رسالة المؤتمر السادس

الخلفية التاريخية للرسالة

جماعة الإخوان المسلمون جماعة شورية تسعى لإرساء قواعد الشورى والديمقراطية، ومن ثم ما إن نشأت الجماعة حتى تشكل لها جمعية عمومية تختار قادة الجماعة وتراقب تصرفاتهم وتقييم الأعمال نهاية كل عام.

وحينما انتقل الإمام البنا إلى القاهرة وانتقل معه المركز العام شكل بدل الجمعية العمومية المجلس الشورى العام لجماعة الإخوان حتى يستوعب زيادة أعداد الشعب التي تكونت وكان أول مجلس شورى يعقد عام 1933 بمدينة الإسماعيلية (مهد الدعوة) حيث تشكل فيه أول مكتب إرشاد للإخوان. على أن يعقد مجلس الشورى العام كل عام لتقييم العام الماضي.

استمر مجلس الشورى العام ينعقد كل عام حتى المجلس الرابع الذي عقد عام 1936م وهو ما ضاق المركز العام بأعداد الحضور للزيادة الكبيرة في نشأة شعب الإخوان وانتشار الدعوة، ولذا رأى الإمام البنا وأعضاء مجلس الشورى إقصار المجلس على قيادات الشعب فقط، وأن يستبدل المجلس العلني بمؤتمر يعقد كل عامين يحضر فيه جميع الإخوان، فكان أول مؤتمر هو المؤتمر الخامس عام 1939، ثم المؤتمر السادس عام 1941م والذي شهد تضييق شديد من قبل الحكومة المصرية وتعرض الجماعة في هذه الفترة إلى التضييق والاضطهاد وغلق الشعب مما أدى إلى وقف المؤتمرات العامة في المركز العام والاستعاضة عنها بلقاء الثلاثاء، مع الاستمرار بعمل مجلس الشورى العام.

انعقد المؤتمر السادس أثناء الحرب العالمية الثانية بل وتعرض بريطانيا لخسائر أمام الجيوش الألمانية وهي ما دعتها لفرض الأحكام العرفية في مصر وجميع مستعمراتها والتضييق على الجميع.

حاولت الحكومة (بضغط من الإنجليز) منع المؤتمر إلا أنه كثير من الشخصيات الوطنية تدخلت لكي يعقد وبالفعل وافق رئيس الوزراء حسين سري باشا على أن يعقد داخل دار الإخوان المسلمين ويقتصر على أعداد بسيطة وهو ما استجاب له الإخوان حيث عقد المؤتمر في 9 من يناير 1941 بدار الإخوان بالحلمية. حيث صدرت رسالة المؤتمر في كتيب في نفس الشهر. وقد تناول الإمام البنا فيها كثير من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مصر. ولأول مرة يتحدث الإمام البنا بلغة الأرقام مما أكسب الرسالة حيوية وبعدا كبيرا في فهم الواقع وتناوله.

وإلى نص الرسالة كاملة

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد إمام المجاهدين، وعلى آله وصحبه، ومن جاهد في سبيل دعوته إلى يوم الدين.

من هم الإخوان المسلمون؟

أيها الإخوان المسلمون:

بعد عامين من مؤتمركم الماضي بدار آل لطف الله في الثالث عشر من ذي الحجة سنة 1357 هجرية دار فيهما الفلك دورته، ورأى العالم فيهما مختلف الأحداث والظروف، وانفجر أخيرًا (مخزن البارود)، ودوى على الأرض من جديد نفير الحرب بعد أن زعم أهلوها أنهم قد أقروا فيها السلام، تجتمعون الآن -أيها الإخوان- لتراجعوا صفحة أعمالكم، ولتتبينوا مراحل منهاجكم، ولتتحدثوا إلى أنفسكم وإلى الناس عن دعوتكم من جديد، لعل في ذلك تبصرة وذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.

أيها الإخوان المجاهدون الذين اجتمعتم الليلة من أقصى مصر المباركة إلى أقصاها..

أحب أن تتبينوا جيدًا من أنتم في أهل هذا العصر؟ وما دعوتكم بين الدعوات؟ وأية جماعة جماعتكم؟ ولأي معنى جمع الله بينكم ووحد قلوبكم ووجهتكم، وأظهر فكرتكم في هذا الوقت العصيب الذي تتلهف فيه الدنيا إلى دعوة السلام والإنقاذ؟

فاذكروا جيدًا -أيها الإخوة- أنكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، وأنكم العقل الجديد الذى يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل في وقت التبس عليها فيه الحق بالباطل، وأنكم دعاة الإسلام، وحملة القرآن، وصلة الأرض بالسماء، وورثة محمد صلى الله عليه وسلم، وخلفاء صحابته من بعده، وبهذا فضلت دعوتكم الدعوات، وسمت غايتكم على الغايات، واستندتم إلى ركن شديد، واستمسكتم بعروة وثقى لا انفصام لها، وأخذتم بنور مبين، وقد التبست على الناس المسالك وضلوا سواء السبيل، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾[يوسف: 21].

تجرد

واذكروا جيدًا -أيها الإخوان- أنه ما من رجل منكم أو من إخوانكم الذين حبسهم العذر عن حضور مؤتمركم -يرجو بمناصرة هذه الدعوة والعمل تحت رايتها غاية من غايات الدنيا، أو عرضًا من أعراضها، وأنكم تبذلون من ذات أنفسكم وذات يدكم، لا تعتمدون إلا على الله، ولا تستمدون المعونة والتأييد إلا منه، ولا ترجون إلا ثوابه، ولا تبتغون إلا وجهه، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: 45].

فهم

واذكروا جيدًا -أيها الإخوان- أن الله قد منّ عليكم ففهمتم الإسلام فهمًا نقيًّا صافيًا، سهلاً شاملاً، كافيًا وافيًا، يساير العصور، ويفي بحاجات الأمم، ويجلب السعادة للناس، بعيدًا عن جمود الجامدين، وتحلل الإباحيين، وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين استمدادًا منطقيًّا منصفًا، بقلب المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، وعرفتموه على وجهه: "عقيدة وعبادة، ووطن وجنس، وخلق ومادة، وسماحة وقوة، وثقافة وقانون". 

واعتقدتموه على حقيقته: "دين ودولة، وحكومة وأمة، ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].

أخوة

واذكروا جيدًا -أيها الإخوان- أن كل شعبة من شعبكم وحدة متصلة الروح مؤتلفة القلوب، قد جمعتها الغاية السامية على هدف واحد، وأمل واحد، وألم واحد، وجهاد واحد، وأن هذه الوحدات المؤتلفة يرتبط بعضها ببعض، ويتصل بعضها ببعض، ويحن بعضها إلى بعض، ويقدر بعضها بعضًا، وتشعر كل واحدة منها أنها لا تتم إلا بأخواتها، ولا تكمل أخواتها إلا بها، كلبنات البناء المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأنها جميعا ترتبط بمركزها العام أوثق ارتباط وأسماه وأعلاه، روحيًّا وإداريًّا وعمليًّا ومظهريًّا، وتدور حوله كما تدور المجموعة المتماسكة من الكواكب المنيرة حول محورها الجاذب وأصلها الثابت؛ لتحقق بذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات: 10].

جهاد

واذكروا جيدًا -أيها الإخوة- أن الله تبارك وتعالى قد بارك جهادكم، ونشر فكرتكم، وجمع القلوب عليكم، فلا يمر يوم حتى تتكون لكم شعب، وينتصر لمبادئكم عدد غير قليل ممن كانوا يجهلونها، أو ييأسون من نجاحها، أو يتبرمون بها، أو يكيدون لها، وبذلك وصلت دعوتكم إلى مختلف الطبقات، وتغلغلت في المجتمعات، ووجدت الأتباع والأنصار في كل الأوساط والبيئات:

•        آلاف من الشباب المؤمن مستعدون للعمل والجهاد في سبيل الإصلاح الحق.

•        دور في كل مكان مجهزة للدعوة والإرشاد والتوجيه الصالح.

•        فرق منظمة تزاول الرياضة البدنية والروحية بلذة وشغف وسرور.

•        شعب منبثة في القرى والكفور والنجوع والمدن والحواضر تربو على الخمسمائة تتعاون وتتكاتف وتتسابق في الخيرات.

•        ألسنة وأقلام مفصحة مبينة تكشف للناس عن جمال الإسلام، وروعة الإسلام، وحقائق الإسلام.

•        بعثات مستمرة تنفر في سبيل الله لتتفقه في الدين ولتعلمه الناس.

هذه بعض آثار جهادكم -أيها الإخوان- ترونها واضحة تتضاعف وتزداد و﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَّشَاءُ﴾ [الأنعام: 88].

تضحية

واذكروا جيدًا -أيها الإخوة- أن دعوتكم أعف الدعوات، وأن جماعتكم أشرف الجماعات، وأن مواردكم من جيوبكم لا من جيوب غيركم، ونفقات دعوتكم من قوت أولادكم ومخصصات بيوتكم، وأن أحدًا من الناس، أو هيئة من الهيئات، أو حكومة من الحكومات، أو دولة من الدولات لا تستطيع أن تجد لها في ذلك منة عليكم، وما ذلك بكثير على دعوة أقل ما يطلب من أهلها النفس والمال: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].

إخلاص

اذكروا هذا جيدًا - أيها الإخوان - لا للفخر ولا للمباهاة، ولكن لتعلموا أن الله قد كتب لدعوتكم من: الإيمان، والإخلاص، والفهم، والوحدة، والتأييد، والتضحية ما لم يكتبه لكثير من الدعوات الرائجة السوق، العالية البوق، الفخمة المظاهر، وتلك الصفات هي دعائم الدعوات الصالحة. فاجتهدوا أن تحرصوا عليها كاملة، وأن تزيدوها في أنفسكم ثباتًا وقوة، واعلموا أنه ليس لكم في ذلك فضل ولا منة، ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17].

هل نحن قوم غامضون

أيها الإخوان المسلمون:

بعد اثني عشر عامًا مضت وأنتم تجهرون بدعوتكم وتبلغونها للناس، لا زال هناك فريق يتساءل عن الإخوان المسلمين، ويراهم أمامه جماعة غامضة، فهل أنتم قوم غامضون؟ وسأجيب على هذا السؤال بصراحة ووضوح، وسأتكلم عن غاية الإخوان المسلمين، وعن وسيلتهم، وعن موقفهم من الهيئات المختلفة، وعن موقفهم في هذه الظروف الحاضرة التي تظلل الناس حوادثها، وكثير منكم أحاط بذلك علمًا، وقد سبق لنا أن فصلناه في رسائل الإخوان وكتاباتهم ومحاضراتهم، وإنما نذكر ذلك الآن في إيجاز تذكرة للغافل، وتعليمًا لمن لم يكن يعلم.

غاية الإخوان المسلمين

يعمل الإخوان المسلمون لغايتين:

غاية قريبة: يبدو هدفها، وتظهر ثمرتها لأول يوم ينضم فيه الفرد إلى الجماعة، أو تظهر الجماعة الإخوانية فيه في ميدان العمل العام.

وغاية بعيدة: لابد فيها من ترقب الفرص، وانتظار الزمن، وحسن الإعداد، وسبق التكوين.

فأما الغاية الأولى فهي المساهمة في الخير العام أيًّا كان لونه ونوعه، والخدمة الاجتماعية كلما سمحت بها الظروف.

يتصل الأخ بالإخوان، فيكون مطالبًا بتطهير نفسه، وتقويم مسلكه، وإعداد روحه وعقله وجسمه للجهاد الطويل الذي ينتظره في مستقبل الأيام، ثم هو مطالب بأن يشيع هذه الروح في أسرته وأصدقائه وبيئته، فلا يكون الأخ أخًا مسلمًا حقًّا حتى يطبق على نفسه أحكام الإسلام وأخلاق الإسلام، ويقف عند حدود الأمر والنهى التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].

وتتكون الجماعة من جماعات الإخوان، فتتخذ دارًا، وتعمل على تعليم الأميين، وتلقين الناس أحكام الدين، وتقوم بالوعظ والإرشاد والإصلاح بين المتخاصمين، والتصدق على المحتاجين، وإقامة المنشئات النافعة من مدارس ومعاهد ومستوصفات ومساجد في حدود مقدرتها والظروف التي تحيط بها، وكثير من شعب الإخوان ينهض بهذه الواجبات، ويؤديها على حالة مرضية من حسن الأداء.

فهل هذا هو ما يريده الإخوان المسلمون ويجهزون أنفسهم له ويأخذونها به؟!

لا أيها الإخوان، ليس هذا كل ما نريد، هو بعض ما نريد ابتغاء مرضاة الله، هو الهدف الأول القريب، هو صرف الوقت في طاعة وخير حتى يجئ الظرف المناسب، وتحين ساعة العمل للإصلاح الشامل المنشود.

أما غاية الإخوان الأساسية.. أما هدف الإخوان الأسمى.. أما الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيئون له أنفسهم.. فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعًا، وتتجه نحوه الأمة جميعًا، ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل.

إن الإخوان المسلمين يهتفون بدعوة، ويؤمنون بمنهاج، ويناصرون عقيدة، ويعملون في سبيل إرشاد الناس إلى نظام اجتماعي يتناول شئون الحياة جميعًا اسمه (الإسلام)، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ليكون به من المنذرين بلسان عربي مبين، ويريدون بعث الأمة الإسلامية النموذجية التي تدين بالإسلام الحق، فيكون لها هاديًا وإمامًا، وتعرف في الناس بأنها دولة القرآن التي تصطبغ به، والتي تذود عنه، والتي تدعو إليه، والتي تجاهد في سبيله، وتضحى في هذه السبيل بالنفوس والأموال.

لقد جاء الإسلام نظامًا وإمامًا، دينًا ودولة، تشريعًا وتنفيذًا، فبقى النظام وزال الإمام، واستمر الدين وضاعت الدولة، وازدهر التشريع وذوي التنفيذ. أليس هذا هو الواقع أيها الإخوان؟! وإلا فأين الحكم بما أنزل الله في الدماء والأموال والأعراض؟ والله تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 49-50].

والإخوان المسلمون يعملون ليتأيد النظام بالإمام، ولتحيا من جديد دولة الإسلام، ولتشمل بالنفاذ هذه الأحكام، ولتقوم في الناس حكومة مسلمة، تؤيدها أمة مسلمة، تنظم حياتها شريعة مسلمة أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه حيث قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ*إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18-19].

بعض نتائج فساد النظام الاجتماعي الحالي في مصر

أيها الإخوان:

إننا في أخصب بقاع الأرض، وأعذبها ماء، وأعدلها هواء، وأيسرها رزقاً، وأكثرها خيرًا، وأوسطها دارًا، وأقدمها مدنية وحضارة وعلمًا ومعرفة، وأحفلها بآثار العمران الروحي والمادي، والعملي والفني، وفى بلدنا المواد الأولية، والخامات الصناعية، والخيرات الزراعية، وكل ما تحتاج إليه أمة قوية تريد أن تستغنى بنفسها، وأن تسوق الخير إلى غيرها، وما من أجنبي هبط هذا البلد الأمين إلا صح بعد مرض، واغتنى بعد فاقة، وعز بعد ذلة، وأترف بعد البؤس والشقاء، فماذا أفاد المصريون أنفسهم من ذلك كله؟ لا شيء، وهل ينتشر الفقر والجهل والمرض والضعف في بلد متمدين كما ينتشر في مصر الغنية مهد الحضارة والعلوم، وزعيمة أقطار الشرق غير مدافعة؟!

إليكم -أيها الإخوان- بعض الأرقام التي تنطق بما يهددنا من أخطار اجتماعية ماحقة ساحقة، إن لم يتداركنا الله فيها برحمته فسيكون لها أفدح النتائج وأفظع الآثار:

1-الفلاحون في مصر يبلغون ثمانية ملايين، والأرض المنزرعة نحو ستة ملايين من الأفدنة، وعلى هذا الاعتبار يخص الفرد الواحد نحو ثلثي فدان.

فإذا لاحظنا إلى جانب هذا أن الأرض المصرية تفقد خواصها لضعف المصارف وكثرة الإجهاد، وأنها لهذا السبب تأخذ من السماد الصناعي أضعاف غيرها من الأرض التي تقل عنها جودة وخصوبة، وأن عدد السكان يتكاثر تكاثرًا سريعًا، وأن التوزيع في هذه الأرض يجعل من هذا العدد أربعة ملايين لا يملكون شيئًا، ومليونين لا يزيد ملكهم عن نصف فدان، ومعظم الباقي لا يزيد ملكه على خمسة أفدنه، علمت مبلغ الفقر الذي يعانيه الفلاحون المصريون، ودرجة انحطاط مستوى المعيشة بينهم درجة ترعب وتخيف.

إن أربعة ملايين من المصريين لا يحصل أحدهم على ثمانين قرشًا في الشهر إلا بشق النفس، فإذا فرضنا أن له زوجة وثلاثة أولاد وهو متوسط ما يكون عليه الحال في الريف المصري، بل في الأسر المصرية عامة، كان متوسط ما يخص الفرد في العام جنيهين، وهو أقل بكثير مما يعيش به الحمار؛ فإن الحمار يتكلف على صاحبه (140 قرشًا خمس فدان برسيم، و30 قرشًا [حملاً ونصف الحمل من التبن]، و150 قرشًا إردب فول، و20 قرشًا أربعة قراريط عفش ذرة، ومجموعها 340 قرشًا)، وهو ضعف ما يعيش به الفرد من هؤلاء الآدميين في مصر، وبذلك يكون أربعة ملايين مصري يعيشون أقل من عيشة الحيوان.

ثم إذا نظرت إلى طبقة الملاك الكبار وجدتهم مكبلين بالديون أذلاء للمحاكم والبنوك.

إن البنك العقاري وحده يحوز من الرهون قريبًا من نصف مليون فدان، ويبلغ دينه على الملاك المصريين 17 مليونًا من الجنيهات إلى أكتوبر سنة 1936، وهذا بنك واحد.

وقد بلغ ثمن ما نزعت ملكيته للديون من الأرض والمنازل في سنة 1939 (256‚346جنيهًا) فعلى أي شيء تدل هذه الأرقام؟ 

2-العمال في مصر يبلغون (127‚718‚5) أي نحوًا من ستة ملايين عامل، يشكو التعطل (119‚511) أي أكثر من نصف مليون لا يجدون شيئًا، وهناك هذه الجيوش من حملة الشهادات العاطلين.

فكيف يشعر إنسان هذه حاله بكرامته الإنسانية، أو يعرف معنى العاطفة القومية والوطنية، وهو في بلد لا يستطيع أن يجد فيه القوت؟ ولقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر، وقديما قيل: يكاد الفقر أن يكون كفرًا.

فضلاً عن أن المشتغلين من العمال مهددون باستغلال أصحاب رأس المال، وضعف الأجور، والإرهاق في العمل، ولم تصدر الحكومات بعد التشريع الكافي لحماية هؤلاء البائسين، وقد ضاعفت حالة الحرب القائمة هذا العدد من المتعطلين، وزادت العاملين منهم بؤسًا على بؤسهم.

3-شركات الاحتكار في مصر قد وضعت يدها على مرافق الحياة والمنافع العامة، فالنور والمياه والملح والنقل ونحوها كلها في يد هذه الشركات التي لا ترقب في مصري إلاًّ ولا ذمة، والتي تربح أفحش الأرباح، وتضن حتى باستخدام المصريين في أعمالها.

لقد بلغت أرباح شركة المياه بالقاهرة منذ تأسست في 27 مايو سنة 1865 إلى سنة 1933 عشرين مليونًا من الجنيهات، وقد بلغ التفريط والتهاون بالحكومة المصرية أن باعت حصتها في أرباح الشركة في عهد وزارة رياض باشا (وكان ناظر الأشغال حينذاك محمد زكى باشا) بمبلغ 20 ألفًا من الجنيهات، مع أن حصتها في صافي الربح من تاريخ البيع وهو 10 يوليو سنة 1889 إلى سنة 1934 فقط مبلغ مليونين ونصف من الجنيهات.

إن في مصر 320 شركة أجنبية تستغل جميع مرافق الحياة. وقد بلغت أرباحها في سنة 1938 الماضية (482‚637‚7 جنيهًا) كلها من دم المصريين الذين لا يجد نصفهم القوت. ولقد ربحت شركة مياه الإسكندرية وحدها سنة 1938 (850‚122 جنيهًا)، وشركة مياه القاهرة (892‚284جنيهًا)، وهذه الشركات جميعًا تخالف نصوص العقود في كثير من التصرفات، ثم لا يكون التصرف معها إلا متراخيًا ضعيفًا يفوت الفائدة على الحكومة والجمهور معًا.

ولعل من الظريف المبكى أن نقول: إن عدد الشركات المصرية إلى سنة 38 بلغ إحدى عشرة شركة فقط مقابل 320 شركة أجنبية.

4-لقد استقبلت العيادات الحكومية سنة 34 (383‚241‚7) مريضًا، منهم مليون بالبلهارسيا، وأكثر من نصف مليون بالإنكلستوما، ومليون ونصف بالرمد، وفى مصر 90 في المائة مريض بالرمد والطفيليات، وفيها 575‚55 من فأقدى البصر، ويكشف لنا الكشف الطبي في المدارس وفى المعاهد والجامعة منها والكلية الحربية حقائق عجيبة عن ضعف بنية الطلاب، وهم زهرة شباب الأمة، وكل ذلك في أمة علمها نبيها أن تسأل الله أن يعافيها في أبدانها وفى سمعها وفى بصرها.

5-إن مصر بعد هذا الجهاد الطويل لا زالت [بها آلاف] كثيرة ممن لا يخط الألف، ولا زال عدد المتعلمين فيها لا يجاوز الخمس (20 في المائة) من بينهم تلاميذ المدارس الإلزامية الذين لا يحسنون شيئًا، وكثير منهم لم يجاوز شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، حتى الذين تعلموا تعليمًا عاليًا لا تنقطع الشكوى من أن مؤهلاتهم العلمية لا تمكنهم من النجاح الكامل في الحياة العملية، وتترد هذه الشكوى على لسان وزراء المعارف، ورؤساء دوائر الأعمال، وغيرهم.

6-وقد انحط مستوى الخلق انحطاطًا عجيبًا، فقد بلغ عدد الذين حوكموا بجرائم تخالف القانون في سنة 1938 أكثر من مليون مصري ومصرية، دخل منهم السجن زهاء مائة ألف أو يزيدون، عدا من لم تصل إليهم يد القضاء، ولم تعرف جرائمهم بعد.

هذا مع جرأة كثير من الشبان وغير الشبان على المخالفات الدينية التي لا يؤاخذ بها القانون الوضعي كشرب الخمر، والإقبال على القمار، واليانصيب، والسباق ونحوها، والزنا والعبث، وما إليه مما لا يحصيه العد بدون خشية ولا حياء.

7-ومع أننا فقدنا مقومات الحياة المادية من العلم الدنيوي النافع، ومن الثروة والمال، ومن القوة الصحية، فهل أبقينا على شيء من قوانا الروحية؟ كلا.

كم من المصريين يؤمن بالله حق الإيمان، ويعتمد عليه حق الاعتماد؟ وكم منهم يعتز بكرامته القومية وعزته الإسلامية؟ وكم منهم يؤدى الصلوات؟ وكم من هؤلاء المؤدين يقيمها على وجهها ويتعرف أحكامها وأسرارها؟ وكم منهم يؤدى الزكاة ويتحرى بها مصارفها والغاية منها؟ وكم منهم يخشى الله ويتقيه، ويبتعد عن المعصية، ويجتنب كبائر الإثم والفواحش؟ يجيبنا الواقع المشاهد على هذه الأسئلة جميعًا جوابًا يؤلم ويحزن ويحز في نفس كل مؤمن غيور.

الداء والدواء

أيها الإخوان: هذه لغة الأرقام، وهذا قليل لا كثير من مظاهر البؤس والشقاء في مصر، فما سبب ذلك كله؟ ومن المسئول عنه؟ وكيف نتخلص منه؟ وما الطريق إلى الإصلاح؟

أما سبب ذلك ففساد النظام الاجتماعي في مصر فسادًا لابد له من علاج، فقد غزتنا أوروبا منذ مائة سنة بجيوشها السياسية، وجيوشها العسكرية، وقوانينها، ونظمها، ومدارسها، ولغتها، وعلومها، وفنونها، وإلى جانب ذلك بخمرها، ونسائها، ومتعها، وترفها، وعاداتها وتقاليدها، ووجدت منا صدورًا رحبة، وأدوات طيعة تقبل كل ما يعرض عليها. ولقد أعجبنا نحن بذلك كله، ولم نقف عند حد الانتفاع بما يفيد من: علم، ومعرفة، وفن، ونظام، وقوة، ومنعة، وعزة، واستعلاء، بل كنا عند حسن ظن الغاصبين بنا، فأسلمنا لهم قيادنا، وأهملنا من أجلهم ديننا، وقدموا لنا الضار من بضاعتهم فأقبلنا عليه، وحجبوا عنا النافع منها، وغفلنا عنه، وزاد الطين بلة أن تفرقنا على الفتات شيعًا وأحزابًا يضرب بعضنا وجوه بعض، وينال بعضنا من بعض، لا نتبين هدفًا، ولا نجتمع على منهاج.

أما المسئول عن ذلك، فالحاكم والمحكوم على السواء: الحاكم الذي لانت قناته للغامزين، وسلس قياده للغاصبين، وعنى بنفسه أكثر مما عنى بقومه، حتى فشت في الإدارة المصرية أدواء عطلت فائدتها وجرت على الناس بلاءها.. فالأنانية والرشوة والمحاباة والعجز والتكاسل والتعقيد كلها صفات بارزة في الإدارة المصرية، والمحكوم الذي رضى بالذلة، وغفل عن الواجب، وخدع بالباطل، وانقاد وراء الأهواء، وفقد قوة الإيمان وقوة الجماعة فأصبح نهب الناهبين وطعمة الطاعمين.

أما كيف نتخلص من ذلك فبالجهاد والكفاح، ولا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة، نتخلص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد، وأن يستبدل به نظام اجتماعي خير منه، تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة تهب نفسها لوطنها، وتعمل جاهدة لإنقاذ شعبها، يؤيدها شعب متحد الكلمة متوقد العزيمة قوى الإيمان، ولئن فقدت الأمم مصباح الهداية في أدوار الانتقال فإن الإسلام الحنيف بين أيدينا مصباح وهاج نهتدى بنوره ونسير على هداه.

ولا تستطيع حكومة مصرية أن تعمل لهذا الإصلاح الاجتماعي حتى تتحرر تمامًا من الضعف، والعجز، والخوف، والتدخل السياسي الذي يقيد خطواتها، وتتخلص من هذا النير الفكري الذي وضعته أوروبا في أعناقنا، فأضعف نفوسنا، وأوهن مقاومتنا.

ونحن نستقبل في هذه الأوقات حوادث جسامًا تغير النظم والأوضاع، وتجدد الدول والممالك، فأولى بنا أن ننتهزها فرصة سانحة للتحلل من آثار الماضي، وبناء المستقبل المجيد على دعائم قويمة من هذا الإصلاح الإسلامي القويم.

ولهذا كان هدف الإخوان المسلمين يتلخص في كلمتين: (العودة إلى النظام الإسلامي الاجتماعي، والتحرر الكامل من كل سلطان أجنبي)، وبذلك نستطيع أن ننقذ مصر من آثار هذه الويلات. ولنا بعد ذلك آمال جسام في إحياء مجد الإسلام وعظمة الإسلام، يراها الناس بعيدة ونراها قريبة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ [الروم: 60].

وسيلة الإخوان المسلمين

أما وسائلنا العامة، فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر، حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح.. ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية، وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية.

وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجئ الوقت المناسب إلى الأمة المصرية ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله من النجاح ما دمنا نبغى بذلك وجه الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

أما ما سوى ذلك من الوسائل فلن نلجأ إليه إلا مكرهين، ولن نستخدمه إلا مضطرين، وسنكون حينئذٍ صرحاء شرفاء، لا نحجم عن إعلان موقفنا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض معه، ونحن على استعداد تام لتحمل نتائج عملنا أيًّا كانت، لا نلقى التبعة على غيرنا، ولا نتمسح بسوانا، ونحن نعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفناء في الحق هو عين البقاء، وأنه لا دعوة بغير جهاد، ولا جهاد بغير اضطهاد، وعندئذٍ تدنو ساعة النصر ويحين وقت الفوز، ويتحقق قول الملك الحق المبين: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾[يوسف: 110].

نحن والسياسة

وقد يقول بعض الناس: وما للإخوان والبرلمان، والإخوان جماعة دينية وهذه سبيل الهيئات السياسية؟ وليس هذا يؤيد ما يقول الناس من أن الإخوان المسلمين قوم سياسيون لا يقفون عند حد الدعوة إلى الإسلام كما يدعون؟ 

وأقول لهذا القائل في صراحة ووضوح:

أيها الأخ، أما إننا سياسيون حزبيون نناصر حزبًا ونناهض آخر، فلسنا كذلك ولن نكونه، ولا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل. وأما إننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه، وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه، وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة، ونحن لا نعلم دعوتنا، ولا نتصور معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف. ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام، والإسلام لا يكتفى من المسلم بالوعظ والإرشاد، ولكنه يحدوه دائمًا إلى الكفاح والجهاد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

الإخوان المسلمون والهيئات

أما موقفنا من الهيئات في مصر فصريح واضح نتحدث به ونكتب عنه في كل الظروف والمناسبات...

نحن والسرايا

نحن مخلصون للعرش وللجالس عليه، ونسأل الله أن يمده بعنايته وتوفيقه، وأن يصلح به البلاد والعباد؛ ذلك لأنه رئيس الدولة الأعلى، ومظهر النظام الحكومي الذى يعتبره الإسلام ظل الله في الأرض، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: "إذا نزلت ببلد ليس فيه سلطان فارحل عنه؛ فإن السلطان ظل الله في الأرض"، ولقد كان الحسن البصرى يقول: "يقول لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ فإن الله يصلح بصلاحه خلقًا كثيرًا"، وهذا الإخلاص لا يمنعنا، بل يفرض علينا أن نتقدم بالنصيحة وبيان وجه الحق في كل مناسبة، ولقد فعلنا ذلك في كثير من الشئون في أوقاتها، ولاشك أن جلالته يسر لهذه المصارحة، ويود أن يرى في شعبه كثيرًا من أقوياء النفوس الذين يتقدمون بكلمة الحق، ولا يخافون في الله لومة لائم، والدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

نحن والحكومات

وأما موقفنا من الحكومات المصرية على اختلاف ألوانها فهو موقف الناصح الشفيق، الذي يتمنى لها السداد والتوفيق، وأن يصلح الله بها هذا الفساد، وإن كانت التجارب الكثيرة كلها تقنعنا بأننا في واد وهي في واد، "وياء ويح الشجي من الخلي".

لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرًا من مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات ضافية في كثير من الشئون التي تمس صميم الحياة المصرية..

لقد لفتنا نظرها إلى وجوب العناية بإصلاح الأداة الحكومية نفسها باختيار الرجال، وتركيز الأعمال، وتبسيط الإجراءات، ومراعاة الكفايات، والقضاء على الاستثناءات.

وإلى إصلاح منابع الثقافة العامة بإعادة النظر في سياسة التعليم، ومراقبة الصحف، والكتب، والسينمات، والمسارح، والإذاعة، واستدراك نواحي النقص فيها، وتوجيهها الوجهة الصالحة..

وإصلاح القانون باستمداده من شرائع الإسلام، ومحاربة المنكر، ومقاومة الإثم بالحدود وبالعقوبات الزاجرة الرادعة.

وتوجيه الشعب وجهة صالحة بشغله بالنافع من الأعمال في أوقات الفراغ.. فماذا أفاد كل ذلك؟ لا شيء. ولقد قامت وزارة الشئون الاجتماعية لسد هذا الفراغ فماذا فعلت وقد مضى عليها أكثر من عام ونصف عام؟

وماذا أنجزت من الأعمال؟ لا شيء، وستظل (لا شيء) هي الجواب لكل المقترحات ما دمنا لا نجد الشجاعة الكافية للخروج من سجن التقليد والثورة على هذا "الروتين" العتيق، وما دمنا لم نحدد المنهاج، ولم نتخير لإنفاذه الأكفاء من الرجال، ومع هذا فسنظل في موقف الناصحين حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

نحن والأحزاب

وأما موقفنا من الأحزاب السياسية فلسنا نفاضل بينها، ولا ننحاز إلى واحد منها، ولكن نعتقد أنها تتفق جميعًا في عدة أمور:

تتفق في أن كثيرًا من رجالها قد عملوا على خدمة القضية السياسية المصرية، واشتركوا فعلاً في الجهاد في سبيلها، وفى الوصول إلى ما وصلت إليه مصر من ثمرات هذا الجهاد الضئيلة أو الجليلة، فنحن في هذه الناحية لا نبخس هؤلاء الرجال حقهم.

وتتفق كذلك في أن حزبًا منها لم يحدد بعد منهاجًا دقيقًا لما يريد من ضروب الإصلاح، ولم يضع هدفا يرمى إليه، وهي لهذا لا تتفاوت في المناهج والأغراض والغايات.

وتتفق كذلك في أنها جميعًا لم تقتنع بعد بوجوب المناداة بالإصلاح الاجتماعي على قواعد الإسلام وتعاليم الإسلام، ولا زال أقطابها جميعًا يفهمون الإسلام على أنه ضروب من العبادات والروحانيات لا صلة لها بحياة الأمم والشعوب الاجتماعية والدنيوية.

وتتفق بعد ذلك في أنها تعاقبت على حكم هذا البلد فلم تأت بجديد، ولم يجد الناس في ظل حكمها ما كانوا يأملون من تقدم مادي أو أدبي، ولقد كان لهذا أثره العملي، فقامت في مصر الحكومات غير الحزبية في أحرج الظروف وأدق المواقف، ومنها الحكومة الحالية.

وإذن فلا خلاف بين الأحزاب المصرية إلا في مظاهر شكلية وشئون شخصية لا يهتم لها الإخوان المسلمون، ولهذا فهم ينظرون إلى هذه الأحزاب جميعًا نظرة واحدة، ويرفعون دعوتهم وهى ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا المستوى الحزبي كله، ويوجهونها واضحة مستنيرة إلى كل رجال هذه الأحزاب على السواء، ويودون أن لو أدرك حضراتهم هذه الحقيقة، وقدروا هذه الظروف الدقيقة، ونزلوا على حكم الوطنية الصحيحة، فتوحدت كلمتهم، واجتمعوا على منهاج واحد تصلح به الأحوال وتتحقق الآمال، وليس أمامهم إلا منهاج الإخوان المسلمين، بل هدى رب العالمين ﴿صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُور﴾[الشورى: 53].

ونحن لا نهاجمهم؛ لأننا في حاجة إلى المجهود الذي يبذل في الخصومة والكفاح السلبي لننفقه في عمل نافع وكفاح إيجابي، وندع حسابهم للزمن، معتقدين أن البقاء دائمًا للأصلح ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

نحن والهيئات الإسلامية

وأما موقفنا من الهيئات الإسلامية جميعًا على اختلاف نزعاتها، فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء، نحبها ونعاونها، ونحاول جاهدين أن نقرب بين وجهات النظر، ونوفق بين مختلف الفكر توفيقًا ينتصر به الحق في ظل التعاون والحب ولا يباعد بيننا وبينها رأى فقهى ولا خلاف مذهبي، ودين الله يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. ولقد وفقنا الله إلى خطة مثلى؛ إذ نتحرى الحق في أسلوب لين يستهوي القلوب، وتطمئن إليه العقول، ونعتقد أنه سيأتي اليوم الذي تزول فيه الأسماء والألقاب والفوارق الشكلية والحواجز النظرية، وتحل محلها وحدة عملية تجمع صفوف الكتيبة المحمدية حيث لا يكون هناك إلا إخوان مسلمون، للدين عاملون، وفى سبيل الله مجاهدون: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56].

كلمة حق

نحب بعد هذا أن نقول كلمة صريحة لأولئك الذين لا زالوا يظنون أن الإخوان يعملون لحساب شخص أو جماعة: اتقوا الله أيها الناس، ولا تقولوا ما لا تعلمون. واذكروا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإن أبغضكم إلى وأبعدكم منى مجلسًا يوم القيامة المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب"، وليعلموا تمامًا أن اليوم الذي يكون فيه الإخوان المسلمون مطية لغيرهم أو أداة لمنهاج لا يتصل بمنهاجهم لم يخلق بعد. وأذكر أنى كتبت في إحدى المناسبات خطابًا لأحد الباشوات جاء في آخره:

"والإخوان المسلمون -يا رفعة الباشا- لا يقادون برغبة ولا برهبة، ولا يخشون أحدًا إلا الله، ولا يغريهم جاه ولا منصب، ولا يطمعون في منفعة ولا مال، ولا تعلق نفوسهم بعرض من أعراض هذه الحياة الفانية، ولكنهم يبتغون رضوان الله، ويرجون ثواب الآخرة، ويتمثلون في كل خطواتهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إني لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾[الذاريات: 50]، فهم يفرون من كل الغايات والمطامع إلى غاية واحدة ومقصد واحد هو رضوان الله، وهم لهذا لا يستغلون في منهاج غير منهاجهم، ولا يصلحون لدعوة غير دعوتهم، ولا يصطبغون بلون غير الإسلام ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾[البقرة: 138]... فمن حاول أن يخدعهم خدع، ومن أراد أن يستغلهم خسر، ومن طمع في تسخيرهم لهواه أخفق، ومن أخلص معهم في غايتهم ورافقهم على متن طريقهم سعد بهم وسعدوا به، ورأى فيهم الجنود الباسل. والإخوة الأماثل، يفدونه بأرواحهم، ويحوطونه بقلوبهم وجهودهم، ويرون له بعد ذلك الفضل عليهم.

أكتب لكم هذا -يا رفعة الباشا- لا رجاء معونة مادية لجماعة الإخوان المسلمين، ولا رغبة في مساعدة نفعية لأحد أعضائها العاملين، ولكن لأدعوكم إلى صف هؤلاء الإخوان بعد دراستهم دراسة جدية صحيحة تقنعكم بمنهاجهم، وتنتج تعاونكم معهم في إصلاح المجتمع المصري على أساس متين من الخلق الإسلامي وتعاليم الإسلام و ﴿للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4-5].

بمثل هذا الأسلوب نخاطب الناس، ونكتب لرفعة النحاس باشا، ومحمد محمود باشا، وعلى ماهر باشا، وحسين سرى باشا، وغيرهم ممن نريد أن نعذر إلى الله بإبلاغهم الدعوة، وتوجيههم إلى ما نعتقد أن فيه الخير والصواب لهم وللناس.

أفيقال بعد هذا: إن الإخوان المسلمين يعملون لحساب شخص أو هيئة، كبر ذلك أم صغر، قل أم كثر؟ ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾[النور: 12]، ومعاذ الله أن نكون فى يوم من الأيام لغير دعوة القرآن وتعاليم الإسلام.

موقفنا فى الظروف الحاضرة

من المؤتمر الخامس إلى المؤتمر السادس مضى عامان، تعاقبت فيهما الحوادث الجسام على مصر فى الداخل والخارج. وقد قابل المركز العام للإخوان المسلمين ومن ورائه شعبهم جميعًا كل حادثة بما يناسبها، ووقفوا منها الموقف الذي يلائمها، من تأييد أو تسديد أو نقد أو تزكية، مستنيرين في ذلك بوحي الغاية السامية، وبقواعد منهاجهم القويم السليم.

وكان أجلّ تلك الحوادث، وأشدها خطرًا، وأعمقها أثرًا إعلان الحرب وامتداد لهيبها إلى مصر، ووقوف أوروبا معسكرين متناحرين يعمل كل منهما على إفناء الآخر وإبادته، حيث أخفقت وسائل التهدئة وسل الحسام بعد أن خرس الكلام.

لقد أعلنت الحكومة المصرية موقف مصر، وأيدها في ذلك البرلمان، وأيدها في ذلك الرأي العام، وأيدها الإخوان المسلمون أيضًا، ويمكن تلخيص هذا الموقف في كلمتين: "الحياد والاستعداد".

وهو موقف واضح مستنير لو استكمل شروط الصحة فإن هذا الحياد محال أن يكون حقيقيًّا والمعاهدة المصرية الإنجليزية تفرض علينا أن نقدم كل المساعدات الممكنة للقوات البريطانية، ونحن قد قمنا بذلك فعلاً، وجندت مصر تجنيدًا حقيقيًّا لمساعدة إنجلترا، فأعلنت الأحكام العرفية، وفرضت الرقابة على الصحف، واستخدمت السكك الحديدية والمطارات والموانئ والتليفونات والتلغرافات وكل طرق المواصلات، وقدمت طلبات السلطة العسكرية البريطانية في جميع الشئون على كل الطلبات، وحجزت المواد اللازمة للجيش وللأعمال الحربية مهما كانت الحاجة إليها شديدة، وأرسل الجيش المصري إلى الحدود وإلى السودان، وصارت مصر حقيقة لا خيالاً في حالة حرب مما جعل هذا الحياد لا قيمة له في الواقع.

كما أن الاستعداد لن يكون كاملاً وأمامه عقبات مادية وعقبات سياسية تجعل الوقت يمر دون أن نجهز أنفسنا بالقليل من المعدات العسكرية أو المدنية.

وإذن فرضا مصر بهذا الموقف الصوري العجيب ليس عن طواعية واختيار، ولكنه عن كراهية واضطرار، وليس هناك موقف أفضل منه ما دمنا مجبرين عليه، ونهيب بالحكومة المصرية جاهدين أن تعمل ما وسعها العمل على استكمال العدة، وتجهيز الشعب بوسائل الدفاع العسكرية والمدنية أخذًا بالحيطة واستعدادًا للطوارئ.

أما الموقف الذي ترضاه مصر وتهش له وتقتنع به فلا يخرج عن أحد أمرين: إما أن إنجلترا لا تثق بنا ولا تعتمد علينا ولا تعتبرنا حلفاء حقيقيين لها، وحينئذ يكون عليها أن تصارحنا بذلك، وأن تخلى أرضنا، وأن توفر علينا مساعداتنا، وأن تحلنا من قيود المعاهدة التي تنص على المحالفة وترتب عليها المساعدة، وذلك فرض مستبعد طبعًا.

وإما أنها تثق بنا وتعتبرنا حلفاء لها وتقدر حسن نيتنا وصدق معونتنا، وقد قدمنا البرهان على ذلك فعلاً، فمنذ نشبت الحرب إلى الآن والحكومة المصرية لا تدخر وسعًا في مشاركتها سراء الحرب وضراءها، فعليها حينئذ أن تطمئننا على مستقبلنا في هذه الحوادث وبعدها، فتعلن الآن بصفة رسمية المحافظة على استقلال مصر والسودان محافظة تامة، وأن بقاء القوات البريطانية في وادي النيل موقوت بالحرب، وتشمل هذا الإعلان بالمساعدة الفعلية لنا، فتسمح لنا بزيادة عدد جيشنا، وبتقوية سلاحنا، وبإعداد شعبنا. وحينئذ نتعاون تعاونًا صادقًا، ونحمل أعباء الحرب معًا، ونتقاسم الأعمال العسكرية والمدنية، فيحمل الجيش المصري عبء جهاد في السودان مثلا حتى يطهره من العدو المغير، وتحرس الجيوش البريطانية الحدود الغربية حتى تضع الحرب أوزارها.

هذا كلام صريح نعتقد أن من الخير أن يكون واضحًا، ولا يغنى مصر شيئًا أن تسمع ثناء الجرائد والمجلات الإنجليزية وعبارات المجاملة التي يُحيِّيها بها الساسة البريطانيون، ولا عبارات التقدير التي يشكرون بها المساعدة المصرية الجليلة، وإنما ينفعها الكلام الرسمي والعمل المنتج.

وإن مصر ستفي من جانبها بالتزاماتها التي سجلتها عليها المعاهدة؛ لأنها لا تملك إلا هذا، ولا تستطيع غيره ماديًّا وأدبيًّا، ولكن تمسك الحكومة البريطانية تمسكًا جامدًا بروح المعاهدة ونصها في وقت تفسر فيه هذه النصوص لمصلحة طرف واحد، وفى ظروف تعصف بالدول والشعوب والأموال والأرواح والأمم والحكومات والنظم والمعاهدات، فهو تمسك إن رضيه الفقه السياسي فلن يرضاه الشعب الأبي، ولقد جاهدت مصر في سبيل استقلالها، وستجاهد في سبيل ذلك إن أعوزها الجهاد. وهي ضنينة بهذا الاستقلال أن يسلب قبل أن يكتمل، ويزول قبل أن يتم، ولا تريد أن تكون في حمى غيرها، أو أن تظل تحت رحمة سواها مهما كلفها ذلك من التضحيات. وإذا كانت الحكومة البريطانية تسمع من الحكومة المصرية أو الساسة المصريين كلامًا غير هذا فإنما هي المجاملة الدبلوماسية.

أما نحن فنصور عواطف الشعب الحقيقية على صورتها الطبيعية، لا نبتغى من وراء ذلك إلا تعاونًا سليمًا على أساس سليم، بل إننا نريد أن ننتهز هذه الفرصة، فنتقدم مخلصين إلى الساسة الغربيين فنلفت أنظارهم إلى فرصة سانحة لعلها إن أفلتت منهم اليوم فلن تعود إلا بعد حين لا يعلم إلا الله مداه، وإن وفقوا إلى الانتفاع بها فهو الخير لهم وللعالم أجمع.

لقد ردد الساسة جميعا كلمة: "النظام الجديد".. فهتلر يريد أن يتقدم للناس بنظام جديد، وتشرشل يقول: إن إنجلترا المنتصرة ستحمل الناس على نظام جديد، وروزفلت يتنبأ ويشيد بهذا النظام الجديد، والجميع يشيرون إلى أن هذا النظام الجديد سينظم أوروبا ويعيد إليها الأمن والطمأنينة والسلام، فأين حظ الشرق والمسلمين من هذا النظام المنشود؟ نريد هنا أن نلفت أنظار الساسة الغربيين إلى أن الفكرة الاستعمارية إن كانت قد أفلست في الماضي مرة فهي في المستقبل أشد فشلاً لا محالة، وقد تنبهت المشاعر، وتيقظت حواس الشعوب، وأن سياسة القهر والضغط والجبروت لم تأت في الماضي إلا بعكس المقصود منها، وقد عجزت عن قيادة القلوب والشعوب، وهي في المستقبل أشد عجزًا. 

وإن سياسة الخداع والدهاء والمرونة السياسية إن هدأ بها الجو حينا فلا تلبث أن تهب العاصفة قوية عنيفة. وقد تكشفت هذه السياسة عن كثير من الأخطاء والمشكلات والمنازعات، وهي في المستقبل أضعف وأوهى من أن توصل إلى المقصود.

وإذن فلابد من سياسة جديدة، هي سياسة التعاون والتحالف الصادق البريء المبنى على التآخي والتقدير، وتبادل المنافع والمصالح المادية والأدبية بين أفراد الأسرة الإنسانية في الشرق والغرب، لا بين دول أوروبا فقط، بهذه السياسة وحدها يستقر النظام الجديد وينتشر في ظله الأمن والسلام.

وإذا تقرر هذا فما الذي يمنع بريطانيا من أن تتفق مع مصر على تحرير الشعوب الإسلامية، وتخليص سورية بأقسامها، وطرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش من قبضة الاستعمار، وعلى أن تتكون من هذه الشعوب دولة إسلامية مستقلة تحالف سواها من دول الإسلام، ويتعاون الجميع معها على إقرار السلام.

لقد ساعدت إنجلترا إيطاليا من قبل على تكوين وحدتها كما أشار إلى ذلك المستر تشرشل في خطابه إلى الأمة الإيطالية، فلم تحفظ إيطاليا لإنجلترا هذا الجميل.

ولقد خبرت إنجلترا الشعوب الإسلامية فلم تر فيها إلا الشهامة والوفاء والحرص على مبادئ الحق والخير، فلماذا لا تتقدم إليها بهذه اليد ولن تضيع؟

على أن قيام هذه الدولة الإسلامية هو خير ما يحفظ التوازن السياسي بين الدول الأوروبية، ويوجه الاستعمار وجهة إنسانية صالحة مؤسسة على تبادل المنافع، والتعاون على الخير، وإن هذه الأمم الإسلامية لتشعر جميعًا أقوى الشعور بأنها شعب واحد قد ألف بينه الجوار والدين واللغة والمصلحة، وكل مقومات الأمم المتحدة، وهى ناهضة متيقظة، وستصل إلى غايتها هذه من قريب أو من بعيد، وكل معارضة لحقوقها ونهوضها قد تؤجلها ولكنها لا تعطلها، ولأن تكون بريطانيا عاملاً من عوامل البناء خير لها بكثير من أن تكون في صف المتجاهلين للحقائق الغافلين عن عبر الحوادث وعظات التاريخ.

وإن حكم الجبروت والقهر قد فات، ولن تستطيع أوروبا بعد اليوم أن تحكم الشرق بالحديد والنار، وإن هذه النظريات السياسية البالية لن تتفق مع تطور الحوادث، ورقى الشعوب، ونهضة الأمم الإسلامية، ولا مع المبادئ والمشاعر التي ستطلع بها هذه الحرب الضروس على الناس، ولسنا وحدنا الذين نقول هذا، بل هم الساسة الأوروبيون أنفسهم، ونحن نضع هذه النظريات أمام أعين الساسة البريطانيين والساسة الفرنسيين وغيرهم من ساسة الدول الاستعمارية على أنها نصائح تنفعهم أكثر مما هي مطالب تنفعنا، فليأخذوا أو ليدعوا، وقد وطنا أنفسنا على أن نعيش أحرارًا عظماء، أو نموت أطهارًا كرماء.

ونحن لا نطمع في حق سوانا، ولا يستطيع أحد أن ينكر علينا حقنا. وإن خيًرا لكل أمة أن تعيش متعاونة مع غيرها من أن تعيش متنافسة مع سواها حينًا من الدهر، يندلع بعده لهيب الثورة في البلاد المغصوبة، وجحيم الحرب بين الدول المتنافسة.

هذا كلام قد يراه الناس من الإفراط في حسن الظن، ولعله إلى الخيال أقرب، ولعل من الناس من يرى أن من الكياسة ألا يقال في مثل هذه الظروف، ولكنى أعتقد أن المصارحة دائمًا هي أفضل طريق للوصول، ولا ندرى متى وكيف تتم هذه الحرب، ولأن ننبه أذهان قومنا وغيرنا إلى ما يجب أن يكون فنبرئ بذلك ذمتنا ونقدم نصيحتنا أولى بنا من أن نفوت الفرصة المواتية ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4].

وعلى هذه الأسس العادلة يظفر العالم بتعاون شريف وسلام طويل.

أما أغنية الديمقراطية والديكتاتورية فأنشودة نعتقد أن الحرب الحالية ستدخل عليها ألحانًا جديدة، وأنغاما جديدة، ولن يكون في الدنيا بعد هذه المحنة ديمقراطية كالتي عهدها الناس، ولا ديكتاتورية كهذه الديكتاتورية التي عرفوها. ولن تكون هناك فاشية ولا شيوعية على غرار هذه الأوضاع المألوفة، ولكن سيكون هناك نظم في الحكم، وأساليب في الاجتماع تبتدعها الحرب ابتداعًا، ويخترعها الساسة اختراعا، ثم يضعونها موضع التجربة من جديد. وتلك سنة الله، ونظام المجتمع.

وما أجلّ أن يهتدى هؤلاء الساسة يومئذ بنور الله، ويكشفوا عن قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم غشاوة التعصب الممقوت، ويتخذوا الإسلام الحنيف الذي أخذ من كل شيء أحسنه أساسًا لنظمهم السياسية والمدنية والاجتماعية، فتتحقق الوحدة الإنسانية الروحية التي طال عليها الأمد، والتي لا يحققها إلا سماحة الإسلام وهدى الإسلام ﴿يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16].

خاتمة: وبعد -أيها الإخوان- هذه نظرات سيضحك لها كثير من الناس حين يستمعون إليها، وأولئك هم الذين يئسوا من أنفسهم، وغفلوا عن تأييد الله لعباده المؤمنين، وجهلوا أن هذا الذي تجهرون به اليوم ليس شيئًا جديدًا، ولكنه دعوة الإسلام التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهد في سبيلها، وعمل لها أصحابه من بعده، والتي يجب على كل مسلم يؤمن بالله ورسوله وكتابه أن يعمل لها كما عملوا، ويجاهد في سبيلها كما جاهدوا.

أما أنتم أيها الإخوان فتؤمنون بذلك كله، وتعتقدون أن الله غالب على أمره، وأن معكم على ذلك البرهان العلمي، والتطور التاريخي، والوضع الجغرافي، والتأييد الرباني، وتجدون البشرى في قول رب العالمين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[القصص: 5]، واعلموا أن الله معكم، ولا أطيل عليكم في بيان واجبكم فإنكم لتعلمونه، فآمنوا وأخلصوا واعملوا وانتظروا ساعة الفوز وترقبوا وقت الانتصار، و ﴿للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾[الروم: 4-5].

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

قرارات المؤتمر

وقد أقر المؤتمرون ما يأتي:

1-       الموافقة على اقتراحات الشعب المتقدمة، وتفويض المكتب في اتخاذ ما يراه موصلاً إلى تحقيقها.

2-       تأييد مكتب الإرشاد العام تأييدًا تامًّا في خطواته الموفقة في سياسة الدعوة العامة.

3-       تأييد مكتب الإرشاد العام فيما قام ويقوم به من مطالبة الحكومة المصرية:

(أ) بمضاعفة الاستعداد العسكري والمدني وتقوية وسائل الدفاع على اختلاف أنواعها احتياطًا للطوارئ، واستعدادًا للمستقبل، ونزولاً على حكم الإسلام.

(ب) وبمطالبة الحكومة البريطانية بالتعهد الصريح بلسان رئيسها المستر تشرشل بالمحافظة على استقلال وادي النيل التام، وعدم التدخل في شئون الحكومة المصرية، وبأن يكون بقاء الجنود البريطانيين في أرض مصر موقوتًا بالضرورات الحربية، فينتهى بانتهاء هذه الحرب بدون نظر إلى المدة التي حددتها المعاهدة.

(ج) وباستخدام هذه الظروف التي أوجدتها الحرب لفائدة مصر، وذلك بإحلال المصريين محل الأجانب في الأماكن التي خلت بسفرهم في كل مؤسسة اقتصادية وطنية أو أجنبية.

وإلغاء المحاكم المختلطة التي لم يعد لوجودها محل في هذه الأوقات.

وبالاستيلاء على إدارة الشركات الأجنبية، وإنهاء امتيازاتها، وإلغاء عقودها.

وبمحاربة المنكرات الفاشية من: خمر وبغاء وقمار وسباق ومراقص ومسارح خليعة ماجنة وأندية فاجرة بالحزم والجد الذي يتناسب مع سلطة الحاكم العسكري.

(د) وبأن تحل محل مجلس إدارة شركة قناة السويس الذي أصبح أداة معطلة بعد احتلال فرنسا، وأن تمهد بذلك لإنهاء امتيازها حتى تصبح شركة مصرية بحتة.

(ﻫ) وبعلاج المشاكل الاقتصادية التي أوجدها الإهمال، وضاعفتها ظروف الحرب بسرعة وحزم؛ حتى يرتفع مستوى المعيشة، وتتوفر ضرورات الحياة للفلاح والعامل وغيرهما ممن يستهدفون لخطر الجوع والمرض والفقر.

(و) بأن تتخذ تعاليم الإسلام أساسًا للنظم المدنية والاجتماعية لشعب يعتز بدينه ولا يرضى بغير تعاليمه بديلاً.

مع تفويض المكتب في اتخاذ الوسائل التي تكفل تحقيق هذه الأغراض.

(4) تأييد مكتب الإرشاد العام في إقراره استخدام الوسيلة الثالثة من وسائل الإخوان المسلمين، وهي ترشيح الأكفاء من الإخوان، وتقديمهم للهيئات النيابية على اختلاف درجاتها، على أساس خدمة المنهاج الإسلامي القويم، والمطالبة بنظام الحكم الإسلامي كلما وجد الظرف المناسب لذلك.

(5) العمل على نشر فكرة الإخوان في كل مكان ووسط لم تصل إليه بعد، والاجتهاد التام في تقوية التشكيلات الإخوانية المنظمة من الفرق والكتائب، وإعدادها روحيًّا وثقافيًّا وعمليًّا في كل شعبة.

(6) العناية بتنشيط ناحية الخدمة الاجتماعية في الشعب الإخوانية، وخصوصا في النواحي الآتية:

(أ) محاربة الكيوف التي تفتك بكثير من أبناء مصر كالشاي الأسود ونحوه.

(ب) تعليم الأميين القراءة والكتابة، وتنشيط أقسام الوعظ ودروس الأحكام الإسلامية، واتخاذ السيرة النبوية المطهرة وسيرة الخلفاء دعامة للتثقيف العام في شعب الإخوان، والعناية بالقرآن الكريم حفظًا وتحفيظًا وتفهيمًا ودراسة.

(ج) تقديم الإرشادات الخلقية والصحية والاجتماعية والفنية متى وجد الفنيون الاختصاصيون في الشعبة إلى كل من يمكن تقديمها إليه من أفراد الشعب.

(د) إنفاذ المشروع الطبي بنشاط، وسيقوم المكتب بواجبه في ذلك بالاتصال بحضرات أطباء الأقاليم، وإرسال أعضاء القسم الصحي به إلى الشعب.

(ﻫ) تأليف لجنة في كل شعبة للاتصال بالموظفين والأعيان الذين يجهرون بالمنكر، وإرشادهم إلى واجبهم باعتبارهم نماذج ينظر إليها غيرهم ممن هم أقل منهم.

(و) تنشيط الفرق الرياضية المتصلة بالإخوان كلما وجدت الظروف لذلك، ووصلها دائمًا باللجنة الرياضية العامة بالمكتب مع ملاحظة نصوص اللائحة الخاصة بذلك.

(ز) مقاومة التبرج والاختلاط بين الجنسين في دور التعليم، وفى المجتمعات العامة، وتنبيه الأذهان إلى ما في ذلك من خطر شديد، ومن خروج على تعاليم الإسلام، ومن إفساد المجتمع، على أن تكون بيوت الإخوان مظاهر كاملة للأدب الإسلامي في هذه الناحية.

(7) إقرار العريضة التي يتقدم بها المكتب إلى جلالة مليك البلاد بتعديل المعاهدة الإنجليزية، وبطلب اتخاذ الشريعة الإسلامية أساسًا للتشريع والحكم في مصر، مع رجاء دعوة أمراء المسلمين وملوكهم إلى النظر المشترك فيما يجب أن يكون عليه موقف الأمم الإسلامية في هذه الظروف، وما يجب أن تقوم به مجتمعة لإعادة وحدتها واستكمال حريتها.

والله أكبر ولله الحمد

القاهرة في 20 من ذي الحجة 1359ﻫـ

 

المقال التالي رسالة المؤتمر الخامس
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية