الإمام حسن البنا يكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم

 

رفع الإمام حسن البنا والإخوان شعار (الرسول زعيمنا وقدوتنا) فكان أن طالب بالاقتداء بالنبي الكريم في كل أفعاله وتصرفاته.

فلم يسجل الإمام البنا سيرة النبي من باب سرد التاريخ فحسب لكنه كتبها من باب إبراز مناقب النبي ودعوة الناس الاقتداء بها والعمل بما جاء في سيرته ومسيرته والذود عنه والدفاع عن دعوته.

كما أن هذه المعاني التى ساقها البنا ليعلم الدعاة ما هم مقبلون عليه من حمل أمانة غالية توجب عليهم الاستعداد لها والتضحية من أجلها بكل غال ورخيص، لأن المسلم هو الوحيد فى هذا الكون المؤهل لقيادته إلى الهداية والكمال.

 

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

الإنسان الكامل والنبي الكامل والمربى الكامل

} لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21].

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخمًا يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رَجِل الشَّعر، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ من غير قرن، أقنى العرنين، كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، معتدل الحلق، بادنًا، متماسكًا سواء البطن والصدر، بعيدًا ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، طويل الزندين، رحب الراحة، شش الكفين والقدمين، سائل الأطراف، مسيح القدمين، إذا زال زال تقلعًا، ويخطو تكفؤا، ويمشى هونًا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا.

ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اكتمال خلقه، وقوة بدنه، وسلامة بنيته؛ أنموذج الكمال والجمال الخلقي، كما وصف حليته أحد صحابته الأقربين "هند بن أبى هالة" رضى الله عنه ما شئت من سلامة حواس حتى كان صلى الله عليه وسلم يعد فى الثرايا اثني عشر، ومن اكتمال قوة حتى صرع ركانة بطل العرب وأقوى مصارعيهم، وكان مع هذا يلح فى الدعاء بالعافية، فيقول: "اللهم عافني فى بدنى، اللهم عافني فى سمعي، اللهم عافني فى بصري، لا إله إلا أنت"، ويقول: "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا".

وكان صلى الله عليه وسلم يتكلم بجوامع الكلم، فضلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثًا ليس بالجافي ولا الهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشىء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كل جلسائه نصيبهم؛ حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، مَن جالسه أو قاومه لحاجة صايره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، وصاروا عنده فى الحق متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤتى فيه الحُرُم، يوقَّر فيه الكبير، ويُرحَم الصغير، ويُرفد ذو الحاجة، ويُرحم الغريب، وكان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، ويصبر للغريب على الجفوة فى المنطق، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه، فيقطعه بانتهاء أو قيام، كان سكوته على أربع؛ على الحلم والحذر والتقدير والتفكير؛ فأما تقديره ففى تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكيره ففيما بقى ويفنى، وجُمع له الحلم والصبر؛ فكان لا يُغضبه شىء يستفزه، وجُمع له فى الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدي به، وتركه القبيح لينتهي عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع خير الدنيا والآخرة.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم العقل الكامل؛ فهو الوجدان الدقيق، والإدراك المحيط، والحكم الصحيح، والإرادة الماضية النافذة، وحسبك أن تقرأ هذه الموسوعات التى جمعها المحدثون من كلامه صلى الله عليه وسلم؛ لنعلم أى علم شامل، وأي معين لا ينضب، يفيض الخير ويشرق بالنور، ويتفجر عن الحكمة، وأي عقل اتسعت أمامه آفاق المعرفة؛ فلم يغِبْ عنه من طرائف العلم شىء، ولا عجب؛ فهو رسول الله الذي أنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.

ذلك رسول الله الإنسان الكامل فى بدنه وخلقه، الكامل فى روحه وخلقه، الكامل فى عقله ومعرفته، الكامل فى إنسانيته بكل مظاهرها، أنموذج الكمال الإنساني صلى الله عليه وسلم.

فأعجب لأمة تنتسب لهذا النبى الكريم، ثم هى بعد ذلك أضعف الناس أجسامًا، وأكثرهم أمراضًا وأسقامًا، قد شربت من معين غير معين، وأهملت مغارس الأخلاق والفضائل فى نفوسها، وجهلت بعد أن أنارت الدنيا بالعلم والعرفان.

ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريعة كاملة، أنشأ بها دينًا، وأحيا أمة، وأقام دولة؛ هى مادة وروح، وعادة وعبادة، ونظام اجتماعي، يتناول شئون الحياة كلها؛ فيرسم لها أدق المناهج، وأثبت الأصول والقواعد، ويحل مشاكل البشر؛ بل إن البشر فى ظله لن يجدوا لهذه المشاكل التى يخلقها فى المجتمعات فساد النفوس واعوجاج النظم أثرًا، ولقد جاء هذا الدين المحمدي الكامل شريعة عامة للناس، ولا يختص بأمة دون أمة، ولا بقبيل دون قبيل، ولكنه للبشر قاطبة }قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: 185]، }تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]، وهو مع ذلك شريعة خالدة باقية أبد الدهر؛ حتى يرث الله الأرض ومن عليها، زاخرة بعناصر الحياة والمرونة والخلود، نافعة فى كل عصر وجيل }إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]؛ فأعجب لأمة بين يديها الإسلام، ثم هى تتلمس عند غيرها نظم الحياة ووسائل النجاة!! والإسلام خير لهم لو كانوا يعلمون. ولقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم للوجود بعد أن اختار الرفيق الأعلى هذه المجموعة الفريدة من الرجال الكمَلَة، الذين لم تر الدنيا لهم مثيلا فى وفرة عددهم، واكتمال رجولتهم، وأخذهم من مظاهر الكمال الإنساني فى كل ناحية بأوفر نصيب.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل، والرسول الكامل، والمربى الكامل(1).

 

بعض خصائص النبى صلى الله عليه وسلم

أى لسان مهما بلغت فصاحته، وأي قلم مهما جرى مداده.. يستطيع أن يلم بالخصائص التى حبا الله بها النبى صلى الله عليه وسلم، وفضَّله بها على خلقه أجمعين، وجعله بها المفرد العلم والواحد فى الأمم، ولكنا نذكر بعض تلك المواهب الربانية، والمنح الرحمانية؛ تلذذًا بذكرها، وتذكيرًا للناس بها، على حد قول صاحب الهمزية:

فتنَزَّهْ فى ذاتِه ومعانيه            استماعًا إن عزَّ منه اجتلاءُ

واملأ السمع من محاسن يمليـ             ـها عليك الإنشاد والإنشاء

الخصوصية الأولى: شرف النسب وزكاء الأصل:

فقد اختص الله نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك بما لم يختص به أحدًا من خلقه؛ فلم تزلْ يد العناية الربانية تختار له الآباء والأمهات، وتنقله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، لم يصبه شىء من سفاح الجاهلية، ولم يفترق الناس فرقتين إلا كان فى خيرهم فرقةً حتى أفضى إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب؛ أزكى قريش نفسًا، وأوسطهم دارًا وحسبًا، ومنه إلى آمنة بنت وهب؛ أطهر فتيات قومها وأشرفهن موضعًا، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق، فجعلني فى خيرهم من خير قرنهم، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم؛ فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا"، وفى حديث عن ابن عمر رواه الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله -عز وجل- اختار خلقه، فاختار منهم بنى آدم، ثم اختار بنى آدم، فاختار منهم العرب، ثم اختار العرب، فاختار منهم قريشًا، ثم اختار قريشًا، فاختار منهم بنى هاشم، ثم اختار بنى هاشم، فاختارني منهم؛ فلم أزل خيارًا من خيار"، وفى ذلك قول عمه أبى طالب:

إذا اجتمعت يومًا قريشٌ لمعشر           فعبد منافٍ سرُّها وصميمُها

وإن حُصِّلَتْ أنساب عبد منافِها           ففى هاشمٍ أشرافُها وقديمُها

وإن فخرت يومًا فإن محمدًا               هو المصطفى من سرِّها وكريمُها

فهو صلى الله عليه وسلم سر السر، وصفوة الصفوة، ونخبة الأخيار الأطهار، ولسنا نذكر ذلك فخرًا بنسب ولا اعتزازًا بحسب، وقد نهى الإسلام عن الفخر بالأنساب، وجعل قيمة كل امرئ ما يحسنه، ولكنه نبه بذلك إلى مقتضى قانون الوراثة الذى يشايعه جمهور علماء النفس الآن، ومنه تعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قد ورث عن آبائه الغر الميامين خلاصة الكمالات، وصفوة الأخلاق الفاضلة التى أراد الله أن يحبو بها النوع البشرى؛ فلا عجب إذن أن يكون صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خَلقًا وخُلقًا، ولا سيما إذا لاحظت مع هذا ناموس الانتخاب الطبعي، وما يترتب عليه من ترقى النوع وكماله؛ فلا تشك بعد ذلك فى أن ذروة الكمال الإنساني وغاية الارتقاء فى النوع البشرى قد انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا هو ما أردنا أن نلفتك إليه.

الخصوصية الثانية: عموم بعثته صلى الله عليه وسلم:

حتى شملت الخلق جميعًا؛ فهو صلى الله عليه وسلم نبى لمن قبله من الأنبياء بالقوة لا بالفعل؛ إذ أخذ الله عليهم العهد لئن بُعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنُّنَّ به وليتبعُنَّه؛ فذلك قول الله تعالى فى سورة آل عمران: }وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81]، وفيه قول النبى صلى الله عليه وسلم: "والله لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي".

وهو صلى الله عليه وسلم نبى الثقلين: الإنس والجن؛ فذلك قول الله تعالى: }وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ [الأحقاف: 29] الآيات، وقوله تعالى: }قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: 1-2] الآيات، وقد ثبت من حديث ابن مسعود رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالجن، وأخذ يعلمهم أحكام الدين.

وهو صلى الله عليه وسلم بعد هذا نبى العالم كله، قد جعل الله بعثته عامة للناس جميعًا عربهم وعجمهم، أسودهم وأحمرهم؛ فذلك قول الله تعالى: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [سبأ: 28]، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولا تستغرب هذا؛ فإن ذلك هو ما يقتضيه نظام الخليقة، وتدعو إليه سنة الله فى الكون، وها أنت تسمع أن الجو قد هيئ لوحدة العالم واتصاله، وما هذا التقدم فى طرق المواصلات وتبادل الأفكار والثقافات وامتزاج النظم والعادات واندماج الدول بعضها فى بعض إلى آخر ما تسمع من هذا الباب إلا إرهاص بهذه النتيجة، وهي وحدة العالم؛ فهل يعد بدعًا أن يبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بدين واحد ولغة واحدة، يجتمع عليهما العالم، وتتوحد بهما الإنسانية، أم أن هذا هو مقتضى سنة الله فى هذا العصر كما قدمت لك؟

الخصوصية الثالثة: ختام دينه لكل الأديان ونبوته لكل النبوات:

 وذلك قول الله تبارك وتعالى: }مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40]، وقد ورد هذا المعنى فى كثير من الأحاديث؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نبى بعدى"، كما أشار بعضها إلى أنه سيكون فى الأمة ثلاثون كذابًا، إلا أنه لا نبى بعد محمد صلى الله عليه وسلم .

وذلك أيضًا هو ما تقتضيه سنة الله فى الكون، وإن تقدم البشرية وتدرج العقل الإنساني فى الرقى من لدن آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك جعله يبلغ أشُدَّه، ويصل إلى درجة من الدربة والمران والكمال الفكري، تسمح له بأن يستقل بمعالجة شئونه طبق الأصول التى يرشده إليها الله تبارك وتعالى؛ فجاءه الإسلام بهذه الأصول، وفتح أمامه باب البحث والنظر، وحثه على الاستزادة من العلم والمعرفة، وجعل المجتهد إن أخطأ له أجر واحد، وإن أصاب فله أجران، كل أولئك تشجيع للعاملين، وحث للناس على التفكير والبحث؛ فلا داعى إذن لنبوة أخرى أو رسالة بعد رسالة النبى صلى الله عليه وسلم، ولعلك بعد هذا فهمت سر بقاء القرآن، وجعله المعجزة الخالدة الباقية محفوظًا إلى يوم القيامة }لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42].

"وبعد" فهذا شعاع من نور شمس الخصائص النبوية، يكاد شعاع برقه يذهب بالأبصار، وكل حياته صلى الله عليه وسلم خصائص وهبات اختصه الله -تبارك وتعالى- بها؛ فلا يقال فيها: كيف؟ ولا: لم؟

بل ذاك فضل الله يؤتيه لمن              يشاء جَلَّ اللهُ واهبُ المِنَن(2).

 

وظائف النبوة

} يَا أَيُّهَا النبى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب: 45-46].

تلك هى بعض وظائف النبوة التى أراد الله -تبارك وتعالى- أن يَعْلمها الناس عن نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن خاطبه بأحب الأسماء وأفضل الألقاب عنده، فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النبى، وفى هاتين الكلمتين الشريفتين مجتمع الفضائل والكمالات وبرهان الصدق والحقيقة.

وبعد أن بين للناس أنه رسوله الأمين على وحيه لم يتقول على ربه، ولم يأت بشىء من عنده، فقال تعالى: }إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ.

فالوظيفة الأولى : الشهادة:

فهو صلى الله عليه وسلم شاهدٌ لربه، عالم به، عارف إياه إلى أقصى حدود المعرفة، أجازها الله لعباده كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"، وهو شاهد بربه، يثبت للناس بالآيات الساطعة والبراهين القاطعة صفاته ووحدانية، ويعلمهم أحكام دينهم، ويحدد لهم الصلة بينهم وبينه، كما قال تعالى: }كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ [إبراهيم: 1-2].

وهو صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته، يراقب أحوالهم، ويستطلع شئونهم، ويشجع محسنهم، ويرد مسيئهم، وشاهد على الأمم السابقة بما أعلمه الله من أنبائها، وأطلعه عليه من شئونها، وذلك قول الله تعالى: }فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا [النساء:41].

والوظيفة الثانية: التبشير بجمال الفضيلة والحق:

ووصف طريق السعادة وراحة البال واطمئنان النفس للناس، وفتح باب الأمل الواسع الفسيح الصادق فى رعاية الله ومعونته لهم فى الدنيا، وثوابه ونعيمه فى الآخرة، وأية راحة تتطلبها النفس الإنسانية، وتدخل عليها البشرى والسعادة والسرور أكثر من أن تعتقد أن لها نصيرًا فى هذه الحياة الدنيا مثيبًا فى العقبى، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرًا.

والوظيفة الثالثة: الإنذار والتخويف:

من مهالك الرذيلة ومضارها، وتحذير الناس من عواقبها وآثارها، وما تلك النتائج إلا شقاء الدنيا والبؤس فيها، وشقاء الآخرة وغضب الله تعالى، وأية صورة تحذرها النفس وتخافها أفظع من أن يعيش الإنسان فى الدنيا مضطرب البال قلق النفس، ثم يُرَدُّ فى الآخرة إلى عذاب أليم كما قال تعالى: }فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: 14 : 18].

والوظيفة الرابعة: الدعوة إلى الله تبارك وتعالى:

وكشف النقاب عن جمال المعرفة، ولذة الوصول إلى قدس الحقيقة، وسعادة التعرف إلى الله تبارك وتعالى؛ حيث الكمال الروحي، والرقى النفسي، واللذة التى يقول فيها بعض أهلها: "نحن من معرفتنا بالله فى لذة لو عرفها ملوك الدنيا لقاتلونا عليها بالسيوف"، ويقول الآخر: 

أيا صاحبي قف بى مع الحق وقفة               أموتُ بها وجدًا وأحيا بها وجدًا

وقل لملوك الأرض تجهد جهدها          فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى

وإلى ذلك الإشارة بقوله تبارك وتعالى: }فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الذاريات: 50].

والوظيفة الخامسة: الإرشاد والهداية:

فهو صلى الله عليه وسلم السراج المنير، يهتدى بهديه السائرون، ويسير بنوره الحائرون، وفى التعبير بالسراج إشارة إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم مصدر نور ذاتي، يشع على الخلق فلا يخبو أبدًا؛ فأين النور من السراج؟

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة كل شرائط الدعوة الصادقة؛ فلا بد أن يكون الداعي عالمًا بدعوته، ولا بد أن يعتمد فيها على الترغيب والترهيب والتبشير والإنذار، ولا بد أن تكون لله خالصة لا تشوبها شائبة وللخير المحض، ولا بد أن يكون فيها قدوة يُهتَدى بهديه، ويسير أتباعه على غراره. وقد جُمع ذلك كله للرسول صلى الله عليه وسلم على أكمل مثال، وفى طي هذه الآيات لطائف يصل إلى إدراكها مَن أزهر مصباحُ الهدى فى قلبه، وأشرق النور من سراج النبوة على فؤاده(3).

 

النبى العظيم صلى الله عليه وسلم

أىُّ قلم يحيط وصفه ببعض نواحي تلك العظمة النبوية؟ وأية صحيفة تتسع لأقطار هذه العظمة التى شملت كل قطر، وأحاطت بكل عصر، وكتب لها الخلود أبد الدهر، وأي مقال يكشف لك عن أسرارها وإن كتب بحروف من النور، وكان مداده أشعة الشمس؟ على أنك تعجب حين ترى هذه العظمة التى فرعت الأوصاف، وتعالت عن متناول الألسنة والأقلام والعقول والأفهام ماثلةً فى كل قلب، مستقرة فى كل نفس، يستشعرها القريب والبعيد، ويعرف بها العدو والصديق، وتهتف بها أعواد المنابر، وتهتز لها ذوائب المنائر.

ألم ترَ أن الله خلَّد ذكرَه           إذ قال فى الخمس المؤذن: أشهدُ

وشَقَّ له من اسمه ليحله         فذو العرش محمود وهذا محمد

مقياس العظمة

وإن العظيم ليكون عظيمًا بإحدى ثلاث: بمواهب تميزه عن غيره، وتعلو به عمن سواه، وتجعله بين الناس صنفًا ممتازًا مستقلا بنفسه، عاليًا برأسه، يجل عن المساماة، ويعظم على المسابقة، أو بعمل عظيم يصدر عنه، ويعرف به، ويعجز الناس عن الإتيان بمثاله أو النسج على منواله، أو فائدة يسديها إلى الجماعة وينفع بها الناس.

وبقدر ما يكون العظيم متمكنًا من وصفه مفيدًا فى إنتاجه بقدر ما تكون درجته من العظمة، ومنزلته من التقدير، ولهذا تفاوتت منازل العظماء، واختلفت مراتبهم؛ فمنهم سابق بلغ ذؤابات العظمة، ومقتصد بلغ من حدودها ما يرفعه إلى مصاف العظماء، ومقصر كان نصيبه منها أن نسب إليها ولصق بها أو لصقت به.

والناس ألف منهمُ بواحد          وواحد كالألف إنْ أمرٌ عَنى

كذلك يكون العظيم عظيمًا بواحدة من هذه الثلاث، وبجزء من الواحدة يصل إليه؛ فكيف إذا جمعها جميعًا، ووصل فى كل منها إلى الغاية التى ليس بعدها غاية، وجاوز فى علوه الحدود التى وضعها الناس للعظمة والعظماء، وذلك ما اختص به الله -تبارك وتعالى- نبيه المجتبى، وحبيبه المصطفى سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم.

رُتَبٌ تسقط الأماني حَسْرَى               دونها ما وراءهن وراء

أولا: مواهب ميز الله بها النبى صلى الله عليه وسلم:

فأما عن المواهب التى ميزه الله بها عن غيره فحدث عن الفيض ولا حرج.

فلقد كان صلى الله عليه وسلم من شرف النسب وكرم الأصل فى صميم قريش ولبابها، وذروة الشرف وسنامه، لم تزل فى ضمائر الكون تختار له الأمهات والآباء؛ فهو من خيرة أسرة فى أنبل قبيلة لأكرم شعب وأزكى جنس، ولا غرو؛ فهو صلى الله عليه وسلم خيار من خيار من خيار.

شرف يقرع النجوم برَوْقيـ         ـه وعز يقلقل الأجيالا

وهو من حيث الجمال الخلقي فى أسمى معانيه وأعلى رتبه؛ قوى البنية تام الخِلْقة، أجمل الناس طلعة، وأوفرهم هيبة، وأوضاهم وجهًا، وأعذبهم ابتسامة، وأحلاهم منطقًا، إذا تبسم كأنما يفتر عن حب الغمام، وإذا ضحك رؤى كالنور يخرج من بين ثناياه.

وإذا نظرتَ إلى أسرَّة وجهِهِ               برقت كبرقِ العارضِ المتهلِّلِ

وإن ذلك لمعنى عرضي من معاني الكمال الذاتي الذي أودعه الله نفس نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولع الناس بالتمدح به والإغراق فى ذكره، وهم لو التفتوا إلى سواه من معاني الكمال المحمدي لوجدوا فى ذلك البحر الذي لا ينضب معينه، والمصباح الذي لا يخبو نوره، وإنما ذكرناه فى معرض التحدث عن العظمة المحمدية؛ لأنه كمال انفرد به المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يشاركه فيه أحد سواه.

وهو من حيث الكمال الخُلُقى بالذروة التى لا تُنال، والسمو الذي لا يُسامى؛ أوفر الناس عقلا، وأسدُّهم رأيًا، وأصحُّهم فكرة، وحسبك أنه ساس هذه القبائل الجافية، والنفوس القوية العاتية، ولم يستخدم فى ذلك الإغراء بالمال، ولا الإرهاب بالقوة؛ فلقد كان فى قِلٍّ من الثروة، وضعف من العدد والعدة، ولكنه العزم الماضي، والرأي الثاقب، والتأييد الإلهي، والكمال المحمدي.

أسخى القوم يدًا، وأنداهم راحة، وأجودهم نفسًا؛ أجود بالخير من الريح المرسلة، يعطى عطاء من لا يخشى الفقر، يبيت على الطوى وقد وُهب المئين، وجاد بالآلاف لا يحبس شيئًا، وينادى صاحبه: "أنفق بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالاً".

أرحب الناس صدرًا وأوسعهم حلمًا، يحلم على من جهل عليه، ولا يزيده جهل الجاهلين إلا أخذًا بالعفو وأمرًا بالمعروف، تواتيه المقدرة، ويمسك بغرة النصر؛ فلا يلقى منه خصمه إلا نبلا وكرمًا وسماحًا وشممًا، ينادى أسراه فى كرم وإباء: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

أعظم الناس تواضعًا، يخالط الفقير والمسكين، ويجالس الشيخ والأرملة، وتذهب به الجارية إلى أقصى سكك المدينة؛ فيذهب معها، ويقضى حاجتها، ولا يتميز عن أصحابه بمظهر من مظاهر العظمة، ولا يرسم من رسوم الظهور، ويقول لهم فى ذلك ما معناه: إن الله يكره أن يمتاز الشخص عن أصحابه.

ألين الناس عريكة، وأسهلهم طبعًا، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن محرمًا، وهو مع هذا أحزمهم عند الواجب، وأشدهم مع الحق، لا يغضب لنفسه؛ فإذا انتُهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء، وكأنما يفقأ فى وجهه حب الرمان من شدة الغضب.

أشجع الناس قلبًا وأقواهم إرادة، يتلقى الناس بثبات وصبر، تمر به الأبطال كلمى هزيمة، وهو ضاحك السن، باسم الثغر، وضّاح الجبين، ينادى بأعلى صوته:

أنا النبى لا كذب        أنا ابن عبد المطلب

ويداعب أصبعه، وقد مسها ألم الجرح فى سبيل الحق.

هل أنت إلا أصبع دميت        وفى سبيل الله ما لقيت

وهو من شجاعة القلب بالمنزلة التى يجعل أصحابه إذا اشتد البأس يتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قوة الإرادة بالمنزلة التى لا ينثني معها عن واجب، ولا يلين فى حق، ولا يتردد ولا يضعف أمام شدة، ويَضرِب المثل العملي فى ذلك لأصحابه فيقول لهم: "ما كان للنبى إذا لبس لأْمَةَ حربه أن يرجع".

أعف الناس لسانًا، وأوضحهم بيانًا، يسوق الألفاظ مفصلة كالدرر مشرقة كالنور، طاهر كالفضيلة فى أسمى مراتب العفة وصدق اللهجة، يقول لأصحابه ما معناه: "لم أبعث فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعانًا ولا صخابًا بالأسواق، إنما بعثت هاديًا ورحمة".

أعدلهم فى الحكومة، وأعظمهم إنصافًا فى الخصومة، يقيد من نفسه ويقتص لخصمه، يقسم الحدود على أقرب الناس إليه، ويقسم بالذي نفسه بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع يدها!

أسمى الخليقة روحًا، وأعلاها نفسًا، وأزكاها وأعرفها لله، وأشدها صلابة وقيامًا بحقه، وأقربها بفروض العبادة ولوازم الطاعة، مع تناسق غريب فى أداء الواجبات واستيعاب عجيب لقضاء الحقوق، يؤتى كل ذى حق حقه؛ فلربه حقه، ولصاحبه حقه، ولزوجه حقها، ولدعوته حقها، ولكل واجب من واجبات الإنسانية ما يتطلبه من أداء وإتقان.

أزهد الناس فى المادة، وأبعدهم عن التعلق بعرض هذه الدنيا، يطعم ما يقدم إليه، ولا يعيب طعامًا قط، وإذا لم يجد ما يأكل قال: إنى صائم، وينام على الحصير والأدم المحشو بالليف، ويقول فى المنعمين المترفين: إن لهم الدنيا ولنا الآخرة، قضى زهرة شبابه مع امرأة من قريش تكبره بخمس عشرة سنة، قد تزوجت من قبله وقضت زهرة شبابها مع غيره، ولم يتزوج معها أحدًا وما تزوج بعدها لمتعة، وما كان فى أزواجه الطاهرات بكرًا غير عائشة التى أعرس بها وسنها تسع سنين، يسرب إليها الولائد يلعبن بالدمى وعرائس القطن والنسيج.

أرفق الناس بالضعفاء، وأعظمهم رحمة بالمساكين والبائسين، شملت رحمته وعطفه الإنسان والحيوان، يغذيهم بحنانه، ويعطف على الكل بجنانه، ويقول: "فى كل ذات كبد رطبة أجر"، ويعد الرفق بالحيوان قربة إلى الله يشكر عليها عبده ويكافئ فيها خلقه، ويعتبر القوة جريمة حتى على الحيوان الأعجم، ويحذر أصحابه فيقول لهم: "إن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها؛ فلا هى أطعمتها، ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض".

وهو صلى الله عليه وسلم مع رجاحة عقله ونضوج فكره وقوة إرادته أرق الناس عاطفة، وأرقهم شعورًا، وأرقهم إحساسًا، يجد لزوجه من الحنان والوفاء ما يجعله يقول: "حُبب إلىَّ من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني فى الصلاة"، ويجد لابنه من الشفقة والحب ما يجعله يقول عند فقده ما معناه "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا بعدك يا إبراهيم لمحزونون".

ويجد من الحنين لوطنه والميل لبلده التى نشأ فيها ونما بها ما يجعله تغرورق عيناه ويقول لأصيل الغفاري وقد أخذ يصف مكة بعد الهجرة: "لا تشوقنا يا أصيل، ودع القلوب تقر".

ذلك قبس من نور النبوة، وشعاع من مشكاة الخلق المحمدي الطاهر، وإن فى القول بَعْدُ لَسَعَةً وفى المقام تفصيلا.

وقد وجدتَ مجال القول ذا سعة           فإن وجدتَ لسانًا قائلا فقُل

وإنك لتلقى العظيم يعظم فى قومه، ويسود فى عشيرته بخصلة واحدة من هذه الخصال؛ فكيف بمن حيزت له بحذافيرها، وبلغ فى كل منها نهايتها؟

وإنك لتجد لكل عظيم هفوة، ولكل سيد كبوة، ولكل نابه نقيصة أخذت عليه وعرفت عنه كأنه الكلف يشين وجه البدر، أو الغمام يحجب نور الشمس، وسل التاريخ ينبئك على أنك لست بواجد شيئًا من هذا أمام عظمة النبى صلى الله عليه وسلم؛ فقد عُصِم من النقائص، وعلا من الهفوات، وجلّ مقامه عن أن تلصق به نبوة.

خُلقتَ مبرَّأً من كل عيبٍ         كأنك قد خُلقتَ كما تشاءُ

ثانيًا: عظمة العمل الذي قام به

ذلك من حيث المواهب التى اختص الله بها نبيه العظيم، وحَبَا بها رسوله الكريم، وأما من حيث عظمة العمل الذي قام به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فبربك قل لى: أى عمل أعظم من الرسالة العظمى، والنبوة الكبرى، والدعوة العامة، والإصلاح الشامل لكل الأمم؛ بل للجن والإنس فى كل ناحية من نواحي الحياة الدنيا وفى الآخرة؟ وأي أثر أخلد من القرآن الكريم والتشريع القويم الذي تركه النبى صلى الله عليه وسلم للإنسانية من بعده؛ نهتدى بهديه، ونسير على ضوئه، ونصلح بتعاليمه، "ويلجأ إليه الناس حين ييأسون مما فى أيديهم وتفلس نظمهم وقواعدهم" }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53].

لو لم يكن للنبى صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة فى حمل هدية السماء إلى الأرض واتصال هذا القرآن الكريم إلى العالم لكان فضلا لا يستقل العالم بشكره، ولا تقوم الإنسانية بكفائه، ولا يوفى الناس حامله بعض جزائه.

وناهيك بكتاب ضمن للناس إن اتبعوه صلاحَ الدنيا وسعادة الآخرة، وعلاج المشكلات، ودواء المعضلات، }لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42].

وأنت إذا أنعمت النظر فى كتاب الله -تبارك وتعالى- رأيته القانون الشامل والتشريع الكامل الذى ضمن للفرد حقوقه وحريته، وحدد له واجباته العامة والخاصة لله ولنفسه ولأسرته ووطنه وللعالم كله، وضمن للأسرة سعادتها وهناءتها ببنائها على أفضل الأسس وأدق القواعد النفسية الاجتماعية، ووصف أحسن العلاج لما يطرأ على الأسر من عوامل الانحلال والفناء، مع بيان أفضل الوسائل فى توثيق الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة على أساس تقدير الجميل والتعاون على الخير، ووضع للأمة بعد ذلك أحكم النظم التى تبين صلة الحاكم بالمحكوم، وتجعل الأمر شورى، والناس سواسية، لا يتفاضلون إلا بأعمالهم، ولا يتفاوتون إلا بحقهم، ثم تفي على ذلك ببيان الصلة بين الأمم بعضها ببعض، ووجوب تعاون بنى الإنسان على خير البشرية العام، والرقى بمستواها إلى نهاية ما قدر لها من الكمال الممكن.

كل ذلك عرض له القرآن الكريم فى لفظ بليغ وإيجاز محكم، وجاءت السنة المطهرة فصَّلت مجمله، وحددت مطلقه، واستقصت جزئياته؛ فكان تشريع الإسلام -وهو ثمرة البادية ووليد الصحراء وابن الفيافي القاحلة- أدق تشريع وأكمله وأرقاه وأصلحه مع سموه عن النقد وتجافيه عن الخطأ، }وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].

فأي عمل أعظم من هذا؟ وأي أثر أخلد منه؟ وإن العالم كله إذا أجمع على عظمة أفلاطون لفلسفته وجمهوريته، وعلى فضل أرسطو وتبريزه فى أخلاقه وقوانينه، وعلى تقدير نابليون لعزيمته وتشريعه، مع تعرض كل هؤلاء للهفوات والنقد المر، ومع أن معظم نظراتهم حبالى لا تثبت أمام التنفيذ ولا تتفق مع الواقعيات، ومع أنهم جميعًا كان لهم من دراساتهم وتقلبهم فى معاهد العلم ومدارس الثقافة ما يجعل ذلك ليس غريبًا منهم ولا بعيدًا عليهم.

إذا كان ذلك كذلك.. فإن من واجب العالم كله -ولا محيص لهم عن ذلك- أن يجعل عظمة محمد صلى الله عليه وسلم فى الخلق جميعًا فوق كل عظمة، وفضله فوق كل فضل، وتقديره أكبر من كل تقدير، وقداسته أسمى من كل قداسة، ولو لم يكن له صلى الله عليه وسلم من مؤيدات نبوته وأدلة رسالته إلا سيرته المطهرة وتشريعه الخالد لكانا كافيين }لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37].

كفاك بالعلم فى الأُمِّىِّ معجزةً             فى الجاهلية والتأديب فى اليتم

ثالثًا: الفوائد التى أسداها للإنسانية:

وأما من حيث ما أسداه إلى الإنسانية من فوائد، وحبا به العالم من المنافع؛ فحسبك أن تعلم أنه صلى الله عليه وسلم المنقذ للبشرية مما ارتطمت به من أهوال وصروف فى عصره الذى بعث فيه، وأن العالم كله لن يجد العلاج لمشاكله والحل لكل معضلاته إلا بما وضع الإسلام من دواء ووصف من علاج، ولو أن الناس كشفوا عن أعينهم غشاوة التعصب، وطهروا قلوبهم من أدران الوهم لعلموا أن كل مشكلات اليوم بل كل مشكلات العالم حلَّها الإسلام بأيسر الحلول، ووصف لها أنفع الأدوية، وليس بين العالم وبين الراحة والهناءة إلا أن يعمه تشريع الإسلام القويم، وسيَخْلُص الناس من تجاربهم إن بعيدًا وإن قريبًا إلى هذه النتيجة }وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: 88].

"وأما بعد" فإن كانت العظمة بالتبريز فى أساليب السياسة؛ فإن نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك السياسي الذي لم يخطئه التوفيق فى موقف من مواقفه مع الصدق والمناصحة، والبعد عن المخادعة والنفاق. ولئن كانت بالمهارة فى قيادة الجيوش وإحراز أعظم النصر بأقل التضحيات؛ فهذا شأنه صلى الله عليه وسلم فى كل غزوة من غزواته أو سرية من سرايا جيشه المظفر.

ولئن كانت بقوة التأثير؛ فإن تأثير النبى صلى الله عليه وسلم فى أصحابه لم يرَ التاريخ مثله فى وقت من أوقاته أو صفحة من صفحاته، وما رأت الدنيا جماعة من الجماعات سارت على هدى نبيها، واتبعت سنة قائدها كتلك الجماعة المؤمنة المخلصة من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم.

وإنك لتقرأ كتاب العظمة فترى عظمة محمد صلى الله عليه وسلم أوضح سطوره وأروع معانيه؛ فليعتز المسلمون بذلك، وليكن لهم فى نبيهم العظيم أسوة حسنة(4).

 

الحبيب

كما تفرد صلى الله عليه وسلم بذلك الجمال الخِلْقى والكمال الخُلُقى، واختص بفرائد المزايا، ومحامد الفضائل، تفردَ صلى الله عليه وسلم فى الخلق جميعًا بالمحبة الشاملة والخلة الكاملة؛ فهو حبيب إلى كل نفس، تخلَّل حبُّه مسالك الروح من أصحابه وأتباعه؛ فملك عليهم نفوسهم، واحتل من أنفسهم مكانًا لم يكن حل من قبل، وشاع فى أرواحهم وأفئدتهم فليس له قَبْلٌ وليس له بعد.

وإن حبه لفريضة يفرضها الدين، وعقيدة واجبة على المؤمنين، ولو لم يكن كذلك لرأيته صفة لازمة لهم، وخاصة واضحة من خصائصهم.

يقول أبو سفيان بن حرب فى بعض أحاديثه: "والله لقد زرت الملوك، ودخلت على كسرى وقيصر؛ فما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، إذا تكلم سكتوا وكأن على رءوسهم الطير، وإذا تحدثوا فى حضرته همسوا حتى لا يكاد يسمع بعضهم بعضًا، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وما تنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه"، ولا تستغرب هذا أيها الأخ القارئ؛ فإن الحب عاطفة إذا تملكت النفس ملكت عليها كل شىء من مشاعرها وحواسها، وصورت لها السعادة فى كل ما يتصل بحبيبها.

ولقد جاء ثوبان إلى النبى صلى الله عليه وسلم باكيًا مستعبرًا، فقال له: ما يبكيك يا ثوبان؟ فقال: يا رسول الله، ذكرت حين يدخل أهل الجنة الجنة فتكون أنت بمنزلة لا ينالها أمثالي؛ فأحرم رؤيتك وهي كل سعادتي؛ فكيف لى بالصبر عنك؟ فسكت النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الكريمة: }وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: 69]؛ فكانت خير بشرى ظفر بها ثوبان، وظفر بها المؤمنون معه.

وأرأيت تلك الأرملة التى خرجت تستشرف الجيش بعد عودته من إحدى غزواته، فأخبرت باستشهاد أبيها وأخيها وزوجها وابنها، فقالت: "ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"، قالوا: "هو بخير"، قالت: "أرونيه حتى أنظر إليه"، فلما رأته قالت: "الحمد لله، فيك عوض من كل فائت".

وأرأيت كيف أن بلالا رضى الله عنه لم ينس حبه للنبى صلى الله عليه وسلم فى أشد حالة يكون فيها المرء، تلك هى ساعة سكرات الموت؛ إذ سمع امرأته تقول: "واكرباه"، فقال: "واطرباه، غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وصحبه".

"وبعد" فهل أتاك نبأ خبيب بن عدى، وقد رأى الموت بعينيه، وخرج به آسروه ليقتلوه، ثم بدا لهم أن يداعبوه، فقالوا له: "يا خبيب، أيسرك أن تكون بين أهلك وبيتك ومحمد مكانك نقتله بك؟"، فابتسم ابتسامة الهازئ بهم، الساخر بقولهم ثم فاجأهم بقوله: "ما أجهلَكم، والله ما يسرني أن محمدًا وهو فى مكانه تصيبه شوكة وأنا بين أبنائي وأهلي، وإني لأفضل الموت عن ذلك".

تصور هذا، واذكر معه ما يذكره إنجيل متى الذي يتداوله المسيحيون، ويعتقدون صحته من أن بطرس الأكبر -وهو شيخ الحواريين عندهم- تبرأ من مسيحه، وأنكره ثلاث مرات قبل أن يصيح ديك، وأقسم لهم ثلاثة أيمان إنه ما عرفه ولا رآه ولا كان معه!

أوترى بعد ذلك أن هذا الحب من عمل محمد صلى الله عليه وسلم، أم أنه فضل الله يؤتيه من يشاء؟ } لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 63] (5).

 

فى سبيل العقيدة

أعلن النبى صلى الله عليه وسلم دعوته، وصدع بها كما أمره الله، وذكر آلهة قومه وعابها، فأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مُسْتَخفون، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله لا يرده عنه شىء، فلما رأت قريش ذلك مشى رجال من أشرافها، على رأسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب -وهم هامة قريش وذؤابتها- إلى أبى طالب، وقالوا: "يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا؛ فإما أن تكفه عنا وإما أن تُخَلِّى بيننا وبينه، فرد عليهم ردًا جميلا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه، فعادت قريش إلى شكايته لعمه، وقالوا له: "يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا؛ حتى تكفه عنا أو نحاربه، وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"، ثم انصرفوا عنه، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: "يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فأبق علىّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق"، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بَدْوٌ، وأنه خاذله، وقد ضعف عن نصرته، والقيام معه، فقال: "يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يميني والقمر فى يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".

ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فأقبل عليه النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت؛ فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا".

ثم إن قريشًا مشت إلى أبى طالب للمرة الثالثة، فرد عليهم ردًا شديدًا اشتد به العداء فيما بينهم وبينه إلى درجة جعلته يقول فى قصيدته الرائية:

فوالله لا ينفك منا عداوة          ولا منهم ما كان فى نصلنا شفرُ

فقد سفهت أحلامهم وعقولهم              وكانوا كجفرٍ بئس ما صنعت جَفرُ

وجعلته يتعوذ منهم فى قصيدته اللامية بحرم مكة وبمكانه منها، فقابلوا ذلك منه بأن أغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم سفاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفى به، ولقد اجتمعوا فى الحجر، فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: "أنت الذى تقول كذا وكذا"؛ لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول النبى صلى الله عليه وسلم: "نعم أنا الذى أقول ذلك"، فقام إليه رجل منهم، وأخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضى الله عنه دونه وهو يقول: "أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله؟".

وتحدث أم كلثوم ابنة أبى بكر أن أباها رجع يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فتدثر من شدة ما أصابه، فأنزل الله عليه }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: 1-2].

هكذا نلخص لك ما يرويه ابن إسحاق فى تصوير موقف رائع من مواقف الثبات فى سبيل الدعوة الإسلامية، فَرْد واحد حمل تلك الأمانة العظمى فيواجه أمة بأسرها بما يصطدم بعقائدها وأفكارها وعاداتها، ولا يجد إلى جانبه إلا عمه الشيخ يمنعه ويدافع عنه، ويشب العداء بينه وبين عمه؛ فيحاول بتلك الكلمة المباركة الخالدة: "والله لو وضعوا الشمس فى يميني والقمر فى يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته".

أىُّ إيمان هذا الذي يرتسم فى كل حرف من حروف هذه الكلمة المباركة!! وأي ثبات يتجلى فى ثناياها! وأية عاطفة أملتها فى ساعة الكرب ولحظة الضيق! إنه إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم وثباته وعاطفته، وهو أقوى الخلق إيمانًا، وأعظمهم ثباتًا، وأنبلهم عاطفة.

ويتمادى القوم فى عدوانهم، وتمتد إليه بالأذى ألسنتهم وأيديهم، فيسبونه ويشتمونه ويكذبونه ويضربونه، ولا يتركون سبيلا من سبل الأذى إلا سلكوه إليه، وهو مع ذلك ثابت لا يلين قوى لا يضعف مؤمن لا يرتاب، لا يلبث أن ينزل عليه أمر الله ويسمع ما يلقيه إليه: }يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: 1-2]، فيبادر إلى إنفاذه، ويسارع إلى تحقيقه، لا يخشى فى ذلك لومة لائم ولا قولة قائل ولا عدوان معتقد جبار.

اذكر هذا أيها القارئ الكريم واعتز به، واذكر معه قول الله تبارك وتعالى: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21](6).

 

فى سبيل العقيدة

هم مؤمنون يتفجر الإيمان من جوانبهم، وتنطلق العقيدة الصادقة من نواحيهم، وتفيض بالحق قلوبهم التى امتلأت به واطمأنت إليه، إنهم يستترون من الناس؛ لأن الناس لم يألفوا بعدُ دعوتهم، إنهم يختلفون بما معهم من النور؛ لأنهم إن ظهروا بنورهم على هذه العيون المريضة الضعيفة آذاها هذا النور المشرق القوى، ونال من أعصابها الكلية؛ فزادت ضعفًا، على ضعفها، وانقلبت الأنوار الساطعة لديها ظلامًا، وإنَّ الخفافيش تهرب طوال اليوم من نور الشمس، وإن الجِعْل لا يعيش إلا بين الفضلات والجراثيم، وأكثر الناس خفافيش فى بصائرهم، وجِعْلان فى طبائعهم، وهم يستترون؛ لأن الحق الناشئ فى مهده وإن كان ظاهر البرهان قوى الحجة لا يقوم للباطل المتصلب فى زهوه المغتر بكثرته إلا بعد أن تثبت وشائجه، وتتدعم فى نفوس أبنائه أصوله، وبعد ذلك قف بهم على هام العوالم، واستقبل بهم غرة الوجود؛ فهم ولا شك منصورون.

وما بالهم يستترون الآن وقد كمل عددهم تسعة وثلاثين، لا.. لا.. هذا كثير، نيف وثلاثون من أهل الحق الصراح يرهبون الباطل ويخافون أهله ويستترون منهم، نيف وثلاثون بينهم سيد الوجود وصفوة الله من خلقه يختبئون من الشرك وهم يعلمون أن الحق شرعتهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قائدهم، والله وليهم؟

طافت هذه الفكرة برؤوس الجماعة المستترة بدينها فى بطن الصفا كما يطوف الحلم اللذيذ فى خيال النائم الهانئ، فملأتهم نشوة وغيرة وعزة وحماسة، فاندفع عظيمهم أبو بكر رضى الله عنه إلى إمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأمره فى الظهور، ويرجوه الإذن بالنداء بهذا الحق المبين الذى امتلأت قلوبهم به إيمانًا، ولم يزل يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفعه الشوق، ويهتف به داعى العزة حتى أذن الرسول صلى الله عليه وسلم، فانطلق الأولون السابقون من المؤمنين كأنما نشطوا من عقال، وتفرقوا فى نواحي المسجد فى مظاهرة حماسية رائعة ووقف "الصديق" رضى الله عنه خطيبًا؛ فكان أول خطيب دعا إلى الله عز وجل علانية، وأظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ملأ، ولا غرو فأبو بكر أرجح المؤمنين إيمانًا؛ فكيف يحبس عاطفة تجيش بنفسه، وتتدافع كما تتدافع أمواج المحيط الصاخب اللجب.

تسعة وثلاثون مؤمنًا يطئون عزة الشرك، ويعلنون بالتوحيد، ويتحدون سادات قريش، وذوائب فهر ببطن مكة ثم ينصرفون آمنين؟

ثار الشرك لركنه المهدم وجناحه المهيض، وتدافع المشركون على المسلمين يضربونهم، ونالوا منهم، وتولى عتبة ابن ربيعة -وهو رأس من رءوس القوم- النيل من أبى بكر رضى الله عنه، وهل يتطاول إلى العظيم إلا عظيم؟ وقف عتبة ومن ورائه قومه أمام الخطيب المؤمن يضربونه ضربًا مبرحًا على كل جسمه، ويصيبون بضرباتهم وجهه الكريم حتى أثر فيه ذلك؛ فما يُعْرَف أنفُه من وجهه، وهو مع هذا لا يكف عن دعوته، ولا يحب أن ينتهى من خطبته حتى أخذ منه الضرب كل مأخذ، وظن القوم أنه قضى عليه، فجاءته بنو تميم وهم عشيرته يتعادون، وقد أهمهم أمر نبيلهم، فَأَجْلَوا عنه القوم، وحملوه فى ثوب حتى أدخلوه بيته، ولا يشكون فى موته من عظيم، ما نزل به وأقسموا بالله لئن مات أبو بكر ليقتلن عتبة ورجل برجل، وهى عصبية الجاهلية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره وينصر أحبته ويعلى كلمته.

وحول أبى بكر رضى الله عنه جلس أهله وعشيرته، وأبوه أبو قحافة، وأمه سلمى، وأم الخير بنت صخر -رضى الله عنها- وزوجه وبنوه، وكلهم ساهِمٌ واجِمٌ يسأله فلا يجيب، ويتحدث إليه فلا يتحدث، وفى آخر النهار استطاع أن يتكلم، فكان أول كلامه: "ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"، رضى الله عنك يا أبا بكر، هو الإيمان الكامل والحب الصادق، وصدق حسان إذ يقول فيك:

وكان حِبَّ رسول الله قد علموا            من البرية لم يعدل به رجلا

لامه القوم وعذلوه، ونالوه بألسنتهم لا تفتأ تذكر هذا الرجل حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين.

وماذا يضير أبا بكر أن يلام، وكل الذي يعنيه أن يطمئن على سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قام القوم وأوصوا أمه بإطعامه أو سقايته لترجع إليه نفسه، وخلت به أمه، وأنحت عليه وعذلته؛ فما كان له قول إلا أن يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "والله يا بنى، ما أدرى ما فعل صاحبك؟"، فقال: "اذهبى إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها".

لقد علمت أمه أن كل دواء باطل، وكل مجهود ضائع ما لم تداوه بدوائه، وترجع إليه بطلبته، وتقف به على نبأ صاحبه، فخرجت إلى أم جميل تسألها، وهى صاحبة سر القوم، والخبير بشأن الجماعة، وهكذا كانت المرأة المسلمة فى كل ساعة من ساعات دين الله دعامة من دعائمه، وركنًا من أركانه، وبطلا من أبطال الجِلاد فى سبيله، وما كانت أم جميل -وهى الأمينة على السر الوفية بالعهد الحفيظة على الميثاق- لتفوه بكلمة أو تدل على شىء، فأنكرت كل شىء، وتظاهرت أمام سائلها بالجهالة، وقالت: "إن أحببتِ أن أمضى معك إلى هذا المريض فأرى ماذا يريد فعلت"، إشفاقٌ فى حزم، وحنان معه عزيمة، وتصرف تهدى إليه الحكمة، ولا تعجب؛ فإن هؤلاء تلاميذ سيد المربين وأفضل المعلمين.

دنت أم جميل من زميلها البطل المجاهد، فإذا دنف صريع، فقالت: "إن قومًا نالوا منك هذا لأهل فسق وظلم، وإني لأرجو الله أن ينتقم لك"، فقال: "ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"، قالت: "هذه أمك لا تسمع"، قال: "فلا عين عليك منها"، قالت: "سالم صالح"، قال: "فأنى هو؟"، قالت: "فى دار الأرقم".

كان هذا هو الدواء الذي ينتظره أبو بكر رضى الله عنه، وكان فى الدواء الكفاية لأن ينسى آلامه المبرحة، ويتقلب على وعكه المضنى، ويقسم بالله ألا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى يأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفحفظ التاريخ حبًّا أظهر من هذا الحب؟ أو وعى وفاء أقدس من هذا الوفاء؟ اللهم لا، حتى إذا هدأت الطرقات، وسكن الناس خرج يتكئ على أمه وزميلته المؤمنة حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانكب عليه المؤمنون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، وليس فى الوجود عاطفة أرق من عاطفة الزعيم المخلص مع أعوانه المؤمنين به المتفانين فى سبيله، إنه ليود أن يكون لهم فداء، وأن يتلقى عنهم ما يلقون من أذى، وما يجدون من ضراء، ويرى ذلك منتهى سعادته وغاية أمنيته.

وانتهز أبو بكر هذه الساعة المباركة، فتقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يشمل أمه البرة الشفيقة بدعوة من دعواته المباركة المستجابة تفتح لها أبواب السماوات، ويستجيبها رب العزة، فتنقذ من النار، وكان أنْ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففتح الله به قلبها، وأنار بصيرتها، فتقدمت إليه من ساعتها تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكان ذلك عند ابنها أبى بكر رضى الله عنه أفضل مكافأة فى هذه الحياة الدنيا على هذا الموقف الرائع فى سبيل الله(7).

 

فى سبيل العقيدة

هبط الإيمان على قلوب المسلمين الأولين من صحابة النبى صلى الله عليه وسلم كما تهبط قطرات الندى فى الصباح الباكر على أكمام الزهرات فتهتز لها، وتتفتح وتستمد منها الجمال والقوة والحياة، وكذلك استمدت قلوب هؤلاء الكرام من دعوة النبى صلى الله عليه وسلم الحياة والقوة والجمال، وحلا فيها الإيمان، وتغلغل حتى حل منها فى الصميم، وملك منها الحبة والشغاف؛ فبهذه الدعوة يهتفون، ولها يعملون، وفى سبيلها يجاهدون؛ فإن واجههم العذاب فى هذا السبيل فهو العذب الفرات، وإن أريدوا على تركها ثبتوا حتى الممات، وإن فتنوا فيها رأيت ما شاء الإيمان من صبر وثبات.

أرأيت عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ولم يكن فى منعة من قبيلة أو مال، وقد اجتمع مع إخوانه من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: "والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به؛ فَمَنْ رجل يسمعهموه؟" فقال عبد الله بن مسعود: "أنا"، قالوا: "إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه"، فقال: "دعوني فإن الله سيمنعني"، فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى وقريش فى أنديتها، فرفع صوته بسورة الرحمن يقرؤها، فتأملته قريش وسألتْ عما يقرأ، فقال بعضهم لبعض: "إنه يتلو بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم" فقاموا إليه، فجعلوا يضربون فى وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء، ثم عاد إلى أصحابه وقد أثروا فى وجهه، فقالوا له: "هذا الذى خشينا عليك"، قال: "ما كان أعداء الله أهون على منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا" قالوا: "لا، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون".

أرأيت كيف أن هذا الصحابي الجليل قد استمد قوته من إيمانه وعزته من معرفته بربه، فقال فى لهجة المؤمن الواثق: "إن الله سيمنعني منهم"، وكيف أنه تحدى وهو فرد واحد لا حول له ولا قوة ذؤابات قريش وعظماءها وهم فى أنديتهم يُسمعهم ما يكرهون، وكيف استهان بهم، وتضاءلت قواهم المظهرية أمام قوة إيمانه، فعاد وهو يقول لأصحابه: "والله ما كان أعداء الله أهون على منهم اليوم"، وكيف تلذذ بهذا الأذى فى سبيل الله، فعرض على أصحابه أن يغاديهم بمثلها فى اليوم التالي؟

تلك هى القلوب المؤمنة تستمد من الإيمان قوتها وحياتها وتثبت عليه حتى تلقى ربها.

والحق والإيمان إن صُبا على            بَرَدٍ ففيه كتيبة خرساء

وكانت النهدية وابنتها مسلمتين، وهما أَمَتان لامرأة من بنى عبد الدار؛ فكانت تعذبهما، وتحاول أن تردهما عن دينهما وهما ثابتتان لا تفتتنان، فمر بهما أبو بكر رضى الله عنه وقد أرسلتهما سيدتهما بطحين لها، فاشتراهما أبو بكر لساعته وأعتقهما، وقال لهما: "أرجعا إليها طحينها"، فقالتا: "أونفرغ منه يا أبا بكر؟"، فقال: "ذلك لكما إن شئتما".

يا سبحان الله أى نبل وأي وفاء بعد هذا الذي تضمنته هذه الكلمة السامية الذاهبة صعدًا فى سماء الفضل إلى حيث لا نهاية: "أونفرغ منه يا أبا بكر؟" امرأتان تعذبان أُعتقتا ومنّ الله عليهما بمفارقة دار العذاب، فتأبيان أن تخرجا حتى تؤديا ما بدأتا به من عمل، وحتى تتما ذلك الطحين الذي كلفتا أن تطحناه، تلك هى أخلاق الإسلام، وهذا ما بثه فى نفوس أبنائه من النبل والوفاء.

ولا أزيدك بالإسلام معرفة        كل المروءة فى الإسلام والحسب

وإن فى بلال وعمار وأمه وأبيه وزنيره وجارية بن المؤمل وأضرابهم ممن عذب فى الله أشد العذاب فلم يزده ذلك إلا استمساكًا بالحق واحتفاظًا بالعقيدة وحبًا للإيمان.. لمثلا يُضرب، وقدوةً يُؤنس بها، وصحفًا منتشرة من العظمة والفخار، يجب أن يتعلمها أبناء الشرق الذين يريدون أن يُبنى على سواعدهم جيل المجد الطارف كما بنى على سواعد أسلافهم جيل المجد التليد(8).

 

مدينة النور

هى طيبة، هى مهبط الوحي، هى مستقر رحمة الله تبارك وتعالى، هى مثوى الخلفاء الراشدين، هى مهد الأنصار من الأوس والخزرج، هى التى أظلت أنبل جماعة عرفها التاريخ بجناحيها يوم أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله، هى مدينة رسول الله، ومراد جبريل، ومدرسة القرآن الكريم لأول عهد العالم به، هى بحق مدينة النور.

الله نور السماوات والأرض، وقد شاءت إرادته أن تختص هذه البقعة المباركة بالقبس الساطع والنجم اللامع من هذا النور الرباني، فأشرقت به وأضاءت، وستظل مشرقة مضيئة ما دامت السماوات والأرض؛ لأن نورها من نور الله الخالد الذي لا يفنى ولا يبيد.

} يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب: 45-46] ، أجل، رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السراج المنير، بعث النور والهداية فى أنحاء الدنيا، وأشع الأضواء فى بقاع العالم فاسترشد الحائر، واهتدى الضال، وتعرف الجاهل سبيل الله بعد أن طال به الإعياء، وسدت أمامه المسالك، وإنها لترجمان صادق للشعور بهذه الحقيقة، تلك الكلمات التى أوحاها قلب العباس رضى الله عنه إلى لسانه فسمعناه يترنم:

وأنت لما وُلدت وأشرقت الأر             ض وضاءت بنورك الأفق

فنحن فى ذلك النور والضيا              ء وسبل الرشاد تحترق

من قبلها طبت فى الظلال وفى          مستودع حين يخصف الورق

أجل.. أجل، لقد طاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًّا خفيًّا، وطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرًا سويًّا، وطاب الرسول صلى الله عليه وسلم وافدًا على ربه مرضيًّا، وطابت به بقعة ضمت جسده الشريف، واحتوت نوره الباهر الساطع، فكيف لا تكون بحق مدينة النور؟!

} يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا [النساء: 174] ، بعيشك أجنبي فى أى بلاد الله، غدا جبريل وراح، وشرف بزيارته الربى والبطاح، ولقى نبى الله بكتاب الله. أليس ذلك كله فى طيبة؟! وأي نور أبهر من نور القرآن؟ وأي ضياء أسطع من ضيائه؟ أَفَتشُكُّ بعد ذلك كله فى أن طيبة مدينة النور؟

لقد غمر نور الله قلوب السابقين الأولين من أهل المدينة المنورة، فاندفعوا سراعًا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ويوفون بعهد الله ويحفظونه، ويموتون دونه حتى نزل فى بعضهم قول الله تبارك وتعالى: }مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: 23].

ولقد بهرهم نور القرآن الكريم يوم تلاه عليهم مندوب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير؛ فملك عليهم ألبابهم، وأشرقت به أفئدتهم، حتى حمل هذا الإشراقُ زعيمًا منهم هو سعد بن معاذ على أن يجمع قومه فيخاطبهم فى لهجة الجاد الموقن بعد أن تعرف منهم منزلته فى نفوسهم وكرامته عليهم: "كلام رجالكم ونسائكم علىَّ حرام حتى تؤمنوا بما أنزل الله على رسوله"، فإذا بهم جميعًا مؤمنون بلسان واحد وقلب واحد ووقت واحد، فأعجب لبنى عبد الأشهل يبهرهم نور القرآن، فإذا بهم فى اللحظة من أبناء القرآن!

وأخيرًا هاجر إليهم البشير النذير، وحل بواديهم السراج المنير، فتكاملت لديهم ثلاثة أنوار: نور الله، ونور كتاب الله، ونور رسول الله، فامتلأت بهذه الأنوار قلوبُهم، وسطعت بأشعتها الوضاءة نفوسُهم، وانتشروا بها فى آفاق الأرض من حدود الصين إلى مراكش؛ فكان عنها ما ترى من هداية فى كل أقطار الدنيا وما يتبصر من نور فى كل مناحي العالم.

وورثها عنهم أبناؤهم؛ فأصبح أهل المدينة -ولا غرو- أرق الناس طباعًا، وأزكاهم نفوسًا، وألينهم قلوبًا وأطهرهم أرواحًا، وأتقاهم سرائر، وأكرمهم وفادة، وأحسنهم معاملة، وسل الزائرين؛ فعندهم الخبر اليقين.

هؤلاء الغر الميامين من ورثة النور، وجيران رسول الله صلى الله عليه وسلم وحراس حرمه الأمين، أصابتهم السنون بلأوائها، وعضتهم الأزمة بنابها، وألمت بهم حادثات الزمن؛ فإذا بهم فى خصاصة شاملة، وحاجة بادية وشدة محيطة.

لم يأخذ ذلك من نفوسهم، ولم ترتفع بالشكوى أصواتهم، ولم يُبدوا لغير الله خصاصتهم، ولم يرفعوا إلى غير بابه حاجتهم؛ لأنهم سلالة أولئك الأمجاد الذين كان أغنياؤهم أكرم الأغنياء، يقول الله فيهم: }الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 274]، وفقراؤهم أعف الفقراء، يقول الله فيهم: }يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة: 273].

وكيف يضجون بالشكوى ولهم فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل العوض، وهو -عليه الصلاة والسلام- لهم خلف من كل فائت، وعزاء فى كل ملمة، وأنس عند الوحشة، والخير كل الخير والبركة كل البركة؟! وكيف يضجون بالشكوى وقد وعدهم الصادق المصدوق أن يكون لهم شفيعًا إذا هم صبروا على لأوائها، وتحملوا عنت بلائها؛ فالبلاء عندهم رحمة، والضراء تضاعف لهم حسنات الصبر عليها؛ فإذا بها لديهم نعمة، ولكنه صوت ارتفع من مصري كريم، فإذا به يهز أريحية الأمة الكريمة، وغيرها من أمم الشرق العريقة فى الفضل والبذل، وإذا بالجميع يتسابقون فى بذل المعونة لجيران رسول الله وأبناء الطيبين الطاهرين من أنصاره.

فشكرًا للمتسابقين إلى الخير، شكر يتمثل حسنات فى صحفهم، ويبدو لهم يوم القيامة نورًا فى موقفهم، ويظل رضوانًا من الله ورسوله يهبط على قلوبهم، وشكرًا للصحافة التى قادت الفكرة إلى النجاح والتسديد، ووحدتها إلى الخير والتوفيق.

ومن استطاع أن يكون له فى هذا الخير سهم يتقرب به إلى الله ورسوله فلا يُسوِّف، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون(9).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 13 – صـ3، 4 – 29صفر 1362هـ / 6مارس 1943م.
  2. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 4 – صـ6 : 8 – 13ربيع الأول 1352هـ / 6يوليو 1933م.
  3. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 4 – صـ12، 13 – 13ربيع الأول 1352هـ / 6يوليو 1933م.
  4. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 8 – صـ1 : 6 – 9ربيع الأول 1353هـ / 22يونيو 1934م.
  5. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 8 – صـ24، 25 – 9ربيع الأول 1353هـ / 22يونيو 1934م.
  6. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 32 – صـ15، 16 – 29ذى القعدة 1352هـ / 15مارس 1934م.
  7. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثالثة – العدد 1 – صـ19، 20 – 13محرم 1354هـ / 16أبريل 1935م.
  8. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 2 – صـ19، 20 – 26محرم 1353هـ / 11مايو 1934م.
  9. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 38 – صـ3 : 5 – 24ذى القعدة 1353هـ / 28فبراير 1935م.
المقال التالي الإمام حسن البنا يكتب حول التصوف الحقيقي
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا