قوله، وفى ذلك منجاة لهم وتأكيد لرابطتهم وإبقاء على المحبة بينهم(16).

 

المراء لا يأتى بخير

عن أبى الدرداء وأبى أمامه وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك رضى الله عنهم قالوا: خرج علينا رسول الله  صلى الله عليه وسلم يومًا ونحن نتمارى فى شىء من أمر الدين فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله ثم انتهرنا فقال: "مهلا يا أمة محمد إنما هلك من كان قبلكم بهذا؛ ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء فإن المؤمن لا يمارى، ذروا المراء فإن الممارى قد تمت خسارته، ذروا المراء فكفى إثما ألا تزال مماريًا، ذروا المراء فإن الممارى لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات فى الجنة: فى رياضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربى بعد عبادة الأوثان المراء".

ليت شعري هل سمع المسلمون هذا الكلام النبوي من قبل ثم تغلبت عليهم شهوة الجدل والمراء فماروا، أم أنهم لم يسمعوه فهم بعد سماعه سينتهون؟

ما رأيت فيما أعلم فى دين الله نهيًا أشد من هذا النهى، غضب غضبًا لم يغضب مثله، نهرهم وزجرهم، أمر بالتمهل فى حزم وردع، نهى عن المراء سبع مرات، فى كل مرة يبين آفة من آفاته؛ فالمراء لا خير فيه، والمراء ليس من أخلاق المؤمنين، والمراء خسارة تامة كاملة لا نقص فيها، والمراء إثم عظيم يكفى لهلاك صاحبه، والمراء سبب الحرمان من شفاعة الشافع  صلى الله عليه وسلم، ومن ترك المراء وهو صادق يفوز بثلاثة أبيات فى الجنة: فى خارجها وفى وسطها وفى أعلاها، والمراء أول معصية نهينا عنها بعد عبادة الأوثان؛ لأن عبادة الأوثان تمنع من الدخول فى الدين جملة، والمراء يهدم الدين فى نفس صاحبه جملة؛ فهل سمع الناس بأشد من هذا النهى.

وقد قطع النبى صلى الله عليه وسلم عذر المتعذرين، وسد ذريعة الشيطان، فنهى عن المراء حتى ولو كان الحق معك؛ لأن ما ينتج عن المراء من الشر محقق فظيع، وما ينتج عنه من الخير ضئيل مشكوك فيه، وسد الذرائع أولى.

إن سر قوة المسلمين فى دينهم ودنياهم الوحدة والإخاء والحب فى الله، ولا يمزق ذلك كله ويقضى عليه أعظم من الجدل والمراء فى أمور الدين، ومن هنا تذرع الشيطان لإهلاك هذه الأمة بالجدل والمراء.

قامت خصومات بين بعض السابقين من المسلمين، وتشدد كل فريق لرأيه، وكان له ما يبرر هذا التشدد من فشو البدع والخروج عن تعاليم الإسلام وعقائده واستفاضة ذلك بين الناس؛ فكانت كلمات شديدة وأقوال شديدة من الفريقين، وليس لهذه الخصومة مبرر بيننا الآن؛ فواجبنا أن نكون إيجابيين، وأن نلتف حول كتاب الله وسنة رسوله، ولا نتخذ من هذه الأقوال ذريعة للفرقة والخلاف والجدل والمراء، وبذلك تتوحد الكلمة، وتتوفر القوة، ويعود الناس إلى حقيقة دينهم السمح الحنيف. هذه دعوتنا.. فهل من مستجيب؟(17).

 

الصراط المستقيم

عن عبد الله بن مسعود الهذلي رضى الله عنه سأله رجل: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد فى أدناه، وطرفه فى الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثَمَّ رجال يدعون من مر بهم؛ فمن أخذ فى تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: }وَأَنَّ هَذَا صراطي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: 153].

الجواد: جمع جادة وهي الطريق.                 وثم رجال: وهناك رجال.

هذا الأثر أخرجه رزين عن ابن مسعود موقوفًا، ولم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك حديث آخر من رواته الترمذي عن النواس بن سمعان رضى الله عنه فى هذا المعنى تمامًا روى مرفوعًا إلى النبى صلى الله عليه وسلم.

أيها الأخ المسلم، ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على الصراط المستقيم، أوله ما كان عليه هو وأصحابه، ونهايته الجنة التى عرضها السماوات والأرض؛ ذلك هو صراط الله الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض، الصراط المستقيم والطريق اللاحب المعبد القويم، لا يتكاثر، ولا يتعدد، ولا يلتوى، ولا يعوج.

وثم طرق أخرى على جانبي هذا الصراط معوجة ملتوية، على كل طريق منها داعية يدعو إليه.

فهناك طريق التقليد لمن سبقنا من الأمم أو من عارضنا من أهل الكفر والزيغ الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ طريق الدعوة السافرة أو المنتقبة إلى تقليد أوربا فى كل شىء، وطرح تعاليم الإسلام، وهي دعوة تسلخ المسلمين من دينهم سلخًا كما هو مشاهد، وهناك طريق الشعوبية القومية العوجاء؛ وهي دعوة تمزق المسلمين، وتفرق وحدتهم، وتجعل بعضهم يضرب وجوه بعض، وتسهل على أهل العدوان من الغاصبين الاستيلاء على أرضهم والتحكم فى شئونهم كما هو مشاهد.

وهناك طريق التفريق بين السياسة والدين؛ فنحن فى حكم الإسلام إخوان متحابون وفى حكم المذاهب السياسية أعداء متخاصمون، وهي دعوة تجعل المسلمين يعملون ببعض الكتاب ويهملون البعض الآخر.

وهناك طرق كثيرة تنتاش المسلمين عن تعاليم دينهم، وتقترف بهم فى طرق الشيطان، وتبتعد بهم عن صراط الله المستقيم.

وطريق الله واضحة لا لبس فيها ولا عوج؛ هى ما كان عليه الرسول وأصحابه؛ فعضوا عليها بالنواجذ أيها الإخوان، وإياكم بنيات الطريق ومسالك الشيطان ودعوات الغرور(18).

 

مسئولية الراعي

عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع فى أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة فى بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم فى مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته"، قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسبه قال: "والرجل فى مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته".

كل من كلف عملا فهو مطالب فى الإسلام بأن يتقنه ويحسنه، ومسئول عن ذلك بين يدي الله -تبارك وتعالى-، وكلما كان العمل عظيمًا كلما كانت التبعة عظيمة كذلك.

فالإمام وهو الحاكم الرئيس أو رئيس العمل والمشرف عليه مكلف برعايته حق الرعاية، ومسئول عن ذلك بين يدى الله تعالى؛ فإن أحسن القيام عليه وأدى للرعاية حقها كان فى ظل الله، وأُجرَ عظيم الأجر، وإن قصر أوخذ بذلك أشد المؤاخذة، هو مكلف أن يريح مرؤوسيه، ويعدل بينهم من جهة، ومكلف أن يلزمهم الإحسان والإجادة، ويشجع المحسن، ويؤاخذ المسيء حتى يقوم كل بواجبه، وهو مسئول عن ذلك كله، وإنك لتقرأ فى سيرة الخلفاء كعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما رضوان الله عليهم أجمعين الشعور الكامل بهذه التبعات شعورًا يُسيل الدموع، ويقض المضاجع، ويأخذ بالألباب والأفكار، ويحمل على الإحاطة بالجليل والصغير، ومحاسبة النفس أشد المحاسبة، لا كما ترى من التهاون والقصور وحب النفس وخدمتها على حساب الجماهير فى هذا العصر.

والرجل راع فى بيته يؤدى له حقه من النفقة والرعاية، يلاحظ صحة من فى بيته، ويدفع عنهم غائلة الضعف والمرض، ويربيهم، ويثقفهم، ويحول بينهم وبين أقران السوء وفتن الشيطان، ويعلمهم وينصح لهم الله }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6].

والمرأة راعية فى بيت زوجها، تقوم على تنظيمه وإعداده حتى يكون راحة للنفس وطمأنينة للبال، ومصدر فرح وسرور لزوجها وأولادها؛ فلا يفرون إلى المقاهي والمجالس الخليعة، ولا يشعرون بثقل الوطأة فى سجن البيوت القذرة التى لا أثر فيها للعاطفة ولا للنظام، والمرأة مسئولة عن ذلك كله بين يدي الله.

والخادم أو الولد أو العامل كل أولئك راعون فى أموال من ائتمنهم على ماله، وعليهم أن يقوموا بحق هذه الرعاية، فيخلصوا فى العمل، ويلتمسوا وجوه الربح، ويبتعدوا عن مواطن الخسارة، ويكفوا أيديهم حتى لا تمتد إلى مال غيرهم، ويتحملوا بعض التعب فى سبيل النجاح؛ فلا يؤثرون الدعة والراحة على حق العمل الواجب، وبذلك يكون كل إنسان قد أحسن فى أداء مهمته. وقد كتب الله على المسلم الإحسان فى كل شىء؛ فهل ينزل الناس على حكم هذه النصائح النبوية الكريمة؟(19).

 

ضمان الجنة

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اضمنوا لى ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم".

لا تكون العقيدة صحيحة سليمة حتى تظهر آثارها فى أخلاق النفس وفى أعمال الجوارح، وإلا كان الأمر لا يعدو الألفاظ الجوفاء التى لا قيمة لها، والمؤمن رجل وثق برجولته، وآمن بربه، وترقب الجزاء الحسن من مولاه، وهذا هو ثمن الجنة قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ست خصال من تخلق بها وبدت فى أعماله آثارها كان ذلك دليلا على صدق إيمانه وصحة عقيدته وكمال رجولته، واستحق بذلك الجنة.

أن يكون صادقًا فلا يكذب بالقول ولا بالإشارة ولا بالخداع مهما كانت الأسباب التى تحمله على ذلك، والله -تبارك وتعالى- يقول: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119]، وقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم: "أيكون المؤمن كذابًا؟ فقال: لا، وتلا قوله تعالى }إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل: 105].

وأن يكون وفيًا، إذا قال "نعم" عمل، وإذا قطع عهدًا أنفذه؛ فإنما تكمل الرجولة بهذا }مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: 23]، وقد قرأنا فى قصص الجاهلية عمن وفى بكلمته، فعاد إلى القتل بعد أن أفلت منه حتى لا يرمى بالغدر.

وأدوا إذا اؤتمنتم؛ فأقل ما تجازى به الثقة الأمانة والوفاء، ولا يكون المؤمن خائنًا بحال }إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: 58]، وقد جاء فى الحديث "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، ولا إيمان لمن لا أمانة له. ومن الخيانة أن ينقص الكيل والميزان، أو يأخذ من النسيج بغير إذن صاحبه، أو يعطى غيره مما لا حق له فيه نظير فائدة تعود عليه، والحلال بيّن والحرام بيّن.

وحفظ الفرج وغض البصر من أخلاق المؤمنين؛ فهم مشغولون برقابة الله -تبارك وتعالى- عن العبث والاستغراق فى الشهوات، وقضاء الأوقات فيما لا يفيد ولا يجدي.

والمؤمن يكف يده عن أذى الخلق؛ فلا تمتد لأحد بسوء؛ فهو لا يظلم، ولا يقبل الظلم، والله -تبارك وتعالى- يقول: }وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: 58]؛ فمن ضمن من نفسه هذه الخصال الشريفة ضمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين(20).

 

من النصوص الأدبية لكلية الحقوق

أوردت مذكرة الأدب العربي للسنة الأولى بكلية الحقوق فى الشواهد الأدبية نصوصًا ذكرت أنها من كلام رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وقد اقترحت علينا شعبة طلبة المدارس العليا والجامعة أن نتناولها ببعض الشرح تسهيلا على حضرات الطلاب، وإفادة لحضرات القراء؛ فأجبنا إلى ذلك فى اختصار وإيجاز مراعاة للمقام، ورجاؤنا إلى حضرات المربين الكبار أساتذة الأدب بالكلية أن يعتمدوا فى نقل الأحاديث على كتبها المعتمدة الفنية؛ ففيها الكثير الطيب مع الطمأنينة إلى صحتها وحجيتها، وأما ما يذكر فى كتب الأدب من ذلك ففيه نظر كما سترى فى هذا البيان المختصر:

1-ذكر الأنصار فقال: "أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع".

ذكر هذا الحديث أهل السير فى مناقب الأنصار -رضوان الله عليهم- وقد أورده ابن الأثير فى النهاية وهو صحيح، والأنصار هم أولئك الغر الميامين الذين سكنوا المدينة وجاوروا فيها اليهود، وهم قبيلتان عظيمتان: الأوس والخزرج، وكانت الحرب بينهما دائمة إلى قبيل البعثة بقليل، والعداء مستحكمًا؛ حتى إن الوفد الذى قابل رسول الله  صلى الله عليه وسلم منهم بمكة كان قد جاء أول مرة يستعدى قريشًا على قومه من القبيلة الأخرى، وقد ألف الله بينهم برسوله، وجعلهم إخوانًا متحابين فى نصرة الحق، وأثنى عليهم القرآن الكريم فى سورة الحشر، فقال تعالى: }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

وقد امتاز الأنصار بأخلاق غرر ومناقب فاضلة، وسبقوا سبقًا بعيدًا، وظفروا بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم وانتسابه الشريف إليهم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "أنا منكم وأنتم منى، الدم الدم، والهدم الهدم"، ومنهم خؤولته صلى الله عليه وسلم بنو النجار، رضوان الله عليهم أجمعين.

وهذا الحديث يذكر خلقًا هو أشرف الخلال بحق اتصف به الأنصار، ذلك الخلق يتركب من جزئين: أولهما: العفة، وثانيهما: الشجاعة، وإذا اتصف الإنسان بالعفة والشجاعة فقد كملت إنسانيته؛ فهم أعفاء يدعون الغنائم لغيرهم، ولا يحرصون على حيازتها، ولا يبادرون إلى اقتسامها؛ فذلك المقصود بقوله  صلى الله عليه وسلم: "إنكم لتقلون عند الطمع"، تتفرقون عند توزيع المغانم المادية التى تطمع فيها النفوس العادية، وهم شجعان يبادرون إلى إغاثة الملهوف ومعاونة المستضعف، ويتزاحمون فى أداء هذه المكرمة حتى لا يبقى منهم متخلف وبذلك يكثرون.

واعلم يا أخي أن تلك من الخلال المنتشرة فى الأمة العربية الكريمة؛ فهذا شاعرهم يقول:

كنا إذا ما أتانا صارخ فزع

                كان النداء له قرع الظنابيب

وقد ألم عنترة بهذا المعنى الشريف العالي إلمامة فى بيتين من معلقته فذلك قوله:

هَلا سألت الخيل يا ابنة مالك

                إن كنت جاهلة بما لم تعلمي

يخبرك من شهد الوقيعة أننى

                أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم

وقد ذكروا أن عمر رضى الله عنه حين أراد أن ينتدب قائدًا ميمونًا لجيش هام من جيوشه أجال بصره فى أصحابه، فوقع اختياره على النعمان بن مقرن رضى الله عنه فانتدبه، فقال: يا أمير المؤمنين "غازيًا لا جابيًا"، فقال أمير المؤمنين: "غازيًا إن شاء الله"، وقلده العهد بقيادة الجيش.

أفلا ترى يا بنى كيف كانوا يقلون عند الطمع والمغانم الزائلة، ويكثرون عند الأهوال والمكارم، رضى الله عنهم.

2-"الناس كلهم سواء كأسنان المشط".

الحديث أخرجه الديلمي عن سهل بن سعد بلفظ "الناس كأسنان المشط"، زاد: "وإنما يتفاضلون بالعافية؛ فلا تصحبن أحدًا لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له"، وعن أنس رضى الله عنه: "الناس مستوون كأسنان المشط، ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله".

ومن ذلك تعلم أن اللفظ المذكور فى روايته تساهل، وقد نص العلماء على أن تخريج الديلمي وحده لا يكفي فى إثبات صحة الحديث؛ فهو محتاج إلى ما يعضده ويوضح درجته.

والحديث على كل حال قاعدة أصلية من قواعد الاجتماع، تقرر المساواة بين طبقات الأمة، يقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألف وثلاثمائة سنة، وتفخر بها أوربا يوم زعمت أنها تقرر حقوق الإنسان. وتظهر لك روعة التشبيه فى الموازنة بين تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم والتشبيه المتداول إذ ذاك عند العرب من التشبيه بأسنان الحمار، وله صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب كثير من الابتكارات اللغوية والتراكيب التى لم يسبق بها والتي تكشَّف عنها الذوق النبوي العالي. وقد كان صلى الله عليه وسلم يغير بعض أسماء أصحابه بل وبعض أسماء قبائلهم إيثارًا للاسم الفاضل والمعنى النبيل، وإرشادًا للأمة فى الاختيار، وطلب التسامي والكمال والفضل حتى فى الأسماء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

3-"المرء كثير بأخيه".

قاله النبى صلى الله عليه وسلم حين عُزى بجعفر بن أبى طالب وهو ابن عمه صلى الله عليه وسلم بعد أن استشهد فى غزوة مؤتة فى أنبل موقف وأروع حادثة، ورواه أبو نعيم فى دلائل النبوة وأخرجه الديلمي والقضاعي عن أنس مرفوعًا، ورواه ابن أبى الدنيا فى كتاب الإخوان عن سهل بن سعد مرفوعًا، ولم يقل أحد من المحدثين بروايته فى كتاب من الكتب الستة أو ما يلحق بها، ورواه العسكري وزاد فيه: "يكسوه ويحمله ويرفده".

والمقصود بالحديث: بيان منزلة الأخ من الأخ، وأنه عضده وساعده؛ يأنس بوجوده، ويصل بمعونته إلى مقصودة، ويعتز بوده له ويسعد بحبه إياه، وفى ذلك إرشاد إلى الاستكثار من الإخوان الذين صدقت مودتهم وخلصت سرائرهم، وكأنما ألم الشاعر بهذا المعنى إذ يقول:

عليك بإخوان الصفاء فإنهم

                عماد إذا استنجدتهم وظهور

وما بكثير إلفُ خِلٍّ وصاحب

                وإن عدوًّا واحدًا لكثير

4-"لا خير فى صحبة من لا يرى لنفسه".

هذا جزء من حديث، وصدر الحديث "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، ولا خير فى صحبة من لا يرى لك من الخير أو من الحق مثل الذي ترى له".

وفى هذا الحديث مقال، رواه أبو داود والترمذي، وحسنه البيهقي والقضاعي عن أبى هريرة يرفعه، وأورده ابن الجوزي فى الموضوعات، وانحاز الحافظ فى "اللآلئ" إلى جانب الترمذي، ورجح حسن الحديث، والرواية التى معنا هى رواية العسكري، ورواه ابن عدى فى الكامل بسند ضعيف، وأورده جماعة منهم، والبيهقي فى شعبه وأطال فى ذكر الآثار التى تشهد له، وروى الليث عن مجاهد أنهم كانوا يقولون: "لا خير لك فى صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له".

فهاأنت قد علمت ما قيل فى تخريج هذا الحديث، ولعلك لاحظت أن اللفظ المذكور بذاته لم يرد فى قول أحد من المخرجين، وإنما الوارد: "لا يرى لك مثل الذي ترى له"، والتفاوت بين العبارتين واضح.

أما المقصود بالحديث فهو البعد عن الإخوان الذين لم تخلص سرائرهم، والذين يؤثرون أنفسهم على أصدقائهم، فإن ذلك إنما يكون عن غش الضمير وضعف المودة وارتكاز الطمع والأنانية فى غريزة النفس، ومن كان كذلك لا تؤدى صحبته إلا إلى الخسارة، وإنما تقتضي الصداقة حب الخير للصديق وإيثاره بالفضل وتقديمه حتى على النفس، وأنت عليم بما كان من كعب بن أمامة الذي آثر صديقه بشربة الماء فخلَّدت ذكره على الدهر.

يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها

                والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وفى المعنى قول القائل:

إن أخاك الحق من كان معك

                ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدَّعك

                بدد فيك شمله ليجمعك

فجزى الله الأوفياء أفضل الجزاء.

5-"المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم".

أورد الديلمي عن ابن عمر بلا سند مرفوعًا "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا فى فرية"، وأورده ابن أبى شيبة بسند، وأخرجه الحاكم عن على وصححه بلفظ: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم"، ويروى عن عمر  رضى الله عنه من قوله هو، أخرج الدارقطني عن أبى المليح قال: كتب عمر  رضى الله عنه إلى أبى موسى: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك، وآس بين الناس فى مجلسك، والفهمَ الفهمَ فيما يختلج فى صدرك ما لم يبلغك فى الكتاب والسنة، واعرف الأشياء والأمثال... إلى أن قال: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا فى حد أو مجروحًا فى شهادة زور أو ظنيًا فى ولاء أو قرابة، إن الله تولى عنكم السرائر ودفع عنكم بالبينات".

أما اللفظ المذكور فلم أعثر عليه هكذا، وهو صحيح المعنى واضح المقاصد جرى عليه العمل فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده.

والمقصود التسوية فى الحقوق العامة على أى نوع كانت بين المسلمين جنائية أو مدنية أو أدبية، تتكافأ دماؤهم وتتساوى فى الحرمة، فيقتل الغنى بالفقير، والشريف بالوضيع؛ لأن الإسلام سوى بينهما، ويسعى بذمتهم أدناهم يقطع أحدهم العهد، فيلزم الجميع الوفاء به إيثارًا للوحدة وإظهارًا للرابطة، وقد أجارت السيدة زينب بنت رسول الله  صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص وهو مشرك، فأجاز النبى  صلى الله عليه وسلم أمانها، ولقد أجارت أم هانئ بنت أبى طالب فأنفذ صلى الله عليه وسلم جوارها، وحدثوا أن واحدًا فى الجيش أنفذ أمانًا للمحاصرين فى إحدى البلاد إبان الفتح الأول، ففتحوا أبوابهم، وخرجوا على هذا العهد فأجازه الأمير. ولقد كان الرسول يعطى المهلة للعدو، ثم يأتى بعده رسول آخر فيستمهلونه فلا ينقض قول سابقه وإنما يبنى عليه، كما كان من رسل عمرو بن العاص إلى المقوقس، ويرد عليهم أقصاهم، ويحترم رأى واحدهم، وإن كان فى أقصى نواحيهم. وانظر ما فى ذلك من تشريف الكرامة الإنسانية والإشادة بها والإعلاء من قدرها؛ حتى كأن كل واحد من الأمة هو الأمة بأسرها، وإن أمة هذا شأنها وتلك تعاليمها خليقة بأن تسود العالم كله، وجديرة بأن تكون يدًا على من سواها بأن تكون كتلة واحدة متماسكة لا تلين قناتها ولا تذل عزتها أبدًا.

6-"اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".

الحديث هكذا رواه أحمد والطبراني عن ابن عمر، وهو صحيح.

والمراد: أن المعطِى أفضل من الآخذ، وفى ذلك أمران: الحث على العطاء ورغبة فى حيازة الفضل، والتنفير من السؤال رغبة عن ذلته، ومنة المعطى فى عنق الآخذ، ولما كان شأن المسلمين التسابق إلى الفضل بالمبادرة إلى العطاء أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى أولى المواضع بالإعطاء؛ ذلك هم خاصة الرجل، ومن تلزمهم نفقته؛ فهؤلاء يعطيهم أولا، وله بذلك الفضل عند الله وعند الناس، ثم بعد ذلك يعطى غيرهم.

وهذا الحديث قاعدة من قواعد الاجتماع، ودواء لداء مُتفشٍّ فى الناس كثيرًا ما يرمى الجهلة الإسلام بتشجيعه، وذلك هو داء الاستجداء والسؤال؛ فهاأنت ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة، وبين موضعها وهي الخاصة، ومن تجب نفقتهم أولا، وحذر من السؤال وذلته، والأحاديث فى ذلك أكثر من أن تحصى. ولقد تربت نفوس المسلمين الأولين -رضوان الله عليهم- على هذا المبدأ النبيل؛ حتى كان منهم جماعة لا يسألون الناس أبدًا حتى المساعدة العادية؛ فكان إذا وقع سوط أحدهم نزل عن دابته وأخذه، ولا يطلب إلى أحد أن يناوله إياه هروبًا من مذلة السؤال، ومن تفضل المجيبين. فانظر إلى أى حد ارتضت نفوس السلف بتعاليم الدين وهجرناها نحن، ونستطيع أن نجد مئات الأحاديث فى الإرشاد إلى علو الهمة وعزة النفس والحث على الكسب بعرق الجبين وعمل اليد والاحتراف، والتنفير والتحذير والوعيد لمن يتخذ السؤال مهنة، يقول  صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتى يوم القيامة وليس فى وجهه مزعة لحم"، ويقول  صلى الله عليه وسلم: "من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورًا له"، وقد أرشد السائل بنفسه إلى الكسب، وصنع له القدوم بيده الشريفة، وأمره بالاحتطاب والكسب؛ فويل للإسلام ممن يجهلون أحكام الإسلام من أبنائه وأعدائه!!

7-"لا تجن يمينك على شمالك".

لم أعثر على الحديث بهذا اللفظ، والذي عثرت عليه "لا تجن نفس على أخرى"، رواه النسائي وابن ماجه عن أسامة بن شريك، وهو صحيح.

والمقصود من الحديث حث كل مسلم على أن يكون مصدر خير لنفسه وللناس، وأن يحذر أن يكون شرًا، ولا سيما إذا كان هذا الشر متعديًا إلى غيره، والجنايات قسمان: قسم أثره خاص بفاعله، وهذا يسهل العلاج منه من ناحية، ويسهل تلافى أثره من ناحية أخرى، وقسم يتعدى أثره فاعله إلى غيره من الناس، وهذا الداء العضال، فليحذر الذين يجنون على غيرهم من الأبرياء بالتغرير والإغواء أو بإنكار الحق وشهادة الزور أو بالفسق والمخادعة أو بتقرير المبادئ الباطلة والقواعد الخاطئة والآراء الضالة أو تشجيع البدع المنكرة وتزيين الخبائث المستقبحة. ولعل المعنى اللفظي لا ترتكب بيمينك من الجرائم ما يكون سببًا فى إيذاء شمالك وغيرها من جوارحك، بله غيرك من الناس؛ فانظر كيف أن هذا الحديث يقرر أصلا عظيمًا من أصول "تحديد المسئوليات" الفردية والاجتماعية.

ذكر الخيل فقال:

8-"بطونها كَنز وظهورها حِرْز".

9-"خير المال مهرة مأمورة وسِكَّة مأبورة".

10-"خير المال عين ساهرة لعين نائمة". 

الأول: شطر حديث لم أعثر عليه، والثاني: حديث رواه أحمد والطبراني عن سويد بن هبيرة وهو صحيح، والثالث: أورده ابن الأثير فى النهاية.

والمراد بالأول: أن الخيل تجارة رابحة لمن أحسن تربية نتاجها؛ فإنها تدر عليه من المال ما هو بمثابة الكنز، وهي منجاة لصاحبها يفر بها عند الهرب، ويدرك بها عند الطلب، وقد ألم بذلك المتنبي فى قوله:

أعز مكان فى الدنا سرج سابح

                وخير جليس فى الزمان كتاب

 

والمراد بالثاني: أفضل المال المهرة الكثيرة النتاج وهو المقصود بالمأمورة، ومنه تفسير الزمخشري: }وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء: 16] أى أكثرنا أهل الترف فيها، والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقحة التى تنتج الثمر فليست عقيمًا.

والعين الساهرة فى الثالث: عين الماء التى تجرى فتسقى الزرع وتروى الأرض وصاحبها نائم مستريح.

والمقصود بالأحاديث الثلاثة وبما سيأتي بعدها من الأحاديث فى الخيل والنخل إرشاد الأمة إلى الاهتمام بشئون الزراعة واستصلاح الأرض، وإعداد العدة من العناية بالحيوان للدين والجهاد، وللدنيا بالنتاج، أفلست ترى من ذلك عمرانية الإسلام واضحة جلية؟

11-"نعمت العمة لكم النخلة، تغرس فى أرض خوارة، وتشرب من عين خرارة". 

12-"المطْعماتُ فى المحْلِ الراسخاتُ فى الوحل".

13-"الحمى فى أصول النخل".

رويت هذه الآثار عن على عند أبى نعيم والرامهرمزى، وعند أبى يعلى عن ابن عباس، وفى الدارامي بألفاظ مختلفة، وصيغ فيها زيادة ونقص، وفى أسانيدها كلها ضعف وانقطاع.

وأما المعنى فالأرض الخوارة: السهلة اللينة المنخفضة، والعين الخرارة: دائمة الماء، والمراد: أن النخلة تصلح فى الأرض التى لا يصلح فيها كثير من النبات، وفى تركيبها ما يساعدها على دوام استقائها، والمحل الجدب؛ ففي الأثر الثاني إشارة إلى أنها قوت الناس حين تجدب الأرض، وإلى أنها من أثبت النبات أصولا. 

وفى الأثر الثالث إشارة إلى صلاحية أصول النخل للمأوى والسكن والاستظلال وما يدخل فى هذا الباب.

أما تشبيه النخلة بالعمة للناس ففيه كلام للمحدثين، مجمله أنها فى نموها ونباتها وبركتها تمُتُّ إلى الإنسان بصلة، ولعلماء النبات فى هذا المعنى كلام نفيس من حيث تركيب النخلة الخلوي وفصيلتها وحياتها؛ فراجعه إن شئت فى كتبهم.

ذكر الخيل فقال:

14-"أعرافها أدفاؤها وأذنابها مِذَابها".

15-"الخيل معقود فى نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة".

ورد الحديث الثاني من طرق كثيرة صحيحة بألفاظ كثيرة من رواية البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم.

أما الأول فجزء من أثر، وأوله: "لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها، فإن أذنابها مذابها، ومعارفها أدفاؤها، ونواصيها معقود فيها الخير، وقد رأيته فى كتاب مصارع الأشواق، ولم يذكر من أين أتى به بهذا اللفظ.

والأثران يبينان عناية الإسلام بالخيل، وحسبك من ذلك أنْ ذكرت فى القرآن كرمز للقوة والعزة، والآثار والأحاديث فى فضلها وفضل ارتباطها فى سبيل الله وفضل تعلم الفروسية كثيرة، وإنما يراد بذلك أن تقوى فى نفوس الأمة الأخلاق الفاضلة من العزة والاستعداد للجهاد، ونحو ذلك من الأغراض التى يقصد إليها الإسلام فى بناء الأمم.

16-"ليس منا من حلَقَ أو صَلَقَ أو شَقَّ".

رواه أبو داود والنسائي عن أبى موسى الأشعري بلفظ: "ليس منا من سلق ومن حلق ومن خرق" والمعنى متحد.

فالحلق: أن تحلق المرأة شعرها حدادًا على فقيد عزيز لديها.

والصلق أو السلق: أن ترفع صوتها بالتفجع عليه.

والشق والخرق: أن تتلف ثيابها حزنًا وجزعًا، وكل ذلك ممنوع شرعًا، وإنما يريد الإسلام أبناءه على الصبر عند المكاره واحتمال الشدائد.

 

17-"نهيتكم عن عقوق الأمهات وَوَأْد البنات ومَنْع وهَاتِ".

ذكره صاحب النهاية بلفظ أنه كان ينهى عن عقوق الأمهات، ومنع وهات.

وعقوق الأمهات: جحود حقهن وعدم القيام بما فرضه الله لهن على الأبناء من حب واحترام ورعاية ومعونة، وإنما نص على الأمهات لعظيم حقهن وشدة حاجتهن إلى ذلك من أبنائهن.

ووأد البنات: قتلهن على عادة بعض العرب لا كلهم كما يظن بعض الناس لما فى ذلك من القسوة وسوء الظن بالخالق وهدم نصف الأمة.

ومنع وهات: التقصير فيما وجب عليك وطلب ما ليس لك؛ فليس ذلك من خلق العدالة الذي هو أجمل ما تتحلى به النفس الإنسانية.

18-"الناس كإبل مائة لا تجد فيها إلا راحلة".

حديث صحيح، والمراد أن الناس على كثرتهم لا تتوفر فيهم شروط الرجولة الكاملة، كما أن مائة من الإبل قد لا تجد فيها مطية تتوفر فيها شروط الارتحال والوصول إلى المقصود عليها، وأنت خبير بمصباح ديوجين، وما أحكم شوقي فى قوله:

حَلَّ بالمشرقين خطب جليلٌ

                رجل مات والرجال قليل

وإنما تقاس الأمم بمقدار نمو خلق الرجولة فيها؛ فالحديث تقرير لحالة من سنن الاجتماع، واستنهاض للأمة الإسلامية أن تتربى على أخلاق الرجولة.

19-"ما أمْلَقَ تاجرٌ صدوق".

معنى الأثر صحيح، والإملاق: الفقر، وإنما يزداد ربح التاجر بزيادة الثقة به، وإنما تكون الثقة وليدة الصدق؛ فإذا صدق التاجر وثق الناس به، فأقبلوا عليه، فزاد ربحه، ونمت ثروته، وانتفى عنه الملق والفقر. وفى الحديث إرشاد إلى ملاك الخلق الفاضل فى التجارة وهو الصدق.

20-"ما قل وكفى خير مما كثر وألهى".

الحديث رواه أبو يعلى فى مسنده وهو صحيح، والمراد ألا يشغل الإنسان نفسه بناحية من نواحي الحياة تشغله عن النواحي الباقية، وإنما الواجبات مفرقة عدة، والحزم أن يقسم الإنسان وقته وجهده على كلها، وليأخذ من كل منها بطرف؛ فذلك خير له من أن يتكثر فى ناحية منها ويهمل النواحي الباقية.

21-"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

لم أجده فيما بين يدى من كتب الحديث، وفى الأثر دلالة على أن الإسلام محمى برجاله أبدًا، يتوارث علمه فى كل جيل خيرة أبنائه، ينفون عنه ويبعدون عنه تحريف الذين يتزيدون فى الأمور، وادعاء المبطلين الذين يزعمون ما ليس لهم بحق، وتفسير الجاهلين الذين يحملون القول على غير وجهه، ويستنبطون منه ما لا يدل عليه، وأولئك هم آفة الأحكام والمبادئ والتعاليم والعقائد، وانظر كيف استوعب الحديث صنوف المفسدين فى عبارة سهلة وتقسيم بديع؛ فإنما تفسد التعاليم بغال متشيع، أو دعي مبطل، أو جاهل محرف، وإذا عصم الله دعوة من هؤلاء؛ فقد كتب لها النجاح والسداد(21).

المصادر

  1. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الأولى – العدد 10 – صـ6 : 9 – 25ربيع الآخر 1352هـ / 17أغسطس 1933م.
  2. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 2 – صـ13، 14 – 26محرم 1353هـ / 11مايو 1934م.
  3. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 23 – صـ13 – 7جمادى الآخرة 1358هـ / 25يوليو 1939م.
  4. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 9 – صـ9 : 11 – 23ربيع الأول 1353هـ / 6يوليو 1934م.
  5. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 13 – صـ9 : 11 – 21ربيع الآخر 1353هـ / 3أغسطس 1934م.
  6. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 16 – صـ 10 : 12 – 13جمادى الأولى 1353هـ / 24أغسطس 1934م.
  7. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 21 – صـ11 : 13 – 18جمادى الآخرة 1353هـ / 28سبتمبر 1934م.
  8. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 22 – صـ10، 11 – 25جمادى الآخرة 1353هـ / 5أكتوبر 1934م.
  9. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 18 – صـ15 – 1جمادى الأولى 1358هـ / 20يونيو 1939م.
  10. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 25 – صـ11 : 12 – 16رجب 1353هـ / 25أكتوبر 1934م.
  11. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 27 – صـ9، 10 – 30رجب 1353هـ / 8نوفمبر 1934م.
  12. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 36 – صـ7، 8 – 10ذو القعدة 1353هـ / 14فبراير 1935م.
  13. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 38 – صـ16، 17 – 24ذو القعدة 1353هـ / 28فبراير 1935م.
  14. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثالثة – العدد 1 – صـ12 : 14 – 13محرم 1354هـ / 16أبريل 1935م.
  15. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثالثة – العدد 5 – صـ9 : 11 – 11صفر 1354هـ / 14مايو 1935م.
  16. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثالثة – العدد 6 – صـ9 : 12 – 18صفر 1354هـ / 21مايو 1935م.
  17. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الرابعة – العدد 6 – صـ7، 8 – 28صفر 1355هـ / 19مايو 1936م.
  18. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 20 – صـ13 – 15جمادى الأولى 1358هـ / 4يوليو 1939م.
  19. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 19 – صـ13 – 8جمادى الأولى 1358هـ / 27يونيو 1939م.
  20. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 21 – صـ13 – 22جمادى الأولى 1358هـ / 11يوليو 1939م.
  21. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 22 – صـ13 – 29جمادى الأولى 1358هـ / 18يوليو 1939م.
المقال التالي مفهوم عقيدة الألوهية في كتابات الإمام حسن البنا
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم