كتابات الإمام حسن البنا عن شهر رمضان الكريم

رمضان هو غرة الشهور، وهو شهر الأمة، وشهر الصوم وشهر المعاني السامية التى تفيض على القلوب فتجعلها حية نقية، وشهر القرآن ففيه نزل وفيه يتلى، وهنا يقف بنا الإمام الشهيد قائلاً: "رمضان شهر الإرادة القوية التى تورث الحرية الصحيحة، وهو شهر الروحانية الكاملة التى تورث السخاء والجود بأعراض المادة... رمضان هو شهر التلاوة والقرآن".

ثم يعيش إمامنا مع القرآن فى رمضان ويرى أن نزول أول آية القرآن فى رمضان أكبر دليل على كونهما رفيقان متلازمين بالإضافة إلى كون الرسول صلى الله عليه وسلم كان فى حالة نزول الآية صائمًا فكان "أصفى ما يكون نفسًا وأطهر روحًا بالتجرد والخلوة والتعبد والرياضة والتحنث فى الليالي ذوات العدد وقد كان ذلك فى شهر رمضان، ولهذا كان الصيام والقرآن شفيعين للعبد يوم القيامة".

رمضان

ها هو السحاب ينقشع، والغيم ينجاب ويتكشف، والسماء تبسم عن غرة الهلال كأنما هو قوس النصر أو رمز النور المبين، إنه هلال رمضان، الله أكبر الله أكبر، ربى وربك الله، هلال خير ورشد إن شاء الله، إنه هلال رمضان؛ شهر الأمة، وشهر الصوم، وشهر القرآن، وشهر المعاني السامية التى تفيض على قلوب من عرفوا حقيقة رمضان، واتصلوا بالملأ الأعلى فيه، وسمت أرواحهم إلى مرتبة الفهم عن الله، وما لنا لا نتحدث إلى إخواننا الكرام من بدء الإسلام عن شهر رمضان، ونطلعهم بخطرات النفس وخلجات الفكر، وهو شهر تفكره إضافة عميقة.

ربى وربك الله.. ربه الله لأنه واحد، ورب واحد يتصرف فى ملكوت السماوات والأرض، ويسيطر على عوالم الغيب والشهادة، ويتحكم فى الكون من أقصاه إلى أقصاه، والجميع بعد ذلك فى حق الوجود سواء }إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا {مريم: 93.

إن الله هو الحاكم وحده، يحكم الأفلاك، ويحكم الأناس، ويهب لكل وجوده وهداه؛ فإن كان لأحد أن يتحكم فى الأولى فيغير مداراتهما، ويقيد حركاتها فإن له أن يتحكم فى الثانية؛ فيغل أيدي الناس، ويتحكم فى آجالهم وأرزاقهم، وليس ذلك إلا لله، فارقَ بروحك أيها الأخ المسلم، واسمُ بنفسك عن أن تكون عبدًا لغير ربك، واعلم أن هذا المعنى مما يلفتك إليه النبى صلى الله عليه وسلم حين يجعل من سنته فى تحية الهلال أن يقول: "ربى وربك الله".

إنه هلال رمضان، فأما كثير من الناس فلا يفهمون من معناه إلا تجهيز المآكل والمشارب، وتحضير المطاعم والمناعم، وإعداد لوازم السحور والإفطار، وما يقوِّى شهية الطعام، ويوفر راحة المنام؛ لأن رمضان كريم، وهذا شأن الكرام!

أما قوم آخرون فشهر رمضان عندهم شهر الراحة من عناء الأعمال واللهو والتسلية فى لياليه الطوال، وتقسيم الأوقات على الزيارات والسهرات؛ فهم فى ليلهم بين لهو وسمر، وقتل للوقت فى مقاعد القهاوي والبارات، وتنقل بين دور الملاهي "والصالات"، وفى نهارهم يغطون فى نومهم، ويتكاسلون عن عملهم!

هذان صنفان خسروا شهر رمضان وخسرهم، وهجروه وهجرهم، وهو حجة عليهم بين يدي ربهم، وشهيد على تقصيرهم وسوء تقديرهم.

وقوم آخرون صلوا وصاموا، وتعبدوا وقاموا، وهم لا يعلمون من ذلك إلا أنهم أمروا فامتثلوا، وتعودوا فعملوا، يرجون الله ويخافون عذابه، وأولئك لهم ثواب صيامهم، وأجر قيامهم، وجزاء أعمالهم إن شاء الله، والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء.

وبقي بعد كل أولئك جماعة آخرون، أدوا ما أمرهم الله به من صلاة وصيام وتلاوة وقيام ومسارعة إلى الخيرات وإحسان وصدقات، ولكنهم لم يقفوا عند ظواهر الأعمال؛ بل فهموا عن الله فيها، وعرفوا ما يراد بهم منها، وتغذت بصائرهم إلى لباب أسرارها، فعرفوا لرمضان معنى لم يعرفه غيرهم، وفازوا بربح لم يفز به سواهم، واكتسبوا منه تزكية النفوس وتصفية الأرواح، وأولئك ذؤابة المؤمنين وصفوة العارفين.

فهموا من فريضة الصوم وآداب القيام أنهم سيتركون الطعام والشراب، ويقللون المنام، ويحرمون الجسوم هذه الثلاثة، وهي مادة حياتها، وقوام نشاطها؛ وإذن فليختفِ شبح المادة، ولينهزم جيش الشهوات، ولتتغلب الإنسانية بمعانيها السامية على هذا الجسم الذي احتلها من قديم؛ فعطل حواسها، وكتم أنفاسها، وأطفأ نورها، وكبلها بما زين لها من زخرف الشهوات وزائف اللذائذ.

استغنِ عن الطعام، فإذا استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته، وصرت حرًا من مطالبه خالصًا من قيوده، واستغن عن الشراب، فإذا استغنيت عنه؛ فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته ،وصرت حرًا من مطالبه، خالصًا من قيوده، واستغن عن المنام وعن الشهوة، فإذا استغنيت فقد تحررت، وقديمًا قيل: "استغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره".

إنك إذا استغنيت عن كل ذلك صرت حرًا طليقًا؛ وإذن فرمضان شهر الحرية، وإذا استغنيت عن ذلك تقلص ظل المادة، وأشرق نور الروح؛ وإذن فرمضان شهر الروحانية، وإذا استغنيت عن ذلك صفا فكرك، وتجلى سلطان نفسك؛ فكنت إنسانًا بكل معنى الكلمة؛ وإذن فرمضان شهر الإنسانية، وإذا استغنيت عن ذلك لم يجد الشيطان سبيلا إليك، ولم تلق نوازع الشر مطمعًا فيك؛ وإذن فرمضان شهر الخير الواضح المستنير.

مرحبًا بك يا شهر الخير، مرحبًا بك يا شهر الإنسانية الكاملة، مرحبًا بك يا شهر الروحانية الفاضلة، مرحبًا بك يا شهر الحرية الصحيحة، مرحبًا بك يا شهر رمضان.

أقبل أقبل، وأقم طويلا فى هذه الأمة الطيبة المسكينة، وألق عليها درسًا من هذه الدروس البليغة، ولا تفارقها حتى تزكى أرواحها، وتصفى نفوسها، وتصلح أخلاقها، وتجدد حياتها، وتقيم موازين التقدير فيها؛ فتعلم أن المطامع أساس الاستعباد، وأن الشهوات قيود الأسر، وأن أساس الحرية الاستغناء، وأن الاستغناء يستتبع المشقة، ولكنها مشقة عذبة لذيذة؛ لأنها ستنتج الحرية، والحرية أحلى من الحياة(1).

2-رمضان

شهر الجود والسخاء

حدثتك أن رمضان شهر الخير، وشهر الإنسانية الفاضلة، وشهر الحرية الصحيحة، وأحب هنا أن أحدثك بأن رمضان شهر "السخاء والجود"، شهر الكرم والعطاء، شهر البذل والإنفاق، وأحب أن تصل معي إلى هذه النتيجة عن طريق البحث العلمي والنظر التحليلي الدقيق، فهيا أيها العزيز..

أنت فى رمضان ممسك عن طعامك وشرابك، محارب للذاتك وشهواتك الجسدية، مقبل على ربك بالصوم والصلاة والعبادة والقرآن، وذلك غذاء شهى تستمرئه الروح، وتتلذذ به النفس الطيبة، وتصفو به الفكرة، ويشرق عنه نور البصيرة؛ فترى الحقائق على صورتها، وتضع كل أمر فى نصابه وفى موضعه الذى خلق له، سترى إذا تأثرت بصوم رمضان أن هذه الأعراض الدنيوية وهذه الأموال الفانية وسائل لا تقصد لذاتها، ولا قيمة لها فى نفسها، ولكنها تشرف وتعلو إذا أنفقت فى الخيرات، وترخص وتنحط إذا ضاعت فى السفاسف؛ فيدفعك ذلك إلى الإنفاق وأنت مغتبط مسرور؛ ولهذا كان رمضان شهر الإنفاق، وسترى إذا تأثرت بالصوم أن من ورائك قومًا جاعت بطونهم، وظمئت حلوقهم، وسغبت أحشاؤهم، وأن فى وسعك أن تسد جوعهم، وتروى ظمأهم، وتداوى مسغبتهم؛ فيدفعك ذلك إلى البذل والإنفاق؛ ولهذا أيضًا كان رمضان شهر السخاء والجود. وسترى إذا تأثرت بالصوم أن عاطفة رقيقة يتحرك بها قلبك، وشعورًا دقيقًا تختلج به نفسك، وإحساسًا قويًّا يسرى فى جوانحك هو الذى يسميه الناس الرحمة أو الشفقة أو العطف أو الحنان، وسمِّه ما شئت، فحسبك أنه شعور يدفعك إلى مواساة المنكوبين، وإعطاء المحرومين، وكفكفة دموع البؤساء والمساكين بما تحسن به إليهم من عطاء، وإذن فرمضان شهر العطاء والبذل، ومتى هان عليك هذا العرض الفتان الذى يسميه الناس المال، وعرفت أنك مستخلف فيه لتنفقه فى وجوه الخيرات، وليس لك منه إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، وفهمت قول الله تعالى: }آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ{ الحديد: 7؛ فإنك -بلا شك- ستتقدم إلى الخيرات باذلا منفقًا، وأنت باسم الثغر رضى النفس، وذلك ما يؤديك إليه الصوم الشرعي الصحيح.

وأظنك بعد هذا تستطيع أن تدرك أسرار هذا الحديث النبوي الكريم.

روى الإمام البخاري بسنده عن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه فى كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فَلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة".

أرأيت كيف أن علو نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى درجات الروحانية مع روحانية لقاء جبريل عليه السلام، مع روحانية تلاوة القرآن، مع روحانية صوم رمضان، كل هذه الروحانيات مجتمعة أثمرت أن يتضاءل سلطان المادة، ويختفى أثر فتنة المال فيجود به النبى صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة لا يبقى على شىء، وكذلك أثر العبادة الخالصة فى نفوس العابدين.

ولكأني بك تعترض فى هذا الإغراء بالبذل والإنفاق بأن الناس مأزومون قد أخذ العسر المالي بخناقهم؛ فما فائدة التحدث إليهم فى هذا الشأن؟ فأقول لك: على رسلك أيها العزيز، وأمامك رصيف المصارف، ودور اللهو، وشارع عماد الدين بغاداته ومقامره، ومحلات سمعان وشيكوريل وغيرها، والسيارات الفخمة الوثيرة والدور العالية المشيدة، وأمامك زهرة الحياة الدنيا ترف ناضرة فينانة على مظاهر كثير من ثرواتنا وشباننا، انظر ذلك كله لتعلم أن الأمر ليس فقرًا فقط ولا أزمة فقط، ولكنه مع هذا شح على الخير، وبخل فى النفوس، وإنفاق للمال فى غير وجهه الذى خلقه الله له، وتجاف عن طلب العلياء، وإسفاف إلى صغائر الأمور ورضاء بهذه المظاهر الدنيا واستمتاع بها.

ولو نما فى المسلمين حب الخير، وطبعت نفوسهم على الجد فى طلب العلياء، وبذل الجهد الصحيح فى ذلك؛ لرأيت أن كل مسلم لا يعجزه أن يقتصد قرشًا واحدًا أو نصف قرش مما ينفقه فى الدخان، أو يدخر ثمن أسطوانة غنائية، أو مصروف ليلة فى مقهى، أو نفقة وليمة شراب يقيمها رياء وسمعة، أو يترك التغالي فى رباط الرقبة ومنديل اليد وشراب الرجل وزجاجة العطر، ويقتصر فى ذلك على ما يحقق الغاية، ثم ينفق ما يوفر من ذلك -وهو كثير- فى مشروعات الخير وخدمة الإسلام، وبذلك تنجح مشروعات، وتتحقق آمال، وتقوم أعمال.

فليذكر المسلم ذلك بمناسبة شهر السخاء والجود، وليذكر معه أن اقتصاده لأمواله لتنفق فى سبيل المجد والخير يُضْعف من قوة عدوه الذي يستغنى بما يبتز منه، ويتمتع بثروته ويرتع فى خيرات أرضه، ولو سرت هذه الروح الطيبة، وشعرنا بأن فى أموالنا حقًّا للسائل والمحروم، ولواجب الرقى والنهوض المحتوم لرأينا أنفسنا فى غنى عن خمرة "مانولى"، وعن دخان "ماتوسيان"، وعن زخرف "البون مارشيه".

عجيب أمر المسلمين اليوم؛ يجود أحدهم فى التافه الضار بدم قلبه وعرق جبينه وعصارة روحه، ويبخل بالنزر اليسير يحقق به أنفع المقاصد وأنبل الغايات، ويعتذر عن ذلك بالأزمة، وإن أشد منها فتكًا سوء التصرف وخطأ التوزيع.

قليل المال تصلحه فيبقى        ولا يبقى الكثير مع الفساد

أيها المسلمون، بلادكم مسكينة مهضومة، وهى تحاول أن تتخلص من تلك القيود والأغلال التى أثقلت كاهلها وأنهكت قوتها، ولا خلاص لها إلا بأموالكم؛ فإن القوة الاقتصادية والمالية أساس القوة الأدبية والاجتماعية، وأمامكم من مشروعات الوطن ما يدر عليكم الربح الوفير لو شجعتموه وأنفقتم فى سبيله، والإنفاق فى هذا السبيل أجدى وأولى من هذا اللهو والعبث الذى ينكبُّ عليه الكثيرون لا يفرقون بين ما يضر بلادهم وما ينفعها، وإن هذه الأموال إنما هى جهود المكدودين البائسين، استخرجوها من الأرض بشق النفس، وتعبوا فى تحصيلها تعبًا ما عليه من مزيد، وليتمثل من يبذر فى اللهو والعبث مستأجري أرضه، وكيف يحيون حياة البؤس والنصب لا يصيب أحدهم من الغذاء والراحة والمتعة إلا الحقير التافه ممزوجًا بالشقاء والعناء، وسيرى أن ما ينفقه فى ليلة واحدة من ليالي أنسه ولهوه، إنما هو جهد هؤلاء العاملين، إخوانه فى الإنسانية والوطن أيامًا غير قليلة.

أيها الأثرياء، إنكم مسئولون عن هذه الأموال من الله -تبارك وتعالى-: من أين اكتسبتموها، وفيم أنفقتموها؟ رضيتم بهذا السؤال أم أبيتم؛ فأعدوا الجواب من الآن، واقرءوا سيرة عظماء الأمم وأسلافكم الكرام فى أموالهم وبذلهم؛ فإن تيقظت الضمائر، وتأثرت القلوب، وانبسطت الأيدي فبشر الشرق بالخلاص والإسلام بالنصرة، وإن كان الموت قد امتد إلى ذلك الأمل }فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{ المائدة: 54.

"أما بعد" فهذا شهر رمضان شهر السخاء والإنفاق، وأمامنا مشروعات كثيرة تهيب بنا إلى الإنفاق؛ فهل نأخذ أنفسنا فى هذا الموسم بالتدرب والتمرين على البذل فى سبيل الله؟

}هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ{ محمد: 38 (2).

 

3-رمضان

شهر القرآن

 

رأيت فى الكلمتين السالفتين أن شهر رمضان هو شهر الإرادة القوية التى تورث الحرية الصحيحة، وهو شهر الروحانية الكاملة التى تورث السخاء والجود بأعراض المادة، وأحب أن نتعرف فى هذه الكلمة كيف أن رمضان هو شهر التلاوة والقرآن.

يروى ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أى رب، إنى منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه؛ فيشفعان".

والملازمة بين رمضان وتلاوة القرآن واضحة فى كثير من الأحاديث، حتى فيما يتداوله العامة من العبادات.

فهل كان هذا التلازم لأن أول آية من القرآن نزلت فى رمضان وهو صلى الله عليه وسلم يتعبد فى غار حراء؟ أم لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر من التلاوة فى رمضان، وصارت تلك سنة المسلمين من بعده؟ أم لأن الناس جرى عرفهم على قضاء ليالي رمضان فى استماع القراء والجلوس إليهم؟ أم لأن صلاة القيام فى رمضان عمادها القرآن؛ فهو عبادة الليل والصوم عبادة النهار؟

قد يكون كل ذلك جاء فى تعليل أن رمضان شهر القرآن، وهناك معنى آخر تنضح به النفس، ويتراءى فى مرآة الروح، ويبدو أمامها واضحًا جليًّا ظاهرًا قويًّا.

أليس الصوم طهارة للنفوس ونقاء للأرواح، يسمو بها إلى الملأ الأعلى، ويرتفع بها إلى أفق الملكية؛ حيث يتصل بعالم غير هذا العالم؟ وأليس القرآن نبعًا فياضًا ينضح بهذه الروحانية، ويذكر النفوس بالملأ الأعلى أيضًا، ويجلو أمامها أسرار ملكوت السماوات والأرض،؟بل هو وديعة الملأ الأعلى وهديته لهذا العالم الأدنى؛ فهو حبل الله المتين، طرفه بيد الله وطرفه بيد الناس؛ فالنفس إذا صفت وترقت بالصوم رأت القرآن معنى ساميًا من معانى الملأ الذى ارتقت إليه؛ فأدركت مراتبه، واستجلت معانيه، واستوضحت أسراره، وأخذت منها بطرف ما كانت لتصل إليه لولا أنها هُذِّبت بالصوم، وترقت به إلى عالم الحقيقة والنور؛ فعلى ضوء النور الذى تشرق به جوانب النفس بالصوم يكشف الصائم عن الحقائق السامية التى يزخر بها بحر القرآن الفياض؛ ولهذا كان رمضان شهر القرآن، ولهذا نزلت أول آية على الرسول صلى الله عليه وسلم فى غار حراء وهو أصفى ما يكون نفسًا، وأطهر روحًا بالتجرد والخلوة والتعبد والرياضة والتحنث الليالي ذوات العدد، وقد كان ذلك فى شهر رمضان؛ ولهذا كان الصيام والقرآن شفيعَيْن للعبد يوم القيامة.

كان القرآن فى أمة خلت عند سلفنا الصالحين ربيع قلوبهم، وقرة أعينهم، وحياة أرواحهم، ومشكاة صدورهم، وطيب أفواههم، وشهوة ألسنتهم، وغذاء عقولهم وأفكارهم؛ يقرؤونه بالعشى والإصباح، ويتلونه بالليل والنهار، وهم حين يقرءون يفهمون، وحين يفهمون يعملون، وحين يعملون يخلصون؛ فيكشف الله عن قلوبهم الحجب، ويفك عن أفئدتهم الأقفال والأغلال؛ فيدركون ما يريد القرآن الكريم منهم، ويتوجهون إلى ما وجههم إليه، وما هو إلا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة }اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَّشَاء من عباده{ الزمر: 23.

ثم جاء من بعد أولئك أمم هذه الأعصار؛ فوقفوا من القرآن موقفًا غريبًا، وسلكوا به مسلكًا عجيبًا، وكان حظهم منه ألفاظًا تُردَّد، ونغمات تنوع، وألحانًا تسمع، وأوقاتًا تقضى فى غير عظة ولا اعتبار، إنهم يقرءون القرآن كثيرًا، ويستمعون إليه كثيرًا، ويتلونه فى كل مناسبة، ويعمرون به بيوتهم، ويزينون به حفلهم، ويحفظونه فى صدورهم، ويحملون المصاحف فى جيوبهم، كل ذلك مستفيض فيهم لم، يقصروا فيه ولم يغفلوا عنه، ولكن ما بالهم لا يسيرون كما يسيرهم القرآن، ولا يتوجهون إلى ما يوجههم إليه، ولا يعملون بأمره ونهيه، ولا يميزون بين تحليله وتحريمه، ولا يتأثرون بزجره ووعظه، ولا يقيمون وزنًا لحدوده وأحكامه، وكأنه لغيرهم نزل، وكأن سواهم كُلِّف فقهه وحمايته، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟.

ألست تقف موقف الدهشة والعجب حين ترى شخصًا يؤمن بالقرآن، ويدين به، ويعتقد أنه دستور الله لخلقه وأمره لعباده، والميثاق الذى واثقهم به، ثم يسمع قول الله تعالى: }قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ التوبة: 24؛ فيتعامى عن مقاصدها، ويتغافل عن مطالبها، ويكون كل أولئك أحب إليه من الله ورسوله، ثم يريد بعد ذلك أن يدفع الله أمره، ويرفع عنه نقمته، ويلح فى الدعاء بذلك ليل نهار، أفترى هذا تأثر بالقرآن أو انتفع به؟.

وألست تقف موقف الدهشة حين ترى قومًا يخاطبهم ربهم بقوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ{ المائدة: 90 : 92، ثم هم بعد ذلك النداء يتخذون الخمر تحية أضيافهم وعنوان رقيهم، ويتخذون الميسر سلوة نفوسهم وقضاء أوقاتهم.

وألست تقف موقف الحيرة الأسيفة حين ترى قومًا يناديهم ربهم بقوله: }لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ المجادلة: 22، ثم تطغى عليهم بعد ذلك المجاملات الكاذبة، فتضعف نفوسهم عن التفريق بين العدو والصديق، والمحب والمبغض؛ فيتخبطون فى عاطفتهم، ويخلطون فى حبهم وبغضهم؟.

وألست تعجب كل العجب حين تعلم أن الله -تبارك وتعالى- يقول للمسلمين فى ثلاث آيات من سورة واحدة فى موضع واحد: }وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{[المائدة: 44]، }وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{ المائدة:45، }وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {المائدة: 47، ثم يُرْدِفُ ذلك كله بآية هى أقسى ما يكون فى تهديد من حاد عن أحكام الله -تبارك وتعالى- فيقول: }أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ{ المائدة: 50، ثم هم بعد ذلك يرجعون إلى أهوائهم، ويتحاكمون إلى غير كتاب ربهم، وفيه الحكم الفصل لو كانوا يعقلون؟.

وألست تعجب كل العجب حين ترى أمة يناديها بارئها بقوله: }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا{ آل عمران: 103، فيقابلون هذا الأمر الصادع والحكم الجازم بالفرقة والاختلاف، والتشيع والتحزب والانقسام على أنفسهم طرائق قددًا، وطوائف بددًا، يتراشقون بالسباب، ويتنابزون بالألقاب، والعدو قد اقتحم عليهم الباب.

وماذا أقول لك؟ أمامي الآن كتاب الله -تبارك وتعالى- وأقسم لك إنه خُيل إلىَّ أنى كلما تلوت آية من آياته رأيتُ المسلمين فى هذا العصر فى واد وهي فى واد آخر.

سارت مشرِّقة وسارت مغربًا              شتان بين مشرقٍ ومغربِ

أيها المسلمون، إن هذا القرآن شافع مشفع وفاصل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار؛ فتتبعوا أوامره، وأقيموا حدوده، واعملوا بتعاليمه، ولا تدعوا شهر رمضان يمر بكم دون أن يترك فى النفوس قبسًا من نوره وأثرًا من تهذيبه؛ فيرفع عنها حجاب الغفلة، ويكشف لها عن مواطن العبرة؛ فتكون من العارفين العاملين، فإن لم تفعلوا فاذكروا يومًا يخاصمكم فيه نبيكم صلى الله عليه وسلم حين ينادى ربه: }يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا{ الفرقان: 30 (3).

 

4-رمضان

أحسنَّا ضيافته

هاهو الضيف الكريم الذي أمتع المسلمين أيامًا معدودات بطلعته المشرقة وأوقاته المملوءة بالخير والبر يتأهب للرحيل، ويؤذنهم بالتوديع، ولكل أجل كتاب، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزىّ به.

فترى هل أكرم المسلمون وفادته، وأحسنوا قراه فهو شاكر ممتن؟ أم تثاقلوا عن واجبه ونسوا حقه فهو مغبون مهضوم؟ والضيف يحمد أو يلوم.

وهاهو ذلك الكتاب الناصع الصفحات من مذكرات الزمن لم يبق فى صحائفه إلا القليل، وقد طوى الكثير منها على ما احتواه من الخير أو الشر؛ فترى هل كتب المسلمون صحائف هذا الكتاب بمداد الصالحات، ووشوه بأنوار الطاعات والمبرات، وطرزوه بسنا الخلائق الغر والصون والطهر، وختموه بمسك الإنابة والاستغفار، أم أهملوها فطويت غفلا، وذهبت هباء، أو لوثوها بسواد العصيان كدروا نصاعتها بظلمة العدوان.

وهاهو ذلك الشهيد الذي أقام فينا شهرًا يعود ليؤدي مهمته، ويعلن شهادته، وينطق علينا بما رأى منا، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر؛ فهل قدر المسلمون ذلك فجعلوا أعمالهم حجة لهم لا حجة عليهم؟

وهاهي مركبة الزمن التى أرسلها الله لعباده قد قطعت مرحلتها، وسارت إلى غايتها؛ حيث تتوارى بالحجاب بما تحمل من خيرات أو آثام، ثم يحفظ كل ذلك لأهله، ويرى كل إنسان ما قدم من عمله }يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا{ آل عمران: 30، فهل رأى المسلمون هذه المركبة وهي تسير؛ فحلوها من الصالحات ما يرونه محضرًا يوم القيامة تقر به نفوسهم وتنشرح له صدورهم.

وأخيرًا هاهو شهر رمضان العظيم المبارك ينقضي تباعًا ولم يبق فيه إلا الدماء؛ فكيف كان المسلمون فى هذه الأوقات المباركات؟

أنت يا أخي واحد من رجال؛ إما رجل عربيد مستهتر لا يقدس حرمة الأيام، ولا يعترف بقداسة التكاليف؛ فرمضان وغير رمضان عنده سواء؛ فهو فى كلها سادر فى غلوائه، ماض فى خيلائه، غارق فى بلوائه، مطمئن إلى مسلكه، آنس بما يرتكب من بوائق وآثام؛ فهذا الرجل أهان الضيف، ولوّث صحائف الكتاب وأغضب الشهيد، وحمَّل المركبة ما تنوء به من الشرور والمفاسد، وهو إن أراد النجاة فالسبيل معبدة، والعودة ممكنة، والتواب كريم، وباب الرجوع لما يقفل وإنه غفور رحيم، وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، وما أجمل أن يتوب هذا المسرف من ذنبه، ويرجع إلى ربه؛ فيبدل سيئاته حسنات، ويرفعه إلى أعلى الدرجات، وسبحان من نفع المسلمين بقاتل حمزة.

وإما رجل لاهٍ غافل، مر به رمضان كما تمر السحابة بالقوم النيام، لم يروها ولم تمطرهم؛ فلا هم شعروا بظلها، ولا هم استفادوا من خيرها، وهذا الرجل حرم فضل الضيافة، ووثاقة الكتابة، ومعاهدة الشهيد وترك المركبة فارغة، وهو فى مسيس الحاجة إلى ما تحمل من خير وبر، وأولى له أن يبادر فى البقية الباقية من أيام رمضان فيسترضى ضيفه بما يقدم من قراه، ويستوثق لنفسه بما يدون فى صحف هذا الكتاب، ويكتسب الشهيد بما يعمل بين يديه من خيرات، ويملأ المركبة بما استطاع من طاعات، وقد يبارك الله فى هذا القليل فيعود خيرًا كثيرًا، والله ذو الفضل العظيم.

وإما رجل حازم حكيم، علم بمقدم الضيف فأعد له العدة وأكرم الوفاء ولاقاه بالبشر.

وقال له أهلا وسهلا ومرحبًا              فهذا مبيت صالح ومقيل

يبتسم لكل ساعة من ساعات الشهر، ويكرمها بطاعة من طاعات الرب؛ فتمضى لاهجةً بشكر صنيعه رائبة فى الثناء عليه، وعلم أن صفحات الكتاب هى تقارير عمله، فدون فيها ما يرفع منزلته ويعلى رتبته؛ فهي وثيقته بين يدى مولاه وحجته عند ربه، ورأى الشهيد ناظرًا إليه ورقيبًا عليه فلم يُرِهِ إلا ما تقر به عينه من صلاة وصيام وتلاوة وقيام وصون وطهر وصدقة وبر ومسارعة إلى الخير؛ فكانت الشهادة برهانًا له وسندًا يعتد به، ورأى المركبة تمر تباعًا وتمشى سراعًا، فحمَّلها فى كل خطوة خيرًا كثيرًا؛ فهو جدير أن يكون غنيًّا بما قدم سعيدًا بما عمل مطمئنًا إلى عاقبة أمره }فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{ الزلزلة: 7-8، وهذا الشخص حقيق أن يضاعف مجهوده، ويزيد فى يقظته، وعند الصباح يحمد القوم السرى، ولأمر ما كان صلى الله عليه وسلم إذا أقبل العشرُ الأواخر من رمضان شمر وأيقظ أهله وشد المئزر.

فأي الأشخاص كنت أيها الأخ الكريم؟

أيها المسلمون، هاهو رمضان يؤذنكم بالرحيل، وقد كان فيكم أستاذًا يملى عليكم مبادئ الرجولة الصحيحة، ويربى فيكم الإرادة القوية، ويُعَوِّدكم الاحتمال والصبر، ويرسم لكم طريق الحرية، ويكشف عن بصائركم حجب المادة؛ حيث تسمو إلى أفق الملائكة، ويعلمكم الفقه عن الله -تبارك وتعالى- والفهم لكتابه ودينه وآياته، ولكل أستاذ أثره؛ فكيف كان شهر رمضان فى نفوسكم؟ زنوا أنفسكم وتعرَّفوا أثر رمضان فى أرواحكم، وانظروا: هل قويت إرادتكم فأصبحتم قادرين على الاستغناء عن التوافه من المتع فى سبيل العظائم من المكرمات؟ وهل تعودتم الصبر على الشدائد فأصبحتم قادرين على التضحية فى سبيل الوصول إلى أنبل الغايات؟ وهل كُشف عن بصائركم الحجاب فأدركتم حقارة أعراض هذه الحياة الدنيا إلى جانب عزة النفس ووفرة الكرامة وحرية الضمير وسعادة الروح؟ وهل تفقهتم فى دين الله وتفهُّم آياته فأصبحتم تتجاوزون الألفاظ الجامدة إلى المعاني السامية، والتقاليد الفاسدة إلى لب التشريع وأسرار التنزيل؟ إن كان ذلك كذلك فاحمدوا الله على ما هداكم، وإن لم يكن ذلك كذلك فاجتهدوا فى هذه اللحظات الباقية أن تصقلوا مرآة أرواحكم، وتطهروا أدران نفوسكم وتنتفعوا بفيض الله -تبارك وتعالى- فى شهركم؛ فإن فعلتم فسوف تدركون -إن شاء الله- وإن أعرضتم فقد بلغت.. اللهم اشهد(4).

 

كيف نستقبل رمضان؟

إنه هلال رمضان، الله أكبر الله أكبر، ربى وربك الله، اللهم أهلَّهُ علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقه، الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وجاء بشهر رمضان.

فى مثل هذا الوقت من العام الفائت كنا نستقبل رمضان، وهاهو قد عاد فى هذا العام بعدته المشرقة، وطلعته البراقة المنيرة لنستقبله مرة أخرى؛ فمرحبًا بشهر الطاعة والتزكية والعبادة والطهر.

وترى هل شعر أحدنا بأنها حلقة من سلسلة الحياة المحدودة الحلقات نقصت، ومرحلة من مراحل الأجل المعدودة قطعت، وخطوة فى طريق الحياة إلى النهاية الغائبة عن كل إنسان لا تدري كم كتب بعدها لكل منا من خطوات؟ لقد تلاشت هذه الأوقات فى محيط الماضي الواسع الفسيح، وذابت فى طيات أمواجه كما يذوب الجليد، صهرته الشمس، وفنيت فناء لن تعود بعده أبدًا، وهكذا تتلاحق الأعوام وتتابع السنون.

حبذا لو كان كل واحد منا يحاسب نفسه إذا أصبح وإذا أمسى عن هذه الساعات التى هى أجزاء حياته: فيم أنفقها؟ وما الذي اكتسبه فيها؟ وإلى أى مصير أدته؟ وما من يوم ينشق إلا وينادى: "يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم منى فإنى لا أعود إلى يوم القيامة"، ما أرخص الوقت فى نظرنا وهو أغلى شىء، أليس الوقت هو الحياة؟ لقد قالوا: إن الوقت من ذهب، ولا أراهم إلا قصروا؛ فإن الذهب إن ضاع منك عوضته، والوقت إن ضاع لم تعوضه ولو أنفقت ملء الأرض ذهبًا. ومن ذا الذي يقيس الحياة بالذهب؟! إن الذى جعل الوقت من ذهب بخسه حقه؛ فالوقت فى حياتنا هو كل شىء، وإن كنا لم نعتبره بعدُ شيئًا، وأعتقد أننا فى اللحظة التى نقدر فيها أوقاتنا، ونعرف كيف ننفقها فيما يتفق مع قيمتها، ويتناسب مع قدرها نصبح أرقى الأمم وأسعد الشعوب؛ فهل يقدر هذا لنا نحن الذين ضبط لنا الإسلام الأوقات ضبطًا ليس أدق منه ولا أروع، وجعل للذين يراعون الشمس والقمر منزلة فى الجنة؟

تعالوا يا أحبائي نرَ الذى استفدناه لأنفسنا أو لأمتنا خلال عام كامل مضى بدقائقه وساعاته وأيامه ولياليه، هل اهتدينا فى رمضان الماضي إلى أسلوب صحيح من أساليب تربية النفوس، وتطهير الأرواح، وتزكية الأخلاق؛ فحرصنا عليه، ونهجنا نهجه حتى جاء رمضان هذا العام، فإذا نحن أزكى نفوسًا، وأصفى أرواحًا، وأطهر أخلاقًا من ذي قبل؟

هل تمكن قطر شرقي إسلامي خلال هذا العام من فرصة سانحة كسر فيها القيود والأغلال، وخلص مما هو فيه من الويلات، واندفع فى طريق الترقي والكمال؟

هل وفقت حكومة إسلامية أو زعامة شرقية إلى وضع ناموس اجتماعي يوقف تيار هذا الفساد الخلقي والاضطراب الاجتماعي والألم النفسي الذي يشمل كل مرافق الحياة، وكان له فى النفوس أسوأ الأثر وأعظم الضرر؟

هل أجلى خصم من خصوم الإسلام عن ديار الإسلام؟ لا.

وهل عادت أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام فى أمة من الأمم كما يريد الإسلام؟ لا.

وهل صلحت أخلاق أبناء الإسلام كما يريد الإسلام؟

وهل أخذ المسلمون بأحكام القرآن الكريم، وطالما سمعوه ووعوه، وهم يعلمون أنه أساس الإسلام؟ لا.

إذن لم يَجدَّ علينا جديد نُسَرُّ به ونفرح له، ولا زلنا فى موقفنا حيث نحن كما كنا منذ عام، وإذا استمر الحال على ذلك لم يزدنا مَر الأيام إلا تأخرًا، وذلك ما يذيب لفائف القلب لوعة وأسى.

ولئن كان التفريط فى الماضي جريمة فإنه فى المستقبل أشد جرمًا وأكبر إثمًا، فهيا يا أبناء الإسلام ننتهز فرصة رمضان الجديد لنتجدد.

تجددوا يا شباب الإسلام، اخلعوا هذه النفوس الرثة البالية الخليقة الماجنة الطاغية الكاسية الضعيفة الناعمة الغارقة فى الأماني والشهوات، واستبدلوا بها فى رمضان الجديد نفوسًا أخرى جريئة فى الحق، شاعرة بالواجب، مقدرة للأمانة، كلها فتوة وهمة وقوة، ونزوع إلى المعالى، وعزوف عن الصغائر، وطموح إلى المجد الذي خلده الله لكم فى كتابه؛ إذ يقول: }وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ {المنافقون: 8.

جددوا أنفسكم، وزكوا أرواحكم، واستعينوا بالصلاة والصيام والطاعة والقيام، وجددوا توبة نصوحًا تُرضى ربكم فيرضى بها عنكم، واحذروا أن يمر بكم رمضان فلا تصقل به النفوس، ولا تزكى به السرائر ولا تطهر به الأرواح، وليس بجميل أن ينادى منادى الحق -تبارك وتعالى- وقد جاء رمضان: "يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلم"؛ فلا يبادر المسلمون إلى الإجابة، ولا يسارعون إلى تلبية الداعي البر الرحيم.

إنه شهر مناجاة وروحانية؛ ولهذا أوثر أن تخلو بنفسك وتستجوب أصداء حسك فى خلوة من ليل أو نهار؛ فتسأل نفسك عن واجبها نحو ربها ودينها وأسرتها وأمتها ووطنها وقرابتها، وإلى أى حد قامت بشعب هذه الواجبات وفروعها، وثق بأنك ستفهم عن نفسك فى هذه الخلوة الربانية أكثر مما تفهم عنى، ولو كتبت لك أضعاف هذه الصفحات، وثق يا عزيزي أن العلم الصحيح إنما ينبع من الروح، ويفيض من القلب، ويتفجر من جوانب النفوس الزكية المشرقة؛ فكن عبدًا ربانيًّا معلَّق القلب بالله؛ تره يملأ نفسك بهجة وسعادة، والله ولى توفيقنا وتوفيقك إلى ما يحبه ويرضاه(5).

 

كيف ننتفع برمضان؟

ما أعذبها ساعة تلك التى يخلو فيها الإنسان إلى نفسه بعد متاعب اليوم وعناء العمل، وما أحلاها فترة حين يتخلص المرء من جلبة الحياة وضوضائها، ثم يسمو بروحه فى هذه الخلوة إلى فضاء من الأخيلة اللذيذة والخواطر العذبة.

ألا إن رمضان فى شهور العام هو تلك الساعة الحلوة فى ساعات اليوم؛ فهو شهر خلوة نفسية يتجرد فيها الإنسان معظم وقته عن مطالب المادة ولوازم الشهوات، وتسبح نفسه فى عالم كله جمال وروعة وأنس وبهجة.

وإن الفواصل فى كل شىء أمر لا بد منه لتجديد النشاط، وتوليد القوة، وإعادة السرور واللذة، تلك سنة الله التى جبل عليها نواميس الخليقة جميعًا، أفلست ترى الليل فاصلة بين النهارين، والنهار فاصلة بين الليلين؟ وتصور كيف تكون الحال إذا فقدت هذه الفواصل. أولست تشعر بالنوم فاصلة بين اليقظتين، واليقظة فاصلة بين النومين، وما بالك إذا استبدت بك اليقظة أو دام عليك النوم سرمدًا؟

وأحلى ما تكون هذه الفواصل عذوبة إذا كان ما قبلها من الأعمال فيه شدة وفيه عنف، وأحب ما تكون هذه الفواصل إلى النفس إذا طالت عليها مدة المزاولة، وغابت عنها الفترة الفاصلة.

وبعد، فشهر رمضان هو فاصلة العام؛ يدرك النفس الإنسانية وقد غرقت فى المادة إلى أذقانها، وزاولت عملا شاقًّا فى مكافحة ما يحيط بها من ظروف الحياة ومطالبها، حتى إذا جاء رمضان سما بها إلى عالمها، وجردها من كل ما يحيط بها، وطاف بها فى عالم طالما استروحت إليه، وحنَّت إلى رياضه ومعانيه، ولهذا كان رمضان شهرًا فاضلا ممتازًا له فضله وقدسيته وأثره وميزته.

كان رمضان فى الجاهلية فاضلا ممتازًا، جعلته العرب لتعبُّدها وخلوتها وتحنثها وعزلتها، يتخلص فيه المتألهون من قبائلهم؛ فيعبدون الله أيامه ولياليه، حتى إذا انتهت أوقاته المباركة طافوا بالبيت، ورجعوا إلى ما كانوا فيه من مزاولة أعمال ومخالطة أقوام، وتلك هى السبيل التى سلكها المصطفى صلى الله عليه وسلم حين أراد الله -تبارك وتعالى- أن يشرف الدنيا برسالته وأن يبعثه رحمة للعالمين.

من أحداث رمضان

وكانت أول آيات القرآن نزولا إلى هذه الأرض فى شهر رمضان }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{ البقرة: 185، وأنت جد عليم بأن القرآن الكريم هو صقال النفوس وطب القلوب ودواء الأرواح، ولأمر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن فى رمضان.

وكانت غزوة بدر -وهي الغزوة التى أيد الله فيها نبيه، وأظهر دينه لأول عهد المسلمين بالدعوة العملية- فى رمضان كذلك }وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{ آل عمران: 123.

وكانت غزوة الفتح فى رمضان كذلك، وبها نبع انتشار الدعوة فى الجزيرة العربية بين مداه، وانتهت الموقعة الفاصلة بين الإيمان والشرك باستيلاء الإيمان على قلب الجزيرة وذروة سنام مدنها وفخر أبنائها ومعقل عزتها وقدسيتها "مكة المكرمة"؛ مستقر بيت الله العتيق }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا{ الفتح: 1-3.

وفى رمضان ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر، والتي تعمر فيها الأكوان بالملائكة المقربين وتشرف بالروح الأمين.

الرسول فى رمضان

ورمضان شهر معمور النهار بالصيام، ومعمور الليل بالقيام، وهو إذ كان شهر الخلوة فقد ميزه الله باستحباب الاعتكاف فى المساجد، والابتعاد عن ضوضاء الاختلاط وجلبة التقلب فى شئون الدنيا استكمالا لخلوة الروح، وحرصًا على العبادة من فيوضات الحق فى هذا الشهر على القلوب الصادقة التوجه إليه القوية الصلة به.

ولقد علم السلف الصالحون ذلك من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتهز فرصة هذا الشهر فيعمره بعدة صنوف من صنوف البر.

يحسن صوم نهاره، وتلك فريضة الله التى فرضها على عباده.

ويفيض جودًا وندى بالصدقات، وهو صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون فى رمضان.

ويعمر ليله بالقيام تهجدًا ونافلة، فإذا صلى بالقوم تجوز فى صلاته حتى إذا انصرف إلى رحله أطال ثم أطال يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا.

ويدارس جبريلَ كتاب الله بما أن شهر رمضان هو شهر القرآن، وبما أن أولى ما ينصرف إليه هذا النشاط الروحي والزكاء النفسي الذي يشع على الفؤاد من أنوار الصيام والقيام؛ ففهم كتابه، وتدبر آياته ومعانيه، ويعتكف العشر الأواخر، ويشمر ويوقظ أهله، ويشد المئزر.

كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخذ بسنته أصحابه الأكرمين -رضوان الله عليهم- وتبعهم على ذلك صالحو هذه الأمة بإحسان؛ فكان منهم من إذا أقبل رمضان ودع أصحابه إلى العيد، ثم انصرف بكليته وجزئيته إلى الطاعة، وفر بجسمه وروحه وقلبه وفؤاده إلى الله.

رمضان عند بعض المعاصرين

ثم خلفت لهم بعد ذلك خلوف أضاعت الصلاة واتبعت الشهوات، وأضاعت حكمة الفرصة، ونسيت أسرار الطاعات، وهدرت كرامة الشهر الفاضل، وتجاهلت قدسية الفريضة المحكمة؛ فكان منها قوم استحكمت على قلوبهم الغفلة، وران عليها ما كانوا يكسبون؛ فأفطرت والناس صيام، وجاهرت بالعصيان فى غير عذر شرعي، وبدون موجب صحى تحللا واستهتارًا أو تبجحًا واستكبارًا، ويؤسفك ويؤسفني ويؤسف كل مسلم أن تفشو هذه الفاشية السوء بين سراة الأمة وكبارها؛ حتى كادت تحق فيهم الآية الكريمة: }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ{ الأنعام: 123.

هذا فلان باشا يتناول غداءه فى "كلوب" -لا أدرى ما اسمه- فى نهار رمضان، وهذا فلان يحتسى الخمر فى "بار" -أعوذ بالله أن أذكره-، وهذا الوجيه فلان يأكل الأكلات الثلاث، ولا يستحى من البواب والسفرجي والطباخ والخادم، وكلهم والحمد لله صيام.

ولست أنسى ذلك السفرجى الصالح الذي جاءني ذات يوم يلتاع أسى وحزنًا، وينتفض غيرة وألمًا، ويستفتيني فى شأنه مع مخدومه العظيم الذي يلزمه أن يقدم له الطعام صباحًا وظهرًا فى نهار رمضان.

هذا السفرجي يخاف الله -تبارك وتعالى- ويخشى سطوته، ويتحرج من مساعدة مفطر على إفطاره، وإن كان ذلك بحكم عمله فى مورد رزقه، وهذا السيد العظيم فى عرف الناس وفى طبقات المجتمع يحارب الله -تبارك وتعالى- ويجاهر بعصيانه، ويستخف بشعور كل أولئك الذين يخشون الله ويخافونه.

أيها الرجل الغافل، خير لك أن تعود إلى الطاعة، وأن تمتثل أمر الله؛ فإن أبيت إلا ما أنت فيه من عصيان، فاعلم أن الله غنى عنك وعن صومك وعبادتك، وسوف يحاسبك حسابًا عسيرًا؛ فكن أنت كيف شئت، ولكن لا تستعجل غضبة الله عليك باستخفافك بشعور هؤلاء المستضعفين الصالحين من عباد الله، واحذر أن تصيبك دعوة أحدهم؛ فرب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره.

وكان منها قوم آخرون صاموا كما يصوم الناس، وقد يقومون كما يقومون، ولكنهم أبعد ما يكون عن إدراك حكمة الصوم والانتفاع بفضيلة الشهر؛ فهم فى نهارهم إما نائمون وإما عاصون بكلمة نابية أو غيبة قاسية أو نظرة جانية أو خطرة جافية، وفى ليلهم متقلبون بين مجالس اللهو والعبث بله المعصية والرفث، وفى طعامهم جشعون نهمون يجمعون الأصناف ويملئون البطون، ورمضان عندهم شهر المآكل الطيبة، والمشارب السائغة، والملاهي والسهرات، والتقلب بين أصناف المسليات.

ولقد كان عهدنا فيما مضى بليالي رمضان أنها ساعات معمورة بالقرآن الكريم، مأهولة بالعبادة، مشغولة بالأوراد، أفضل التسلية فيها زيارة إخوان ومجلس قرآن، فإذا بنا نرى هذه الليالي الفاضلة تتضاعف فيها المعاصي، وتتكاثر فيها الآثام، وتصبح أوقاتها مشغولة بالمنكرات بعد أن كانت مأهولة بالطاعات.

أيها المسلمون.. 

هكذا يكون الانتفاع بشهر رمضان الذي أوشك أن يزايلكم إلى حيث لا تعلمون من سيستقبله بعد ذلك ومن سيلحقه فى طيات الزمن، ولا بد مما ليس منه بد؛ فاغتنموا أوقات رمضان فى تجديد أنفسكم، وتطهير أرواحكم، والإقبال على ما يرضى عنكم ربكم، ويضاعف لكم حسناتكم، والله ولى توفيقكم إلى ما يحبه ويرضاه(6).

 

من ألوان رمضان

هاهو هلال رمضان ينير الأفق، تحف من حوله ملائكة الرحمة، وتحيط به جند الروحانية، وينادى مناديه: "يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلم"، والنفس البشرية فى هذا العصر المدوي بضوضاء المادة المغمور بتيارها الجارف أحوج ما تكون إلى الاسترواح فى خلوة روحية تتسمع فيها أنغام العالم السامي النبيل، وتسمو إلى قدس الحقيقة، وتتجرد عن هذه المتعبات المؤلمات.

لهذا كان اللون الذي اختاره الإسلام لرمضان لونًا روحيًّا بحتًا: صيام بالنهار، وتجرد عن المادة فى كل مظاهرها من طعام وشراب ونساء وفضول، وقيام بالليل يطول، حتى إنهم ليستعجلون الخدم بالسحور مخافة الفجر، وتلاوة لكتاب الله تتفجر من معينها ينابيع الحكمة فى نفوس القارئين.

هذا هو رمضان القرآني الذي هو حصته الروحانية فى مدرسة المادية التى شقيت بها الروح، وهذا هو رمضان الذي تربى بأيامه ولياليه السلف الصالح؛ فكانوا أرق الناس نفوسًا ومشاعر، وأزكاهم أرواحًا وعواطف.

ورمضاننا يشترك مع "رمضان الأول" فى أنه صيام، ولكن يقصد به إجلاء البطن لأطايب الطعام وصنوفه وألوانه فى السحور والإفطار، وقيام ولكنه فى الملاهي والشهوات.

أيها الإخوان المسلمون.. 

انتهزوها فرصة، وادخلوا المدرسة لأول يوم وأنتم عازمون على الجد، مترقبون للنجاح آخر الدرس، آخذون فى وسائله وأسبابه، جددوا التوبة فى كل الأوقات، واقرءوا القرآن بتدبر وإنعام، وأشعروا النفوس فائدة الصوم، واطلبوا القيام ما أمكنكم، وأكثروا من الذكر والفكر، وارتفعوا بأرواحكم عن محيط المادة، واجعلوا نصب أعينكم هذه العلامة التى تميز بين الصائمين فى قول الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ البقرة: 183، واخرجوا من صومكم "متقين"(7).

 

من خواطر شهر رمضان العظيم

} الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا{[المائدة:3] صدق الله العظيم.

ها هو ذا شهر رمضان العظيم يطل بوجهه المشرق المنير، ويطالع الأمة الإسلامية؛ فتستيقظ معه قلوب، وتتنبه مشاعر، ويهتف فى قلب كل مسلم صوت من أصوات الحق: "يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلم".

ها هو ذا شهر رمضان العظيم شهر الوحى والتنزيل }الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{ البقرة: 185 يطل على أمة القرآن، فإذا بها تتهيأ لبناء ركن من أركان الإيمان، مستجيبة لنداء الحق تبارك وتعالى: }فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{ البقرة: 185، والصوم عبادة من العبادات التى ندب الحق إليها عباده، وهو ركن من أركان الإسلام الخمسة التى لا يتم إلا بها ولا يكمل إلا معها، والمفطر فى رمضان بغير عذر آثم مجرم فى حق نفسه، مفرط فى جنب الله، مستهتر بشعور الناس، خارج على أدب أمته وملته، يجب أن يحاسب على هذا حسابًا عسيرًا بيد المجتمع فيزدرى ويحقر، وبيد القانون فيؤاخذ ويعزر، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر لو كانوا يعلمون.

ولقد وقفت برهة أمام تشريع الإسلام فى العبادات؛ فأخذني العجب العاجب من هذا التشريع الحكيم والوضع الكريم السليم الذي وضعت على قواعده هذه العبادات.

ليست العبادات فى الإسلام ضرائب تؤدى أو واجبات تقضى، أو فرائض تفرض فحسب، ولكنها مظهر الصلة بين الله وخلقه، ومشرق النور فى قلوبهم من ملكوته، والحجاب بينهم وبين وساوس الإثم ونزواته، ونمط من أنماط التكريم للإنسان إذ يسعد فيها بمناجاة العليم الخبير الذي بيده ملكوت كل شىء. تلك هى العبادات الإسلامية فى معناها الروحي، ثم انظر بعد ذلك على أى القواعد وضعت.

العبادات فى الإسلام لا كلفة فيها ولا حرج }يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{ البقرة: 185، وضعت على البساطة التامة والتخفيف الكامل الذى لا يؤذى أحدًا ولا يؤلم إنسانًا، ووضعت إلى جانبها الرخص والكفارات التى تعفى غير القادر من العمل مع الإبقاء على حرمة التشريع وقداسة القانون؛ فمن لم يستطع الوضوء تيمم، ولم يستطع الصوم الآن قضى بعد حين أيامًا معدودات، وإن لم يستطع مطلقًا ففدية طعام مسكين، ومن سافر فله أن يجمع الصلوات وأن يقصرها، وله أن يصوم وله أن يفطر، }وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ البقرة: 184.

ثم هذه العبادات بعد ذلك.. لكل عبادة منها معناها الاجتماع، ومغزاها العملي؛ فليست ألغازًا محجوبة، وليست طلاسم مجهولة، وليست ألفاظًا خالية من المعاني، وليست ضروبًا من الشعوذات فى الأعمال والمباني، ولكنها أقوال أو أفعال لها فى النفس أثرها، ولها فى المجتمع خطرها، وما تعمد إلى واحدة منها بالتحليل وإنعام النظر حتى ترى من حكمها ودقائق أسرارها ما يبهر الأفهام والفكر؛ فهذه الصلاة برنامج كامل لتربية الفرد الكامل والشعب الكامل، وهذا الصوم تحرير للنفس الإنسانية من قيود العادات وأدران الشهوات وتقوية للإرادة فى الخير حتى تنتصر دائمًا على نزعات الشر، وفيه بعد ذلك مآرب أخرى، وإن أسمى ما يحرص عليه الإنسان أن يكون حرًا مريدًا وبذلك يمتاز عن الحيوان، ومن تحرر من أهواء نفسه؛ فقد ملك أمره، وعلى هذا القياس كل العبادات الإسلامية وما انطوت عليه من خير للناس.

ثم هذه العبادات بعد ذلك لا تعمل عملها، ولا ينال العابد ثوابها حتى تصدر عن وحى نفسه، وتنبع من أعماق قلبه؛ فالنية الصالحة شرط فى صحتها وقبولها، وإخلاص القصد ركن من أركان ثوابها، ونية المرء خير من عمله، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فلن يرفع إلى الله عمل لا إخلاص معه {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ{ البينة: 5، والأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها؛ فليست الحركات والسكنات والأقوال والإشارات بمغنية عن صاحبها شيئًا ما لم يصحبها قلب خاشع مخبت صادق التوجه إلى الله العلى الكبير.

تلك بعض خصائص العبادات فى ديننا، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا؛ فالحمد لله على نعمة الإسلام(8).

 

نفوسنا التى يجب أن تتغير

حين أنزل الله القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأه هذا النبى الكريم على الأمة العربية حينذاك، عمل فى نفوسهم عمل السحر، وبلغ أثره أعمق هذه القلوب، وتغلغل فى حنايا الضلوع، وتمكن من مكامن الأرواح، وبدل الله به هذه الأمة خلقًا آخر؛ فكان البون بعيدًا، والفارق عظيمًا بين الأمة العربية فى جاهليتها وإسلامها.

ولقد أثر القرآن فى نفوس المشركين والمؤمنين على السواء، ولكن أثره فى نفوس المشركين كان أثرًا وقتيًا سلبيًا، وكانوا يفرون منه، ويضعون الحوائل فيما بينهم وبينه، ويقول بعضهم لبعض: {لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ{ فصلت: 26.

أما المؤمنون فكانوا {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ{[الزمر: 18]؛ فكان أثر القرآن فى نفوسهم دائمًا إيجابيًا، بدَّلهم وغيَّرهم وحوَّلهم من حال إلى حال، ودفعهم إلى كرائم الخصال وجلائل الأعمال  {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَّشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ{ الزمر: 23.

وها هو القرآن الكريم يتلى علينا ويقرأ بين ظهرانينا؛ فهل تغيرت به نفوسنا، وانطبعت عليه أخلاقنا، وفعل فى قلوبنا كما كان يفعل فى قلوب أسلافنا؟

لا أيها الإخوان، لقد صرنا نقرأ القرآن قراءة آلية صرفة، كلمات تتردد ونغمات تتعدد، ثم لا شىء إلا هذا، أما فيض القرآن وروحانيته، وهذا السيال الدافق من التأثير القوى الفعال؛ فمن بيننا وبينه حجاب، ولهذا لم نكن صورة من النسخة الأولى التى تأثرت بالقرآن وتبدلت نفوسها به، وها نحن الآن نريد أن نقتدي بهذا السلف، ونريد أن ننهض من جديد فى نفوس المسلمين وشعوب المسلمين أمة القرآن ودولة القرآن.

وها هو شهر القرآن؛ شهر رمضان المبارك يظلنا بروحانيته؛ فهل لنا أن نتصل بالقرآن صلة حقيقية تطهر من أرواحنا وتغير من نفوسنا؟

إننا نؤثر الدنيا ونحبها من كل قلوبنا؛ فهل لنا أن نستمع إلى قول الله العلى الكبير: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ التوبة: 24، وقوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى{  الأعلى: 16-17، وقوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ{ النحل: 96؛ فنؤثر ما عند الله على ما عند أنفسنا، ونحرص على مرضاته وجزيل مثوبته، ولا نعبأ بما يصيبنا فى سبيل الحق الذى ندبنا إليه من أذى فى النفوس أو الأموال، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ولن يصيبنا إلا الخير بإذن الله {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ{آل عمران: 174-175.

وإننا ننظر إلى الأسباب نظرة هى كل شىء، ونهمل فى حسابنا إرادة العلى الكبير، ومناصرته لأوليائه من حيث لا يحتسبون، وتأييده إياهم بما يعلم الناس وما لا يعلمون، والله تعالى يقول: {وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا{ الطلاق: 2-3، ويقول: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الأَرْضِ{ القصص: 5-6 إلى غير ذلك من الآيات التى تكِل الأمر كله لله من قبل ومن بعد.

فهل لنا أن تتغير نفوسنا بهذا الوحى الرباني، والوعد القرآني، والتنزيل السماوي؛ فنكون بما فى يد الله أوثق منا بما فى يد أنفسنا؟.

إننا نغضب لأوهى الأسباب، ونتقاطع ونتدابر بسبب وبغير سبب، وتفرق بيننا الآراء والأهواء والشهوات والمنازع والدنيا، والعرض الزائل، والوهم، والأمنية الباطلة، والغاية الفاشلة الزائلة، والله يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا{ آل عمران: 103، ويقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ{ الحجرات: 10، ويقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ{ التوبة: 71.

فهل لنا أن نتأثر بهذا الخطاب الكريم؛ فننسى الضغائن والأحقاد، ونطهر النفوس والصدور، ونجتمع على كلمة الله، ونكون إخوانًا لذاته متحابين بروحه متعاونين على مرضاته، إن الله يقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ المؤمنون: 1-11.

فأين نحن من هذه الأوصاف الكريمة والسمات الفاضلة التى وسم الله بها عباده المؤمنين:

الخشوع فى الصلاة والمحافظة عليها، والإعراض عن اللغو فى القول والعمل على تجنب ما لا يفيد ولا ينفع، وكل صغير وكبير مستطر، وأداء الزكاة -زكاة الفطر وزكاة المال- إبراء للذمة، وتطهيرًا للثروة، ومنعًا للفتنة، وبرًا للفقراء والمساكين.

وحفظ الفروج وصيانتها عن غير ما أحل الله لها، وحفظ ما يتصل بها من العين والأذن والفم والأنف واليد والرجل، وقديمًا قال الشاعر العربي:

لعمرك ما أهويت كفى لريبة              ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها           ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي

حفظ الفروج وما إليها سموًا بالعاطفة، وعلوًا بالروح، وتنزيهًا للنفس وصيانة للعرض، وصرعًا للشيطان، وإرضاء للرحمن، وأداء الأمانة والوفاء بالعهد أداء للحق، واعتدادًا بالنفس، وتوفيرًا للثقة، وإقامة لميزان التعامل والتعاون بين الناس.

أين نحن الآن من هذه الأوصاف القرآنية التى أضفاها الإسلام على أبنائه من المؤمنين الصادقين، والتي تخلَّق بها سلفنا؛ فكانوا خير أمة أخرجت للناس.

هذه نماذج من تعاليم القرآن التى طبع بها نفوس أسلافنا؛ فانعكست فى مرآة أخلاقهم، وأضاءت أشعة نورانية للناس، وهدتهم وهدت بهم سواء السبيل؛ فهل تتغير نفوسنا فتتغير أحوالنا؟

اللهم حقق الرجاء وأجب النداء.. آمين(9).

 

هلال جديد .. وعهد جديد

فى ليلة من ليالي رمضان العظيم، كان الإنسان الكامل "محمد بن عبد الله" العربي الهاشمي يتحنث فى غار حراء على عادته، ويطالع ملكوت السماوات والأرض مغمورًا بجمال الكون، مأخوذًا بعظمة المكون، وإذا بالروح الأمين جبريل يتنزل عليه، ويوحى بإذن الله إليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{ العلق: 1-5؛ فتكون تلك الآيات البينات فاتحة عهد جديد فى تاريخ الإنسانية، وعنوان كتاب جديد يحمل النور والروح، والحياة والسلام والأمن للناس جميعًا، وبشائر الفجر المشرق بسنا الحق يتبلج فتنجاب بضوئه ظلمات الباطل فى كل مكان.

لقد قدم رمضان هذا للناس "نبيًا وكتابًا"، قامت عليهما أعظم نهضة إنسانية عرفها الوجود، وتمت بهما أضخم رسالة رأتها الدنيا؛ فكان النبىُّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكان الكتاب هو القرآن الكريم، وكانت الرسالة إنشاء دين، وإحياء أمة، وإقامة دولة مهمتها فى الوجود أن توحد الوجود تحت لواء المبادئ العليا، والمثل السامية، والفضائل الإنسانية الخالدة، وأن تخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، الله الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض.

ومضى النبى صلى الله عليه وسلم قدمًا يبلغ رسالته ويتلو على الناس كتابه، ودانت الجزيرة العربية، واندكَّ سلطان الكسروية! وتقلص ظل القيصرية، ورفرف لواء المبادئ القرآنية الجديدة، على ملك شامخ يمتد من حدود الصين إلى الدار البيضاء، ومن قلب فرنسا إلى مجاهل إفريقية، ودخل الناس فى دين الله أفواجًا.

ثم ماذا؟ ثم دالت تلك الدولة، وتقلص هذا الظل الوارف الممدود، بإهمال تعاليم الإسلام، وتنافس أهله على الملك والدنيا، وحسن ظنهم بالأعداء وبالأيام، وتأخرهم عن الأعصار والأزمان، وجهلهم بمقتضيات تغيرها وتطورها؛ فنسى الدين، ونامت الأمة، وتفككت الدولة، وتفرق أمرها أيدي سبأ، وظن الناس أن قد قضى الأمر، وطوى هذا المجد أبد الدهر، وقال المنافقون والذين فى قلوبهم مرض: {مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا{ الأحزاب: 12.

ولكن الله العلى الكبير رب الرسالة والقرآن تكفل بحفظها {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{ الحجر: 9، ووعد بالدفاع عن أهلها {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا{ الحج:38.

وذكر أن ذلك من سنته فى خلقه {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ{ يوسف: 110، وأبان عن الطريق فى ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{ المائدة: 54.

والآن ها هو رمضان يطلع على الناس من جديد، ويبدو هلاله المشرق الجميل، ويبادر المسلمون فى أقطار الأرض إلى فريضة الصوم لرؤيته، طاعة لله العزيز الحميد؛ فهل يشعرون مع هذا الهلال بمعنى التجديد؟ وهل يطالعهم هلال رمضان الجديد بعهد جديد؟ إن بين يدي المسلمين فى أقطار الأرض الآن فريضة لا تعوض؛ فقد تهدمت قواعد المدنيات والنظم، واضطربت أسس الحياة الإنسانية فى كل مكان، وراجت سوق الدعوة إلى مبادئ جديدة وآراء جديدة، وتهيأت الدنيا كلها لقبول ما يعرض عليها من ذلك، وأخوف ما يخافه المصلحون أن تخطئ الإنسانية الاختيار، وأن تبهرها المظاهر الخالبة، فلا تبصر الحقائق الخالدة؛ فتسوء العقبى، وينتكس الناس من جديد، وتكون الطامة الكبرى على البشر جميعًا.

ويستطيع المسلمون أن يعملوا فى هذا الوقت لأنفسهم وللناس معهم عملاً مجديًا نافعًا، بل لعله عمل منقذ حاسم، إذا تشجعوا فطرحوا اليأس والوهم، وانتهزوا الفرصة السانحة، فعادوا إلى القرآن الكريم، يجددون به دنيا، ويجيبون به أمة، ويقيمون به دولة.

لقد شهد المسلمون أممًا عظيمة حديثة تنهض من كبوتها، وتنفض عنها رواسب القرون الطويلة، والأجيال المتعاقبة، وتحيا حياة جديدة على أساس رجل وكتاب.

وأمام المسلمين الكتاب الرباني يذكرهم به شهر رمضان، وأمام المسلمين كذلك سيرة الإنسان الكامل الذي أنقذ الله به الدنيا وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأمام المسلمين كذلك "الإخوان المسلمون" بدعوتهم إلى الكتاب، وإلى سيرة رسول هذا الكتاب؛ فلا عذر لأحد بعد اليوم.

لقد عزم الإخوان المسلمون أن يسيروا، وهم لن يترددوا، ولن يدعوا الفرصة تفلت من أيديهم فتلفت بذلك من أربعمائة مليون من المسلمين، وهم يهيبون بزعماء هذه الأمة المسلمة أن اعملوا، ويرقبون أثر هذا النداء راجين من أعماق قلوبهم أن يكون له أثره العملي؛ فيكونون أخلص جند للعاملين، وإلا فقد أعذروا، ولم يبق بعد الإعذار إلا أن يحملوا التبعة، وينفروا خفافًا وثقالا فى سبيل الله {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ{ [يوسف: 21].

فسجل ذلك يا هلال رمضان(10).

 

وحي رمضان

هدية السماء إلى الأرض

هذه نظرات فى كتاب الله، يقدمها تباعًا لقراء جريدة الإخوان المسلمين فى شهر رمضان الأستاذ المرشد العام؛ فليس أولى بنا وبهم فى هذا الشهر العظيم من أن نذكر أنفسنا ونذكرهم بالقرآن و{الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ{ الذاريات: 55.

بسم الله الرحمن الرحيم {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ الدخان: 1-6.

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ{القدر: 1-5.

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ{ الشورى: 52-53.

وهكذا شاء رب السماء أن يتفضل على عباده فى الأرض، وأنزل كتابه الكريم على قلب نبيه العظيم فى موكب من الملائكة المقربين، يتقدمهم الروح الأمين فى ليلة مباركة، سلام هى حتى مطلع الفجر؛ ليكون لهم النور والضياء، والعافية والشفاء، والغنى والثراء، والرحمة والذكر، ومراد التأمل والفكر {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ{ يونس: 57-58.

وكانت مهمة هذا القرآن فى الوجود أن يهدى للتي هى أقوم، وأن يرشد إلى سبل السلام، وأن يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد؛ الله الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض.

وما أجمع الرسالة وأشملها؛ لأنها للناس عامة وليست لأمة دون أمة، وما أعظمها وأكرمها لأنها سبيل إخراجهم من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والجهل والحقد إلى نور الإيمان والمعرفة والحب وهي دعائم السعادة فى المجتمع.

وهكذا تبين هذه الكلمات على قصرها غاية رسالة القرآن وحدودها، ولا عجب؛ فهي جوامع الكلم وروائع الحكم، لم تتجل فى كتاب، ولم تتقيد فى خطاب كما تجلت فى القرآن المبين؛ لأنه خطاب رب العالمين.

وإنما نزل القرآن فى رمضان؛ لأنه روح من الله يجب أن تجهز لها الأرواح بهجران المادة والصوم عن الشهوات جملة حتى يصادف وعاء خاليًا فيتمكن، وتقع القلوب والأفئدة مبصرة على ضوء واضح ساطع من سناه فترق وتخشع؛ فكانت المناسبة بين القرآن ورمضان، وهذا الصوم الحسى الذى تتطهر به أرواح المؤمنين فتسمو إلى عليين، أو أنه لهذا المعنى فرض الصيام فى رمضان تكريمًا لأيامه ولياليه التى أنزل فيها القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{ البقرة: 185، ولقد جاء فى الحديث: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة".

وكان النبى صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون فى رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه فى كل ليلة فى شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.

وروى الحارث الأعور قال: "مررت بالمسجد، فإذا الناس يخوضون فى الأحاديث، فدخلت على، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا فى الأحاديث؟ قال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما أنى قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذى لم تفته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ{ الجن: 1-2، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم".

ألا وإنها الفتنة تدفع بالناس فى ظلمات المبادئ المادية الفاسدة والآراء الظالمة الجاحدة، ولا مخرج منها إلا كتاب الله، وأنتم أيها المسلمون حملته، وقلوبكم أوعيته؛ فهل آن لكم أن تتدبروه، فتفقهوه، فتقيموه، فتَسعدوا به، وتُسعدوا معكم البشرية المعذبة، وتَرشُدوا باتباعه، وتُرشِدوا القافلة الضالة، وتلك رسالتكم اليوم كما كانت رسالة أسلافكم بالأمس؛ فهل أنتم لها مقدرون، وفى سبيلها مجاهدون؟ نرجو أن يكون(11).

 

2-وحي رمضان

كيمياء الأرواح

{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَّشَاءُ من عباده{  الزمر: 23. 

{ولَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{ الحشر: 21.

{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للهِ الأمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا{ الرعد: 31، قرأت هذه الآيات الكريمة، فسبحت فى أخبار علوية، وتداعت المعاني بعضها إثر بعض للكشف عن أثر هذا القرآن العظيم فى النفوس والأرواح، لا بل فى الجمادات، ومختلف أنواع العوالم والكائنات.

قال أسيد بن حضير: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكَتَ فسكَتَتْ، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكتت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما أخبره رفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بمثل الظلة، فيها أمثال المصابيح، عرجت إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أتدرى ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة، دنت لصوتك، لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم.

ولقد سمعت الجن آيات هذا القرآن الكريم، فلم تتمالك نفسها أن قالت: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ{ الجن: 1-2.

وسمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجلا يقرأ سورة "الطور"، فغشى عليه وحمل مريضًا إلى بيته، وأخذ الناس يعودونه شهرًا تأثرًا بما سمع.

وجاء عتبة بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفاوضه فى أمر رسالته، ويعرض عليه المال والجاه والملك والسلطان ليدعها، فأجابه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقول الله تبارك وتعالى: {حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ{ فصلت: 1-4، إلى أن وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ{ فصلت: 13، الآيات، فرجع عتبة إلى قومه ترجف بوادره حتى قالوا: لقد رجع إليكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذى ذهب به، ثم أقبل عليهم يقول: والله لقد سمعت كلامًا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر.

وهكذا يفعل القرآن فعل السحر الحلال فى الملائكة المقربين والجن -وهي الجن- والمؤمنين والكافرين؛ فيؤثر فى كل موجود، ويظل هكذا معجزة الوجود وآية الخلود.

وهل تغيرت الأمة العربية فى أنفسها وأوضاعها ومسالكها وطباعها بغير هذا القرآن الذي قادها إلى ما لم تكن تعرف، وجمعها على ما لم تألف؛ حتى صارت آية بين الأمم ومعجزة بين الشعوب.

ولقد ألم الرافعي رحمه الله بهذا المعنى إلمامة كريمة صاغها قلمه الملهم فى هذه الكلمات: "وأنت إذا تدبرت هذه القوة الروحية فى آداب القرآن الكريم، واعتبرتها بما آتاها فى الطباع ومساغها إلى النفوس، واشتمالها على سنن الفطرة الإنسانية؛ فإنك تتبين من جملتها تفصيل تلك المعجزة الاجتماعية التى نهض بها أولئك العرب؛ فنفضوا رمال الصحراء على أشعة الشمس فى هذا الشرق كله؛ فحيثما استقرت منها ذرة رفع وراءها عربي. وليس من دليل فى التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلا اجتماعيًا كذلك الجيل الأول فى صدر الإسلام، حين كان القرار غضًا طريًا، وكانت الفطرة الدينية مواتية، وكانت النفوس مستجيبة على أنه جيل ناقض طباعه، وخالف عاداته، وخرج مما ألف، وخلق على الكبر خلقًا جديدًا، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها، والتجارب جميعًا، والعلوم قاطبة لم تنشئ جيلا من الناس، ولا جماعة من الجيل، ولا فتية من الجماعة كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو النفس، وصفاء الطبع، ورقة الجانب، وبسط الجناح، ورجاحة اليقين، وتمكين الإيمان، إلى سلامة القلب، وانفساح الصدر، ونقاء الدخيلة، وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون فى الإنسان من طهارة الخلق، ثم العفة فى مذاهب الفضيلة من حسن العصمة وشدة الأمانة وإقامة العدل والذلة للحق، وهلم إلى أن نستوفى الباب كله، وهذا على كثرة عديدهم، وترادف تلك الآداب فيهم، وتظاهرها على جميعهم، واستقامتهم لها بأنفسهم، وإنما يكون مثل الرجل الواحد منهم فى الدهر الطويل، وفى الجيل بعد الجيل، وإنه على ذلك ليكون فى الأرض فى درة الفلك؛ بل يحمل هذه الأرض مثال السماء؛ لأنه فى نفسه مثال الملك" أ هـ.

"أما بعد" فيا أيها المسلمون الصائمون القائمون، ألا إن هذا القرآن بين أيديكم كما كان بين أيديهم، تسمعون إليه كما كانوا يستمعون، وتقرؤونه كما كان يقرءون، لم ينقص منه حرف، ولم تضع منه آية، ولم تتبدل فيه كلمة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{ الحجر: 9؛ فما باله لم يفعل بكم ما فعل بهم، ولم يغير منكم ما غير من أخلاقهم وأوضاعهم وطباعهم؟

ذلك لأنهم تلقوه مؤمنين، وقرءوه متدبرين، واستمعوا إليه طائعين، وأقبلوا عليه منفذين، وأسلموه زمام النفوس والأرواح، وهو كيمياؤه التى لا تستعصى على فعلها العناصر، ولا يقف أمام فعلها جاحد أو مكابر؛ فأنشأهم قومًا آخرين، وجعلهم حجته على الظالمين.

وتستطيعون أن تكونوا كذلك إذا آمنتم بالقرآن إيمانهم، ونهجتم به فى أنفسكم وأوضاعكم نهجهم؛ فحللتم حلاله، وحرمتم حرامه، وأنفذتم أحكامه، وتدابرتم آياته، وسرتم بتوجيهاته، وكان هواكم تبعًا لما جاء به.. فهل أنتم فاعلون؟(12).

 

3-وحي رمضان

سر الخلود

{وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{ الحجر: 6-9.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ{ فصلت: 41-44. 

{وَاتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا {الكهف: 27. 

سبعون وثلاثمائة وألف سنة كاملة مضت تباعًا بعضها فى إثر بعض، والقرآن هو القرآن، تتلقاه الدنيا خلفًا عن سلف، ويتوارثه الناس جيلا بعد جيل، وهو كما هو فى سوره وآياته وألفاظه وكلماته، تتغير الأجيال ولا يتغير، وتتبدل الأزمان والأعصار ولا يتبدل، وتتعاقب الحوادث؛ فتفنى أمم وتحيا أمم، والكتاب الكريم قائم على أصوله، مستو على سوقه، لا يحول ولا يزول، محفوظ فى الصدور لاصق بها، مسطور فى الصحائف محفوظ فيها، يقرؤه مَن فى أقصى المشرق كما يتلوه مَن فى أقصى المغرب.

تخطئ المطبعة أحيانًا فتضع نقطة فى غير موضعها، أو تظهر إحدى حركات الضبط على غير حرفها؛ فتقوم لذلك الدنيا وتقعد، ولا تهدأ ثائرة الثائرين حتى ينمو الأمر إلى نصابه، ويرد الحق إلى كتابه.

ويفكر المفكرون أن يكتب برسم غير الذي تلقاه الناس به، من حيث القواعد الإملائية والمصطلحات الفنية فى علم الرسم، ولا أكثر من هذا فيأبى الله ذلك والمؤمنون.

ولو قد حدث هذا لما كان من التبديل والتغيير فى قليل ولا كثير، ولما أصاب ذلك معنى الحفظ فى صغير أو كبير، وقد سئل مالك  وهو مالك فى ذلك، فأفتى بجوازه فى صحف الولدان تيسيرًا لهم، وأما فى المصحف الإمام فلا.

ومع هذا فإن ربك الذي نزل الذكر وتكفل بحفظه، حماه حتى فى هذه الناحية الشكلية التى لا تؤثر فى لفظ، ولا تغير من معنى، وظل القرآن هو القرآن باسمه ورسمه، تخرجه المطابع، ويظهر فى المصاحف على الكتبة الأولى كما رسمه عثمان والكاتبون معه، رضى الله عنهم ورضوا عنه، ولا مبدل لكلمات الله.

ولقد حاول بعضهم أن يترجم إلى اللغات الأخرى بعض مقاصده ومعانيه ليعبد طريق الاتصال به للضالين عنه والمنصرفين إلى سواه من الأمم التى ليس لها من العربية نصيب؛ فاستقام لهم الطريق فى ذلك ما اقتصروا على الآيات المفردة يخترونها والمقاصد العامة يعرضون لها.

أما أن يكون عن هذه الترجمة كتاب يتلقاه الناس مترجمًا على أنه القرآن فى جلاله وروعته، وقدسيته ومهابته؛ فذلك ما لا سبيل لأحد إليه، ولا قدرة له عليه، وآية الله فى ذلك بادية ظاهرة؛ فلقد أنزل هذا القرآن عربيًا، ولن يكون إلا كذلك، ولن تستطيع الأجيال المتعاقبة أن ترفع هذا المعنى من نفوس الناس بعد أن أقره فيها وأملاه عليها العليم الخبير {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ{ الزخرف: 3-4.

ألا وإن من أسرار الخلود وآياته ومعانيه فى كتاب الله الفطرة والحق، وهما خالدان باقيان ما بقيت هذه الإنسانية {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ{ الروم: 30، {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ{ المؤمنون: 71، وكل ما قرره القرآن الكريم وجاء به متفق مع مقتضيات الفطرة الإنسانية السليمة مطابق تمام المطابقة للحق الصريح الواضح {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ{ النمل: 79.

أيها الصائمون القائمون من المسلمين، إن القرآن لفظ ودعوة ودولة، ولست أخشى على شىء منها الضياع والفناء؛ فإن معنى الحفظ الإلهي محيط بها جميعًا؛ فألفاظ القرآن باقية، ودعوته وأحكامه خالدة، ودولته أبدًا قائمة ،ولن يخلى الله الأرض من قام لله فيها بحجته، ولا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من ناوأهم، يقاتلون حتى تقوم الساعة، كما بشر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

ولكنى أخشى على أنفسنا نحن على هذه الأمم المسلمة والدول المسلمة والجماعات المسلمة أن ترضى من إسلامها ونسبتها إلى القرآن بهذه المعاني الجغرافية، أو هذه المظاهر الرسمية غير الحقيقة، وتنصرف عن دعوته ودولته إلى خليط من هذه المبادئ الفاسدة والآراء الضالة الفاشلة، والدعوات الهزيلة الضئيلة التى تغزو القلوب والعقول بسلطان المادة وزخرف الدنيا وغلبة الشهوات؛ فلا يبتغى من وراء ذلك إلا الذلة فى الدنيا والهوان فى الآخرة، ويستبدل الله بهم قومًا غيرهم، ثم لا يكونون أمثالهم. 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{ المائدة: 54.

ولقد حاول خصوم القرآن منذ نزل إلى الآن أن يحاربوه بكل الوسائل، وأن يردوا عنه أهله بمختلف الأساليب، وهم على ذلك دائبون لا يملون {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا{ البقرة: 217، وليست كلمات الساسة الأوروبيين والفلاسفة الغربيين فى مهاجمة القرآن والتبرم به واعتباره الحاجز الوحيد دون بسط سلطانهم على المؤمنين من أهله بعيدة عن الخواطر والأذهان، ولكن الله -تبارك وتعالى- أمهلهم ولم يهملهم، وأخذهم بالقوارع والفواجع {َلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللهِ{ الرعد: 31، وبين يدى العالم الإسلامي الآن فرص لو أحسن الانتفاع بها والاستفادة منها بالتحرر من قيود التقاليد والعودة إلى الكتاب المجيد دعوة ودولة؛ لكان فى ذلك الخير كل الخير، ليس لأبناء الإسلام وحدهم، ولكن لهذه البشرية الضالة التائهة فى صحراء المادية الموحشة المقفرة التى لا ظل فيها ولا ري ولا نبات؛ فهل هم فاعلون؟(13).

 

4-وحي رمضان

آية الإعجاز

 

{وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{ البقرة: 23-24.

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ{ هود: 13-14.

{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا{ الإسراء: 88.

لك فى تعريف آية الإعجاز فى هذا الكتاب المعجز حقًا سبيلان، سبيل الذين قرءوا تاريخ هذه الأمة العربية التى نزل بين ظهرانيها، وهى أكثر ما تكون شاعرًا وخطيبًا وفصيحًا وبليغًا، وقد بلغت فى تهذيب لغتها واستقامة ألسنتها الشأو البعيد، وأخذت منه بالحظ الوافر؛ فعجزت أتم العجز عن الإتيان بمثله، أو بمثل الجزء اليسير منه؛ بل السورة الواحدة من سوره، برغم التحدي البالغ، والإحراج المتكرر، والمطالبة الملحة بأن يجيئوا بشيء من هذا، ثم لهم بعد ذلك ما يريدون؛ فلم يكن إلا الاعتراف بالعجز، والإقرار بالحجة والإذعان الكامل لهذا السلطان الرباني العجيب، والإيمان بعد ذلك بما جاء به هذا القرآن إيمانًا أنساهم كل ما سواه، وخرج بهم عن كل ما ألفوا، وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس.

وانظر كيف أقر الوليد بن المغيرة -وهو خصم القرآن الألد- على نفسه وقومه بأنه ليس من كلام البشر، وبأنه لا طاقة لأحد أن يجاريه أو يماريه، اجتمعت قريش عند حضور الموسم تتدبر أمرها، وتصور موقفها من النبى الجديد والكتاب الذى جاء به، فقال لهم الوليد: "إن وفود العرب ترد، فأجمعوا فيه رأيًا لا يكذب بعضكم بعضًا، فقالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن ولا بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته، قالوا: نقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله؛ رجزه ومزجه، وقريضه ومبسوطة ومقبوضة، قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق، وإن أقرب القول: إنه ساحر، وإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجته، والمرء وعشيرته"؛ فتفرقوا على ذلك، وجلسوا على السبل يحذرون الناس.

وهكذا كان موقف العرب من هذا الكتاب؛ مذعنون آمنوا بالحق، وكافرون أقروا بالعجز، ولا شىء إلا هذا وهم أقطاب البيان وأئمة أهل الفصاحة فى هذا اللسان، فإذا أنت سلكت هذه السبيل، ودخلت إلى آية الإعجاز من هذا الباب؛ فقد وصلت من أقرب الطرق وأيسر المذاهب.

ولك أن تسلك سبيل النظار والباحثين؛ فتنظر إلى هذا الأسلوب العجيب والتركيب الغريب، وتوازن بينه وبين غيره، وتقارن بينه وبين سواه؛ لترى أين كلام الناس من كلام الله؟ وأين قدرة المخلوق من الخالق؟ وحسبك أن تستمع إلى قارئ حسن الصوت يسمعك أشعار الشعراء أو خطب بعض المصاقع المفوهين من المتقدمين أو المتأخرين، ثم يقرأ عليك بعد ذلك بعض سور القرآن، وتخيرها كيف شئت، وانظر تأثير كل من الكلامين فى نفسك بعد اختلاف وقعهما فى سمعك؛ لتعلم آية الإعجاز فى هذا الأسلوب الذي لا يمكن أن يكون إلا عن وحي إلهي وصنع رباني.

ثم تنظر بعد ذلك على ما اشتمل عليه الكتاب الكريم من قواعد العقائد والعبادات ،ونظم الأمم والمجتمعات، وأحكام الأسر والبيوتات، والأخبار والمغيبات، وضروب العلوم والمعارف مما يعجز عن استيعابه الجمهرة العظيمة من الفلاسفة والمصلحين والعلماء الكونيين؛ فكيف وقد جاء به أمي لم يدخل مدرسة، ولم يتلق العلم عن أستاذ، ولم يجلس بين يدى المربين أو المؤدبين، وإنما أدبه ربه فأحسن تأديبه، وعلمه فأحكم تعليمه {وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا{ النساء: 113.

لترى الإعجاز فى المعنى كما هو فى اللفظ، وفى المقاصد والغايات كما هو فى الأسلوب والعبارات.

تزين معانيه ألفاظه              وألفاظه زائنات المعاني

أيها المسلمون الصائمون القائمون..

إن هذا الكتاب المعجز خاطب الفطرة الإنسانية فى الأمة العربية، فاستقامت له، فقادها بزمام إلى الوحدة بعد الفرقة، وإلى القوة بعد الضعف، وإلى السيادة بعد الذلة، وما زال هذا الكتاب كيوم نزل غضًا طريًا، ومعجزًا أبيًا، وقائدًا إلى الرشاد، وداعيًا إلى الخير، وروحًا من أمر الله، يحيى القلوب الميتة، وينهض الهمم الخامدة؛ فما أحوجكم إليه الآن وأنتم على مفترق طرائق الحياة؛ فاستفيدوا له، وخذوا عنه، واستمسكوا به {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ{ الأعراف: 170 (14). 

 

5-وحي رمضان

سبيل القرآن إلى الوحدة الدينية

1-     {قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * .فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ{ البقرة: 136-138. 

2-     {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ{ الشورى: 13.

3-     {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ النحل: 123.

وهكذا نرى القرآن الكريم يطلع على الإنسانية بهذا المبدأ الجديد والدعوة الجديدة، ويسلك إليها هذه السبل البديعة الفريدة فى وقت كانت الدنيا فيه تشتعل بنيران الأحقاد الدينية، وتضطرم بسير الخصومات المذهبية؛ فأهل كل دين سماوي يخاصم بعضهم بعضًا، ويخاصمون غيرهم من أبناء الأديان والنحل الأخرى، وسائر الناس غير أهل الكتب السماوية يهيمون فى أودية من الخرافة، ويتيهون فى بيداء من الجهالة، ما بين عبادة أشخاص، إلى تقديس أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى من الحق شيئًا.

وفى هذه المعترك الروحي العجيب من الخصومة والجهالة يطلع القرآن على الناس بهذه الدعوة الجديدة؛ دعوة التآخي فى الدين، والاجتماع على أصوله الحقة، والإيمان به كوحدة ربانية، إن اختلفت فيها الفروع بحسب الأزمان والأعصار؛ فقد اتفقت فيها الأصول الخالدة الباقية؛ لأنها من الفطرة التى لا تقوم إنسانية الناس إلا عليها.

ويسلك إلى تحقيق هذه الدعوة أقرب وأيسر وأسهل المسالك على هذا النحو الذي فصله القرآن وبينه.

يقرر أن التوحيد دين إبراهيم -عليه السلام- وشريعته، وإبراهيم جد موسى، وبه يتصل نسب عيسى -عليهما السلام- وإبراهيم مقدس معظَّم عند أتباع موسى وأتباع عيسى على السواء، وما جاء محمد صلى الله عليه وسلم إلا بهذا التوحيد نفسه؛ بالحنيفية السمحة دين إبراهيم وملته؛ فهو إذن لم يأت بجديد، ولم يرهق العقول ولا النفوس بأمر عويص، ولكنه إنما يدعو الكتابيين من قبله إلى ما به يؤمنون، وله يعظمون، يدعوهم إلى إبراهيم وملته، وهو فى ذلك مثلهم، يؤمن بما يدعوهم إليه، ويحمل نفسه قبلهم على ما يحملهم عليه؛ ففيم الفرقة والخلاف؟ ولم الخصومة والنزاع؟ ومرد الأمر بعد ذلك كله إلى الله، صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة؛ فهذه واحدة. والثانية أن هذا القرآن الكريم فرض على المؤمنين به أن يؤمنوا بكل نبي سبق، ويصدقوا بكل كتاب نزل، ويحترموا كل أمة مؤمنة مضت، فإذا ذكروا موسى قالوا: {وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا{ الأحزاب: 69، وإذا ذكروا عيسى قالوا: {وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ{ آل عمران: 45، وإذا ذكروا التوراة قالوا: {فِيهَا هُدًى وَنُورٌ{ المائدة: 44، وإذا ذكروا الإنجيل قالوا: {فِيهِ هُدًى وَنُورٌ{ المائدة: 46، وإذا ذكروا الحواريين ذكروا بهم وصية ربهم إياهم {كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ{ الصف: 14، وبذلك كسر حدة الخصومة، وعهد السبيل للتفاهم الحق الكريم.

والثالثة أنه لم يقف عند حدود هذا التمهيد العاطفي النظري؛ بل فتح باب التعاون العملي، والتواصل الفعلي، فقال لأتباعه والمؤمنين به: {طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ{ المائدة: 5.

وجعل الأساس فى هذا التعاون العدالة والإنصاف بل البر والإحسان، فقال: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{ الممتحنة: 8.

وبعد هذا كله أوصى وصية مشددة، وأمر أمرًا جازمًا أن يكون الجدال إذا وجد ما يدعو إليه بالتي هى أحسن، فقال فى ذلك: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{ [العنكبوت: 46].

وإنك لترى خلال جدل القرآن ونقاشه أجمل معانى النزاهة فى اللفظ والقصد والحرص على تحرى الهداية إلى الحق بالحق، واقرأ بربك هاتين الآيتين لترى أسلوبًا فريدًا من العرض السليم المحكم والجدل النزيه الملزم فى سورة النساء {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً{ النساء: 171.

وفى سورة الشورى {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ{ الشورى: 15.

ألا وإن الإنسانية اليوم وقد اكتوت بنار المادية الطاغية، وذاقت الأمرَّيْن من الإلحادية الكافرة والإباحية الفاجرة.. أحوج ما تكون إلى ظل ظليل من تعاليم السماء، يعيد إليها الطمأنينة والمسرة، ويقر على الأرض السلام، ويكون رحمة من الله للعالمين، ولن يكون ذلك حتى يخلص ورثة الأديان وحملة الكتب لهذه التعاليم الراقية التى ورثوها، وسيرون إذا أخلصوا أن الوجهة واحدة، والطريق معبدة، ورسالة الخير التى يعملون لها مشتركة، وإنما يحجب الناس عن الحق فيها المطامع والغايات، والأهواء والشهوات، وسوء الفهم وقلة البضاعة من العلم، والقلوب بيد الله يقلبها كيف شاء {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ{ يونس: 99-100.

فيا أيها الصائمون القائمون، إذا قعد غيركم من الناس عن أن يقوموا لهذه الرسالة بحقها؛ فكونوا أنتم لها أوفياء وعليها أمناء، واعملوا لها، وجاهدوا فى سبيلها، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، وكونوا فى ذلك خير خلف لخير سلف {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا{ الأحزاب: 21 (15).

 

6-وحي رمضان

كيف أنصف القرآن المرأة

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ الأحزاب: 35.

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ {آل عمران: 195. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا {النساء: 1.

تلك آيات الكتاب الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، تفاجئ الإنسانية بهذه الحقيقة التى غابت عنها طويلا؛ حقيقة إنصاف المرأة المظلومة، وتقرير المساواة بينها وبين شقيقها الرجل، وتحديد الوظائف الاجتماعية لكل من الشقيقين فى المجتمع فى ظل هذه المساواة، وفى حدود الفطرة التى فطر الله عليها كلا منهما، والتكوين الطبيعي لكل منهما كذلك، من غير أن يكون فى ذلك انتقاص لحق، أو طغيان من جانب على جانب، وتقع هذه المفاجأة فى وقت كانت النظرة الشاملة فيه إلى المرأة حتى من أعاظم الفلاسفة وأكابر الحكماء وأئمة المصلحين أنها مخلوق دون الرجل، حتى قال بعضهم: "إنها كائن لا روح له".

تسود هذه الفكرة أذهان الناس ومجتمعاتهم، ويكون لها أثرها العملي فى كل أقطار الأرض وأجناسها من عرب أو عجم؛ فيجئ النبى الأمي بكتابه الكريم؛ ليقول للناس جميعًا: {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ{ آل عمران: 195، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا{ النساء: 1، "والنساء شقائق الرجال"، ويقرر للمرأة الأهلية الكاملة فى تصرفاتها متى بلغت الرشد؛ فليس لأحد أن يجبرها على ما تكره، ولا أن يكرهها على ما لا تريد، ولا أن يتصرف بغير إذنها فيما تملك، ولا أن يمنعها هذا التصرف إن أرادته، ويضفى عليها من معانى الرعاية والتكريم فى كل أدوار حياتها ما هى جديرة به مستحقة له.

فهي فى دور البنوة موضع الحنو والعناية، وفى دور الزوجية مستقر العطف والمحبة، وفى دور الأمومة معنى التبجيل والتعظيم والطاعة، قال: "يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي"، قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك، قال: ثم مَن؟ قال :الأقرب فالأقرب.

ويقول الذين لا يعلمون: إنه ضيَّق عليها الخناق، ومنعها الاختلاط، وحبسها فى المقاصير، وضرب عليها الحجاب، وحرم عليها التبرج، وفى ذلك عنتٌ ما بعده عنت، وإرهاق ليس وراءه إرهاق، ويقول الراسخون فى العلم: على رسلكم أيها المغالون، وماذا جنت المرأة من الاختلاط بالأجانب، والتسكع فى الشوارع، والغلو فى الزينة، والإسراف فى التبرج إلا الكساد والبوار والعار؟ وهل من الخير أن تغيروا خلق الله وهو على ذلك جبلها، مكانها البيت، ومملكتها الأسرة، ورعيتها البنون والبنات ووظيفتها الأمومة "والجنة تحت أقدام الأمهات".

ويقولون: قد ظلمها فأعطاها نصف الرجل فى الميراث، وجعل {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ{ النساء: 11، وجعل شهادتها نصف شهادة، ولا تتم الشهادة كاملة إلا باثنتين؛ فأين هذا من العدل والإنصاف، واعتبار النساء شقائق الرجال؟، ويقول المنصفون البرآء من الهوى والغاية: لو جاء القرآن بغير هذا لتعدى وظلم؛ فإن المرأة فى كفالة رجل كائنة ما كانت، والرجل مطالب بالإنفاق على الزوجة والبنات والأخوات كائنًا من كان؛ فهو فى حاجة إلى هذه الزيادة، وليست هى فى حاجة حتى إلى هذا النصف، ولكنه حق القرابة يرعاه الإسلام.

ومن حيث الشهادة فإن المرأة فى رقة عاطفتها ورقة شعورها وحسها، وسرعة تأثرها بما تسمع وترى غير بعيد أن تتصور الأمور على غير وجهها فى غمرة التأثر وفيض الشعور والوجدان، والقرآن حريص على الحق أن يظل حقًا لا تغيره شهادة الشاهدين، ولا ينال منه خطأ المتأثرين؛ فضم إلى الواحدة ثانية؛ أن تضل إحداهما أى شىء نفسي بفعل التأثر السريع، فتذكر إحداهما الأخرى؛ فماذا فى هذا من التجني والانتقاص ومخالفة العدالة والإنصاف؟

ويقولون: ولم لا تسمحون للمرأة بمزاولة شئون الحياة العامة من وظائف وزراعة وتجارة وصناعة وأعمال مختلفة؟ ولم لا تسمحون لها كذلك بمزاولة حقوقها السياسية كما يزاولها الرجال؛ لتكون ناخبة ومنتخبة، وعضوًا فى الشيوخ أو النواب؟ ونقول لهؤلاء: كفى مرحًا يا قوم والحياة جادة بكم، وفروا هذا أولا للرجال الذين أضر بهم التعطل والكساد، وأساءوا استخدام حقوقهم؛ فأضروا بأنفسهم وبغيرهم، ثم فكروا بعد ذلك فى النساء، وسترون أن الخير كل الخير فى أن تعدلوا عن هذا الكلام، وتأخذوا فى حزم وحماسة بأحكام الإسلام، وكلها الخير والطمأنينة والسعادة والسلام.

أيها المسلمون الصائمون القائمون والأخوات المسلمات الصائمات القائمات، لا تخدعنكم الدعوات الطائشة عن لب الحق فى صميم قرآنكم الكريم، وإرشاد نبيكم العظيم صلى الله عليه وسلم فى قضية المرأة، وهي قضية المجتمع الأولى صلاحه أو فساده، ولكن عليكم بما جاء به الكتاب، واقرءوا سورة النور وما اشتملت عليه الأحزاب، وفى ذلك فصل الخطاب {وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ{ الأحزاب: 4 (16).

 

8-وحي رمضان

قواعد الجزاء فى كتاب الله

{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى {النجم: 39-42.

{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً {الإسراء: 15.

{مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {الأنعام: 160.

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ {الأنبياء: 47.

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {النحل: 97.

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى {طه: 124. 

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ {الأعراف: 96.

{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ {النحل: 112.

فأول قواعد الجزاء فى كتاب الله أنه جزاء على العمل؛ فلا ظلم ولا محاباة، ولا عبرة بنسب أو مال أو جاه أو قرابة إلا أن يشاء الله {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ{ هود: 46 {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ{ المائدة: 18، وفى الحديث الصحيح يقول الحق عز وجل يوم القيامة: "يا بنى آدم وضعت نسبًا ووضعتم نسبًا، فقلتم: فلان ابن فلان، وقلت {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ{؛ فاليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه فواهًا للمتواكلين".

وهذا الجزاء فيه فضل وعدل؛ فالسيئة بمثلها إلا أن يعفو الله ويصفح، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ السجدة: 17، ومن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها ضوعفت بحسب نيته وأثرها، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة؛ لأن العدول عن الشر خير، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، والله ذو الفضل العظيم.

وهذا الجزاء مستوعب دقيق يحيط بالذرة وما دونها وما فوقها {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{ الزلزلة: 7-8، {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ{ يونس: 61.

وكما هو دقيق هذه الدقة محيط هذه الإحاطة؛ فهو شامل للأفراد والأمم ذكورًا وإناثًا فى شئون الدنيا وفى الآخرة؛ فالطاعة مهما صغرت تنفع صاحبها كفرد فى دنياه وآخرته، وتصلح الأمة كمجموع فى دنياها وفى عقباها، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا{ نوح: 10-12.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله أن يدله على طريق المال، فأرشده إلى الاستغفار، وجاء آخر يسأله أن يدله على طريق الولد والذرية، فأشار عليه بالاستغفار، وجاء ثالث يشكو جدب الأرض واحتباس الغيث، فأمره بالاستغفار، وجاء رابع يطلب طريق الجنة فأوصاه بالاستغفار، وقرأ بعد ذلك الآية الكريمة: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا{ نوح: 10.

فيا أيها الصائمون والصائمات والقائمون والقائمات، بهذا الكتاب الكريم والدين القيم لا مفر من الجزاء الحق عن العمل طيبه وخبيثه، وأنتم الآن فى شهر تضاعف فيه الحسنات، وتغفر فيه السيئات لمن شاء الله {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ البقرة: 186، وأنتم كذلك فى ظروف حرجة دقيقة تشملكم أفرادًا وأممًا.. فماذا تنتظرون؟

أقبلوا على الله تعالى بصالح الأعمال، وكونوا معه يكن معكم {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ النور: 31 (17).

 

رمضان

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ البقرة: 183-186.

يصل هذا العدد من مجلة الإخوان إلى أيدي القراء وقد أظلهم شهر رمضان الكريم المبارك، وأظل عليهم هلاله المشرق المنير، فاتجهوا بنياتهم وجوارحهم إلى الله -تبارك وتعالى- رب الشهر والهلال، يتقربون إليه بما افترضه عليهم من إمساك عن طعام، وشرعه لهم من تلاوة وقيام.

هذه الأيام والليالي الرمضانية واحة فى صحراء العمر المجدب من طاعة الله -تبارك وتعالى- يحفها بروح منه وريحان، ومغفرة ورضوان، وتكرم وامتنان لمن وقف ببابه، وخشع لجنابه، ودعاه واحتمى به، وسأله فألح فى السؤال، ودعاه فأخلص فى الدعاء {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ البقرة: 186.

وفى حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صعدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة" رواه الترمذي وابن ماجه.

ولهذا الموسم من مواسم طاعات الله -تبارك وتعالى- صنوف من العبادة، تختص به ويختص بها، وتكون جمالا لأوقاته، وزينة لساعاته، وحلية لأيامه ولياليه، والطاعة جميلة فى كل وقت، وهى فى هذا الشهر أجمل، وثوابها عند الله جزيل، وهو فيه أعظم وأجزل أولها: الصوم بمعناه الفقهي من الامتناع عن المفطرات، وهى معلومة، وبمعناه الروحي العالي، وهو حبس النفس والفكر والإرادة والشعور والوجدان عما سوى التفكير فى الله -تبارك وتعالى- والتقرب إليه بما يرضيه، ورحم الله العارف الذى يقول: "نظرت عيني لغيرك مرة عددت اختلاس الظروف من أعظم الوزر".

وذلك يستتبع حتمًا كف الجوارح عن معصية الله -تبارك وتعالى- وإلا فكيف يكون مراقبًا لله -تبارك وتعالى- من لا يخشاه ولا تزجره المراقبة عما لا يرضاه مولاه، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

ومنها الإكثار من تلاوة القرآن الكريم؛ فهذا شهر القرآن، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه جبريل فى رمضان، فيدارسه الكتاب، ويستعرضه معه -عليهما السلام- حتى كانت السنة التى اختار فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى وهي سنة وداع استعرضاه مرتين.

"ومنها" الإكثار من الصدقة، وتفقد الفقراء والمساكين، وتعهدهم بالبر والعطاء؛ فهو شهر تسمو فيه دائمًا الاعتبارات الروحية على القيم المادية، ويرخص فيه حطام هذه الحياة الدنيا على نفوس نبذته وراءها ظهريًا، وعافته بكرة وعشيًا، والله -تبارك وتعالى- يضاعف فيه مثوبة المتصدقين، ويجزل لهم العطاء بما أجزل لعباه المحتاجين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جوادًا كريمًا؛ بل مثال الجود والسخاء، وكان أجود ما يكون فى رمضان، حين يعارضه جبريل بالقرآن؛ فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. 

"ومنها الدعاء" والاستغفار؛ إذ هو شهر تفتح فيه أبواب الإجابة للسائلين، ويتقبل فيه الله التوبة من التائبين، ويضاعف فيه أجر العاملين المخلصين، وللصائم فيه دعوة ما ترد، وفرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، وإن فى الجنة بابًا يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون.

فيا أيها المسلمون، هذا رمضان قد أظلكم فاحرصوا على ألا تفارقكم لياليه المباركات وأيامه الطيبات إلا وقد تزودتم فيها بما يرضى الله عنكم، ويستدر رحمته لكم فى دنياكم، ومثوبته وحسن جزائه فى أخراكم، وخير الزاد التقوى، وإنما يتقبل الله من المتقين(18).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 23، السنة الأولى، 4 رمضان 1352هـ / 21 ديسمبر 1933م، صـ1 : 3.
  2. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 24، السنة الأولى، 11 رمضان 1352هـ / 28 ديسمبر 1933م، صـ1 : 4.
  3. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 25، السنة الأولى، 18 رمضان 1352هـ / 4 يناير 1934م، صـ1 : 4.
  4. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 26، السنة الأولى، 25 رمضان 1352هـ / 11 يناير 1934م، صـ1 : 3.
  5. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 32، السنة الثانية،  6 رمضان 1353هـ / 13 ديسمبر 1934م، صـ3 : 5.
  6. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 35، السنة الثانية، 27 رمضان 1353هـ / 3 يناير 1935م، صـ3 : 6.
  7. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 32، السنة الرابعة، 3 رمضان 1355هـ / 17 نوفمبر 1936م، صـ1.
  8. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 2، السنة الأولى، 1 رمضان 1361هـ / 12 سبتمبر 1942م، صـ19، 20.
  9. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 21، السنة الأولى، 18 رمضان 1362هـ / 18 سبتمبر 1943م، صـ3، 4.
  10. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 65 ، السنة الثالثة، 1 رمضان 1364هـ / 9 أغسطس 1945م، صـ3، 4.
  11. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 74، السنة الأولى، 1 رمضان 1365هـ / 29 يوليو 1946م، صـ3.
  12. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 75، السنة الأولى، 2 رمضان 1365هـ / 30 يوليو 1946م، صـ3.
  13. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 79، السنة الأولى، 7 رمضان 1365هـ / 4 أغسطس 1946م، صـ3.
  14. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 80، السنة الأولى، 8 رمضان 1365هـ / 5 أغسطس 1946م، صـ3.
  15. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 81، السنة الأولى، 9 رمضان 1365هـ / 6 أغسطس 1946م، صـ3.
  16. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 83، السنة الأولى، 11 رمضان 1365هـ / 8 أغسطس 1946م، صـ3.
  17. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 89، السنة الأولى، 18 رمضان 1365هـ / 16 أغسطس 1946م، صـ3.
  18. مجلة الإخوان المسلمين: العدد 161، السنة الخامسة، 1 رمضان 1366هـ / 19 يوليو 1947م، صـ6.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا في ذكرى المولد النبوي الشريف
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية