خواطر الإمام البنا من سورة التوبة

إعداد موقع الإمام حسن البنا

لم يثبت أن ترك الإمام حسن البنا تفسيرا كاملا للقرآن الكريم، لكنها كانت تفاسير لبعض سور القرآن، أو بعض الآيات كان يتخيرها وفق مناسبة معينة ثم يحاول من خلال تفسيره لتلك الآيات إسقاطها على الواقع، حيث لم تقتصر على فترة معينة من الزمان، لكنه بدأها منذ نشأة مجلة الإخوان المسلمين عام 1933م حتى حلت الجماعة عام 1948م.

كان الإمام البنا يعمد إلى بعض آيات من كتاب الله فيعرض فيه خواطره ومشاعره، وما استوحاه من تدبر الآيات والعيش فى ظلالها بهدف تبيان وجه الحق فى واقعة معينة أو إرشاد الأفراد وتربيتهم على معنى من المعاني السامية.

سورة التوبة

الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مررنا بسورة التوبة فى تراويح رمضان، ولتراويح رمضان فيض، وللقرآن فيها ضوء وإشراق، وسورة التوبة سورة نفذت إلى أعماق النفوس البشرية؛ فكشفت عن خباياها، وصورت المجتمعات الإنسانية؛ فأوضحت وقائعها وخفاياها. وأشد الناس شعورًا بهذه المعاني وتأثرًا بها أهل الدعوات والعاملون لها والمنتسبون إليها، أولئك الذين يحاولون تحويل النفوس وتبديل الأوضاع وصلاح المجتمعات.

وما أشبه الليلة بالبارحة! وإنه لحق قول من قال: "إن الإنسانية التى خطت خطوات واسعة فى طريق الرقى العلمي والفكري والمادي لم تزل تحبو فى طريق التقدم النفسي والصلاح الاجتماعي".

ولقد كان يخيل إلى وأنا أتلو آيات الكتاب الكريم من هذه السورة وأتمثل معانيها وما تصوره من دقائق النفوس والجماعات أنها ما زالت تتحدث عن العصر الذي نعيش فيه، وتعالج الداء الذي نعانيه، وتصف الدواء الذي نبغيه. ولهذا اعتزمت منذ تلك اللحظة مستعينًا بالله تبارك وتعالى على أن أتدارسها من جديد مع القراء الكرام على صفحات مجلة الإخوان المسلمين.

سورة التوبة:

هي التوبة، وهي براءة، وهي المقشقشة، قال ابن عمر: "لأنها تقشقش من النفاق"؛ أى تبرأ منه، وهي المبعثرة؛ لأنها تبعثر أخبار المنافقين، وتبحث عنها وتثيرها، والفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، عن سعيد بن جبير قال: "قلنا لابن عباس: سورة التوبة.. فقال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول: ومنهم حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا وذكر فيها". وهي سورة العذاب؛ لأنها تتوعدهم به، وهي المخزية؛ لأن فيها خزيهم، وهي المدمدمة؛ لأنها تدمدم عليهم بالهلاك، وهي المشردة؛ لأنها شردت جموع المنافقين؛ لما كشفت من دسائسهم ومؤامراتهم، وهي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازيهم، وكشفت عن أحوالهم، وهتكت أستارهم.

 فهذه عشرة أسماء لهذه السورة، ولها بعد ذلك أسماء أخر، وكلها تشير إلى ما تضمنته من تصوير النفوس والمجتمعات.

ترك البسملة فى أولها:

قال محمد بن الحنفية: "قلت لأبى -يعنى على بن أبى طالب كرم الله وجهه-: لِمَ لَمْ تكتبوا فى براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: يا بنى، إن براءة نزلت بالسيف، وإن بسم الله الرحمن الرحيم أمان". وسُئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت فى المنافقين. وسُئل أبى بن كعب عن هذا، فقال: إنها نزلت فى آخر القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر فى كل سورة بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يأمر فى براءة بذلك، فضمت إلى الأنفال لشبهها بها.

 وعن ابن عباس قال: "قلنا لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة فهي من المئين، فقارنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما فى السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شىء دعا بعض من كان يكتب، فقال: ضعوا هؤلاء الآيات فى السور التى يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية يقول: ضعوا هذه الآية فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وظنت أنها منها، وقبض رسول الله  صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها أو من غيرها، من أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها فى السبع الطوال" [أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن).

أية دقة كان يتحراها سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- فى كل ما يتصل بكتاب الله.

جزى الله بالخيرات عنا أئمة              لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلا

مكان نزولها:

والسورة مدنية بالاتفاق، قيل: إلا قوله تعالى: ] مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ[ [التوبة: 113] لما روى فى الحديث المتفق عليه لنزولها فى النهى عن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبى طالب.

وقد يجاب عن هذا بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك كما زعم ابن الفرنسي وابن الجوزي أن الآيتين الأخيرتين منها ]لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ[ [التوبة: 128] مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ فى تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة.

سبب النزول:

سورة التوبة آخر سورة نزلت كاملة من كتاب الله، وقد نزلت بعد عودته صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم؛ فكان طبيعيا أن تنزل سورة تحدد صلة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته بالذين لم يؤمنوا بها من المشركين، وتكشف عن خفايا المندسِّين بين صفوف هؤلاء المؤمنين من المنافقين العابثين، والإسلام شريعة واضحة صريحة تواجه الواقع وتطوعه، ولا تخادع ولا تخاتل. وقد خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، وقاسى العناء الشديد من غدرهم ونقضهم مواثيقهم بعد الحديبية تارة، وبعد الفتح وتبوك تارة أخرى، كما صبر صلى الله عليه وسلم على مؤامرات المنافقين ومداوراتهم صبرًا طويلا جميلا؛ حتى أصبح استمرار هذا الصبر ضارًا بالدعوة وبالمجتمع الإسلامي الجديد؛ فلم يبق بعد ذلك إلا أن يفاصل هؤلاء وأولئك، وكانت سورة التوبة سورة المفاصلة، وكان إعلانها على رءوس الأشهاد يوم الحج الأكبر سنة تسع من الهجرة.

بعث بها رسول الله  صلى الله عليه وسلم أولا أبا بكر  رضى الله عنه وقد أمَّرَه على الموسم، ثم أردفه بعلى وأمَره أن يكون هو مبلغ الرسالة، وقد أراد قوم أن يستدلوا بذلك على تفضيل على -كرم الله وجهه- على أبى بكر  رضى الله عنه، ولا دليل فى ذلك على شىء من هذا؛ فإنما جرى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سنة العرب وتقليدهم؛ إذ كان من عادتهم أن يعلن العهد أو ينقض الموثق زعيم القوم أو أمسُّ الناس به رحِمًا، ولا شك أن عليًا -كرم الله وجهه- أمسُّ رحمًا برسول الله صلى الله عليه وسلم من الصديق  رضى الله عنه، ولا يقتضى ذلك التفضيل المطلق، والمزية لا تقتضى الأفضلية كما يقولون، ومن الخير للناس ألا يخوضوا فى هذه الأحاديث؛ فقد أفضى كلٌ إلى ما قدم، والفضل بيد الله يرفع درجاتٍ من يشاء.

وقد أدى على -كرم الله وجهه- رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن من أبى بكر رضى الله عنه، قام أبو بكر رضى الله عنه فخطب الناس، وحدثهم عن مناسكهم، ثم التفت إلى على فقال: "يا على قم فأدِّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال على: فقمت فقرأت أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى رميت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبى بكر رضى الله عنه. وقال يزيد بن تبيعه: "سألنا عليًّا: بأي شىء بعثت فى الحجة؟ قال: بعثت بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا فى حج"(1).

 

سورة التوبة الآيات من 1 : 4

]بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِى الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِىءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[ [التوبة: 1-4].

بعد أن أيَّد الله نبيه، وأظهر شريعته، وأعلى كلمته، وفُتحت مكة، وبدئ فى غزو الروم.. كان لا بد أن يستتب الأمن، ويستقر الأمر فى الجزيرة العربية لهذا الدين القيم وتلك الدعوة الجديدة؛ حتى يسير الراكب من أقصاها إلى أقصاها لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان الذين لم يدخلوا فى هذا الدين من المشركين والمنافقين بالنسبة لصلتهم به ثلاثة أقسام:

قسم كانت بينه وبين رسول الله  صلى الله عليه وسلم عهود ومواثيق فلم يحفظوها، وانتهزوا فرصة اشتغاله -عليه الصلاة والسلام- بالغزوات الكبرى كتبوك، ونقضوا عهدهم، وأخذوا يشيعون قالة السوء، ويذيعون الأراجيف بالباطل، وكان أمد هذه العهود ممتدًا إلى أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها؛ فكان من الطبيعي أن يأمر الله نبيه بنقض عهودهم ومواثيقهم، وأن ينبذ إليهم بالخصومة والعداء والحرب، وأن يمنحهم هذه الفرصة إذا كانت عهودهم تنتهى قبل أربعة أشهر تفضلا منه وكرمًا. قال البغوي: "لما خرج النبي  صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودًا كانت بينهم وبين رسول الله  صلى الله عليه وسلم؛ فأمر الله -عز وجل- بنقض عهودهم.

 وقسم كان بينه وبينه صلى الله عليه وسلم عهود ومواثيق، فوفى بها، وحافظ عليها كبنى دمرة وبنى مدلج وبنى خزيمة بن عامر من بنى كنانة، وهؤلاء أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم.

والقسم الثالث: أولئك الذين لم يتصلوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمنوا بدعوته، ولم يربطهم به عهد ولا موثق، وهؤلاء أغلب ما يكونون مثار فتنة ومبعث إرجاف، ومن الخير كل الخير للدعوة الجديدة ألا يجتمع فى جزيرة العرب دينان؛ ولهذا أذن الله ورسوله لهذا القسم بأن يحدد صلته بالدعوة، وأمامه هذه الفرصة المحتومة أربعة أشهر ليختاروا لأنفسهم ويحددوا موقفهم.

فذلك قول الله تعالى: ]بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ[ [التوبة: 1].

والبراءة والتبري: التقصي والبعد والمجانبة. واختلف المفسرون فى المقصود بالحج الأكبر؛ فقيل: "هو يوم عرفة"، وروى هذا القول عن ابن عمر وعثمان وابن عباس وطاووس ومجاهد، وهو مذهب أبى حنيفة، وبه قال الشافعي، واستدلوا بحديث مخزمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوم الحج الأكبر يوم عرفة". وقيل: "هو النحر"، واختاره الطبري، وروى عن على وابن عباس أيضًا وابن مسعود وابن أبى أوفى والمغيرة بن شعبة، لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر فى الحجة التى حج فيها، فقال: "أى يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر" (أخرجه أبو داود). وقال ابن أبى أوفى: يوم النحر يوم الحج الأكبر؛ يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشعر، ويلقى فيه التفث، وتحل فيه الحرم وهو مذهب مالك. وقيل: "الأكبر: أيام منى كلها"، وذهب إليه الثوري وابن جريج، وعن مجاهد: "أيام الحج كلها"، وقال ابن سيرين: "يوم الحج الأكبر: العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم".

وأشبه الأقوال بأسلوب القرآن الكريم أن يقال: إن هذا الوصف إنما أريد به تعظيم شأن الحج؛ فكلُّ حجٍّ أكبرُ، وهذه الأقوال كلها تفصيل لذلك.

وفى الآيات الكريمة دعوة ضمنية، وإغراء للمشركين بأن يتوبوا، وأن يدخلوا فى هذا الدين؛ فهو خير لهم، وتهديد بأنهم إن لم يفعلوا ذلك فلن يُعْجزوا الله -تبارك وتعالى- بل إنه قادر على أن ينتقم منهم فى الدنيا ويعذبهم العذاب الأليم فى الآخرة؛ فذلك قول الله تعالى: ]فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[ [التوبة: 3]، كما أن فى الآيات كذلك إشارة إلى فضل المحافظة على العهد والميثاق، وأن ذلك من شرائط الإيمان وعلامات التقوى ]فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[ [التوبة: 4](2).

 

سورة التوبة الآيات من 5 : 11

]فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلاَ ذِمَّةً يُّرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلا وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[ [التوبة: 5-11].

غاية المسلم من القتال:

انسلخ الشهر: انتهى وانقضى. والأشهر الحرم المقصودة هنا هي الأربعة التى منحت لهم، فى أغلب أقوال المفسرين وأوضحها تمشيًا مع السياق. وقيل: هي الأشهر الحرم المعروفة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. والأول أدق وألصق بالمقصود.

وقد أذن الله بهذه الآية للمؤمنين بقتال خصومهم بعد انتهاء مدة الهدنة، وأباح لهم بها ما تقتضيه الحرب من القتل أينما وجدوا من الأسر، ومن الحصار والتضييق، ومن المراقبة وتعرُّف أحوالهم وتبيُّن مَواطن الضعف والقوة منهم؛ حتى توضَع خطط قتالهم على ضوء هذه المراقبة.

ثم تعرضت الآية الكريمة بعد ذلك للغاية من هذا القتال، وأنها ليست غاية مادية من اتساع ملك، أو طلب سلطان، أو استعباد شعب، أو الحصول على الخامات والمواد الأولية، أو فتح الأسواق والميادين للتجارة، وتصريف المصنوعات… إلى غير ذلك من أغراض الحرب المادية والاقتصادية، ولكن الغاية تأمين الدعوة فى جزيرة العرب تأمينًا كاملا؛ بحيث لا يكون فيها إلا مسلم؛ حتى تقوم الدعوة على أمة موحدة العقيدة، وعلى دولة محددة الهدف. 

فإذا كان هؤلاء المشركون سيذعنون للدعوة، ويدخلون فيها، وآية دخولهم توبتهم بالندم على ما مضى من كفران، والمسارعة بالدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان، وإثبات ذلك عمليًّا بالشعيرة الروحية العبادية وهي الصلاة، وبالشعيرة الاجتماعية المالية وهي الزكاة فحينئذ تحققت الغاية المقصودة، ولا يصح أن يقاتَلوا أو يحارَبوا؛ ولهذا أمر الله المؤمنين بأن يخلوا سبيلهم، ولا يؤاخذوهم بما مضى من أعمالهم، والإسلام يَجبُّ ما قبله، إن الله غفور رحيم. ومن هنا يتضح سمو الغاية التى يقاتل من أجلها المسلم، وهي حماية الحق بالقوة.

وقد أطال كثير من المفسرين فى الاستدلال بالآية على كفر تارك الصلاة، واستطرد بعضهم إلى مدلول الإيمان، وهل يدخل فيه العمل أم هو مجرد الاعتقاد، ودخلوا فى تفاصيل وتفاريع تضيع وضوح القصد الأهم فى ثناياها؛ ولهذا لم نشأ أن ندخل معهم فيها، وحسبنا أن نعلم أن المسلم لن يكمل له معنى الإسلام، ولن يكون فى عداد المؤمنين الصادقين إلا إذا تطهر وجدانه بالتوبة والعقيدة الثابتة، وظهر ذلك فى أعماله التى أظهرُها الصلاة والزكاة، وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد.

حق الأمان:

ولكل مشرك أن يطلب الأمان ليتفقه فى الدين، وليسمع الدعوة من كتاب الله تبارك وتعالى، وعلى المؤمنين أن يتقبلوا هذا الطلب منه، وأن يجيروه ويسمعوه ولا يمسوه بأذى، ثم عليهم بعد ذلك أن يصلوا به إلى مأمنه مطمئنًا معافى، ثم تجرى عليه بعد ذلك أحكام غيره من الناس.

ومن وُجد فى أرض الإسلام من الحربيين أو التجار مثلا فقُبض عليه فاعتذر بأنه جاء ليطلب الأمان، أو بأنه لم يكن يعرف أن التجار يعامَلون معاملة المحاربين أمضى له هذا الأمان إلا أن يثبت عليه غير ذلك من تجسس أو مكيدة؛ حرصًا من المشرع الإسلامي على استبقاء النفوس، واستمالة الأفئدة إلى الدعوة التى هي المقصود الأول والأخير فى الحرب وفى السلم.

والأمان من حق الإمام أو نائبه بلا خلاف، وفى إعطاء هذا الحق لغيره تفصيل طويل؛ حتى ذهب بعض الأئمة إلى أن الأمان من حق كل مسلم حر، رجلا كان أو امرأة أو صبيًّا بلغ سن التمييز واحتمل تكاليف القتال؛ أخذًا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم". وللعبد المسلم أن يعطى الأمان، وأمانه نافذ عند قوم بلا شرط، وعند آخرين بشرط أن يجيزه سيده أو يوافق الإمام على هذا الأمان، وليس بعد ذلك تكريم لإنسانية الإنسان أو تقدير لوحدة الجماعة وحق الفرد فيها، كما أن لها فى دمه وماله إذا هددها شىء كل شىء، وذلك قول الله تعالى: ]وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ... [ [التوبة: 6].

لمن نوفى؟

لا وفاء إلا لمن وفى، وهؤلاء المشركون الذين ستأتي أوصافهم وقيمة العهود والمواثيق عندهم لا عهد لهم عند الله وعند رسوله إلا قبائل من بنى بكر، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المسجد الحرام عام الحديبية، ونقضت قريش وحلفاؤها عهدهم، ولكنهم ثبتوا فكافأهم الإسلام بأن حافظ كذلك على عهدهم، وأمر المؤمنين أن يستقيموا لهم ما داموا مستقيمين على عهدهم، إن الله يحب المتقين.

العهد عن المشركين:

العهد عند المشركين مصون محفوظ ما داموا فى ضعف وخوف، فإذا أحسوا بشيء من معاني القوة والظهور لم يرقبوا فى مؤمن عهدًا ولا ذمة ولا موثقًا (والإل: العهد واليمين والموثق). وخدعوا المؤمنين بالألفاظ المعسولة والأقوال الكاذبة، وتأبى ذلك قلوبهم المريضة وأنفسهم العليلة المملوءة بالغيظ والحنق على الإسلام والمسلمين، وأكثرهم مطبوع على الخروج عن طاعة الله ومخالفة أمره، وكما كان هذا الوصف فى المشركين فهو كذلك فى كثير من الكتابيين الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واشتروا بآياته ثمنًا قليلا، وتخلقوا بأخلاق أهل الشرك والجهالة؛ فصاروا هم الآخرون لا يرقبون فى مؤمن إلاًّ ولا ذمة، واعتدوا بذلك على حدود الله التى عرفوها، فلم يقفوا عندها.

هذا على أن الآية الأولى فى المشركين والثانية فى اليهود الكتابيين، وهو قول حسن، وإن كانتا الاثنتان فى المشركين؛ فالثانية توكيد للأولى، وهو مألوف فى الأسلوب العربي حين يراد المبالغة فى الكشف والبيان.

ومع هذه الصفات فى المشركين، أو فى المشركين والكتابيين؛ فإن مدار معاملتهم متوقف على صلتهم بهذه الدعوة، وليس ما يمنعهم من أن يدخلوها فيصونوا بذلك دماءهم وأرواحهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ويثبت لهم فيمن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة حق أخوة أهل الإيمان، وإنه لحق عظيم. وسنبين فى الكلمة الآتية ما يترتب على نقض هذه المواثيق من جزاء، إن شاء الله(3).

 

سورة التوبة الآيات من 12 : 16

]وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[ [التوبة: 12-16].

حرب جزاء:

للمشركين مع المسلمين حالان: حال المسالمة والمعاهدة والوفاء بالمواثيق، وواجب المسلمين حينئذ الوفاء كذلك ]فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[ [التوبة: 4] ]فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ[ [التوبة: 7].

وحال الغدر، ونكث الأيمان، أو الاعتداء، والطعن فى الدين، والوقوف فى وجه الدعوة؛ وجزاؤهم حينئذ القتال والحرب ]وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ[ [التوبة: 12]، ولا علاج إلا القتال؛ فإن الغدر يفقد الثقة، والاعتداء يثير الحفيظة، ولا علاج إذا فقدت الثقة، ولا شفاء إذا ثارت الحفيظة إلا بالقتال، وآخر الدواء الكي.

وتلك أحكام عامة تطبق فى كل زمان ومكان، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولقد طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش حين نقضت عهدها بعد الحديبية، واعتدى حلفاؤها من بنى بكر على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة، فناصرتهم، وآزرتهم، ولم تزجرهم، ولم تروعهم؛ مما دعا عمرو بن سالم الخزاعي أن يلجأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمده بهذه الأبيات المثيرة:

لاهُمَّ إِنِّي ناشد محمدا            حِلفَ أبينا وأبيه الأتلدا

كنت لنا أبًا وكنّا ولدا            ثُمتَ أَسْلَمنا ولم ننزعِ يدا

فانصُر هداك الله نَصرًا أبدا              وادعُ عبادَ الله يأْتوا مَدَدا

فيهم رسولُ الله قد تجرَّدا                فى فيلق كالبحر يجرى مزبدا

أبيض مثل الشمس يسمو صعدا          إن سيم خسفا وجهه تربَّدا

إنّ قريشًا أخلفوك الموعدا                وَنَقضوا مِيثَاقَكَ المؤَكَّدا

هم بيَّتونا بالهجير هجدا          وقَتَلونا رُكعًا وسُجَّدا

وزعموا أَن لستَ ترعى أحدا              وهم أَذَلُّ وأقلُّ عددا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نصرت إن لم أنصركم"، وتجهز سنة ثمان من الهجرة، وكان الفتح، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قتل من طعن فى الدين ونال منه -عليه الصلاة والسلام-، وأهدر دم المقتول؛ فقد روى عن الدارقطني أن رجلا أعمى كانت له جارية وكان له منها ولدان، فنالت من النبي صلى الله عليه وسلم، فما صبر عليها، وقتلها، وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا اشهدوا أن دمها هدر".

حكم الطعن فى الدين والنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أكثر العلماء على أن من طعن فى الدين أو نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسب أو شتم فجزاؤه القتل، وقد روى أن رجلا قال فى مجلس على -كرم الله وجهه-: "ما قُتل كعب بن الأشرف إلا غدرًا"، فأمر على بقتله. وقال آخر مثل ذلك فى مجلس لمعاوية، فقام محمد بن مسلمة، فقال: "أيقال هذا فى مجلسك وتسكت؟! والله لا أساكنك تحت سقف أبدًا، ولئن خلوت به لأقتلنه"، والذي إذا طعن فى الدين فحكمه كذلك، وانتقض عهده بهذا الطعن إلا عند أبى حنيفة والثوري؛ فإنهما قالا: يستتاب؛ فإن تاب وإلا عزر وأدب ولا يقتل؛ فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا، وما أتوا عليه من الشرك أعظم. وإذا أسلم هربًا من العقوبة أمضى له إسلامه عند الجمهور، ونجا من العقاب؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله.

عود إلى موقف المشركين من المؤمنين:

إن المشركين نكثوا أيمانهم ونقضوها، والنكث نقض الحبل وتفكيك خيوطه، وهموا بإخراج الرسول؛ فأهل مكة تآمروا عليه ليقتلوه أو يخرجوه أو يثبتوه، فأنجاه الله من ذلك كله، ويهود المدينة ائتمروا به  صلى الله عليه وسلم كذلك، وأرادوا أن يمدوا إليه أيديهم بالأذى؛ فكف أيديهم عنه، وردهم خائبين، وقال قائلهم: ]لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ[ [المنافقون: 8]، وكانوا الأذلين، وقضى عليهم وعلى أمثالهم بالبلاء والجلاء ]وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ[ [الحشر: 3].

وبدأ أهلُ مكة المسلمين بالقتال فى بدر وفى أحد وفى الخندق؛ فلقد خلصت لهم العير فى بدر وهم ما خرجوا إلا من أجلها، ولكن جهالة أبى جهل أبت عليهم إلا أن يتحدُّوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ويتحرشوا به، وينالوا منه ومن أصحابه ثأر ابن الحضرمي، وأوقدها المغرضون من قريش نارًا، ولم يستمعوا إلى قول حكيمهم وشيخهم عتبة بن أبى ربيعة الذي أراد أن يحمل عنهم عارها إن كان فيها عار، ويعصبوها برأسه إن أرادوا، فأبت إلا البطر والرياء والحرب؛ فكانوا البادئين، وكانوا لها وقودًا، والبادي أظلم.

ومن كانت هذه خلائقهم فلن يقيم معوجهم إلا الحرب

والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا          فالحرب أجدى على الدنيا من السلم

تحريض:

ولهذا كان تحريض الحق لعباده على قتال هؤلاء المتمردين تحريضًا نافذًا مثيرًا، يذيب القلوب الجامدة، ويدفع الهمم الخامدة ]أَتَخْشَوْنَهُمْ[ [التوبة: 13] أتخافون منهم وهم لا شىء، والله بيده كل شىء؟! وما دمتم مؤمنين بقدرة الله العلى الكبير وانفراده بالتصرف فى ملكوت السماوات والأرض؛ ففيم خشية الناس إذن؟ لا تخافوهم وخافوا الله وحده؛ فذلك مقتضى الإيمان، إن كنتم مؤمنين.

وإن الله ليعد المؤمنين إن هم فعلوا ذلك - وهم فاعلون - أن يعذب المشركين بأيدي المؤمنين؛ فتكون الغلبة لهؤلاء، والهلاك والنكال لأولئك، وتحل بهم الهزيمة والخزي، ويكون للمؤمنين الفوز والنصر عليهم، وبذلك تثلج صدورهم، وتهدأ نفوسهم، ويذهب غيظ قلوبهم، ومن بقي بعد ذلك منهم وآمن فباب التوبة مفتوح، ويتوب الله على من يشاء، والله عليم بالتوبة الصادقة النصوح، حكيم فى قبول هؤلاء التائبين المنيبين إليه؛ ليعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.

تكرير للتقرير:

وإن القارئ ليلمح فى هذه الآيات الكريمة الإسهاب والإطناب وتكرير المعاني والألفاظ، وقد يقال: إن الإطالة ليست من الإعجاز، والتكرار ليس من البلاغة. وهذا خطأ فى الحكم عظيم؛ فإن البلاغة مراعاة مقتضى الحال، والإعجاز نفاذ المعاني إلى النفس واستقرارها فيها بصورة لا يصل إليها أسلوب آخر.

والمقام هنا مقام تكوين وتأسيس وإنشاء للأمة الإسلامية الجديدة التى تأذّن الله لها أن تحمل إلى الإنسانية بأجمعها رسالته الشاملة الخالدة الباقية، وتكوين خير أمة أخرجت للناس، وذلك لا يتم إلا بتخليصها من كل عناصر الفتنة والضعف والشغب والفساد والتهدم مهما كانت التضحيات فى هذه الوسائل حتى تصير نقية قوية خالصة صالحة؛ فاقتضى المقام الإطناب فى صفات المشركين والمنافقين، والتطويل فى واجبات المؤمنين المجاهدين ]لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حي عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ[ [الأنفال: 42]؛ فهو تكرير للتقرير، والمكرر فى هذا المقام أحلى، وحكمة الله أجل وأعلى.

تصفية وتخليص:

ولهذا أهاب الحق - تبارك وتعالى - بالمؤمنين بعد هذا البيان الشافي بأن يستمسكوا بأمرين: الجهاد الحق فى سبيله، والنصرة الكاملة والبعد التام عن إيذاء الله ورسوله، وألا يتخذ مؤمن وليجة وصلة ومودة ورابطة بينه وبينهم أبدًا من دون الله ورسوله والمؤمنين، وهو - تبارك وتعالى - خبير بخلجات النفوس، عليم بخائنة الأعين وما تخفى الصدور، وبيّن أن تلك سنته الماضية فى امتحان أهل الإيمان فى كل عصر وزمان، وأنها تطبق عليهم كما طبقت على غيرهم، وأن يتركوا حتى يعلم الله صدق ذلك منهم، والله خبير بما يعملون.

القضاء والقدر:

ولقد أدار المفسرون جدلا عنيفًا ونقاشًا طويلا حول أفعال الله وأفعال العباد بمناسبة ما ورد فى الآيات الكريمة ]يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ[ [التوبة: 14]؛ ولهذا الجدل موضوع آخر وبحث خاص مستفيض يتجلى به وجه الحق فى هذا البحث، والآيات الكريمة إنما تشير إلى أن مرد كل شىء إلى الله -تبارك وتعالى- وذلك لا ينافي اختيار الإنسان، ولا ما وهب له الله من إرادة، وتصرفهما مناط الثواب والعقاب -ولا شك- والله أعلم(4).

 

سورة التوبة الآيات من 17 : 22

]مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[ [التوبة: 17-22].

إلغاء الامتيازات:

معلوم أن أمر الكعبة والمسجد الحرام انتقل من إسماعيل إلى ذريته من بعده حتى انتهى إلى قريش، ومنها إلى عبد المطلب وبنيه حتى ظهر الإسلام، وفى هذه الفترة أدخل العرب على أعمال الحج من مظاهر التوحيد التى قام من أجلها البيت الحرام أعمالا من الشرك وضروبًا من عبادة غير الله؛ حتى كان فوق الكعبة نفسها أكثر من ثلاثمائة صنم، وكانت تلبيتهم: "لبيك اللهم لبيك لبيك، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، وهي -كما ترى- تلبيةُ تأرجُح بين صفاء التوحيد وكدورة الإشراك بالله العلى الكبير.

واستمرت قريش تقوم على المسجد الحرام، وتمتاز بذلك على سائر العرب؛ حتى بعث الله نبيه بالإسلام، وكتب له الفوز والنصر، وآذن أولئك المشركين جميعًا بالخصومة إلا أن يؤمنوا والإسلام دين التوحيد والكعبة والمسجد الحرام رمز هذا التوحيد؛ فكان طبيعيًا أن يُحرَم المشركون امتيازاتهم السابقة، وأن يحظر عليهم حظرًا باتًا أن يعمروا مساجد الله التى لم تقم إلا لتوحيده وحسن عبادته، وكان طبيعيًا أن يكون هذا الحرمان أول ثمرة من ثمرات الخصومة والمقاطعة التى أعلنها عليهم الإسلام بعد انتهاء فترة الهدنة ]فَسِيحُوا فِى الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ[ [التوبة: 2].

وشهادتهم على أنفسهم بالكفر معلومة عملا بما يأتون من مظاهره كعبادة الأصنام، ودعائها، والحلف بها، والنذر لها، واعتقاد النفع والضر فيها، وقولا بنطقهم بألسنتهم؛ فأنت حين تسأل أحدهم: "ما دينك؟"، يجيبك غير الإسلام، وهي شهادة صريحة منه على نفسه بالكفر، وإن بعضهم ليسجل هذه الشهادة على أبنائه بتسميتهم بأسماء الأصنام؛ فيقال: عبد اللات، عبد العزى، عبد مناة… إلخ، وكل ذلك داخل فى نفس شهادتهم على أنفسهم بالكفر.

ومن كانت هذه حاله فقد حبط كل عمل له فى الدنيا ]مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ[ [إبراهيم: 18]، وجزاؤهم يوم القيامة الخلود فى النار التى وقودها الناس والحجارة.

انتقال هذه الخصائص للمؤمنين:

وبعزل المشركين عن هذه المهمة وإقصائهم عنها تسند إلى أحق الناس بها وأعرفهم بحقها من المؤمنين الصادقين الذين كملت فيهم شرائط الإيمان الظاهرية والباطنية والقولية والعملية؛ فالقولية من التصريح بكلمة الإيمان بالله واليوم الآخر، والعملية من إقامة الصلاة وهى العبادة البدنية، وإيتاء الزكاة وهى العبادة المالية، وخشية الله تبارك وتعالى دون سواه وهى العبادة الباطنية القلبية، وهى كذلك أغلى ثمرات الإيمان وأظهر الأدلة على استقراره فى النفوس واستيلائه على الجوارح والقلوب؛ فهؤلاء الذين توفرت فيهم هذه الصفات هم الذين اهتدوا بنور الله وتوفيقه إلى الصراط المستقيم، وهم أحق الناس بعمارة المساجد والقيام عليها.

من أحكام عمارة المساجد:

وعمارة المساجد صنفان: عمارتها ببنائها وتشييدها وترميمها وتدمغها إلخ، وهي العمارة الحسية. وعمارتها بالمواظبة على أداء العبادات فيها وقصدها للذكر والدعاء وإحياء شعائر الله، وكلا الصنفين من خصائص المؤمنين، لا ينهض به غيرهم، ولا يؤمّن عليه سواهم.

وهل إذا بنى غير المسلم مسجدًا أو تبرع بشيء من ماله فى بناء مسجد أو تعميره إلخ يرد عليه ذلك أخذًا من هذه الآية الكريمة؟ والجواب: لا يرد عليه ذلك، ويقبل منه ما يتطوع به ما دام قد خرج من ملكه لهذه الغاية، وما دامت ليس له من وراء ذلك غاية تضر بالمسلمين، وما دام غير محارب لدينهم أو دعوتهم. أما المحاربون أو ذوو الغايات والمقاصد السيئة؛ فلا يقبل منهم شىء أبدًا، فلو أرادت دولة أجنبية أو مؤسسة يهودية مثلا أن ترمم المسجد الأقصى أو توسعه أو تقوم بشيء من عمارته وجب على المسلمين جميعًا منعها من ذلك وعدم تمكينها منه بحال؛ لأنه ليس أكثر من ذريعة لمآرب سياسية لا يقرها الإسلام. 

وقد ورد فى عمارة المساجد بهذين المعنيين السابقين أحاديث كثيرة؛ فمما ورد فى المعنى الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عثمان، وقد لامه الناس لما وسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدد بناءه، قال: "إنكم أكثرتم على، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى لله مسجدًا يتقى به وجه الله بنى الله له بيتًا فى الجنة". وروى أحمد عن ابن عباس وغيرهما: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتًا فى الجنة". 

وفى الصحيحين أن امرأة كانت تقُمُّ المسجد وتنظفه، فماتت، فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: ماتت، فقال: "أفلا كنتم آذنتموني بها! ودلوني على قبرها"، فأتى قبرها فصلى عليها.

وقد ورد فى المعنى الثاني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: "صلاة الجميع – وفى رواية الجماعة – تزيد على صلاته فى بيته وصلاته فى سوقه خمسا وعشرين درجة؛ فإن أحدكم إذا توضأ وأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحطّ عنه خطيئة حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان فى صلاة ما كانت تحبسه، وتصلى عليه الملائكة ما دام فى مجلسه الذي يصلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يؤذ بحدث". وروى أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وغيرهم من حديث أبى سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان" ذلك ]إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ[ الآية.

الإيمان والجهاد أفضل عمل للإنسان:

روى مسلم وأبو داود وابن حبان أن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: "كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفر من أصحابه، فقال رجل منهم :ما أبالي ألا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد فى سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة، فاستفتاه، فأنزل الله ]أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[ [التوبة: 19] .

وروى عن ابن سيرين قال: قدم على مكة، فقال للعباس: أى عم ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أعمر المسجد وأحجب البيت. فأنزل الله الآية ]أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ[. وروى ابن أبى حاتم عن طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد؛ فقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقى الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله الآية الكريمة ]أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ[.

وروى ابن جرير عن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة من بنى عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية، والقائم عليها، ولو أشاء بت فى المسجد، فقال على رضى الله عنه: ما أدرى ما تقولون، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله الآية الكريمة ]أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ[.

وسقاية الحاج هي: مهمة نقل الماء للحجاج فى المواسم، وتوزيعه عليهم بلا مقابل. وكانت للعباس بن عبد المطلب رضى الله عنه قال الأزرقي فى "تاريخ مكة": السقاية حياض من أدم؛ أى جلد توضع بفناء الكعبة بعد أن تملأ من الآبار العذبة بظاهر مكة. وكانت على عهد قصي بن كلاب، ثم جعلها لابنه عبد مناف، وآلت إلى العباس رضى الله عنه. والمكان لا زال معروفًا الآن بمكة، ويسمى "سقاية العباس" فى جهة الجنوب من بئر زمزم.

والرفادة: ضيافة الحجيج وإطعامهم، وكانت مهمة هاشم بن عبد مناف أيضًا، وورثها بنوه من بعده، وفيها وفيه يقول القائل:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه            وبطون مكة مسنتون عجاف

 

والحجابة: سدانة البيت والقيام على مفتاحه وبابه، وكانت لبنى عبد الدار، ومنهم لبنى شيبة، وما زالت فيهم إلى اليوم، والشيخ عبد الله الشيبى صاحب المفتاح حاليًا هو من هذه السلالة، وفى المثل: "المفتاح لا يخرج من بنى شيبة".

والآيات الكريمة والأحاديث والآثار المروية فى أسباب نزولها تدل جميعًا على أمر واحد؛ هو أن هذه الأعمال مع جلالة قدرها، وعظيم أثرها، واتصالها بالبيت العتيق والمسجد الحرام- لا تساوى، ولا تصل إلى فضل الإيمان بالله والجهاد فى سبيله؛ فإن صدرت عن المشركين فلا قيمة لها بعد الإيمان، وإن قام بها المؤمنون فلا غناء لهم بها عن صدق الإيمان، وتدعيم هذا الصدق بالجهاد فى سبيل الله بالنفس والمال. ومن حكم بغير هذا فقد ظلم الحق، وظلم نفسه بهذا الظلم، والله لا يهدى القوم الظالمين.

وحتى يتأكد هذا المعنى ويتقرر صرح الحق تبارك وتعالى بأفضلية المجاهدين، فقال: ]الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ[ [التوبة: 20]، ثم أبان عن معنى هذا الفوز ومظاهره، فقال: ]يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ[ [التوبة: 21-22]. فهذا الفوز فوزان: فوز معنوي برحمة الله ورضوانه، وفوز حسي بالجنات ذات النعيم المقيم، والأول أعلى وأجل، والثاني فضل من الله لا يزهد فيه أحد. روى الشيخان عن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقك! فيقول: أنا أعطيتكم أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدا".

ومن ذلك تعلم أن أفضل عمل العبد الإيمان بالله والجهاد فى سبيله. والله أعلم(5).

 

سورة التوبة الآيات من 23 : 27

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِى اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[ [التوبة: 23-27].

التجرد:

كانت الآيات الأولى تحديدًا لصلة غير المسلمين بالمسلمين، وجاءت هذه الآيات تبيانًا لواجبات المسلمين فى مجتمعهم الجديد، أو القواعد الأساسية التى يجب أن يقام عليها هذا المجتمع، وأول هذه الواجبات "التجرد"؛ التجرد للفكرة التى آمنوا بها، والتضحية فى سبيلها بكل شىء، بولاية الآباء وهم أقرب الناس إلى القلب، والإخوة وهم السناد فى هذه الحياة. ومن هنا اشترط الله على المؤمنين أن يبرءوا من الآباء والإخوة إذا وقفوا فى طريق الدعوة، واستحبوا الكفر على الإيمان. فإذا لم يحقق أحد المسلمين هذا الشرط فقد ظلم نفسه بادعاء الإيمان، وظلم الحق فى هذه الدعوى غير الصادقة.

ومن لطف الله بعباده أن يشترط للتبري أن يستحب الآباء والإخوة الكفر على الإيمان؛ فلو وقفوا محايدين أو مكرهين لكان لأبنائهم وإخوتهم أن يوالوهم إن شاءوا؛ تقديرًا للرحم، وإبقاء على الصلات الاجتماعية بين الناس.

وهذا المعنى أوضح ما يكون فى الآية التالية؛ فقد جمع القرآن الكريم مباهج الحياة، ومجامع زينتها، وقوام شئونها من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والمتاجر والمساكن. وليس فى الدنيا إلا هذه الثمانية فى كفة واحدة، وضع قبالتها حب الله ورسوله والجهاد فى سبيله؛ فأيما مؤمن رجح عنده حب الله ورسوله على هذه المحبوبات؛ فهو قوى صادق الإيمان، قوى اليقين. وأيما رجل كانت هذه الثمانية مجتمعة أو كان بعضها أحب إلى نفسه وأقرب إلى قلبه من حب الله ورسوله، كان ناقص الإيمان ضعيف العقيدة، والله لا يهدى القوم الفاسقين.

ومن جميل لطف الله أنه لم ينفِ أصل الحب؛ فتلك غريزة فى البشر لا يمكن التخلي عنها، ولكنه إنما نفى تقديم حب هذه الأمور على حب الله ورسوله، ويظهر أثر ذلك فيما لو تعارض الحبان؛ فهذا كسب حرام يغضب الله ولكنه كثير، وهذا ربح ولكنه يرضى الله. فمن آثر الأول فقد فسق، ومن آثر الثاني فهو من المؤمنين الصادقين، وهذه أرض طيبة ومساكن جميلة رحبة، ولكن المقام فيها على ضيم وذل واستكانة فى الدنيا واستهانة بالدين، وهذه هجرة متعبة، ولكنها ترضى الله ورسوله، وبحسب ما يختار العبد تكون منزلته من الإيمان أو الفسق، وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟

فضل محبة الله ورسوله:

ولا يمكن أن يتم إيمان عبد أو يتحقق إلا إذا أحب الله ورسوله من كل قلبه، وظهرت آثار هذا الحب فى تصرفاته، والله يقول: ]وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ[ [البقرة: 165]، ويقول: ]النَّبِى أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[ [الأحزاب: 6].

وقد روى الشيخان عن أنس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار". وروى من حديث أنس أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". وروى البخاري من حديث عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلىّ من كل شىء إلا نفسي التى بين جنبي، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر".

والطريق إلى محبة الله -تبارك وتعالى- ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم واضحة مستنيرة؛ أن يكثر المؤمنون من التفكر فى مصنوعات الله -تعالى- مع دوام ذكره، والإكثار من الصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتقدير الهداية العظمى التى جاء بها هذا النبى العظيم عن ربه -عز وجل- فى رسالته – الإسلام الحنيف – والبحث عن أسرارها ووقائعها مع دوام طاعة الله، والتحرز عن معصيته. 

فالطاعة للإيمان كالزيت للمصباح والماء للنبات، والمعصية سم قاتل، وظلام محيط يذهب بنور القلب، وسعة الصدر، وبهاء الوجه، وإشراق الإيمان. وفى الحديث القدسي: "ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها".

كما أن الاتباع والمواظبة على السنة أقرب الطرق إلى هذه المحبة كما قال تعالى: ]قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ[ [آل عمران: 31].

يوم حنين:

لما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري (من بنى نصر بن مالك) وكانت الرياسة فى جميع المعسكر إليه، وساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم؛ حتى تشتد شوكتهم فى القتال دفاعًا عن أهليهم وأموالهم، وكانوا ثمانية آلاف من هوازن وثقيف فيما يرويه الحسن ومجاهد، ونزلوا بأوطاس -وهو واد فى ديار هوازن- وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمي عينًا له، فأتاه وأخبره بما شاهد منهم، فعزم رسول الله  صلى الله عليه وسلم على قصدهم، واستعار من صفوان بن أمية دروعًا -قيل مائة درع وقيل أربعمائة-، واستلف من ربيعة المخزومي ثلاثين ألفًا أو أربعين، فلما قدم قضاه إياها ودعا له بخير، فقال: "بارك الله لك فى أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد".

 وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اثني عشر ألفًا من المسلمين؛ منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، وهم الطلقاء إلى من انضاف إليهم من الأعراب من سليم وبنى كلاب وعبس وذبيان، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. 

ومن الطرائف أن بعض الأعراب رأى فى طريقه شجرة خضراء، وكان لهم فى الجاهلية شجرة معروفة تسمى "ذات أنواط"، يخرج إليها الكفار يومًا معلومًا فى السنة يعظمونها، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال عليه السلام: "الله أكبر.. قلتم -والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون. 

لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". 

ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى وادي حنين وهو من أودية تهامة، وكانت هوازن قد كمنت فى جنبتيه، وذلك فى غبش الصبح، فحملت على المسلمين حين توسطوه حملة رجل واحد، وكانوا قومًا رماة، فانهزم جمهور المسلمين لهول المفاجأة، وتساقط النبل كأنه رجل من جراد، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ يدفع بغلته إلى الأمام، ويترنم بقوله: "أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، وثبت معه نفر من أصحابه، قيل ثمانون، وقيل عشرة، والجمع بين القولين ميسور؛ فالثابتون بجواره عشرة، والثابتون بعددهم بقية العدد. ومن الثابتين أبو بكر، وعمر، وعلى، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه جعفر، وأسامة بن زيد، وربيعة بن الحارث، والفضل بن عباس، وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم واستشهد يومئذ. وفى ذلك يقول العباس:

نصرنا رسول الله فى الحرب تسعة                وقد فر من قد فر عنه وأقشع

وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه              بما مسه فى الله لا يتوجع(6).

 

سورة التوبة "يوم حنين"

وثبتت أم سليم فى جملة من ثبت محتزمة ممسكة بعيرًا لأبى طلحة، وفى يدها خنجر. وفى صحيح مسلم عن أنس قال عباس: "وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله  صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى عباس، ناد أصحاب السمرة، فقال بأعلى صوته: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، وكرّوا عليهم كرة رجل واحد، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودًا لم تروها، وعذب الذين كفروا بالهزيمة الماحقة، وذلك جزاء الكافرين، ثم يتوب الله بعد ذلك على من يشاء ممن أسلم منهم. وقد أسلم عامتهم بعد ذلك، وجاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم تائبين مستغفرين، والله غفور رحيم.

اللواحق:

1-     شماتة المنافقين: ولما وقعت الهزيمة تكلم رجال من المنافقين حديثي العهد بالإسلام بما فى أنفسهم من الظن والريبة، وأخذوا يتندرون بذلك؛ فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال آخر: ألا قد بطل السحر اليوم، حتى إن رجلا من المشركين رد على هذا القائل بقوله: "اسكت؛ فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن، وذلك شأن هؤلاء الضعفاء فى كل زمان ومكان.

2-     إسلام شيبة بن عثمان الحجي: قال شيبة: "لما كان عام الفتح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين؛ فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة، فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وكنت أظن أنه لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدًا ما اتبعته أبدًا، وكنت مرصدًا لما خرجت له لا يزداد الأمر فى نفسي إلا قوة. فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته، فأصليت السيف، ودنوت أريد ما أريد منه، فرفع لي شواظ من نار كالبرق يكاد "يمحشنى"، فوضعت يدي على بصري خوفًا على، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداني: يا شيب ادن منى، فدنوت منه، فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان. 

قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلى سمعي وبصرى ونفسى، وأذهب الله ما كان فى نفسى، ثم قال: ادن فقاتل، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، الله أعلم أنى أحب أن أقيه بنفسي كل شىء، ولو لقيت تلك الساعة أبى لو كان حيًا لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه؛ حتى تراجع المسلمون، فكرّوا كرّة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوى عليها، وخرج فى أثرهم حتى تفرقوا فى كل وجه، ورجع إلى معسكره، فدخل خباءه، فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيرى حبًا لرؤية وجهه، وسرورًا به، فقال: يا شيب الذى أراد الله بك خيرا مما أردت لنفسك، ثم حدثني بكل ما أضمرت فى نفسى مما لم أكن أذكره لأحد قط، قال: قلت: أشهد ألا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفر لي، فقال: غفر الله لك".

3-     وفد هوازن: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة وبها السبي والغنيمة، وقدم عليه بها وفد هوازن مسلمين، وفيهم تسعة نفر من أشرافهم، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل وعشيرة، قد أصابنا من البلاء ما لم يخفَ عليك، فامنن علينا مَنّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد، فقال: "يا رسول الله إن اللواتي فى الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، وأنشد أبياته المشهورة التى أولها:

امنن علينا رسول الله فى كرم             فإنك المرء نرجوه وندخر

وإنما يريد بخالاته وعماته -عليه الصلاة والسلام- قرابة الرضاع؛ فقد استرضع فى بنى سعد بن بكر عند حليمة السعدية وهى من هوازن، وكان فى السبايا أخته الشيماء، وقد أكرمها وحباها صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم، ومعي من ترون، وأحب الحديث إلىّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين؛ إما السبي وإما المال"، فقالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال؛ فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم فى شاة ولا بعير، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "أما الذى لبنى هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين"، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، ولقد رددت الذى لبنى هاشم عليهم؛ فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ الله علينا فليفعل"، فقال الناس: "قد طيبنا ذلك يا رسول الله"، وردوا عليهم ما كان لهم من سبى.

4-     قسمة الغنائم: روى أحمد والبخاري ومسلم من عدة طرق من حديث عبد الله بن عبد العزيز بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم فى الناس فى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا؛ فكأنهم وجدوا إذا لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي، كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنّ، قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أمن، قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا -وهو تأدب من الراوي فسرته رواية أبى سعيد- فقال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فواسيناك". 

وفى رواية من حديث أنس: "أفلا تقولون جئتنا خائفًا فأمناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولا فنصرناك! فقالوا: بل المن علينا لله ولرسوله"، ثم قال: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدى أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"، فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم بالدموع، وقالوا: "لقد رضينا يا رسول الله".

5-     المؤلفة قلوبهم: وروى أحمد ومسلم من حديث رافع بن خديج، قال: "أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، يتألف بها قلوبهم، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس:

أيجعل نهبي ونهب العبيـ         ـد بين عيينة والأقرع

فما كان بدر ولا حابس          يفوقان مرداس فى مجمع

وما كنت دون امرئ منهما               ومن تخفض اليوم لا يرفع

فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة". وروى البخاري أن رجلا رأى ما أخذ هؤلاء وغيرهم فقال: "ما أريد بهذه القسمة وجه الله"، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "رحم الله موسى، قد أوذى بأكثر من هذا فصبر"، وروى الواقدي أن القائل معتب بن قشير بن عوف وكان من المنافقين. ونقل الحافظ بن حجر فى الفتح أسماء المؤلفة الذين أجزل لهم العطاء، فبلغوا أربعين ونيفًا، والله أعلم.

الحِكَم:

وقد تجلت فى غزوة حنين حكم جليلة منها:

1-     التوجيه الرباني: وذلك أن الجيش الإسلامي الظافر حين دخل مكة المكرمة، وهي معقل الأمة العربية وموطن قريش قادة الناس.. سبق إلى بعض الظنون أن ذلك كان بمحض قوته وعدده وكثرته، فأراد الحق -تبارك وتعالى- أن يوجه عباده إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، ويلفت الأنظار إلى أن الأعداد سبب، ولكن النتائج بيده هو، وأن عليهم أن يصدقوا فى التوجيه إليه والاعتماد عليه، ففاجأتهم الهزيمة فى حنين لتكون تذكيرًا بهذا التوجيه ]وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ[ [التوبة: 25]، ضعها إلى جانب قول الله تبارك وتعالى: ]وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ[ [آل عمران: 123]؛ لتعلم أن عواقب الأمور جميعًا بيد الله، وأن ذلك لا يمنع أبدًا من أن نعد كل ما نستطيع من قوة؛ بل إن من الواجب أن نفعل ذلك امتثالا لأمر الله العلى الكبير. ومنها:

2-     كسر حدة الغرور المتوقع: بعد هذا النصر المبين، وخصوصًا لقوم حديثي عهد بهذا الدين، والعربي فخور بطبعه، معتد بعمله، ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة حين الفتح خاشعًا متواضعًا، قد أحنى رأسه الشريف تواضعًا لله -تبارك وتعالى- وشكرًا له حتى كاد يمس سرجه، وليس كل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان فى هذه المفاجأة ما يطير بوساوس الغرور أو خواطر الاعتداد؛ حماية لهذه النفوس الكريمة من غوائل هذه الأخلاق الذميمة. ومنها:

3-     المعونة المالية: فقد فتح المسلمون مكة، وهي حرم الله وأمنه، ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل الحرم فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن"، فاستأمن الناس، ولم يغنم الفاتحون دينارًا ولا درهمًا، وبذلوا لهذه الغزوة من ذات أنفسهم وذات يدهم ما بذلوا؛ فعوضهم الله خيرًا بهذه الغنيمة من هوازن، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أربعين ألفًا، والفضة أكثر من أربعة آلاف أوقية. ومنها:

4-     التثبيت: فهؤلاء الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا بعد الفتح لا بد أن يروا من لطف الله -تبارك وتعالى- بنبيه وبالمؤمنين ما يزيدهم يقينًا، وقد رأوا ذلك بأعينهم بعد سوء الظن؛ فكان الدرس أعمق فى نفوسهم أثرًا، وأجل خطرًا، والله ولى المؤمنين(7).

 

سورة التوبة الآية 28

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ [التوبة: 28].

نجاسة المشرك:

الكفر ضد الإسلام، ومن اتخذ من دون الله ندًا ولم يؤمن بالكتب ولا بالأنبياء؛ فهو المشرك، ومن آمن بكتاب نزل ونبي سبق؛ فهو كتابي، وقد يوصف بالشرك أحيانًا، وقد يطلق القرآن وصف الكفر على الفريقين.

والنجاسة نوعان: حسية ومعنوية، أو هي لغوية وشرعية. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المشرك نجس نجاسة حسية ومعنوية، وحكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصري ومالك وعن الهادي والقاسم والناصر من أئمة المعتزلة، وهو مذهب جمهور الظاهرية والشيعة والإمامية، وبناء على هذا الرأي فإن من صافح مشركًا وجب عليه أن يطهر يده من نجاسته.

وجمهور أئمة المسلمين على خلاف هذا الرأي، ومنهم أهل المذاهب الأربعة، وقد حملوا الآية على النجاسة المعنوية، والسنة تؤيد ذلك، وأحكام الإسلام العملية تعززه؛ فمن المعلوم أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم، ولا سيما بعد صلح الحديبية، وكانت رسل المشركين ووفودهم ترد على النبى  صلى الله عليه وسلم، ويدخلون مسجده، وكذلك أهل الكتاب كنصارى نجران واليهود، ولم يعامِل أحدٌ أحدًا منهم معاملة الأنجاس، ولم يأمر بغسل شىء مما أصابته أبدانهم؛ بل ورد أنه  صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وأكل من طعام اليهود، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد. وروى أحمد وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا".

هذا هو رأى جمهور أئمة المسلمين، على أننا سنأخذ بالرأي الأول عمليًا إذا ما استمر عدوان دولهم وشعوبهم على حرياتنا وخيرات بلادنا، والإسلام صالح لكل زمان ومكان وحال.

والسيفُ إن لايَنْتَهُ لانَ متْنُهُ              وحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خَشِنَان

الكفار فى دار الإسلام:

خلاصة أقوال الفقهاء فى ذلك أن بلاد الإسلام بالنسبة للكفار ثلاثة أقسام:

1-     الحرم: فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، ذميًا كان أو مستأمنًا؛ لظاهر الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك. فلو جاء رسول من دار الكفر، والإمامُ فى الحرم؛ فلا يأذن له فى دخوله؛ بل يخرج إليه، أو يبعث له من يسمع رسالته. وأجاز أبو حنيفة للمعاهد دخول الحرم بإذن الإمام أو نائبه.

2-     الحجاز: وهو ما بين تهامة ونجد وتبوك منه، لا يمنح الكفار فيه حق الإقامة، ويباح دخوله لضرورة. روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأُخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب؛ فلا أترك فيها إلا مسلمًا". وفى رواية لغير مسلم أنه صلى الله عليه وسلم أوصى، فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضى الله عنه، وأجلاهم عمر فى خلافته، وأحل لمن يقدم تاجرًا ثلاثًا. وعن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب" (أخرجه مالك فى الموطأ مرسلا)، وحد الجزيرة من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا، ومن جدة وما إليها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضًا.

3-     سائر بلاد الإسلام: فيجوز للكافر أن يقيم فيها إن كان معاهدًا كالأجنبي الذي بين حكومته وبين الحكومة الإسلامية عهد، أو مستأمنًا وهو الذي يدخل بأمان كالرسل، أو ذميًا وهو الذي يتبع الحكومة الإسلامية، ولكنهم لا يدخلون المساجد إلا بإذن من مسلم. انتهى ملخصًا بتصرف من تفسير "المنار" عن البغوى والخازن.

نموذج من الأمثال:

ومن المعلوم أن أرزاق أهل الحرم وقوام معايشهم وفود هؤلاء الزوار والحجاج والمعتمرين إليهم، وأكثرهم حين ذاك لا زال مشركًا؛ فتحريم دخول الحرم عليهم حرمان كبير، ومع ذلك فقد صبروا عليه صبر الكرام؛ امتثالا لأمر الله -تبارك وتعالى-، وإيثارًا لما عنده، ولم يدعهم الحق -تبارك وتعالى- فريسة الوساوس؛ بل طمأنهم بقوله: ]وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ[ [التوبة: 28]، وقد صدقهم الله وعده، وأغناهم من فضله، وفتح عليهم أكناف الأرض، وجُلبت إليهم ثمرات كل شىء، والله عليم حكيم.

من أحكام القتال والجزية:

ولما كانت الآية اللاحقة تتضمن أحكام قتال أهل الكتاب بما يتبعها من تفاصيل أحكام الجزية، وفى ذلك كلام طويل؛ فموعدنا العدد القادم، إن شاء الله(8).

 

سورة التوبة الآية 29

]قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[ [التوبة: 29].

وفى الآية مباحث منها: 

حكم القتال فى الإسلام:

وقد قال الفقهاء، وتظاهرت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة: إن القتال فرض عين إذا ديست أرض الإسلام، أو اعتدى عليها المعتدون من غير المسلمين، وهو فرض كفاية لحماية الدعوة الإسلامية، وتأمين الوطن الإسلامي؛ فيكون واجبًا على من تتم بهم هذه الحماية وهذا التأمين.

وليس الغرض من القتال فى الإسلام إكراه الناس على عقيدة أو إدخالهم قسرًا فى الدين، والله يقول: ]لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[ [البقرة: 256]، كما أنه ليس الغرض من القتال كذلك الحصول على منافع دنيوية أو مغانم مادية؛ فالزيت والفحم والقمح والمطاط ليست من أهداف المقاتل المسلم الذى يخرج عن نفسه وماله ودمه لله بأن له الجنة ]إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 111]. والغنيمة بعد ذلك خير مكافأة دنيوية يسوقها الله للمقاتلين فى سبيله مع النصر والأجر، وليس من مقاصدهم ولا من أهدافهم.

والمقاتل المسلم أرحم المقاتلين، وأبرُّهم بخصومه محاربين أو أسرى، وهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده لقواد الأجناد: "لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا امرأة ولا طفلا ولا شيخًا كبيرًا، ولا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تعقروا بعيرًا إلا للأكل. وستمرون على أقوام ترهبوا فى الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له".

حكم قتال أهل الكتاب:

وأهل الكتاب يقاتَلون كما يقاتَل المشركون تمامًا إذا اعتدوا على أرض الإسلام، أو حالوا دون انتشار دعوته، وكل ما هنالك من فرق أن المشركين من العرب لا يقبل منهم حين يقاتلون إلا الإسلام؛ حتى لا يكون فى جزيرة العرب دينان، وهي "دار الإسلام الدينية الخالدة". وأما أهل الكتاب فقد ترخص الإسلام فى أمرهم، وأجاز الاكتفاء بأخذ الجزية منهم؛ فمتى تعهدوا بأدائها، ورضوا بها؛ فقد وجب أن يرفع عنهم السيف، ومثلهم فى ذلك المجوس والصابئون والمشركون من غير العرب، والوثنيون كذلك فى أرجح الأقوال. وفى المسألة خلاف بين الفقهاء، وأرجحها وأولاها بالتطبيق ما ذكرنا هنا، إن شاء الله.

أوصاف أهل الكتاب فى الآية:

وقد وصفت الآية أهل الكتاب وهم فى عرف الإسلام اليهود والنصارى بثلاث صفات؛ بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وبأنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وبأنهم لا يدينون دين الحق، وذلك معلوم من سيرتهم ومن كتبهم؛ فهم وإن اعترفوا بالألوهية من حيث هي؛ فهم يخلطون فى صفات الله -تبارك وتعالى- وأفعالهم تخليطًا عجيبًا، وهم وإن آمنوا بالجزاء والدينونة واليوم الآخر بمعناه الأعم فإنهم لا يتصورون فيه نعيمًا حسيًا ولا عقابًا ماديًا.

 وقد قعدت بهم هذه العقائد المشوهة عن تحقيق القسم الثاني من الدين، وهو القسم العملي، واستشهدت الآية على ذلك بأنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وهل المقصود بعدم التحريم أنهم استحلوا بعض ما ورد تحريمه من أنبيائهم السابقين، أو أنهم استحلوا ما ورد على لسان رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ قولان والثاني أظهر؛ فهم مخاطبون بهذا الدين لعموم بعثته عليهم؛ فإن آمنوا فهم ناجون، وإن أعرضوا فقد هلكوا.

وذكر التحريم واكتفى به عن ذكر الناحية المقابلة له وهي فعل الفرائض والمأمورات ببيان أنهم غير حريصين على ما فيه فائدتهم؛ فإن حكمة التحريم ظاهرة وهي الضرر، فإذا كانوا يقدمون على ما يجلب عليهم الضرر عنادًا وتحديًا؛ فهم على القعود عما يجلب عليهم النفع أجرأ تحديًا وعنادًا كذلك، ومن استحل الحرام فمن باب الأولى لن يفعل الحلال.

وبهاتين الصفتين تحققت الصفة الثالثة، وهي أنهم لا يدينون دين الحق وهو الإسلام ]شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ[ [آل عمران: 18-19] ]وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ [آل عمران: 85].

وبهذا تكون الآية قد كشفت عن أوصاف أهل الكتاب، وهذه الأوصاف فيها البيان الواقع. 

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يحرم ما حرم الله ورسوله عليه فى كتبه التى هو مخاطب بها مكلف باتباعها، وأنهم بذلك يدينون دين الحق فى عرفهم، وعلى هذا فلا تجب مقاتلتهم إلا إذا غيروا وبدلوا، واستحلوا ما حرم الله عليهم على لسان أنبيائهم، فاعتبر الأوصاف شروطًا فى وجوب القتال.

والنتيجة العملية واحدة؛ لأنه من المقطوع به أنهم غيروا وبدلوا، وأنهم لا يدينون دين الحق، لا الذي جاء به أنبياؤهم ففيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، ولا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام.

أحكام الجزية:

الجزية ضريبة من الخراج، تضرب على الأشخاص لا على الأرض، والكلمة عربية مشتقة من الجزاء؛ كأنها تدفع جزاءً لحقن الدم، أو الحماية، والمنعة، والتمتع بحقوق أهل الإسلام. أو هي جزاء الإعفاء من ضريبة الدم والجندية فى القتال.

وقال شمس العلماء الشيخ شبل النعماني الهندي -رحمه الله-: إنها فارسية معربة، وأصلها "كزيت"، ومعناها: الخراج الذي يستعان به على الحرب، وأطال فى الاستدلال على ذلك فى رسالة خاصة نشرت فى المجلد الأول من مجلة المنار، ومما استأنس به فى ذلك أن التاريخ يثبت أن كسرى هو أول من وضع الجزية؛ فالجزية نظام فارسي، وليس مبتكرًا من الإسلام.

ولقد كان يخطر ببالي ويهمس فى نفسى دائمًا أن الجزية إنما وضعت "كبدل نقدى" عن الجندية، وأن الإسلام إنما لجأ إليها وأوجبها على غير المسلمين من باب التخفيف والرحمة وعدم الحرج؛ حتى لا يلزمهم أن يقاتلوا فى صفوف المسلمين فيتهم بأنه إنما يريد لهم الموت والاستئصال والفناء، والتعريض لمخاطر الحرب والقتال؛ فهي فى الحقيقة امتياز فى صورة ضريبة، هذا فى الوقت الذى يتخذ منها الإسلام أيضًا احتياطًا لتنقية صفوف المجاهدين من غير ذوى العقيدة الصحيحة والحماسة المؤمنة البصيرة، وكان يخطر لي أن مقتضى هذا أن الإمام إذا رأى من مصلحة الوطن الإسلامي أن يجند غير المسلمين سقطت عنهم الجزية بهذا التجنيد، ولقد ناقشني فى هذه الخواطر بعض الفقهاء الصالحين، مستدلا بنصوص بعض المذاهب فى هذا المعنى، ولم أشأ الاسترسال فى الجدل؛ إذ لم يكن بين يدى حينذاك من الشواهد والأدلة التاريخية العملية ما يدهم الخواطر التى تتوارد على نفسى، ثم رأيت بعد ذلك تفسير المنار قد ألمّ بهذه القضية، وذهب إلى ما كان يدور بنفسي، ودعمه بكثير من هذه الشواهد والأدلة، وإليك تلخيص ما قاله فى ذلك:

"ولعلك تطالبني إثبات بعض القضايا المنطوية فى هذا البيان؛ أى إثبات أن الجزية ما كانت تؤخذ من الذميين إلا للقيام بحمايتهم والمدافعة عنهم، وأن الذميين لو دخلوا فى الجند أو تكفلوا أمر الدفاع لأعفوا من الجزية؛ فإن صدق ظني فاصغ إلى الروايات التى تعطيك الثلج فى هذا الباب، وتحسم مادة القيل والقال.

فهل ما كتب خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها، وهذا نصه: "هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلونا بن نسطونا وقومه، إنى عاهدتكم على الجزية والمنعة؛ فلك الذمة والمنعة، وما منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا. كتب سنة اثنتي عشرة فى صفر".

ولقد رد الأمراء بأمر أبى عبيدة ما كانوا أخذوه من الجزية من أهل حمص وما إليها، حين جلوا عنها؛ ليتجمعوا لقتال الروم، وقالوا لأهل البلاد: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغ ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك الآن، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط، وما كان بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. فكان جواب أهل هذه البلاد: ردكم الله علينا، ونصركم عليهم؛ فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئًا، وأخذوا كل شىء، لَولايتُكم وعدلُكم أحبُّ إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل، وأغلقوا الأبواب، وحرسوها، وكذلك فعل أبو عبيدة مع دمشق، وذلك حين كان يتجهز لليرموك.

ومنها وهو ما بعد يدل على أن أهل الذمة إذا لم يشترطوا الحماية أو شاركوا فى الجندية لا يطالبون بالجزية كتاب العهد الذى كتبه سويد بن مقرن أحد قواد عمر -رضى الله عنهما- لرزبان وأهل دهنان وسائر أهل جرجان، ونصه: "هذا كتاب سويد بن مقرف لرزبان صول بن رزبان وأهل دهنان وسائر أهل جرجان، إن لكم الذمة، وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء فى كل سنة على قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاؤه -أى جزيته- فى معونته عوضًا عن جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، ولا يغير شىء من ذلك. شهد سواد بن قطية وهند بن عمر وسماك بن مخرمة وعتيبة بن النهاس، وكتب فى سنة 18هـ" الطبري.

ومنها: كتاب عتبة بن فرقد أحد عمال عمر بن الخطاب، وهذا نصه: "هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان سبايا وجبايا وحواشيها وشغارها وأهل مللها كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ومن حشر منهم فى سنة وضع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل من أقام من ذلك" الطبري.

ومنها: العهد الذى كان بين سراقة عامل عمر وبين شهر بن حوشب وقد كتب به سراقة إلى عمر، فأجازه واستحسنه، وهذا نصه "هذا ما أعطى سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شهر بن حوشب وسكان أرمينية والأرمن من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وملتهم ألا يضاروا ولا ينتقصوا على أرمينية والأبواء الطراء منهم (أى الغرباء) والقناء (أى المقيمون) ومن حولهم، فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة وينفذوا لكل أمر ناب أو لم ينب رآه الوالي صلاحًا، على أن يوضع الجزاء -أى الجزية- عمن أجاب إلى ذلك، ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء؛ فإن حشروا -أى جندوا- وضع ذلك عنهم. شهد عبد الرحمن بن ربيعة وسلمان بن ربيعة وبكر بن عبد الله، وكتب مرضى بن مقرن وشهد. انتهى" الطبري.

ومنها ما كان من أمر الجراجمة فيما ذكره البلاذرى، فقال: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية أن الجراجمة من مدينة على جبل لكام عند معدن الزرج فيما بين بيامن وبوقا، يقال لها الجرجومة، وأن أمرهم كان فى استيلاء الروم على الشام وأنطاكية إلى بطريرك أنطاكية وواليها، فلما قدم أبو عبيدة إلى أنطاكية، وفتحها لزموا مدينتهم، وهموا باللحاق بالروم إذ خافوا على أنفسهم؛ فلم ينتبه المسلمون لهم، ولم ينبهوا عليهم، ثم إن أهل أنطاكية نقضوا وغدروا، فوجه إليهم أبو عبيدة مَن فتحها ثانية، وولاها بعد فتحها حبيب بن مسلم الفهري، فغزا الجرجومة، فلم يقاتله أهلها، ولكنهم بدئوا بطلب الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعوانًا للمسلمين وعيونًا، ولم يؤخذوا بالجزية.

ثم إن الجراجمة مع أنهم لم يوفوا ونقضوا العهد غير مرة لم يؤخذوا بالجزية قط، حتى إن بعض العمال فى عهد الواثق بالله العباسي ألزمهم جزية رؤوسهم، فرفعوا ذلك إلى الواثق فأمر بإسقاطها عنهم هـ.

وهذا الكلام واضح كما ترى فى أن الجزية مقابل المنعة إن اشترطوها، وفى حق الإمام فى إسقاطها عنهم إذا اقتضى الأمر تجنيدهم، ونحن نضعه أمام أنظار السادة الفقهاء الأجلاء والعلماء الفضلاء ليقولوا كلمتهم فيه، والحقيقة بنت البحث(9).

 

سورة التوبة الآيات من 30 : 33

]وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَن يُّطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ [التوبة: 30-33].

دعوى النبوة فى الأديان السابقة:

عزير هو الذي يسمى عند اليهود عزرا، وله عندهم المنزلة العليا؛ إذ يعتبر عصره من أزهى عصور اليهود الدينية، وله فضل عظيم عندهم؛ إذ ينسبون إليه أنه جدد التوراة بإلهام من الله بعد أن أحرقت كل نسخها فى عهد بختنصر أو "نبوخذ نصر" قال كليعص إسكندر يانوس: إن الكتب السماوية ضاعت، فألهم عزرا أن يكتبها مرة أخرى، ثم هم يقولون: إن ما كتبه عزرا قد أحرق هو الآخر عندما استولى أنطيوكس ملك سوريا على أورشليم، وأمر أن من يوجد عنده نسخة من كتب العهد العتيق يقتل وتعدم تلك النسخ.

ولفظ "ابن الله" أطلق فى كتب اليهود والنصارى عدة إطلاقات؛ أطلق على آدم كما جاء فى نسب المسيح فى آخر الفصل الثالث من إنجيل لوقا (ابن شيث ابن آدم بن الله)، وأطلق على يعقوب كما فى الفصل الرابع من سفر الخروج (4 : 22 هكذا يقول الرب: إسرائيل ابنى البكر)، وأطلق على أفريم كما فى سفر أرميا (21 : 9 لأنى صرت أنا وأفرايم هي بكرى)، وأطلق على داود مزامير (89 : 26 هو يدعوني أبى أنت إلهى وصخرة خلاصي 270 أنا أيضًا أجعله بكرًا أعلى من كل ملوك الأرض)، وأطلق على الملائكة وعلى المؤمنين الصالحين فى مواضيع كثيرة من كتب العهدين القديم والجديد، ولا شك أن المراد بالبنوة فى كل هذه الإطلاقات معانٍ مجازية من التكريم أو الرحمة أو نحو ذلك، وتخصيص ما ورد فى هذه الكتب نحو عزير، وعن المسيح من حيث وصفهما بهذه البنوة بأن المقصود به الحقيقة اللغوية أمر عجيب لا مبرر له من هذه النصوص نفسها.

ولهذا رد القرآن هذه الدعوى التى لم ينهض عليها دليل، وأظهر أن مصدرها ما تسرب من أفكار الأمم السابقة؛ فقد كان الهنود والفرس والصينيون والرومان وغيرهم ينسبون إلى آلهتهم الأبناء من ملوكهم أو عظمائهم، وهذه من معجزات القرآن الكريم؛ فما كان العرب يعرفون شيئًا عن معتقدات الأمم السابقة وتراثها التى كشف عنها البحث الحديث، وأفاض فى ذكرها والموازنة بينها علماء الغرب فى هذه الأيام، كما أنهم لم يكونوا يعرفون كذلك مبلغ مشابهتها لما يردده أهل الكتاب، ومع هذا فإن القرآن يقول ]يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ[ [التوبة: 30].

ربوبية الأحبار والرهبان:

الأحبار: جمع حَبر، وهو العالم بالدين. والرهبان جمع راهب وهو المتبتل المنقطع للعبادة. والمقصود باتخاذهم أربابًا أحد أمرين والله أعلم: أولهما التعظيم الزائد عن الاحترام المعتاد، والذي يؤدى إلى اعتقاد أنهم مصدر نفع أو ضرر، كما يلاحظ ذلك فى غلاة التلاميذ أو المريدين بالنسبة لأشياخهم، وثانيهما اعتقاد أن لهم حق التشريع والتحريم والتحليل وفق أهوائهم. فالحلال ما أحلوه، والحرام ما حرموه، بغير سلطان أتاهم أو حجة من الله بين أيديهم، وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين.

روى الترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي فى السنن وغيرهم عن عدى بن حاتم  رضى الله عنه قال: "أتيت النبى  صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ فى سورة براءة ]اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ[ [التوبة: 31] فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه"، وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عدى أنه لما بلغته دعوة رسول الله  صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر فى الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم مَنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأعطاها فعزم على القدوم على النبى، فقدم على المدينة، وكان رئيسًا فى قومه طيىء، وأبوه حاتم المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عنق عدى صليب من فضة، وألقى  صلى الله عليه وسلم هذه الآية ]اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ[، فقلت: "إنهم لم يعبدوهم"، فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم؛ فذلك عبادتهم إياهم". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عدى ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يضرك؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلهًا غير الله"، ثم دعاه إلى الإسلام، وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر.

وكلا المعنيين نهى الإسلام عنه، وحذر منه، وهذا رسول الله  صلى الله عليه وسلم نهى أشد النهى عن أن يتمثل له الرجال قيامًا، أو أن يقولوا عنه أكثر من أنه عبد الله ورسوله، ثم هو بعد ذلك ليجهر بأنه لا يحل ولا يحرم ولا يأمر ولا ينهى إلا بما أوحى إليه ]وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَى إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[ [يونس: 15] فكيف بغيره من العلماء أو العباد؟

أما أن أهل الكتاب قد أمروا بعبادة الله وحده على لسان موسى وعيسى -عليهما السلام- فذلك بنص كتبهم؛ فلقد جاء فى سفر الخروج فى أول الوصايا العشر: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتًا، ولا صورة مما فى السماء من فوق، ولا مما فى الأرض من تحت، ولا مما فى السماء تحت الأرض، لا تسجد لهن، ولا تعبدهن؛ لأني أنا الرب إلهك إله غيور". وجاء فى إنجيل يوحنا قوله: "7 : وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته"؛ فذلك أمر الله إياهم ألا يعبدوا غيره، سبحانه عما يشركون.

كيد أعداء الدين للدين:

ولقد دأب أعداء النور الرباني من هداية الله التى جاء بها موسى وعيسى ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهم- على مقاومة هذا النور، ومحاولة إطفائه؛ فأخذ اليهود منذ بعثة الرسول  صلى الله عليه وسلم يناوئون هذه الدعوة الربانية بالمجادلة الباطلة تارة، ثم بالغزوات والحروب الفاشلة تارة أخرى، ثم بعد ذلك بالدسائس والمؤامرات والمكائد وإدخال البدع والخرافات والأفكار الفاسدة المفرقة تارة ثالثة، وهاهم اليوم يحلمون بالدولة اليهودية التى يريدون من وراء إنشائها تمزيق وحدة الإسلام والمسلمين، ولن يصلوا إلى شىء من ذلك بإذن الله، وهاهو الغرب المسيحي صورة يحاول بكل الوسائل أن يفرق جماعة المسلمين، ويقضى على نهضتهم باحتلال أرضهم، والاستيلاء على مقدرات أوطانهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، ولكن الله -تبارك وتعالى- تكفل لهذا الدين بالحفظ والظهور، وتكفل للمؤمنين الصادقين بالفوز والنصر ]وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[ [التوبة: 32].

ما يرجى من ظهور الإسلام:

ولقد وعد الله -تبارك وتعالى- فى آيات كثيرة بتأييد كلمة الإسلام وإعزاز أهله، فقال: ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا[ [النور: 55]، وكما جاء فى هذه الآية الكريمة ]هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ [الصف: 9].

وقد ذهب قوم إلى أن ذلك الظهور قد تم ووقع وانتهى أمره، وذهب آخرون إلى أنه لا يتم إلا على يد المهدى وعيسى -عليه السلام- فى آخر الزمان، وقعد آخرون عن العمل لمجد الإسلام يأسًا، وقعد الآخرون عن ذلك انتظارًا، وكلا الفريقين غير محق. والصواب -والله أعلم- أن هذا الوعد وعد دائم متجدد باق، وأنه سنة من سنن الله –تعالى- التى لا تتخلف، والتي تقررت بقوله تعالى: ]كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ[ [الرعد: 17] وبقوله تعالى: ]بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ[ [الأنبياء: 18]. وقد جرت سنة الله تبارك وتعالى أن إرادته تحقق بأخذ العباد فى الأسباب، وكل شىء له سبب، فإذا أخذ المسلمون فى أى عصر من العصور فى أسباب القوة؛ فإن ذلك -ولا شك- إيذان من الله -تبارك وتعالى- بظهور دينه على كل الأديان، وعلو شريعته على كل الشرائع فى هذا العصر، ولو كره ذلك المشركون الذين يخلطون بنظم الله وأديانه وشرائعه غيرها مما كسبت أيديهم وما يكتبون، والله أعلم(10).

 

سورة التوبة الآيتين 34 - 35

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ[ [التوبة: 34-35].

فتنة المال: 

الأحبار: علماء اليهود، والرهبان: عباد النصارى. والصنفان خيار أهل الكتاب الذين تغالى كثير منهم فى تقديسهم؛ حتى اتخذوهم أربابًا من دون الله كما تقدم، ومع هذا فقد فتن المال الكثير منهم، فانزلقوا عن قدسية الزهادة فى الدنيا والعزوف عن زينتها، وتهافتوا على جمع الثروة وطلب الغنى وكنز المال وأكله بالباطل.

وفى التعبير بالكثير دون التعميم عدل وإنصاف يلازمان دائمًا أحكام القرآن الكريم، ولا تجد أعدل حكمًا، ولا أكثر نصفة من أحكامه، حين يصدرها حتى على مخالفيه والذين لا يؤمنون به، وذلك واضح فى كل مواضعه.

وتأمل قوله فى موطن آخر عن عيسى عليه السلام وأتباعه ]وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ[ [الحديد: 27] ترَ أعدل وأوضح وأدق تلخيص لتاريخ الرهبنة ونتائجها فى المسيحية.

وأكل أموال الناس بالباطل له صور شتى عند أهل الكتاب وعند الأحبار والرهبان وغيرهم، والحديث وإن كان فيهم إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقولون؛ فهو توجيه للناس جميعًا، ومن هذه الصور:

1-     تقديم القرابين والهدايا والضرائب لرؤساء الأديان كالأحبار والرهبان عند أهل الكتاب وشيوخ الطريق عند المسلمين، ويسمونها "العوائد"؛ فهذه العوائد حرام، وهي من أكل أموال الناس بالباطل حتى ولو قدمت فى صورة هدايا؛ فإن الغرض منها والدافع إليها معلوم، وكذلك النذور والهدايا للأضرحة ونحوها إنما يتقاسمها ذوو الغنى والثراء من سدنتها، مع أنها تقدم من أفقر طبقات الأمة، وممن هم أحوج إليها ممن يتقاسمونها.

2-     ومنها ما كان يقدم للأحبار والرهبان لقاء مغفرة الذنوب وضمان الجنة والمثوبة. وقد تبجحوا بذلك حتى جعلوه صكوكًا مكتوبة كانت سببًا فى ثورة الإصلاح الديني فى أوربا على ما هو معروف فى التاريخ.

3-     ومنها الربا، يتعامل به هؤلاء الناس، يستغلون سلطانهم الروحي على أتباعهم الفقراء أو الأغنياء على السواء، ويحللون لهم ذلك بنصوص وتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان.

4-     ومنها المكافآت على الفتاوى الباطلة والزلفى لدى الكبراء والأمراء والأغنياء بتهوين أمر الطاعات والمعاصي لديهم، ومسايرتهم على ما هم فيه من باطل، وعدم إزعاجهم عنه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ بل بتصوير المنكر معروفًا لديهم، حتى لا يصطدم برغباتهم وأهوائهم. وقد أخذ الله العهد والموثق على أهل الكتاب أن يبينوه ولا يكتموه، وأن يقوموا به فى الناس، ويجعلوه ميزانًا فيما بينهم وبين غيرهم؛ فما أحله أحلوه، وما حرمه حرموه. وبخروجهم عن هذه القاعدة ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[ [المائدة: 78-79].

من أساليب الصد عن سبيل الله:

كما ذكرت الآية الكريمة أن من أخلاق هذا الكثير من الأحبار والرهبان أنهم يصدون عن سبيل الله، ولذلك مظاهر عدة وأساليب كثيرة فى القديم وفى الحديث، منها:

1-     تغريرهم بأتباعهم، وإفهام هؤلاء الأتباع أن زمام التشريع فى أيديهم، وأن سلطة الله قد انتقلت إليهم، فما أحلوه فى الأرض أحله الله فى السماء، وما حرموه فى الأرض حرمه الله فى السماء، ومن غفروا له فقد غفر الله له، ومن حرموه ملكوت السماء فقد حرمت عليه الجنة… وهكذا. وهم بذلك يصدونهم عن أن يتوجهوا إلى الله العلى الكبير، ويسلكوا سبيله القويم بمبرر من إيمانهم، وقريب من هذا ما يفعله بعض الشيوخ من مثل هذه المزاعم، يموهون بها على أتباعهم، والحلال والحرام حكم الله، والمغفرة والعذاب بيد الله، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم.

2-     تكذيبهم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم إياه كما يعرفون أبناءهم، ووضوح دلائل نبوته فى كتبهم؛ حتى كان ابن صوريا -الحبر اليهودي بالمدينة- يقول: والله إنى لأعرف محمدًا كما أعرف ابني، ولكن أَتَذهبُ النبوة من بنى إسرائيل؟

3-     ومن هذه الأساليب فى العصر الحديث انتشار إرساليات التبشير فى كل مكان من أرض المسلمين وغيرهم، تحميها الدول، وتمدها الهيئات بالمال الوفير؛ ليفتنوا المسلمين عن دينهم، وليحولوا دون انتشار الإسلام فى الأرض المتعطشة لربه، والأقطار المتشوقة لنوره، وافتتاح المدارس، وإنشاء المشافي ودور العلاج، وإقامة الملاجئ، وغير ذلك من الأعمال التى فى ظاهرها الرحمة وخدمة الإنسانية، وفى باطنها العذاب والصد عن سبيل الله.

4-     ومن هذه الأساليب فى العصر الحديث محاولة الصهيونية الاستيلاء على الأرض المقدسة، وتمزيق وحدة العرب والمسلمين، والحيلولة دون قيام رابطتهم، وإغراء الضعفاء منهم بالمال والشهوات. وفى ذلك أكبر الصد عن سبيل الله.

عاقبة كنز المال والبخل به:

وبما أن المال وسيلة لا غاية، والمقصود من جمعه واكتسابه إنفاقه فى الخير، واستخدامه فيما ينفع صاحبه، ويعود على الناس جميعًا بالفائدة، حرم الله كنزه وتعطيله، وتوعد الذين يكنزونه بهذا الوعيد الشديد ]وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[ [التوبة: 34]. وفى التعبير بالتبشير هنا تهكم لاذع، ولفت نظر شديد إلى ألم العذاب ومرارته.

وهل الآية الكريمة خاصة بأهل الكتاب، أو هى عامة تشملهم وتشمل المسلمين معهم؟ ذهب معاوية إلى الأول، وذهب أبو ذر إلى الثاني، وكان الخلاف بينهما حول ذلك، والأخلق بعموم رسالة القرآن وشمول مقاصده أنها صفة عامة لكل كائن، من أهل الكتاب أو من غيرهم.

واختلف العلماء فى نفس الكنز؛ فقال أبو ذر: "إنه ادخار ما فوق الحاجة مهما كان قليلا"، وروى أبو يعلى بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس قال: استأذن أبو ذر على عثمان، فلما دخل قال له عثمان: أنت الذي تزعم أنك خير من أبى بكر وعمر؟ قال: لا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أحبكم إلى وأقربكم منى من يبقى على العهد الذي عاهدته عليه"، وأنا باق على عهده. قال: فأمره أن يلحق بالشام. وكان يحدثهم ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه فى سبيل الله، أو يعده لغريم، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبى ذر، فكتب إليه عثمان أن أقدم فقدم.

وروى البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: جلسنا إلى ملأ من قريش، فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة، حتى قام عليهم، فسلم، ثم قال: بَشِّر الكانزين برضف يحمى عليهم فى نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفه، ويوضع على نفض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل، ثم ولى، فتبعته، وجلست إليه وأنا لا أدرى من هو، فقلت: لا أدرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت، قال: إنهم لا يعقلون شيئًا، قال لي خليلي.. قلت: ومن خليلك؟ قال: النبى صلى الله عليه وسلم، يا أبا ذر أتبصر أحدًا؟ قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلني فى حاجة له، فقلت: نعم، قال: ما أحب أن لي مثل أُحد ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، إن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، والله ما أسألهم دنيا، ولا أستعتبهم فى دين حتى ألقى الله عز وجل.

ووجه إليه صهيب بن مسلمة وهو أمير بالشام ثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك، فردها، وقال لرسوله: ارجع بها إليه، أما وجد أحدًا أغر بالله منا؟ ما لنا إلا الظل نتوارى به، وثلاثة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدق علينا بخدمتها، ثم إنى لأتخوف الفضل.

وذهب الجمهور إلى أن المراد بالكنز ادخار المال مع عدم إخراج زكاته؛ فإذا خرجت الزكاة فقد طهر بها، وخرج صاحبه من وعيد الكانزين. أخرج ابن أبى شيبة فى مسنده، وأبو داود والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي فى شعبه عن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال: "لما نزلت هذه الآية ]وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ[ [التوبة: 34] كبُر ذلك على المسلمين، وقالوا: وما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده؟ فقال عمر: أنا أخرج عنكم، فانطلق، واتبعه ثوبان، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية! فقال: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم، فكبر عمر رضى الله عنه، ثم قال له النبى صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بخير ما يكنز؟ المرأة الصالحة التى إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته". وأخرج مالك والشافعي وابن أبى شيبة وغيرهم عن ابن عمر أيضًا قال: ما أُدى زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا.

والأخلق بشريعة القرآن الكريم أن يقال -والله أعلم-: إن ما ذهب إليه أبو ذر رضى الله عنه هو شريعة الزاهدين، وعزيمة الأقوياء من المتقشفين، وما ذهب إليه الجمهور هو التشريع العام للناس جميعًا فى أموالهم العادية؛ فإذا استدعت مصلحة الجماعة نفقة زائدة عن الزكاة المفروضة وجب على الأغنياء بذلها. فإذا قصروا كانوا من الكانزين الكنز المذموم، واستحقوا هذا الوعيد حتى ولو استغرقت حاجة الجماعة ومصلحتها كل أموالهم بعد الكفاف؛ فالحكم على هذا يدور مع مصلحة الجماعة وحاجتها، وحدُّه الأدنى الزكاة، وحدُّه الأعلى الكفاف، والله أعلم.

أسلوب العذاب:

وقد صورت الآية العذاب الأليم للكانزين تصويرًا هائلا؛ فهو أن يحمى على هذه الكنوز، وليس بلازم أن تكون أعيانها، بل بما هو يقدرها فى نار جهنم؛ حتى تصير حميمًا مذابًا، ثم تكوى بها جباههم التى كانوا يرفعونها استعلاء بالمال والثروة، وجنوبهم وظهورهم التى كانت تتقلب على فرش النعيم، وتنحرف لطلاب الحاجات، ويقال لهم مبالغة فى التوبيخ: ]هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ[ [التوبة: 35].

 روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعًا: "ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره". وفى البخاري والنسائي عنه مرفوعًا كذلك "من آتاه الله مالا فلم يؤدِّ زكاته مُثل له يوم القيامة شجاع أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزميه يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا الآية الكريمة: ]سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[ [آل عمران: 180]".

ولو أخذ الناس بهدى القرآن الكريم فى الادخار والإنفاق لما كان فى الدنيا جائع ولا عريان ولا مهضوم ولا مظلوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب فى المضاجع، ولمَحت الرحمةُ الشقاء من المجتمع كما يمحو نور الصبح ظلام الليل. فيا أيها السعداء امسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من الأرض يرحمكم من فى السماء(11).

 

سورة التوبة الآيتين 36 - 37

]إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ[ [التوبة: 36-37].

مناسبة:

بعد أن بين القرآن الكريم طرفًا من أحوال المشركين فى أول السورة، وطرفًا من أحوال أهل الكتاب، وكان ختام هذا البيان ذكر ما تشترك فيه الأمم جميعًا فى كثير من الأحيان بدافع حب المال من أكل أموال الناس بالباطل، وكنز الذهب والفضة، وعدم إنفاقهما فى سبيل الله.. ناسب أن يذكر بعد ذلك تقدير الوحدة الشريفة فى عرف القرآن، وهي "العام"، وبيان أقسامها، ووجوب تحرى العمل الصالح فيها، ثم ما عرض عليها من تغيير وتبديل للأغراض الدنيوية الزائلة، ووجوب التزام نظام ثابت فى ذلك، تتحرى فيه مصالح الدنيا والآخرة؛ فذكر عدة الشهور، والقاعدة فيها، وتحريم أربعة منها، وما يترتب على ذلك من أحكام، وعرض لعادة المشركين التى جروا عليها فى جاهليتهم من التغيير والتبديل؛ اتباعًا للعرب، ورغبة فى القتال والمغانم الحرام. وعابها عليهم، ونهى عنها المؤمنين أشد النهى؛ وهي عادة النسىء الذي وصفته الآية الكريمة بأنه زيادة فى الكفر.

حكمة إيثار الشهور القمرية:

وللشهور حسابان أساسيان؛ فالحساب الأول تابع لحركة الشمس، والحساب الثاني تابع لحركة القمر. وتحديد الوحدة بعام شمسي أو قمري إنما جاء بطبيعة انتهاء الدورة خلال هذا الزمن، والتقسيم إلى اثني عشر شهرًا إنما جاء بطبيعة البروج والمنازل؛ فبروج الشمس اثنا عشر، ومنازل القمر اثنا عشر كذلك. وذلك التقسيم قائم منذ تم تكوين هذه المجموعة؛ فهو فى كتاب الله بحكم التكوين؛ فقد خلق الله السماوات والأرض، ومعنى الكتاب على هذا الفهم التقدير الإلهي التكويني. 

ويرى بعض المفسرين أن هذا التقسيم بحكم الشرع؛ فمعنى الكتاب إذن التقييد الإلهي التشريعي السابق فى علم الله تبارك وتعالى. ولعل الأول أولى وأدق وأوفى بالغاية من تأكيد هذا التقسيم، وأنه لا يمكن أن يخالف بحال.

وإنما آثر الإسلام الحساب بالشهور القمرية لا الشمسية؛ فالصوم والحج والأعياد والمواسم كلها تتبع هذا الحساب لحكمة بالغة هى بساطة هذا الحساب، وسهولة إدراكه للناس جميعًا؛ لأن ظهور الهلال علامة لأول كل شهر، ويستطيع كل إنسان أن يدرك، وأن يحسب، وأن يؤدى شعائر الله المرتبة بهذا التوقيت من غير حاجة إلى الحاسبين أو المتحكمين من رؤساء الأديان، أو علماء الفلك، أو أدعياء التنجيم والتوقيت. فبساطة هذا الحساب وفطرته تتمشى مع سهولة الإسلام ويسره، كما أن من الحكم كذلك أن تقع العبادات فى أوقات وفصول مختلفة من السنة؛ فيستفيد الإنسان بمزاياها جميعًا ويستقبلها كلها بطاعة الله.

لطيفة:

ولعل من اللطائف فى الآية الكريمة التنصيص على عدد الشهور بهذا الوضوح، وتأكيد هذا العدد بهذه القوة مع التسليم بصحته؛ فقد ظهر فى هذا الزمان من يزعم أن الشهور تسعة عشر، ويحسبها حسابًا لا قاعدة له ولا أساس يستند إليه، ويدعى أن هذا دين ورأى سديد، وما هو إلا خرافة ووهم؛ فكأنما سُبقت الآية بالرد على مثل هؤلاء قبل أن يظهروا فى عالم الوجود، وهي من دقائق القرآن الكريم ومعجزاته، ولا شك.

الأربعة الحرم:

والأربعة الحرم هى ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وواحد فرد هو رجب. روى الشيخان وغيرهما من حديث أبى بكر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنتا عشر شهرًا، فيها أربعة حرم؛ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".

ومعنى استدارة الزمان الواردة فى الحديث -والله أعلم- أن الشهور قد عادت إلى حسابها المعتدل، بعد أن غيرها العرب بالنسئ كما سيأتي، ووقع حج النبى صلى الله عليه وسلم فى ذي الحجة على وضعه الأول منذ قسمت الشهور. وروى الطبراني عن بعض السلف أنه اتفق فى حجة الوداع حج المسلمين واليهود والنصارى فى يوم واحد هو يوم النحر من هذا العام، فإذا صح كان بشارة وإشارة إلى ما جاء له الإسلام من جمع كلمة الناس جميعًا على شرع واحد؛ هو هذا الدين الحنيف.

فلا تظلموا أنفسكم:

فى الأربعة الحرم باستحلال القتال فيها بعد أن أكد الإسلام حرمتها، وحرم فيها القتال، أو فى الشهور كلها بأن يستخدم الوقت فى العبث أو العصيان؛ فيظلم الإنسان نفسه بصرف وقته فى غير ما خلق له من طاعة الله وأداء حقوقه، وقد خلق الله الموت والحياة، وجعل العمر بينهما ابتلاء وامتحانًا للناس ]لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا[ [هود: 7]. ولعل الثاني أشمل وأفضل، والله أعلم.

من أحكام القتال:

وهل يجب على المسلمين جميعًا قتال المشركين جميعًا كما هو ظاهر الآية الكريمة ]وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[ [التوبة: 36]؟ نعم وذلك هو الشأن ابتداء؛ فالمشركون أهل باطل، والمؤمنون أهل حق، وما التقى الباطل والحق إلا اصطرعا جميعًا، ويديل الله للحق من الباطل، ويقذف به عليه فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكن الأمور لا تجرى دائمًا على هذا الوضع النظري؛ بل قد يقاتل بعض المشركين بعض المسلمين، وحينئذ يكون القتال فرض عين على من ندبهم الإمام له، وفرض كفاية على الأمة كلها. وإذا أعلن النفير العام فقد وجب القتال على الجميع.

أحكام النسىء:

والنسئ فى اللغة التأخير، وعملا تغيير الشهور عن أوضاعها، وتأخير حرمة بعضها تعجيلا فى القتال والغارة. وكانت الصورة الغالبة فيهم بعد أن ينتهوا من الحج يقف أهل بنى كنانة من وكل إليهم النسىء، وقد انتهى ذلك قبيل الإسلام إلى أبى تمامة القلمى بن أمية بن عوف، فيقول: إنى لا أهاب ولا أعاب، ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أخرت حرمة المحرم، وجعلتها فى صفر، فيمضي الأمر بينهم على ذلك، ويقتتلون فى المحرم، ويتهادنون فى صفر مع بقاء كل شهر على اسمه. وقد تتغير هذه الصورة؛ فيطلق على صفر اسم المحرم، وتتغير أسماء الشهور كلها بذلك التغيير، ويجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا أو اثني عشر شهرًا وعشرين يومًا تسمى النسىء، أو يضيعون حرمة الشهور كلها، ويحلون فيها القتال كما كانت تفعل طيء وخثعم، وكان صاحب النسىء يحل دماءهم مع تأخير حرمة الشهر.

وقد سمى القرآن هذا النسىء "زيادة فى الكفر"، ووصفه بأنه ضلال وإضلال للناس، وأنه عمل سيئ زين لفاعليه، مع أنه لا خير فيه ولا هداية، والله لا يهدى القوم الكافرين(12).

 

سورة التوبة الآيات من 38 : 40

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِى سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِى اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِى الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ [التوبة: 38-40].

غزوة تبوك:

وسبب نزول هذه الآيات الكريمة استنهاض همم المسلمين لينفروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، وهي آخر غزواته -عليه الصلاة والسلام-، وقد كانت فى ساعة عسرة، والناس فى قيظ وحر وجدب، كما قال الله -تبارك وتعالى- فى الآية الأخرى ]لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِى وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ[ [التوبة: 117].

كانت هذه الغزوة فى شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة، وكان السبب فيها على ما ذكره ابن سعد وغيره أنه قد بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون من الشام إلى المدينة أن الروم قد جمعت جموعًا، وضمت إليها قبائل لخم وحزام وغيرهم من متنصرة العرب، ووصلت مقدمتهم إلى البلقاء؛ فلم ينتظر النبى صلى الله عليه وسلم وصولهم إلى المدينة، وعاجلهم بالخروج إليهم، وندب الناس إلى غزوهم رغم ما كانوا فيه من عسرة. وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل تخبره خبر النبى صلى الله عليه وسلم، وتقول: إن هذا الرجل الذي خرج يدعى النبوة ضعف، وأصابت قومه سنون أهلكت أموالهم، فبعث أحد قواده ومعه أربعون ألفًا، فتجهز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصد إليهم قبل أن يصلوا إليه.

 وروى ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم أنه لما أمر الله -تعالى- أن يُمنَع المشركون من قربان المسجد الحرام فى الحج وغيره قالت قريش: "لتنقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج، وليذهبن ما كنا نصيب منها"، فعوضهم الله عن ذلك بادئ الأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قال ابن كثير: فعزم رسول الله  صلى الله عليه وسلم على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم من الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[ [التوبة: 123]. وأقول: إن الرأي الأول أشبه بالصواب، والله أعلم.

ولما أمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم كان ذلك فى زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر وجدب من البلاد؛ فكان أحب شىء إلى الناس المقام فى ثمارهم وظلالهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى غزوة ورّى عنها بغيرها إلا ما كان فى هذه الغزوة؛ فإنه بيّنها للناس لبُعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو؛ ليتأهبوا لذلك أهبته، فأمرهم بالجهاد، وأخبرهم أنه يريد الروم، وحثهم على النفقة والحمل فى سبيل الله، فجاء عثمان بن عفان إلى النبى  صلى الله عليه وسلم بألف دينار فى ثوبه، فصبها فى حجر النبى  صلى الله عليه وسلم، فجعل النبى يقلبها بيده، ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"، وقال عثمان: "يا رسول الله هذه مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها"، فقال: "اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض"، وتبارى المسلمون يجهزون جيش العسرة، وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من جهز جيش العسرة غفر الله له".

وعاتب الله مَن تخلف عن تبوك بغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم، ووبخهم، وقرعهم أشد التقريع، وفضحهم، وأنزل فيهم قرآنًا يتلى، وأمر المؤمنين بالنفر على كل حالة، فقال تعالى: ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[ [التوبة: 41-42] ، ثم الآيات بعدها، وسنمر بها إن شاء الله.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وهو فى جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بنى سلمة: "يا جد هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟ فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؛ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبًا بالنساء منى، وإني أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أجسر"، فأعرض عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وقال: "قد أذنت لك"؛ ففي الجد أنزل الله هذه الآية: ]وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّى وَلاَ تَفْتِنِّى أَلاَ فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ[ [التوبة: 49] ، وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: "أتنفروا فى الحر؟"؛ زهادة فى الجهاد، وشكًّا فى الحق، وإرجافًا بالرسول  صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل فيهم: ]وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِى الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[ [التوبة: 81-82].

وجاء البكاءون إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم؛ ليحملهم حتى يصحبوه فى غزوته هذه؛ فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه، فرجعوا وهم يبكون تأسفًا على ما فاتهم من الجهاد فى سبيل الله، وكانوا سبعة نفر منهم أبو يعلى وعبد الله بن مغفل رضى الله عنهما، وقد لقيهما رجل من المسلمين يبكيان، فقال: "ما يبكيكما؟"، فقصا عليه القصص، فرَقَّ لهما، وأعطاهما راحلة، وزودهما شيئًا من تمر، فخرجا مع النبى  صلى الله عليه وسلم، ومنهم علية بن زيد رجع يبكى، ثم خرج من الليل، فصلى ما شاء الله أن يصلى، ثم بكى، وقال: "اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل فى يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض"، ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "أين المتصدق هذه الليلة؟"، فلم يقم أحد، قال: "أين المتصدق؟ فليقم"، فقام إليه، فأخبره، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "أبشر، والذى نفسى بيده لقد كتبت فى الزكاة المتقبلة"، وأنزل الله فيهم ]لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ[ [التوبة: 91-92](13).

 

سورة التوبة الآيات من 42 : 48

]لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالا ولأوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ[ [التوبة: 42-48].

العَرَض القريب: الفائدة والمنفعة القريبة المتناول. والسفر القاصد: السفر القريب غير البعيد. والشُّقة: المسافة والجهة. 

وهذا بيان لصنف كثير فى الناس يريدون الحصول على الفوائد والمنافع بأقل التضحيات، فإذا طلب إليهم أن يعملوا ليصلوا، وأن يجاهدوا ليغنموا تعللوا بالمعاذير، وأكدوا تعلتهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة: لو استطعنا لخرجنا معكم والله يعلم إنهم لكاذبون، ثم هم يبالغون فى المكر والخبث، فيستأذنون فى القعود والتخلف.

ولقد جُبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسن الخلق، ورقة الطبع، وجميل المعاملة للناس، وستر نقائصهم وعيوبهم، والرحمة بهم، وهو رحمة الله للعالمين؛ فهم يعتمدون فى خلقه الكريم على هذه الصفات. ولهذا يستأذنون وهم مطمئنون، ولقد أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاتبه ربه هذا العتاب الرقيق ]عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا[ فيثق الناس بهم ]وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ[ فتحذرهم وتحذرهم الأمة. وفى ذلك حماية لها وتأديب لهم، ومن هنا كان من الواجب على أصحاب الدعوات ألا يجاملوا أحدًا على حساب مصلحة الدعوة أبدًا وأن يظهروا الناس على خفايا الكائدين المنافقين ليحذروهم.

عصمة الأنبياء:

ولقد أطال المفسرون بمناسبة هذه الآية فى موضوع عصمة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، والإجماع منعقد على عصمتهم الكاملة فيما يُبَلِّغون عن الله -عز وجل-، وفيما يتصل بصميم الرسالة من قول أو فعل. أما ما يتصل باجتهادهم فجائز عليهم الخطأ والصواب فيه، وفى ذلك معنى عال من معاني القدوة فى التشريع، ورفع عقيدة التأليه. وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه فى أُحد لرأى أصحابه، وفى بدر لرأى الحباب بن المنذر، وفى تأبير النخل لقول أهل الخبرة، وعوتب فى الإعراض عن الأعمى، وفى أخذ الفداء من الأسرى، ولا يقال فى هذا كله: إنه ارتكب إثمًا، أو قارف معصية، أو فعل ما يتنافى مع العصمة، ولكنه اجتهاد إن وافق الصواب ففيه أجران، وإلا ففيه أجر واحد. وفى الصيغة من أدب الخطاب ما يأخذ باللب، ويدل على عظيم منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه؛ إذ قدم العفو على المؤاخذة، فقال: ]عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ[، وبين وجه الأمر، فقال ]حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ[ [التوبة: 43].

المجاهدون والقاعدون:

ثم بين القرآن الكريم أن الناس قسمان: "مجاهدون وقاعدون"؛ فالمجاهدون يترقبون النفير، حتى إذا سمعوه طاروا إليه؛ لأنهم يؤمنون بالله، فيجاهدون فى سبيل الله، ويؤمنون باليوم الآخر فيترقبون الجزاء فيه، ويعلمون أن الله سيعوضهم خيرًا مما أنفقوا أو فقدوا من نفس أو مال، وإنهم بهذا الجهاد يتقون عذاب الله -تبارك وتعالى-؛ فهم يبذلون رغبًا ورهبًا ابتغاء مرضاة الله -عز وجل-. روى مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغى القتل والموت..  والله عليم بالمتقين.

وأما القاعدون فهم أولئك الكسالى الذين يتمحكون فى الاستئذان، وينتحلون الأعذار الواهية؛ فيكون ذلك دليلا على أنهم لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر، وأن الشك والريب لا زال كامنًا فى أنفسهم؛ فلا يحمل الإنسان على شىء على الجهاد كالإيمان، ولا يقعده عنه شىء كالشك والريبة ]فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[ [التوبة: 45].

ومن آية ترددهم أنهم لم يعدوا عدتهم، ولم يأخذوا أهبتهم، ولكنهم ظلوا مترددين، يسيرون أم يتخلفون؛ حتى غلب على أنفسهم الجبن والضعف، فقعدوا، وفى قعدوهم خير كبير للمجاهدين؛ فلن يضعف قوة المجاهدين كهؤلاء الضعفاء الرعاديد، ولهذا كان من توفيق الله لعباده أن صرفهم عن الخروج والجهاد فى سبيله.

ولو خرجوا ما زادوا المسلمين الشجعان إلا خبالا بالدسائس والمكائد والتوهين، وضعف الجلد، ولمشوا فى صفوفهم بالفتنة، وبالكلمات الموهنة المؤلمة، وبمعاني التخذيل والانقسام؛ ابتغاء تمزيق الوحدة حتى يعود الجميع جبناء، ولا ينفردون هم بهذا الوصف، وفى الناس من يستمع إلى القول، ومن يؤثر فى نفسه الحديث، فيظنه صدقًا وما هو به بصدق، ولكنه يحيك فى صدره، وينال من نفسه، ويظهر أثره فى فعله. 

ولقد ظهر هذا التوهين منهم يوم أحد؛ فقد أشاع عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين الفتنة فى الناس وهم قادمون على عدوهم، وأخذ ينفث فى صدورهم السحر، ويقول: "ما كان لنا أن نخرج، لقد أطاع محمد الولدان والصغار وعصاني، فيم هذا القتال ولا فائدة لنا من ورائه؟"، ولقد أثر قوله بعض الشيء حتى همّ بنو سلمة وبعض الخزرج بالفشل لولا أن ثبتهم الله، وفيهما نزلت الآية الكريمة ]إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا[ [آل عمران: 122]، ولم يلبث عدو الله مع هذا أن عاد أدراجه. وأمثال هؤلاء فى الجيوش أو الدعوات أخطر عليها من ألدّ أعدائها وخصومها، وهم دعاة الهزيمة، والطابور الخامس الذي يجب أن يُستأصل ويبيد، والله عليم بالظالمين. ولكن هذا لن يؤثر فى الدعوة، أو يحول دون النصر، وإن كان له خطره وضرره.

 وترى أمثال هؤلاء يسرون بهزيمة أصحابهم، ويكرهون لهم الفوز والظهور، وقُتل الإنسان ما أكفره! ومن الخير كل الخير للجيش والجماعة أن تتخلص من هذه الأشكال، ولقد رووا أن خالدًا فى غزو اليمامة استبطأ النصر، فصاح به أحد الصحابة: "ميزنا يا خالد؛ فقد أهلكت الناس، واحمل بالأنصار والمهاجرين"، ففعل، وميز أهل السابقة وهم ثلاثة آلاف، وترك الباقين وهم أضعاف، ثم حمل فانتصر وظهر أمر الله وهم كارهون ]وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[ [يوسف: 21](14).

 

سورة التوبة الآيات من 49 : 59

]وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّى وَلاَ تَفْتِنِّى أَلاَ فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ * قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُّتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ * وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ[ [التوبة: 49-59].

وهذا طرف من أخلاق المنافقين ومرضى القلوب الذين لم يتمكن الإيمان من نفوسهم، ولم يتغلغل فى أعماق قلوبهم، عرضته الآيات الكريمة هذا العرض الواضح المستنير؛ ليكون فضحًا للخادعين الكاذبين وعزاء للمؤمنين الصادقين.

فمن أخلاقهم تعللهم بالمعاذير واختلاق الأكاذيب ليهربوا من تبعات الإيمان وواجبات الجهاد، وهذا الجد بن قيس أحد هؤلاء المرضى يقول له الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يروى فى الصحيح فى غزوة تبوك: "يا جد هل لك فى غزو بنى الأصفر؟ فيقول: إنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن أفتتن فائذن لى ولا تفتنى". أخذ يغالط، ويدعى أن نساء بنى الأصفر يفتننه ويشغلن لُبَّه عن القتال، وما درى هذا المسكين المغالط أنه بهذا التخلف قد ترك القتال جملة، فسقط فى الفتنة إلى الحضيض، ولهذا كان الرد عليه: ]أَلاَ فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا[، وإن جزاء من سقط فى الفتنة جهنم وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

ومن أخلاقهم أنهم يحزنون للخير يصيب المؤمنين، ويفرحون للمصائب تنزل بهم، ويسرون هذا الشعور فى أنفسهم؛ فلا يظهرونه إلا بعد ظهور النتائج، ويظلون قبل ذلك يرجفون بالقول الكاذب، ويختلقون المفتريات والأباطيل؛ فإذا انكشف الأمر عن حسنة تصيب المؤمنين تمعرت لذلك وجوههم، وظهرت آثار الحزن على أساريرهم، وإذا واجهت المؤمنين الصادقين إحدى المصائب فرحوا واستبشروا، وصرحوا بمكنون النفاق، وفخروا بأنهم قد أعدوا للأمر عدته من قبل، ولم يتورطوا فيما تورط فيه هؤلاء المؤمنون المصابون، وقالوا: ]قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ[. 

وظهر مصداق هذا الخلق من هؤلاء المنافقين فى غزوة تبوك أيضًا؛ فقد قعدوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلقون الأباطيل، ويشيعون قالة السوء. روى ابن حاتم عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه قال: "جعل المنافقون الذين تخلفوا فى المدينة يخبرون عن النبى  صلى الله عليه وسلم أخبار السوء، ويقولون: إن محمدًا وأصحابه قد جهدوا فى سفرهم وهلكوا"، وبلغهم تكذيب خبرهم وعاقبة النبى  صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل الله فيهم ]إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ[ [التوبة: 50]  الآية، وهؤلاء هم دعاة الهزيمة والتردد والطابور الخامس، وهم أخطر وأنكى أثرًا من الأعداء السافرين، ولكن المؤمنين الحقيقيين لا يهمهم ذلك فى شىء، وأمرهم كله لهم خير؛ فإن أصابتهم النعماء شكروا، وكان خيرًا لهم، وإن أصابتهم الضراء صبروا ورضوا واحتسبوا؛ فكان خيرًا لهم وعليهم؛ فالأسباب والنتائج بيد الله ]قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [التوبة: 51]، وقصارى أمر المؤمن أن يموت فى سبيل الله، وهى أمنية من أمانيه؛ لأن بعدها الجنة والحياة الباقية حياة الخلود ]وَإِنَّ الدَّارَ الآَخِرَةَ لَهِى الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[ [العنكبوت: 64]، وهذا إذا لم ينتصر ويحقق الله ما وعده إياه من نصر مبين وفتح قريب؛ فهو ينتظر دائمًا إحدى الحسنيين: النصر والسيادة أو الموت والشهادة، وكلاهما خير. والكافر والمنافق على العكس من ذلك؛ إن عاش أحدهما عاش معذبًا مهزومًا، وإن مات مات خاسرًا مذمومًا ]قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ[ [التوبة: 52].

ومن أخلاقهم الرياء والتقية؛ بل ذلك أساس تصرفاتهم جميعًا، وهم لهذا يحاولون أن يستروا كفرهم وجحودهم ونفاقهم بمال يبذلونه ويساهمون به فى بعض أعمال المؤمنين، متظاهرين بأنه عن طواعية واختيار، والله يعلم أنهم إنما فعلوا ذلك عن خبث وكراهية واضطرار، ولهذا فضحهم القرآن الكريم، وكشف عن خبيثة نفوسهم، وأعلن أن ذلك لن ينفعهم بشيء فى الدنيا ولا فى الآخرة، وأنه لن يتقبل منهم بحال ]قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُّتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ[ [التوبة: 53]. وبين السبب فى هذا الحرمان والخذلان، ورفض نفقاتهم وعدم قبول صدقاتهم وتبرعاتهم، وهو أنهم كفروا بالله وبرسوله، ولا يأتون الصلاة إلا كسالى متغافلين، ولا ينفقون إلا كارهين مضطرين، وليس ذلك من أخلاق المؤمنين فى شىء، ولن تغنى عنهم فى الدنيا ولا فى الآخرة كثرة الأموال أو الأولاد؛ لأنها ستكون وبالا عليهم يتعذبون بفقدانها فى الغنائم والقتال، ثم يتعذبون مرة ثانية إذا ماتوا على الكفر، وحقت عليهم كلمة العذاب ]فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ[ [التوبة: 55].

ومن أخلاقهم التى يدفعهم إليها رياؤهم وخبثهم وخبث طويتهم أنهم يتسترون كذلك بالأيمان الكاذبة ]اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ[ [المجادلة: 16]؛ فهم يجرءون على الحلف بأغلظ الأيمان أنهم أخلص أهل الإيمان، وما هم منهم فى قليل ولا فى كثير، ولكن يحملهم على ذلك الخوف والجبن، ولو وجدوا مهربًا من ملجأ حصين أو كهف عميق أو سرب ضيق لفروا إليه بأقصى سرعتهم وهم يجمحون.

ومن أخلاقهم أنهم ينتهزون الفرصة لينفذوا إلى الطعن فى القادة بالباطل والنيل من نزاهتهم بغير الحق، ولا يجدون فرصة أسنح من قسمة مال أو تصرف فى غنيمة، فتنطلق ألسنتهم بالطعن والوقيعة واللمز والغمز وإشاعة التهم والأباطيل.

روى البخاري عن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسمًا إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي، فقال: "أعدل يا رسول الله، فقال له: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت إذًا وخسرت إذا لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ائذن لى فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" قال أبو سعيد فأنزل الله الآية الكريمة: ]وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ[ [التوبة: 58] . وروى ابن مردويه عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: "لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: رحمة الله على موسى، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر"، ونزلت: ]وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ[.

 وهكذا تتكرر هذه المآسي فى كل عصر، ويخرج من بين الطوائف والجماعات من لا يجد إلا أمثال هذه الاتهامات يوجهها إلى رؤسائها والقائمين بأمرها، وهم ليسوا مخلصين فى ذلك النقد، ولا متحرين الحق أو الخير فى هذا الاتهام، ولكنهم إنما يريدون منفعة ذاتية لأشخاصهم؛ فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، مع أنهم بذلك يخسرون كل شىء؛ حتى هذا المطمع؛ فلو أنهم رضوا وسلموا أو صبروا وانتظروا ما يأتى به المستقبل ]وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ[ [التوبة:59] لتحقق لهم ما يريدون، ولكن هكذا كانوا، وهم فى كل زمان ومكان، ولله فى خلقه شئون(15).

 

سورة التوبة الآية 60

]إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ [التوبة: 60].

وحين عرضت الآيات الكريمة لهذا الخلق من أخلاق المنافقين، وهو الطعن فى القادة والتشكيك فى نزاهتهم، وانتهاز فرصة تقسيم الأموال؛ لأن ذلك عند الناس هو نقطة الخيانة والطمع، وخصوصًا إذا لم ينالوا من هذه الأعطيات ما يرضى مطامعهم.. مناسب بعد ذلك أن نقرر أحكام الصدقات، وبيان مصارفها؛ حتى يكون فى هذا التقرير قطع ألسنتهم، وتسجيل براءة من يتهمونهم بالباطل، فجاءت هذه الآية الكريمة تقرر مصارف الصدقات.

والصدقات قسمان: قسم هو الفريضة الواجبة، وقسم تطوع وتبرع، والأول هو الذي أطلق عليه فى العرف الفقهي "الزكاة"، والثاني هو ما غلب عليه اسم "الصدقة"، وإن كان كلاهما فى الواقع صدقة، وأطلق عليهما هذا اللفظ فى كتاب الله -تبارك وتعالى- معًا كما فى قوله تعالى: ]إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِى وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ[ [البقرة: 271].

وفرضت الزكاة مع الصلاة فى أول الإسلام بمكة بدليل اقترانهما فى كثير من الآيات المكية، ولأن الصلاة هى مظهر الإسلام البدني العملي، والزكاة هى شعيرته المالية، والأولى صلة بين الخالق والمخلوق، والثانية صلة بين المخلوقين بعضهم وبعض، والعقيدة أساسهما معًا، وما جاء الإسلام إلا لهذين المقصدين الجليلين، ولكن الزكاة كانت حينذاك مجرد صدقة ونفقة، يتقدم بها المؤمن بحسب ظروفه والفائض من ضرورياته؛ لتنفق على إخوانه من المحتاجين، ولم يكن لها قدر محدود، ولا مصرف محدد كذلك.

 وفى السنة الثانية من الهجرة حدد مقدارها ومصارفها، ونظمت جبايتها، فسبق إلى ذهن الكثير أنها إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة، وكان هذا التدرج فى التشريع طبيعيًا؛ فإن جباية الزكاة من مهمة الحاكم أولا، ولم يكن ثَم حاكم إسلامي بمكة، حتى إذا استقر الأمر فى المدينة، وقامت فيها الحكومة الإسلامية الأولى كان طبيعيًا أن يكون من تمام مهمتها أن ينظم الله هذه الناحية الهامة للناس.

وتصرف الزكاة لثمانية أصناف هم: هؤلاء وهما صنفان لجنس واحد هو أهل الحاجة الفقراء والمساكين؛ هم المحتاجون وذوو الفاقة إلا أن الفقير هو الذي تكون حاجته وفاقته عن ضيق وسائل الأرزاق وقلة الموارد وندرة أبواب العمل والكسب، والمسكين هو الذي تكون حاجته عن ضعف فى بدنه يحول بينه وبين العمل والسعي.

وبهذا التوجيه تندفع كل الاعتراضات، وتخرج من الخلاف الطويل بين الفقهاء بأحسن المخارج، ويكون التوفيق بين الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على أفضل وجوهه، فضلا عما فى ذلك من التنبيه على دقة التصور فى الآية، واستيعابها لذوي الحاجات؛ فإنك لا تكاد تجد فرقًا فى أوصاف الفقير أو المسكين فى الآيات الواردة من حيث الاحتياج، أو التعفف، أو غفلة الناس عن التفطن إليهم. وتكاد الصفات من هذه الوجوه كلها تكاد تكون واحدة فى الآيات والأحاديث؛ فالآية تقول فى الفقراء ]لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا[ [البقرة: 273] والحديث يقول فى المساكين: "ليس المسكين الذى ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذى يتعفف، اقرءوا إن شئتم ]لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا[" ، وفى لفظ "ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" والحديث متفق عليه. 

وكون المسكين ذا متربة لا ينافي ما قلناه، ولا يشير إلى الفرق بينه وبين الفقير بشيء، وغاية ما فيه أن الإشارة على أن حاجته قد ألصقته بالتراب لشدتها؛ بل لعل فى هذا ما يشير من طرف دقيق لطيف إلى معنى العجز البدني، كما أن مادة اللفظ تشير إلى ذلك أيضًا؛ فالمسكنة من السكون، وأكثر ما يكون السكون عن مثل هذا العجز، ولعل هذا الذي ذهبنا إليه أفضل ما يقال فى هذا الموضوع، والله أعلم بالصواب.

]وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا[ وهم الصنف الثالث ممن يستحقون الزكاة، والمراد بهم القائمون بحمايتها وحسابها والإشراف على صرفها… إلخ. وبالعرف المصري "الموظفون فى ديوان الزكاة من جباة ومحاسبين ومشرفين"، قال الفقهاء: ولا تجوز العمالة لمن تحرم عليهم الصدقة من آل رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم بالاتفاق، وبنو عبد المطلب؛ لأن الفضل بن عباس والمطلب بن ربيعة بن عبد المطلب سألا النبى  صلى الله عليه وسلم أن يؤمرهما على الصدقات بالعمالة كما يؤمر الناس، فقال لهما: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هى أوساخ الناس"، وفى لفظ "لا تنبغى" بدلا من "لا تحل" والذى يظهر لى أن المحرم هو أخذ العمالة لا الإمارة نفسها؛ فإذا وجد من أهل البيت من يتطوع بالعمل فى الصدقات بدون مقابل فليس ما يمنع من تأميره عليها، وحسبه سهمه من بيت مال المسلمين، والله أعلم.

 أما من غير أهل البيت؛ فليس ما يمنع من أخذهم العمالة. وروى أحمد والشيخان عن بسر بن سعيد أن ابن السعدى المالكي قال: "استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها، وأديتها إليه، وأمر لى بعمالة، فقلت: إنما عملت لله، فقال: خذ ما أعطيت؛ فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكل وتصدق". والظاهر من الآثار كلها قصر المعنى على الجباة، ولكن عموم اللفظ يستغرق من عداهم من المحاسبين والمشرفين على التوزيع؛ فهم يدخلون فى العاملين عليها بهذا العموم، والله أعلم بالصواب.

 ]وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ[ وهم الصنف الرابع من مصارف الصدقة، وقد ذكر الفقهاء لهم أنواعًا، منها: 

الأول: رؤساء المسلمين الذين يرجى بإعطائهم دخول غيرهم من نظرائهم الكفار فى الإسلام، كما أعطى أبو بكر رضى الله عنه عدى بن حاتم والزبرقان بن بدر، مع حسن إسلامها يتألف بذلك قلوب أمثالهما من رؤساء القبائل والعشائر الذين كانوا يظنون أن دخولهم فى الإسلام سيؤدى بهم إلى الفاقة والفقر.

والثاني: رؤساء مطاعون فى قومهم، يرجى بإعطائهم تقوية صلتهم بالجماعة الإسلامية، ومناصحتهم فى الجهاد لإعزازها وتقوية وحدتها كبعض الطلقاء من أهل مكة الذين أغدق عليهم النبى صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن وحنين.

والثالث: المعرضون للفتنة من أهل الإسلام المجاورين لأهل الكفر، ويرجى بإعطائهم حمايتهم من فتنة المال والوقوع فى مغريات الأعداء ورشاويهم وهداياهم؛ ليتخذوا منها ذرائع لاحتلال أرض الإسلام وبسط سلطانهم عليها والدخول فى حمايتهم ورعايتهم.

والرابع: الرؤساء من غير المسلمين الذين يرجى بحسن معاملتهم استمالة قلوبهم للإسلام، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صفوان بن أمية، وقد كان أحد العشرة الذين انتهى إليهم شرف الجاهلية، ووصله لهم الإسلام، منحه رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلا محملة يملأ واديًا فسيحًا، فقال: "هذا عطاء من لا يخشى الفقر"، وألف بذلك قلبه، فقال: "والله لقد أعطاني النبى صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الناس إلى؛ فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلى"، وقد أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه.

والخامس: من يُخشى شره، فيعطى لكف شره، أو يرجى بذل نفوذه لخدمة الدعوة الإسلامية، فيعطى ليفعل ذلك.

قال ابن عباس: إن قومًا كانوا يأتون النبى  صلى الله عليه وسلم؛ فإن أعطاهم مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا، وكان منهم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وورد أن سهمهما قد اعترض عليه عمر، وقطعه فى خلافة أبى بكر  رضى الله عنه فى قصة لطيفة دقيقة المآخذ، جمة الفوائد: جاء عيينة والأقرع إلى أبى بكر  رضى الله عنه يطلبان منه أرضًا، فكتب لهما خطًا بذلك، فخرقه عمر  رضى الله عنه، وقال: "هذا شىء كان يعطيكموه رسول الله  صلى الله عليه وسلم تأليفًا لكما؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام، وأغنى عنكم؛ فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف"، فرجعوا إلى أبى بكر  رضى الله عنه فقالوا: "أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر"، فقال أبو بكر: "هو إن شاء"، وأقره على ما فعل، ولم يعترض عليه فى ذلك أحد من الصحابة.

]وَفِى الرِّقَابِ[ وهم الصنف الرابع والمصرف الرابع من مصارف الزكاة؛ فللدولة أن تنفق من الزكاة لهما فى سبيل تحرير الرقيق بشرائها وإعانة المكاتبين على أداء ما ضرب عليهم، كما أن لدافع الزكاة أن يدفعها لهم لهذا الغرض، وقال ابن عباس: "لا بأس بأن يعتق من زكاة ماله"، وروى أحمد والدارقطني عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة، ويبعدني من النار. فقال: أعتق النسمة وفك الرقبة. فقال: يا رسول الله أوليسا واحدا؟ قال: لا؛ عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها".

وروى الخمسة إلا أبا داود عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة كان حق على الله عونه: الغازي فى سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح المتعفف".

والمأثور عن على بن أبى طالب وسعيد بن جبير والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية وأكثر أهل العلم صرف المعنى إلى المكاتبين يعانون من الزكاة على الكتابة والمكاتبون هم الأرقاء الذين اتفق معهم مالكوهم على أن يشتروا حريتهم بجعل معلوم من المال"، والمأثور عن ابن عباس والحسن البصري ومالك وأحمد بن حنبل وأبى ثور وأبى عبيد وإليه مال البخاري وابن المنذر صرف المعنى إلى الشراء، والمأثور عن الزهري أنه يجمع بين الأمرين، ولعل هذا هو الأخلق بعموم الآية.

وليس معنى ذلك اعتراف الإسلام بالرق اعترافًا مطلقًا؛ بل معناه مقاومة الرق، ومحاولة القضاء عليه، والإسلام هو أول شريعة أعلنت حريات الإنسان، وقدستها، ودافعت عنها، وحاربت الرق وحرمته، وابتكرت أفضل الوسائل للقضاء عليه، وهذا بحث طويل نستوفيه فى مناسبة أخرى، إن شاء الله.

]وَالْغَارِمِينَ[ وهم الصنف السادس من مصارف الزكاة، وهم الذين عليهم غرامة مالية بديون لزمتهم، وتعذر عليهم أداؤها. ويشترط الفقهاء بأن تكون الاستدانة بغير معصية إلا أن يكون قد تاب، وفى غير إسراف أو سفاهة إلا أن يكون قد رشد. ولا شك أن فى هذا التشريع الكريم بمكارم الأخلاق إشارة على تكافل المجتمع أمام مطالب الحياة وضروراتها. 

وقد كان من عادة العرب وكرم أخلاقهم قبل الإسلام أن الأشراف منهم يتحملون أعباء الضعفاء، وبخاصة فى المآزق الحرجة كتحميل ديات القتلى حين الحرب، فيعينهم الأغنياء على حمالتهم، هذا وأقر الإسلام هذه المكرمة، وجعلها سهمًا من سهام الزكاة.

وروى أحمد وأبو داود عن أنس أن النبى  صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة؛ لذى فقر مدقع، أو لذى غرم مفظع، أو لذى دم موجع"، وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن قبيصة بن مخارق والهلالي قال: "حملت حمالة، فأتيت النبى  صلى الله عليه وسلم أساله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش-، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا -أو قال سدادًا- من عيش، وما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتًا".

]وَفِى سَبِيلِ اللهِ[ وهو الصنف السابع من مصارف الزكاة، ومن المراد به بالإجماع الغزو فى سبيل الله من إعانة الغزاة والمجاهدين وعجزهم، والإنفاق عليهم، وشراء العدة والسلاح لهم، قال مالك -رحمه الله تعالى-: "سبل الله كثيرة، ولكن لا أعلم خلافًا فى أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو من جملة سبيل الله", وهل يشترط فى الغازي الذى يأخذ من الصدقة أن يكون فقيرًا أم أنه يأخذ منها ولو كان غنيًا؟ قولان، والثاني أرجح بحجة أنه يأخذ ليستعد بوصفه غازيا فى سبيل الله، كما يشترط كذلك ألا يكون مقيدًا فى ديوان السلطان؛ أى جنديًا محترفًا. 

وقال بعض العلماء: إن سبيل الله عام؛ فلا موجب لتخصيصه، ولا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع أبواب الخير ووجوهه، وهو مروي عن ابن عمر وأحمد وإسحاق، والأصح بالتحقيق أن يقال: إن سبيل الله عامة، ولكن أولى وجوهها هنا الغزو وما يستلزمه؛ فإن كان الجيش المنظم مكفيًّا بديوان السلطان أنفق من الزكاة فى الإعداد، وإن كان مال السلطان لا يكفي حاجة الغزاة صرف لهم من هذا السهم كذلك، وإن كان هناك من وجوه الخير ما هو فى حاجة إلى أن ينفق عليه من مال الله وهو الزكاة فكذلك، والله أعلم.

]وَابْنِ السَّبِيلِ[ الصنف الثامن والأخير من مصارف الزكاة، وقد اتفقوا على أنه المنقطع عن بلده فى سفر لا يتيسر له فيه شىء من ماله إن كان له مال؛ فهو غنى فى بلده، فقير فى سفره، وهذا من عناية الإسلام بالسياحة والضرب فى الأرض، واشترطوا أن يكون سفره فى طاعة أو فى غير معصية على الأقل، واختلفوا فى السفر للأمور المباحة كالتنزه، والأولى أن تدخل فى المقصود هنا كذلك.

تلك هى فريضة الله -تبارك وتعالى- فى المال، افترضها لتكون تطهيرًا للنفوس، وتأمينًا للمجتمعات، وتوثيقًا للروابط، والله عليم بما يؤدى إلى ذلك، حكيم فى أوامره ونواهيه وشرائعه.

وهل لا بد من تعميم الصدقة على الموجود من الأصناف الثمانية؟ قال الشافعي: "نعم"، وقال الجمهور: "يجتهد ما أمكنه ذلك، وكلما عممها كان نفعها أعظم ومثوبتها أجزل"، والله أعلم(16).

 

سورة التوبة الآيات من 61 : 66

]وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِى وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْى الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ[ [التوبة: 61-66].

بينت السورة الكريمة فيما مضى طرفًا من أخلاق المنافقين، وتتعرض الآيات الكريمة بعد ذلك لطرف آخر من هذه الأخلاق.

فالمنافقون فى الدعوات، فى الجماعات، فى كل عصر ومكان، من أخلاقهم التشكيك فى القادة، وتلمس العيوب والمطاعن للرؤساء؛ حتى تتفكك وحدة الجماعة. وقد أشارت الآيات السابقة إلى مغمزهم الباطل للنبى صلى الله عليه وسلم فى تصرفاته فى الصدقات، وتشير هذه الآية الكريمة إلى أن لمزهم هذا لم يقف عند انتقاد التصرفات؛ بل تعدى ذلك إلى انتقال الأخلاق والطباع؛ فهم يحاولون أن يشيعوا أنه "أُذن"؛ أى كثير الاستماع، وسريع التأثر بوشايات الواشين وأكاذيب المتملقين، شأنه فى ذلك شأن الرؤساء المتعاظمين من أهل الدنيا. روى السدى قال: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم جلاس بن سويد بن صامت، و"مخشى" بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا فى النبى صلى الله عليه وسلم، فنهى بعضهم بعضًا، وقالوا: نخاف أن يبلغ محمدًا، فيقع فيكم، وقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، فنزل ]وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ [التوبة: 61].

وقد رد القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه التهمة، تهمة الإصغاء إلى الأباطيل والتأثير بالوشايات، وقرر أنه صلى الله عليه وسلم يستمع حقًا، ولكن إلى الخير عن الله -تبارك وتعالى- وعن المؤمنين، وأن فى استماعه هذا رحمةً للذين أظهروا الإيمان منهم؛ إذ إنه لو أخذ ينقب عن بواطن أمورهم، ويفتش عن دقائق أحوالهم ولم يعاملهم بظواهر حالهم؛ لكان فى ذلك حرج شديد عليهم، واستماعه هذا رحمة لهم -ولا شك-، والذين لا يدركون هذه الحقائق ويصرون على إيذائه صلى الله عليه وسلم بالأقوال الباطلة لهم عذاب أليم.

كما أن من أخلاق هؤلاء المنافقين الجرأة على الأيمان الباطلة والحلف الكاذب؛ فهم يدرؤون عن أنفسهم بذلك، ويستجلبون به مرضاة الناس. روى ابن أبى حاتم عن قتادة قال: "ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال فى شأن المتخلفين فى غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقًا -يعنى نفسه- لهُم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار، وسعى الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل، فدعاه، فقال: ما حملك على الذي قلت؟ فجعل يلتعن -يلعن نفسه- ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الكتاب، فأنزل الله فى ذلك ]يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ[ [التوبة:62].

 وأخرج ابن أبى حاتم عن السدى مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس الأنصاري، وكان من الخير لهؤلاء أن يرضوا الله ورسوله؛ فإن الناس لا يملكون لهم من الله شيئًا، والله خير وأبقى، ووحدة الضمير فى "يرضوه" إشارة إلى أن مرضاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم مرضاة لله؛ لأنها تأييد لرسالته، وهى من عند الله -عز وجل- وليس هناك تركيب آخر يعبر هذا المعنى أبدًا إلا هذا التعبير البليغ: والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح؛ فإن أصروا على إيذائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاستتار بالأيمان الباطلة كانوا بذلك محاربين لله ولرسوله، واستحقوا بهذا نار جهنم خالدين فيها، وذلك هو الخزى العظيم والخسران المبين.

والعجيب أن هؤلاء المنافقين كانوا يعلمون ويعتقدون أن محمدًا يوحى إليه، ولا تخفى عليه من أمرهم خافية؛ فهم يحذرون أن يطلع من أعمالهم وأقوالهم على ما يكره، ولكن تأصل الكفر والنفاق يتغلب عليهم فى كثير من الأحيان، فيخوضون فيما يحذرون الخوض فيه؛ أملا فى التعلل بعد ذلك بالمعاذير، مستهزئين بالدعوة وصاحبها، ويحذرهم من انكشاف أمرهم وافتضاح نفاقهم وكفرهم، فنزلت الآيات الكريمة تصور أدق تصوير هذه الخوالج النفسية، وتكشف عن هذه المؤامرات الخفية العملية، وتتوعدهم بالفضيحة وسوء الجزاء؛ فذلك قوله تعالى ]يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ[ [التوبة: 64] فإذا انكشف أمرهم قالوا ]إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ[ [التوبة: 65] مع أن الموضع موضع جدل لا موضع لهو وعبث ]قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ[ [التوبة: 65].

 ومن هنا سجل عليهم الوصف الذي ينطبق عليهم والجزاء الذي يستحقونه، ورد عليهم اعتذارهم الواهي، فقال: ]لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ[ [التوبة: 66]، ولما كان فريق منهم قد تاب وحسنت توبته سجلت الآية الكريمة عفو الله عنهم، كما سجلت مؤاخذته للمصرين على الجريمة منهم ]إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ[ [التوبة: 66]، وما زالوا على جريمتهم.

 أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن أبى حاتم عن قتادة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح الله له قصور الشام وحصونها؟!! هيهات هيهات! فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "احبسوا على هؤلاء الركب"، فأتاهم، فقال: قلتم كذا.. قلتم كذا.. قالوا: يا نبي الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. 

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: "نزلت هذه الآية فى رهط من المنافقين من بنى عمرو بن عوف، فيهم وديعة بن ثابت، ورجل من أشجع حليف لهم يقال له مخشى بن حمير، كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بنى الأصفر كقتال غيرهم؟ والله كأنما بكم غدًا تقادون فى الحبال. قال مخشى بن حمير: لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منكم مائة، على أن ننجو من أن ينزل فينا قرآن، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: أدرك القوم؛ فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا؛ فإن هم أنكروا وكتموا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا، فأدركهم فقال لهم، فجاءوا يعتذرون فأنزل الله ]لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ] [التوبة: 66] الآية، فكان الذى عفا الله عنه مخشى بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم بمقتله، فقتل باليمامة لا يعلم بمقتله، ولا من قتله، ولا يرى له أثر ولا عين"(17).

 

صوت النفير العام

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فى سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فى الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هى الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فى سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ [التوبة: 38-41].

اخْلُ بنفسك من شوائب المادة، واحصر تفكيرك فى هذه التعاليم الروحية، واستجمع لها روحك وقلبك، واستمع لها كما يستمع الجندي المطيع أوامر القائد المحبوب الحازم المطاع، فإنك ستفهم منها فلسفة رائعة فى تكوين الأمم وأعلام الجهاد ودعائم النصر.

مقاصد الآيات الكريمة:

ونستطيع أن نلخص مقاصد هذه الآيات الكريمة فى هذه الجمل:

1-     على المؤمن بالدعوة أن يعمل لها.

2-     أجر العمل أفضل من حرمان القعود.

3-     إذا قصر المؤمن فى الجهاد عوقب واستبدل به غيره.

4-     حسب المجاهد ثوابًا أن رضيه ربه لهذا الميدان.

5-     فى واقعة الهجرة العملية آية ذلك ودليله.

6-     لا عذر لقاعد عن نصرة الحق مهما كان، فإنما هو النفير العام.

وإليك بيان ذلك:

أولا: من الناس من أحاطت به ظروف جعلت عبء حياته على غيره فهو فى أمن ودعة وهدوء وراحة، ومنهم من أحاطت به ظروف جعلته يحمل عبء سواه فهو فى كفاح دائم وفى نضال مستمر وفى عمل لا ينقطع، وكذلك الأمم، فى حياتها تتقلب بها الحادثات وتنتابها عوامل الاجتماع؛ فهي أحيانًا وادعة هادئة وأحيانًا كادحة مجاهدة، وإنما يحمل عبء الجهاد فيها أصحاب الدعوات الخالصة والمبادئ السليمة ورجال الإصلاح الصحيح الذين آمنوا بوجوب العمل واعتقدوا ضرورة الحاجة إلى الجهاد. هؤلاء النفر من بناة الأمم ودعاة الحق ودعائم الإصلاح لا بد أن يجاهدوا، ولا بد أن يستعدوا لكفاح طويل لا نهاية له، فإن حاجات الأمم أطول من أعمارهم مهما طالت، وعليهم ألا يقصروا أو يلينوا فى أداء المهمة التى كان من حظهم أن يحملوا عبئها وينتدبوا أنفسهم للقيام بها.

ثانيًا: وهم إذا فعلوا ذلك فقد أعد الله لهم أعظم الأجر لِقَاءَ هذا التعب، وها هم إذا حَرَمُوا أنفسهم لذائذَ حقيرةً فى حياة قصيرة فقد أعد الله لهم فى خلد جنته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فإن سَمَتْ أنفسهم عن المعاوضات وجاهدت لأنها اعتقدت وجوب الجهاد، ورأت فى لذة العمل وفى سعادة النجاح وفى إسعاد المجتمع ثواب عملها وجهادها فبها ونعمت، ولن يضيع الله أجرها بل سيضاعفه لها، وإن كان ولا بد من معاوضة؛ فشتان بين ما يفنى وما يبقى وبين لذائذ هذه الحياة الدنيا ولذائذ الأخرى، فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل، وَلَمَوْضِعُ سوط أحدكم فى الجنة خير من الدنيا وما فيها.

ثالثًا: فإذا أبى المجاهدون إلا القعود واستسلموا للضعف وسلموا الراية وخانوا الأمانة فهناك العذاب الأليم والجزاء الوفاق، ولن يدع الله الراية بغير حملة ولن يترك الدعوة بغير أنصار بل يُديل الله منهم ويستبدل قومًا غيرهم، ويكون إثم المقصرين القاعدين الذين ملوا العمل وسئموا الكفاح على أنفسهم والضرر حائق بهم ولن يضروا الله شيئًا، فإن الله هو الغنى الحميد.

رابعًا: وعلى المجاهد أن يعلم أنه شرف عظيم وفضل كبير أن يختاره ربه لحمل أمانته ونصرة دعوته، ولو لم يكن له من الثواب إلا هذا التكريم لكان فيه فوق الكفاية، فإن الله لا يختار لهذا الشرف إلا من أحبهم. وماذا يرجو مؤمن بعد أن يكون لربه حبيبًا، ومن رسوله قريبًا، فليشكر الله على هذه المنَّة ولا يرى لنفسه فضلا فى شىء بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين.

خامسًا: ولقد تجلت قدرة الله العظيم واستغناؤه -تبارك وتعالى- عن الأسباب والمخلوقات فى حماية أوليائه ونصرة أنبيائه وإظهار كلمته فى مواطن كثيرة، منها يوم الغار؛ إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا صاحبه الكريم يملأ قلبَهما الإيمانُ، وتظلهما العقيدة الصادقة بجنود لا قبل لأحد بها ولا سلطان لمخلوق عليها؛ فكان عاقبة ذلك تأييد الله ونصره لهما وخذلان أعدائهما وردهم على أعقابهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًا عزيزًا، وأنزل الله سكينته على رسوله، وأيده بجنوده، وأعلى كلمته، وأحبط مكيدة الكافرين. فانظر إلى هاتين العبرتين: صدق عقيدة من المجاهدين يقابله تأييد ومناصرة من رب العالمين، لا دخل فيه لأحد من المخلوقين، وهما صنوان لا يفترقان أبدًا "صدق الإيمان وفخر النصر".

سادسًا: وإذا كان ذلك كذلك فمفروض على كل مؤمن أن يكون جنديًّا فى سبيل العقيدة التى آمن بها، يذود عنها ويعمل لها، ويجاهد فى سبيلها بنفسه وماله، ولا عذر لأحد فى ذلك.

قرأ أبو طلحة سورة براءة فأتى على هذه الآية ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فى سَبِيلِ اللهِ[ [التوبة: 41] فقال: "أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا، جهزوني يا بَنىّ"، فقال بنوه: "يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات؛ فنحن نغزو عنك"، فأبى، فركب البحر، ومات مجاهدًا.

وشهد أبو أيوب الأنصاري مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا ثم لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عامًا واحدًا. 

وقال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا[ فلا أجدنى إلا خفيفًا أو ثقيلا، وما زال رضى الله عنه المجاهدَ القوى والجندي الفتى حتى قضى ابن يثرب وحليف الشِّيح والقيصوم وربيب الصحراء على أسوار القسطنطينية، ونام شهيدًا سعيدًا قرير العين هادئ النفس على ضفاف البسفور.

وحدث أبو راشد الحراني قال: وافيت المقداد بن الأسود جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص وقد فضل عنه لسمنه وعظمه وهو يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت علينا سورة البعوث ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا[.

وقال ابن جرير: حدثني حبان بن زيد الشرعي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليًا على حمص إلى الجراجمة، فرأيت شيخًا كبيرًا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالا ولم يعذر أحدًا. 

وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد ]انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا[ قالوا: فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره، فأنزلها الله وأبى الله أن يعذرهم دون أن ينفروا مهما كانت ظروفهم وعلى ما كان منهم.

سابعًا: "وبعد" فإلى من يريدون تكوين الأمم على روح الجندية الصحيحة، هل رأيتم نفيرًا عامًا كهذا النفير، فإن كنتم جادين فخذوا على هذا الدرب ودعوا العبث واطرحوا التجارب الفاشلة. وأنتم أيها الإخوان المسلمون، أسمعتم نفير الله فى كتابه إن كنتم جادين فى دعوتكم فاستعدوا، فما يوم الجهاد ببعيد، وقل عسى أن يكون قريبًا، وحينئذ احذروا أن تثاقلوا إلى الأرض، وأن تغفلوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل(18).

 

العسكرية عهد

]إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 111].

يوم أراد الله -تبارك وتعالى- أن يسعد الإنسانية، وأن يعم العَالَمَ برحمته، ويقدم للناس كافةً أجمعَ نظاما كاملا يضمن لهم سعادة الدارين بعث إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه كتابه، ومنحه أستاذية الدنيا جميعًا، وجعل كل مسلم معه أو بعده صلى الله عليه وسلم حارسًا على هذا الكنز، ووارثًا لهذه الأستاذية الكبرى، وقائمًا بحق هذه المهمة العظيمة.

تجارة رابحة وفوز عظيم:

فليس عجيبًا بعد ذلك أن يعقد الحق -تبارك وتعالى- بينه وبين هؤلاء الحراس من المؤمنين ذلك العقد المحكم؛ فيكون هو المشترى وهم البائعين السلعة والنفس والدم والروح، والجزاء الجنة، وكيفية التسليم: جهاد فى سبيل الحق، وفناء فى أداء هذه الحراسة القدسية للكنز الثمين، وهل تؤدى مهمة المؤمن الحق بأقل من هذا الثمن؟! كتب هذا العقد المحكم على صفحات التوراة والإنجيل والقرآن، وشهد عليه عيسى وموسى ومحمد وجبريل، وليس أحد أوفى بعهده من الله.

فما أربحها من تجارة، وما أجزله من ثواب، وما أقدسها من بشرى ] فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 111].

قالوا: إن هذه الآية حين نزلت فرح بها عامة الصحابة فرحًا شديدًا، ووجد خاصتهم فى أنفسهم شيئًا؛ إذ قالوا: أيشترى الله ما هو ملك له؟! وكيف يشترى المالك ملكه؟! أوقد غلب علينا العقوق حتى لا نسلم لله وديعته إلا بثمن؟! فما أعلى هذا المشهد، وما أسمى هذا المقام!!

سبب النزول:

قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسًا أو اثنان وسبعون نفسًا وامرأتان، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: "أشترط لربى -عز وجل- أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة"، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت الآية.

غاية الموت عند المؤمن:

ترى فى أية طريق ولأية غاية يقدم المؤمن نفسه للقتل؟! لظلم وعدوان؟! لمال وملك وجاه؟! لاهتضام شعب، واحتلال أرض، وعبث بأمن، وانتقام لوهم، واعتزاز بجنس أو عصبية؟! اللهم لا لشيء من ذلك يتقدم المؤمنون إلى هذه الميادين، ولكن ليعلو الحق، ويسود العدل، وتخفق راية السلام، وتكون كلمة الله هى العليا، وليقولها خليفتهم داوية قوية جريئة ملء الأرض والسماء: متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

أيها المسلمون اليوم، إن نفوسكم ليست ملكًا لكم، ومع هذا فقد اشتراها الله منكم، وإن مهمتكم وإيمانكم وعزتكم لا تكمل بغير إنفاذ هذا البيع وتسليم الأمانة مهما حاولتم، وإن الأمانة ستسلم طوعًا أو كرهًا ]أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ[ [النساء: 78]، ولن يمنعها القعود من القتل إن كتب عليها، ولن يحدوها الإقدام إليه إن منحها الله إياه.. ففيم القعود إذن؟ 

بين ثواب الله وجزاء الملوك:

ليت شعري أى جزاء سيقدمه "موسولينى" لجنود الفاشية؟! لعله قطعة من طرابلس المهضومة، أو من سهول الحبشة حيث يذوق أهلها مر العذاب، وينعم بعذابهم الفاتحون! وليت شعري أى جزاء سيقدمه هتلر لجنود النازية؟! لعله يُمنِّيهم اليوم بالكمرون وذهبها، أو بأفريقية الشرقية ومطاطها وغاباتها! وليت شعري أى جزاء يمنِّى به "ستالين" جنود البلاشفة الحمر؟! وأظنهم سيقتسمون أنقاض الحمراء أو قصر طليطلة بإسبانيا.

أيها المسلمون اليوم: أين هذا الجزاء مما أعده الله لجنود الإسلام الفضلاء من جنة عرضها السماوات والأرض، أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار. أفبعد هذا أيها المسلمون يغلبكم القوم بعسكرية طائشة على هذه العسكرية الفاضلة؛ حياكم الله يا أبطال فلسطين، وأحيا فى المسلمين جميعًا هممًا كهممكم(19).

 

أين هؤلاء الذين عاهدوا الله؟

]التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[ [التوبة: 112].

قد علمت نبأ العهد الوثيق بين الحق -تبارك وتعالى- وبين عباده المؤمنين؛ أن يبيعوه أنفسهم وأموالهم جهادًا فى سبيله، وعملا لنصرة شريعته، وأن يجزيهم بذلك الجنة. وعلمت أنه -تبارك وتعالى- قد بشر الأوفياء بهذا البيع الرابح، فقال تبارك وتعالى: ]فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[ [التوبة: 111].

سمات الأوفياء من المؤمنين:

إن أردت أن تعرف سمات هؤلاء "الأوفياء" من المؤمنين فتأمل هذه الصورة الرائعة من صور الكمال البشرى.. فاسمع:

"التائبون" وإنما التوبة رجوع إلى الحق يمليه الحس الدقيق، ويدفع إليه الشعور الحي اليقظ، ودقة الحس ورقة الشعور أظهر مزايا الإنسانية فى الإنسان. وهل هناك صفة أنبل فى النفس الإنسانية من صفة العدالة والإنصاف؟ فيكون منها لها حارسًا أمينًا ومرشدًا حكيمًا، يزعها عن النقائص، ويكشف لها عن مساويها؛ فتندم وتهب مسرعة نحو الكمال.

إذن ليس المقصود بالتوبة هذه الكلمات التى تلوكها الألسنة، وليس المراد بالتائبين من يكثرون قول هذه الكلمات، بل المراد أولئك الذين كملت فى نفوسهم معاني الإنسانية السامية فاتصفوا بالعدالة والإنصاف، وكان أول مظاهرها عندهم أن يحاسبوا أنفسهم.

"العابدون": فإذا رقى هذا الشعور النبيل فى النفس كشف لها عن كثير من حقائق الكون، فعرفت الكون من حولها، وعرفت نفسها، وعرفت خالقها؛ فقدرت عظمته، واتصلت به فأكثرت من خشيته، واتصفت بالعبودية الصحيحة له. والعبودية -يا فتى- أرقى منازل الوصول إلى الله وأقدس مراتب القرب.

لا تَدْعُنِى إلا بيا ‌‌عبدها          فإنه أشرف أسمائي

وبقدر اتصافك بأوصاف عبوديتك يتفضل عليك ربك بفيض من كرم ربوبيته ]وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[ [البقرة: 186]. 

أولست ترى أيها العاقل أن التوبة -وهي مظهر الإنصاف- أنتجت حكمًا عادلا هو تحقق العبد بعبوديته؟

"الحامدون": ووصول العبد إلى هذه المنزلة يشعره بعظيم فضل الله عليه وكبير نعمائه لديه؛ فيلهج بالحمد، ويكثر من الثناء، ومن أولى بهذين من ولى النعمة؟!

"السائحون": فإذا حملت هذا الوصف على الصيام فهو تجرد عن المادة لعذوبة متعة الروح. وإذا حملت على السياحة فهو تفكر فى مظاهر الكون أنتجه الشعور بجمال المكون وعظيم نعمته. وكلاهما -كما ترى- حمد عميق، وشكر فائق. ونعمة الله بعد ذلك أجزل، وهل هذان إلا من نعمه؟!

"الراكعون الساجدون": والركوع مظهر التعظيم، والسجود أقرب القرب، فإذا رقَّت الروح بالصوم أو رقَّت بالفكر؛ فقد أعظمت ما وصلت إليه، فعبرت عن علمها هذا الجديد، وشعورها الفائض بالصلاة، ولأمر ما كانت الصلاة قرة عين سيد الشاكرين صلى الله عليه وسلم.

"الآمرون بالمعروف": وإذا وصلت النفس إلى هذا الشعور الجميل، وآنست بذلك المقام السامي أرادت أن تشرك غيرها فى هذا الخير، وأن تفيض على سواها من مظاهر الإمداد الروحي؛ فأمرت بالمعروف، ونادت الناس أن هلموا إلى ذلك الجناب.

"والناهون عن المنكر": وهي ترى أنه لا يمنع الناس أن يتوبوا ويستغفروا إلا شهوات زائفة ومعاص حقيرة؛ فهي تنهاهم أبدًا عن المنكر، وتبين لهم ضرر الخطيئة لو كانوا يعقلون.

"والحافظون لحدود الله": وهي فى ذلك كله فى توبتها وعبادتها وحمدها وسياحتها وركوعها وسجودها وأمرها ونهيها وصلتها بربها وبخلقه تحفظ حدود الله، ولا تخرج عما شرع لعباده، وتتخذ من تعاليمه سياجًا منيعًا ومرشدًا حكيمًا تحفظه ولا تتخطاه، وتسير عليه ولا تتعداه.

بربك يا أخي أليس هؤلاء لهم البشرى؟ أوليس هؤلاء خلاصة المؤمنين؟ أوليس هؤلاء نماذج الكمال التى ينشدها الفلاسفة فلا يجدونها إلا فى بطون الكون؟

إنهم كذلك، فأين هم الآن؟(20).

 

من دستور السماء

(1) شرف الإسلام الدولي

}بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِى الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ  يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِىٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{ [التوبة: 1-3].

ألفاظ وتراكيب:

أذان من الله: إعلام وإخبار.

ويوم الحج الأكبر: يوم عرفة عند عكرمة عن ابن عباس. ويروى عن ابن عمر وابن الزيد، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب، أو هو يوم النحر، يرويه على بن أبى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي، وفيه أقوال كثيرة، وأرجحها أنه يوم النحر.

وبشر الذين كفروا بعذاب أليم: التعبير بالتبشير فى الآية تهكمًا بهم وتأنيبًا لهم.

قصة الآيات ومجمل المعنى:

عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بنو بكر فى عهد قريش، ثم عدَت بنو بكر على خزاعة فنالت منهم، وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهر قريش وبنو بكر على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

لاهُمَّ إنى ناشدٌ محمدا            حلف أبينا وأبيه الأتلدا

كنت لنا أبا وكنا ولدا            ثَمَّتَ أسلمنا ولم نفزع يدا

فانصر هداك الله نصرًا أبدا              وادعُ عبادَ الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجردا         فى فَيْلَقٍ كالبحر يجرى مزبدا

أبيضَ مثل الشمس يسمو صعدا          إن سِيم خسفًا وجهه تربدا

إنَّ قريشًا أخلفوك الموعدا        ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وَزَعَمَتْ أن لست تنجى أحدا             وهم أذل وأقل عددا

هم بيَّتونا بالحطيم هجدا          وقتَّلونا ركعًا وسجدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نُصِرْت إن لم أنصركم". وتجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة، وكان هذا النقض سبب الفتح، وصدق موعود الله لنبيه وعباده المؤمنين، فلما كانت سنة تسع من الهجرة أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج بالناس، فقيل له: إن المشركين يحضرون ويطوفون بالبيت عراة، فقال: "لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك"، فبعث أبا بكر أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج.

وفى هذه السنة أراد الله -تبارك وتعالى- أن يتم إظهار دينه وإعزاز كلمته فى الجزيرة العربية، فأنزل صدر سورة براءة هذه إيذانًا منه -تبارك وتعالى- ومن رسوله  صلى الله عليه وسلم إلى المشركين كافة أن الهدنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبينهم أربعة أشهر من أول يوم الحج الأكبر، يحل له بعدها دماء من لم يدخل فى الدين منهم ومن لم يكن بينه وبين الرسول  صلى الله عليه وسلم عهد أقل من أربعة أشهر فالهدنة تزاد إليها، ومن كان عهده مع الرسول أكثر من أربعة أشهر فهو على مدته كبنى ضمرة من كنانة مثلاً، بقى من عهدهم حين نزول الآية الكريمة تسعة أشهر، فأتمها لهم  صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يأت النقض من جانبهم.

وقد بين الحق -تبارك وتعالى- أن هذه الهدنة ليست لعجز ولا لضعف من جانب المسلمين ومعهم تأييد ربهم الذي لا يعجزه شىء، ولكنها فترة رحمة بالمشركين حتى يستعدوا إن شاءوا القتال، ويفكروا فى هدوء إن أرادوا الإسلام؛ فإن كانت الأولى فلهم العذاب الأليم فى الدنيا والآخرة، وإن كانت الثانية فلهم الخير العميم فى الدارين كذلك.

تعليقات:

أرأيت أيها الأخ هذا الشرف الدولي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصومه، وكيف كان صريحًا معهم كل الصراحة، واضحًا فى معاملتهم كل الوضوح، رحيمًا بهم منتهى الرحمة؛ إن أراد الحرب آذنهم بالخصومة، وإن أراد السلم ذكرهم بما فيه من فائدة، وإن قطع العهد أتمه إلى مدته، وإن نكثوا أخذهم بهذا النكث، ولم يقعد عن نصرة حليفه.

تذكر ذلك، وضَعْ إلى جانبه مواقف الساسة فى دول القرن العشرين، وتذكر كيف تقلب الدولة فى اليوم الواحد عشرين مرة بحسب المصالح فقط.

اتفق موسولينى مع النجاشي، وأخذ يداوره ويحاوره، وهو يعد له العدة ويدبر له الكيد، حتى إذا سنحت الفرصة انقض عليه فالْتَهم بلاده دون سابقة إنذار ولا إعلان حرب. وأراد اليابان مثل هذا فاستغلت نيران الخصومة بينها وبين الصين رغم العهود والمواثيق ودون إنذار أو إعلان. وقطعت إنجلترا على نفسها ألف عهد وعهد لدول الشرق، ثم تحللت منها جميعًا بالقوة والقهر، لا لشيء إلا الأثرة والأنانية وحب المصلحة الشخصية، وحالفت الحبشة ووعدتها الخير، وما زالت تغرر بها ولا تعينها ولا تخف لنصرتها بغير الكلام؛ حتى نال منها عدوها ما يريد. وهكذا تستعرض أعمال هؤلاء الساسة جميعًا فى يوم فلا ترى إلا التلون والمخادعة والختل والغدر والأكاذيب والمفتريات، وبعد ذلك يقولون: إنها مدنية، وإنها حضارة، ونريد أن ننفذ مدنية القرن العشرين!! جزى الله الإسلام عنا خيرًا(21).

 

(2) شرف الإسلام الدولي

}وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِىٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ [التوبة: 3-5].

هكذا يحتم الإسلام على المسلمين أن يكونوا أوفياء بعهودهم، متمسكين بما قالوا، ولا يغدرون، ولا ينقضون عهدًا ولا موثقًا ما تمسك خصومهم بعهودهم، وما وقفوا عند شروطهم؛ فإذا نقض هؤلاء الأعداء شروط الموقعة، فأخلوا ببعضها أو أعانوا غير المسلمين على المسلمين وألّبوهم عليهم؛ فالمسلمون فى حِلٍّ من أن يقابلوا النقض بنقض مثله، وأن يواجهوا العدوان بعدوان يرده، وذلك هو العدل القوى المنصف الذي لا يعرف الضعف، ولا يمتد إلى حدود الظلم والعسف.

ثم يبين القرآن أن هذا من التقوى، والتقوى فى الإسلام منزلة لا ينالها إلا المقربون، }إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{ فالتقوى شرط القبول، وسبب لمحبة الله التى هى أسمى غاية المؤمن، والوفاء بالعهد والتزام الموثق صنف من هذه التقوى الحبيبة إلى المسلمين جميعًا.

فإذا انتهى الأجل المضروب بين المسلمين وخصومهم، وانقضت شهور الهدنة فهنا يظهر المسلم العزيز بأكمل معاني العزة، القَوىُّ بأتم مظاهر القُوَى، جندي شجاع لا يبالي فى سبيل الغاية ماذا تجهل به أو بعدوِّه، ولا يرهب أن يقع على الموت أو أن يقع الموت عليه، يلقى خصمه بكل صنوف الكفاح، يقتل ويأسر ويحاصر، ويتربص بخصمه الدوائر، ويقعد له فى كل مرصد، وكل ذلك فى سبيل الله.

أتدرى لِمَ ذلك كله؟ أفي سبيل اللبن والعسل كما كان الصليبيون من قبل يحلمون فى المشرق، أم فى سبيل الفحم والحديد والخامات والمواد الأولية كما تريد أوربا من مستعمراتها؟! اسمع إذن صوت الحق يفصح الغاية: }فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ{ هذه هى الغاية يا صاح؛ المبدأ: العقيدة، الفكرة، والصلاح والفلاح، الدين الحق، الإسلام الحنيف، التقربة وحسن الصلة بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، تلك هى الغاية ولا غاية سواها؛ أن تخفق راية الإسلام فى كل مكان، وأن يسعد بجمال الإسلام كل إنسان، وأن يسطع نوره فى أفق كل روح جنان، فإذا تم ذلك فالناس إخوة، والسلام شامل، والسبيل مخلاة، والجميع سعداء، والله غفور رحيم.

وهكذا ترى المسلم القوى جندي الحق وشرطي العدالة وجيش الخلاص والإنقاذ، وهو فى أشد حالات قوته، وفى أظهر مظاهر عزته لا يظلم، ولا يفجر، ولا يعتدى، ولا يغدر، ولكن يفي وينصف، وينفذ أوامر الله.

}وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ{ [المنافقون: 8](22).

 

(3) شرف الإسلام الدولي

}وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ{ [التوبة: 6].

قد علمت أن القرآن الكريم هادَن المشركين أربعة أشهر يسيحون فى الأرض مطلقي الحرية، ثم هم بعد الهدنة محاربون يُقتلون ويُؤسَرون إلا أن يسلموا ويعودوا إلى الحق، ويدخلوا فيما دخل فيه أهل الإسلام.

وقد علمت أن الإسلام شدد على المسلمين أن يحافظوا على موثقهم هذا وألا ينقضوه، وأن يكون ذلك شأنهم فى كل موثق وعهد، طالت مدته أو قصرت متى قالوا كلمة الوفاء.

وأنت هنا أمام مظهر واقع جديد من مظاهر الوفاء أيضًا، ومن مظاهر التسامح والاعتماد على الإقناع وحده فى إيصال هذا الدين الحنيف إلى قلوب من شاءوا أن يعتنقوه، ومن مظاهر الغاية التى جاء لها هذا الإسلام والتي لا تعدو هداية الناس وإرشادهم إلى الخير.

هذا مشرك لا يعلم عن الإسلام شيئًا، وقد انتهت مدة الهدنة بين قومه وبين المسلمين، فأصبح حلال الدم مهدر الكرامة فقيد الحرية.. فماذا يفعل؟ أيسلم نفسه لخصومه فيقتلونه، أم يقف حيث هو فيُحرَم الهداية ويحال بينه ودين الإيمان؟ لا هذا ولا ذاك، ولكن يُسْتأمَن فيُعطَى الأمان، ويقدم على الأمير فيعلمه ويلقنه ويقرئه القرآن، ويدله على جمال الإسلام ومحاسنه؛ فإن قبل فهو مسلم له حق المسلم الكامل بين المسلمين، وإن أبى ولم يشرح الله صدره ولم يكتب له الهداية فأمير المسلمين مكلف من قبل الحق -تبارك وتعالى- وبنص القرآن أن يحميه من كل عدوان، وأن يصل به إلى حيث يأمن على نفسه وحريته، ثم ليقاتل بعد ذلك بين قومه إن شاء، وذلك بأنهم قوم لم يتعلموا الإسلام؛ فهم فى حاجة إلى الأمان حتى يتعلموه.

أما مدة مهادنته حتى يتعلم فقد اختلف فى تحديدها الأئمة من فقهاء الإسلام وتشريعه، وقال الشافعي: إنها أربعة أشهر، ولعل أولى الأقوال فى ذلك قول من قال: إنها متروكة لرأى الإمام.

وأما هذا الأمان الفردي فهو من حق كل مسلم، ولا شرط له إلا الإسلام والتكليف؛ فيجوز أن يستأمن هذا المشرك لنفسه من أى مسلم كان رجلاً أو امرأة، عبدًا أو حرًّا، صالحًا أو فاسقًا، يسرى هذا الأمان على كل المسلمين، ويتقيد به الأمير أيضًا. أرأيت ما فى هذا من جمال الوحدة أيضًا؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم "يسعى بذمتهم أدناهم"؟

يروى سعيد بن جبير أن رجلا من المشركين سأل عليًّا، فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتى محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قبل؟ قال: لا.

وعن أم هانئ بنت أبى طالب -رضى الله عنها- قالت: "أجرت رجلين من أحمائي"، فقال صلى الله عليه وسلم: "أمَّنا مَنْ أمَّنتِ". 

هذا الأمان ينعقد بكل لفظ مقيد للغرض؛ كقوله: أجرتك، أو أمنتك، أو لا تخف، أو كتابة كقوله: كن كيف شئت، أو أنت كما تحب، وينعقد كذلك بالكتابة وبالرسالة بل بالإشارة المفهمة.

روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: "والذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته"، أتدرى من قائل ذلك؟ إنه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أشد الناس تشددًا فى دين الله.

أما أمان الجماعة والعقيلة والبلد الكامل والأمة؛ فهذا من حق الإمام ومن حق أفراد المسلمين وآحادهم. هذه مبادئ لا تحتاج إلى تعليق طويل أو قصير، وحسبنا أنها الإسلام وتعاليم الإسلام، وكفى(23).

 

(4) شرف الإسلام الدولي

}كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُّرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ  * فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{ [التوبة: 7-11].

انتهيت بك إلى أحكام الإيمان فى الإسلام، وكيف أن المؤمنين عدول بعضهم على بعض يسعى بذمتهم أدناهم، فإذا أجار أنفذوا، وكان ذلك شرفًا لم تطمع الدنيا بمثله، ولم ير العالم له نظيرًا من قبل، والآن يفيض علينا القرآن طرفًا من أخلاق أهل الشرك، فيقول: إنهم لا عهد لهم ولا يمين، ولا يخافون العار، ولا يخشون النكث والكذب، ولا يبالون بالحرمات أن تنتهك، وبالمؤمنين أن ينالوا منهم إذا قدروا عليهم؛ فهم لا يرقبون فى مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ولا موثقًا وعهدًا واتفاقًا. ما أخلد القرآن! وما أشبه الليلة بالبارحة! ولقد كان مشركو مكة -وهم الذين نزلت فيهم هذه الآيات- أنبل وأوفى من كفارنا فى هذه الأيام.

ما زال الناس يذكرون وعود الإنجليز للعرب ولمصر وللعراق ولغيرها من البلاد بالمساعدة والتحرير والمعونة والاستقلال؛ فماذا كان من أمرهم؟ لم يرقبوا فى مؤمن إلاًّ ولا ذمة. وما زال الناس يذكرون وعود هذه الدول بعضها لبعض، وها هى جميعًا قد مزقتها يد القوة، وبطشت بها صولة المصالح والأغراض، وهكذا يَعِدون ويحلفون، ويعاهدون وينقضون، شنشنة نعرفها من أخزم، وسبيل اشترك فى سلوكها والاتصاف بها الكافرون فى كل زمان ومكان.

ليس هذا بعجيب؛ فليس بعد الكفر ذنب، ولكن العجيب أن ينخدع بهذا اللغو ساسة المؤمنين وزعماؤهم؛ فيمزقوا وجدانهم بأيديهم، ويتحدوا مع الكافرين على إخوانهم، ويحاربوا فى صفوفهم، وينقذوهم وقت الشدة، ويركنوا إليهم وهم المخادعون؛ حتى إذا تكشفت الأغطية صاح صائحهم: "إنما أُكِلْت يوم أُكل الثور الأبيض"، ومع هذا كله يوصى القرآن أبناءه بوصيتين:

أولاهما: }فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ{ [التوبة: 7]، الله أكبر! حتى مع هذه الأوصاف والأخلاق يقول القرآن: }فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ{ [التوبة: 7]، هذا كلام لا يحتاج إلى بيان، وكل شرح ينقص من قيمته، ويحجب من روعته وبهجته ورونقه.

وثانيتهما: }فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ{ [التوبة: 11]، وهنا تتجلى لك الغاية التى يقاتل لها المسلم، والتي يحب لها ويبغض لها، والتي يقف عليها المال والروح والدم والحياة، ليست المادة، وليست المال والجاه، ولكنها أن يدخل الناس فى دين الله أفواجًا، أن يهتدى العالم بهذا القرآن، وأن يؤمنوا به إيمانًا عميقًا منتجًا؛ فيقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويتآخوا مع الناس فى سبيل الله؛ ذلك حكم الله، وتلك آياته.. فهل يتدبرها المسلمون ويهتدوا بهدى الإسلام، وفى ذلك سعادة دنياهم وآخرتهم؟ اللهم إن الأمر بيد الله(24).

 

القتال دفاعًا عن الحق

}وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن  يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{ [التوبة: 12-16].

تقدم لك أن المسلم حين يقاتل لا يقاتل لمال ولا لجاه ومنصب، ولا لغرض من أغراض الحياة الدنيا، ولكن لتكون كلمة الله هى العليا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويكونوا إخوانًا فى دين الله، هذا هو الوجه الإيجابي فى مشروعية القتال. وثَمَّ وجه آخر؛ هو أن يكون هذا القتال دفاعًا عن الحق، وانتصارًا له، وانتصافًا من أهل الباطل. فإذا نكث الكفار عهودهم أو تحرشوا بالمسلمين فى أرضهم، أو نالوا من دينهم ومقدساتهم، أو بدئوا المسلمين بعدوان أى عدوان.. فحينئذ يوجب الإسلام على أبنائه وجنوده أن يكونوا أسودَ وغى وأحلاف قتال وجهاد حتى يردوا المعتدى، ويثأروا للحق من المبطلين، وهنا يكون القتال فرض عين لا يتخلف عنه أحد، ولا يقعد عنه إلا من استثنى الله.

لا عذر للقاعد فى هذه الحالة؛ حالة اعتداء أهل الكفر على أهل الإسلام؛ فإن خشية المسلم تكون لله وحده، ولن تكون لغيره أبدًا؛ فعليه أن يقاتل مهما كلفه ذلك، وقد تكفل الله له إن فعل بأن يعذب عدوه بيده، وبأن يخزيه، وبأن يكتب النصر لعباده، وبأن يَشفى صدور المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، وبأن يتوب على كثير من الناس بذلك. فمن هؤلاء المستضعفين الذين يتخلصون بانتصار المسلمين من أذى الكافرين، ومنهم الأسرى الذين يقذف الله فى قلوبهم الهداية والنور، ومنهم العصاة الذين يغسلون بالدماء أوضار الذنوب، ومنهم ومنهم... فالجهاد كله خير وبركة لو عقل المسلمون.

هذا هو امتحان الله لعباده، لا بد منه حتى يتميز الشجاع المؤمن من الجبان المنافق، ولن يترك الناس هكذا؛ بل لا بد من التميز، ولا يكون التميز إلا بالشدائد والاختبارات؛ فلا يحس الناس أنه يكفيهم دعوى الإيمان حتى يقيموا عليها الحجة والبرهان؛ فيخلصوا لله ولرسوله ولدعوته الحق، ويجاهدوا فى سبيلها، ولا يتخذوا المشركين والمنافقين أصدقاء ولا أحباء ولا إخوانًا.

أيها المسلمون: أرأيتم ما هو المسلم فى ميدان الجهاد؟ إنكم ذللتم يوم خشيتم الناس، وتركتم هذه التعاليم، وقنعتم منها بترديد الألفاظ. وهؤلاء المستعمرون الغاصبون قد نكثوا إيمانهم، وهموا بإخراجكم من أوطانكم، وهم يبدؤونكم كل وقت بالعدوان.. فماذا أنتم فاعلون؟ أتخشونهم والله أحق أن تخشوه إن كنتم تؤمنون؟ }قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ{ [التوبة: 14] (25).

المصادر

1-     مجلة الإخوان المسلمين: السنة الخامسة، العدد 167، 21 شوال 1366هـ/ 6 سبتمبر 1947م، صـ12 : 13.

2-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 168– 28شوال 1366هـ/ 13سبتمبر 1947– صـ8، 16.

3-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 169– 5ذو القعدة 1366هـ/ 20سبتمبر 1947م– صـ4، 17.

4-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 170– 12ذو القعدة 1366هـ/ 27سبتمبر 1947م، – صـ6 : 7.

5-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 171– 19ذو القعدة 1366هـ/ 4 أكتوبر 1947م– صـ6 : 7، 22.

6-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 172– 26ذو القعدة 1366هـ/ 11أكتوبر 1947م– صـ6 : 7.

7-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 173– 4ذو الحجة 1366هـ / 18 أكتوبر 1947م– صـ6 : 7.

8-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 174– 11ذو الحجة 1366هـ / 25 أكتوبر 1947م– صـ6.

9-     مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 175– 25 ذو الحجة 1366هـ / 8 نوفمبر 1947م– صـ3، 7، 22.

10-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 176– 2 محرم 1367هـ/ 15 نوفمبر 1947م– صـ6 : 7، 24.

11-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 178– 16محرم 1367هـ/ 29 نوفمبر 1947م، – صـ7، 22.

12-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 180– 30محرم 1367هـ / 13 ديسمبر 1947م، – صـ4 : 5

13-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 182– 14صفر 1367هـ/ 27 ديسمبر 1947م– صـ12 : 13.

14-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة السادسة – العدد 185– 27ربيع الأول 1367هـ / 7فبراير 1948م– صـ3 : 4.

15-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة السادسة – العدد 186– 4ربيع الآخر 1367هـ / 14فبراير 1948م– صـ12 : 13.

16-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة السادسة – العدد 187– 11ربيع الآخر 1367هـ / 21 فبراير 1948م– صـ12 : 13.

17-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة السادسة – العدد 191– 9جمادى الأولى 1367هـ / 20مارس 1948م– صـ12 : 13.

18-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 1– 22محرم 1355هـ / 14 أبريل 1936م– صـ11 : 14.

19-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 26– 20رجب 1355هـ/ 6 أكتوبر 1936م– صـ3 : 4.

20-   مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 28– 4 شعبان 1355هـ/ 20 أكتوبر 1936م– صـ3 ، 7.

21-   مجلة النضال – السنة الأولى – العدد 1– 15 ربيع الأول 1357هـ / 15 مايو 1938م– صـ3.

22-   مجلة النضال – السنة الأولى – العدد 2– 2 ربيع الآخر 1357هـ / 1يونيو 1938م- صـ3.

23-   مجلة النضال – السنة الأولى – العدد 3– 16 ربيع الآخر 1357هـ / 15يونيو 1938م– صـ2.

24-   مجلة النضال – السنة الأولى – العدد 4– 3 جمادى الأولى 1357هـ / 1يوليو 1938م– صـ3.

25-   مجلة النضال – السنة الأولى – العدد 5– 17جمادى الأولى 1357هـ/ 15 يوليو 1938م– صـ4.

المقال التالي الإمام الشهيد حسن البنا والمرأة
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية