ذكرياتي مع الإمام الشهيد

بقلم الأستاذ محمد حامد أبو النصر 

في عام 1934 - 1935م أخبرني أخي الأستاذ المرحوم/ محمود عبد الدايم بوجود فضيلة الإمام الشهيد بجمعية الشبان المسلمين بأسيوط، فتناولت الهاتف وطلبته في ذاك المكان فتفضل رحمه الله واستجاب إلى ندائي ودار الحديث الآتي:

فضيلة الأستاذ/ حسن البنا.. قال نعم.. قلت له لقد أنار الصعيد بزيارتكم فهل لمنفلوط أن تحظى بمثل هذه الزيارة؟ فقال فضيلته رحمه الله هل الأرض صالحة فقلت بملء فمي نعم تنتظر البذر.. فسر لهذه الإجابة.. فقال إذن سنلقاك باكر بمشيئة الله تعالى في منزلكم قبل الغروب، وبناء على ذلك أعددت حفلتين: الأولى لتناول الشاي في حديقة داري، دعوت لها كبار الموظفين وذوي - الحيثية من الأعيان والتجار في مقدمتهم سعادة المرحوم/ محمد الحفني الطرزي باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين بمنفلوط، وفي الموعد المحدد شرَّف الزائر الكريم الإمام الشهيد/ حسن البنا تلكم البقعة التي أراد الله لها أن تسعد بأول لقاء، وعند بدء الحفل نادانا مؤذن المغرب، وهنا استأذن فضيلته لأداء الصلاة بمسجد "أبو النصر" المجاور للمنزل وتبعه المدعوون، وبعد أداء الصلاة استأنف الجميع تناول الشاي، ومن هذا التصرف فهم المدعوون كيف أن الرجل حريص على تلبية نداء الله مهما كانت العوائق، وهكذا يطابق الفعل القول، وأحس المدعوون بعظمة الرجل فرفعوه في نفوسهم احترامًا وإجلالاً، فأسبغ لطائفه عليهم وأخذ ينثر نظراته المريحة إلى كل فرد منهم كأنما يتحدث إليه دون الآخرين، ثم ألقى كلمة مناسبة قصيرة حول الرسالة ودعوة الناس إليها، وانتهى الحفل على أحسن ما قدر له من النجاح والتوفيق.

وبعد صلاة العشاء حضر فضيلته الحفلة الثانية التي أقيمت بدار جمعية الشبان المسلمين فوجدها مكتظة بجمع غفير يمثل مختلف طوائف الشعب، وافتتح الحفل بآيات الذكر الحكيم وهنا وقف الإمام الشهيد مرتديًا جلبابه الأبيض الناصع وعباءته وعمامته العالية كل هذا في إهاب ممتلئ بروح كبيرة نفاذة استطاعت بعد برهة وجيزة أن تهيمن على قلوب السامعين فتراهم يبكون حينًا ويهتزون حينًا آخر، وتشرئب أعناقهم في ثانية ويستولي عليهم السكون في أخرى، وهكذا أخذ يحدث القوم، والقوم في نشوة من الاستماع وفي حياة لم يروا لها مثيلاً من قبل.

ولقد سعدت بصحبة الإمام الشهيد في زيارته لكثير من المدن والقرى في الوجه القبلي والوجه البحري، والتقينا بكثير من الأفراد والعائلات التي كان لها دور عظيم ومواقف شجاعة جديرة بأن تسجل في تاريخ هذه الجماعة.

وكان كلما أراد الإمام الشهيد أن يزور بلاد الصعيد أبرق إليَّ بذلك حيث كنت ألتقى بفضيلته في الجيزة أو بني سويف وأصحبه في تلكم الرحلة في كل عام، وقد أسعدني بدعوتي لزيارة بعض بلاد الوجه القبلي، أذكر تلك الليلة التي زار فيها الإمام الشهيد قرية حجازة "قنا" إحدى قرى الصعيد: حيث استقبله أهلها الكرام بكل مظاهر الحفاوة والترحيب المنبثة من القلوب الطاهرة العامرة بالإيمان، والتي لا دَخَل فيها ولا غش ولا رياء، وهناك على بساط الصحراء وتحت نور القمر في ذلكم السكون العميق جلس القوم في يقظة وتطلع، ووقف الإمام الشهيد يلقي حديثه بالطريقة المناسبة للمقام، وأخذ يشرح دعوته بألفاظ سهلة تحمل المعاني الطيبة دون كلفة أو تعمق، ففهم الناس واستجابوا لدعوته بدافع الحب والإخلاص لعقيدتهم، وبعد الدرس أوينا إلى حجرة ليس فيها من الرياش الفاخرة ولا المقاعد الوثيرة لكنها البساطة في كل شيء، وهكذا كان الإمام الشهيد يحمل دعوته إلى الناس في يسر وانطلاق.

وفي إحدى المرات دعاني الإمام الشهيد لزيارة الإسكندرية بصحبته، ومن ميدان محطة مصر ركبنا حافلة حتى وصلنا ميدان المنشية بها، وعندما أخذنا مقاعدنا أخرج فضيلته من حقيبته الصغيرة المصحف الشريف وأخذ يسر القراءة فيه طوال مدة الركوب، وكانت هذه عادته في السفر، وحذوت حذوه، وفي ميدان الخديوي إسماعيل نزلنا بفندق صغير شعبي بالدور الثاني أمام البوسطة العمومية، وما إن تعرفنا على حجرتنا حتى توضأنا وصلينا الظهر، ثم أبدى فضيلته رغبته في تناول طعام الغذاء، فسألت فضيلته أي أنواع الطعام ترغب، فقال اشتر لنا خبزًا وجبنًا وعنبًا، فلبيت رغبته، وتناولنا طعامنا، واسترحنا القيلولة، واستيقظنا على أذان العصر فأدينا، ومن ميدان المنشية ركبنا تروماي القباري حيث كان هناك موعد مسبق مع فضيلة إمام المسجد ليلقي الإمام الشهيد درسًا بعد صلاة المغرب، وعندما وصلنا إلى محطة النزول بالقباري توجهنا إلى المسجد، وبعد صلاة المغرب قدم فضيلة إمام المسجد الشهيد لإلقاء الدرس، وتم ذلك وانصرفنا.

ومما استرعى انتباهي حادث وقع أثناء الطريق وهو أن المحصل لم يحضر إلينا ولم يطلب منا ثمن أجرة الركوب، وقد سألني الإمام الشهيد: هل جاء الكمسري؟ وهل أعطاك التذاكر؟ فقلت: لم يحضر بعد، فقال إذن لابد من ندائه وإعطائه الأجر، وطلب التذاكر منه؛ لأن هذا ما يمليه الضمير، قلت لفضيلته لعله يريد أن يعفينا من طلب الأجر، قال: ليس هذا من حقه بل هو حق الشركة وليس لإنسان أن يتبرع من مال الغير، فناديت الكمسري وطلبت منه التذاكر، فقال أنا عارف يا سيدي، وأنا شايف ضروري يعني؟ خليها على الله ده شركة أجنبية فسمع الإمام الشهيد، فابتسم وقال ولو.. لابد من أن تأخذ ثمن التذكرتين وشكر الله لك، فأبرزت إليه الثمن وقدّم إليّ التذكرتين.

وقد عشت في هذه المعاني الكريمة المتلاحقة والمبادئ التي أشرب بها قلب الرجل الذي أبى أن يستبيح مال الغير مهما كان الأمر، وهكذا كان سلوكه في معاملته للناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم، فهي لفتة كريمة من مربٍّ عظيم ينهج قواعد الحق والعدل بين بني الإنسان.

ومما هو جدير بالذكر.. تَعَوُّدُ الإخوانِ المعسكرين -في معسكر الدخيلة بالإسكندرية- صلاةَ الجمعة في مسجد القرية وعندما قام فضيلة إمام المسجد ليصعد المنبر لأداء خطبة الجمعة تعرض له في تحمس أخ ليمنعه وليمكِّن الإمام الشهيد من أداء الخطبة، فما كان من الشهيد إلا أن وقف ونهى الأخ ونهره في غضب وأجلسه، وقال له: نحن هنا مأمومون ولسنا آمين، والأداء من حق فضيلة الإمام الراتب.. فسر لذلك إمام المسجد، وأعلن لجمهور المصلين أن ينتظروا بعد الصلاة لسماع موعظة من الأخ الأستاذ/ حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين، فاستجاب المصلون، وجلسوا يستمعون في رغبة وتطلع إلى الموعظة وتعرفوا على مبادئ الإخوان وتعاطفوا معهم، وكانت جلسة مباركة أعطت أطيب الثمرات.

وهكذا التصرف السليم الذي يتسم بالحكمة للداعية المثالي الذي يجمع ولا يفرق، ويوحد ولا يفتت، وعلى هذه المبادئ ينجح الأفراد وتقوم الجماعات.

المصدر: محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1988.

المقال التالي مناجاة من تلميذ إلى أستاذه
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية