مفهوم التفسير عند الإمام البنا مع تفسير الفاتحة والآيات الأولى للبقرة

إعداد موقع الإمام حسن البنا

لم يفسر الإمام البنا القرآن كاملا لكنها كان يختار بعض الآيات ليفسرها ويستخرج منها العبر والعظات والمواقف العملية وترجمتها لواقع عملي يقتدي به الناس.

ولذا نجد تفسيره في مجلة الإخوان المسلمين يختلف عنه في مجلة الشهاب يختلف عن مفهوم مقاصد القرآن الكريم الذي فسره به من خلال مجلة الاعتصام.


التفسير وعلوم القرآن

"لا بد لمثل هذه المجلة أن تتناول تفسير القرآن الكريم وعلومه كأول مصدر من مصادر الإسلام الحنيف وأقدمها وأهمها، ولقد فكرت طويلا فى المدخل الذى ألج منه هذا الميدان الفسيح المتشعب النواحي، وخطر لى أن أتناول تفسير المنار فأبدأ من حيث انتهى صاحبه السيد رشيد رضا رحمه الله، وخصوصًا وقد بدأت بذلك فعلا حين أسند تحرير المنار وإصدارها إلى الإخوان المسلمين خلال سنة 1940 الميلادية، فكتبت فى تفسير صدر سورة "الرعد" وعطلت المجلة بعد صدور ستة أعداد كانت تمام المجلد الخامس والثلاثين. 

ولكن رأيت أن ذلك ليس من حقي الآن، وعلمت أن بعض حضرات أصحاب الفضيلة من علمائنا الأجلاء على هذا العزم الطيب وهم بحمد الله أقدر على تمامه للفسحة فى الوقت والتمكن من الأمر أكثر مما أجد ذلك من نفسى، فعدلت عن ذلك إلى الكتابة فى التفسير على نهج كنت جريت عليه من قبل فى بعض دروسي ومحاضراتي للإخوان المسلمين، وذلك بأن أتناول المقاصد العامة فى القرآن الكريم بحسب ما يلهمني الله إياه من نَهَم وتدبر وفقه، وذلك ابتداء من فاتحة الكتاب الكريم إلى خاتمته إن شاء الله، فأكون بذلك قد جمعت بين الحرص على الترتيب والإفادة من حيث وحدة الموضوع بقدر الإمكان، وإذا أعان الله على هذا العمل وباركه فسيكون عنوانه إن شاء الله "مقاصد القرآن الكريم". 

ورأيت من قبل البدء فى ذلك أن أمهد له فى هذا المقال بهذه المقدمات حول علم التفسير ونشأته وتطوراته، وآراء الناس فيه.

مقدمات:

القرآن الكريم:

"كتاب الله -تبارك وتعالى- فيه نبأُ مَنْ قَبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الْهُدَى فى غيره أضله الله. هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكرُ الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تَزِيغُ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَمله الأتقياء، ولا يَخْلقُ على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الذى لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا. من عَلِمَ عِلمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عَمِلَ به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِىَ إلى صراط مستقيم". الترمذي عن على رضى الله عنه مرفوعًا.

ذلك هو القرآن الكريم، وقد أنزله الله على نبيه  صلى الله عليه وسلم ليتلوه المؤمنون فتنشرح بهذه التلاوة صدورهم، وتستنير أفئدتهم وقلوبهم، وينالوا به مثوبة الله يوم القيامة. وما تقرب أحد إلى الله -تبارك وتعالى- بمثل كلامه، ثم ليكون بعد ذلك دستور حياتهم، ونظام مجتمعهم، يرسم لهم طرائق الحياة السعيدة فى هذه الحياة الدنيا، وطرائق الفوز والنجاة فى العقبى

} مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] ،} وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124].

فليس المقصود من القرآن مجرد التلاوة، أو التماس البركة -وهو مبارك حقًّا- ولكن بركته الكبرى فى تدبره وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها فى الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك أو اكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل فإنه يخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يرويه البخاري عن حذيفة رضى الله عنه: "يا معشرَ القُرَّاء، استقيموا؛ فقد سَبَقْتُم سَبْقًا بعيدًا، وإنْ أخذتم يمينًا وشِمَالا لقد ضَلَلْتُمْ ضَلالا بعِيدًا".

الحاجة إلى التفسير:

ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى التفسير المفهم الذي تتضح به المعاني والمقاصد بحسب مدارك البشر وما تتسع له عقولهم، وإن كان القرآن فى الحقيقة قد يسره الله للناس تيسيرًا عجيبًا }وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر: 17]، }فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا [مريم: 97]، }فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الدخان: 58].

ولكنه بعد تبلبل الألسنة، وفشو اللحن، وانتشار العامية والبعد عن الفصحى، صار الناس فى حاجة إلى تفسير الألفاظ والتراكيب التى قد يغيب معناها عن أذهانهم، أو يخفى مدلولها عن إدراكهم، هذا مع أن القرآن الكريم هو دستور الدين والدنيا، وقد ضمنه الله من علومهما وما يتصل بهما من المعارف ما تتفاوت فى إدراكه عقول الناس، وما لا يزال الزمن والبحث يكشف عن درره وجواهره، ويبين عن غرائب وعجائبه }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53]. وسئل على -كرم الله وجهه-: هل خصكم رسول الله  صلى الله عليه وسلم بشيء أهل البيت؟ قال: لا، إلا فهمًا أوتيه رجل فى كتاب الله، وما فى هذه الصحيفة. وعرض عليهم صحيفة فيها بعض الأحكام.

ومن هنا نشأ علم التفسير بسيطًا، ثم ما زال الناس يتوسعون فى شأنه حتى ورثنا مجموعة ضخمة من التفاسير كان بعضها هداية ونورًا، وكان بعضها موسوعات علمية فيها كل شىء إلا تفسير القرآن.

عناية السلف به:

وكان السلف -رضوان الله عليهم- يهتمون بتعرف مقاصد القرآن الكريم، ويرون الفضل لمن علم شيئًا من تفسيره؛ فعن على رضى الله عنه أنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداءك! تصف جابرًا بالعلم وأنت أنت! فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: }إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: 85] وقال مجاهد: أحب الخلق عند الله تعالى أعلمهم بما أنزل. وقال الحسن: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعنى بها. وقال الشعبي: رحل مسروق إلى البصرة فى تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها. وقال عكرمة فى قوله عز وجل: }وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ [النساء: 100] طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته.

وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب. وقال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يمنعني إلا مهابته، فسألته فقال: هى حفصة وعائشة. وقال إياس بن معاوية: "مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما فى الكتاب. ومثل الذى يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما فى الكتاب".

التفسير بالرأي:

ومع هذا التعظيم لقدر التفسير والمفسرين الذين يعلمون فيمَ أنزلت الآيات وماذا أريد بها، فإن السلف -رضوان الله عليهم- كانوا يتحرون دائمًا فى التفسير ألا تتحكم فيما يفهمون من الآيات أغراض خاصة أو أهواء شخصية أو ظروف طارئة، ولكنهم كانوا يجردون أنفسهم من كل ذلك؛ حتى يكون القرآن أميرًا على تصرفاتهم، ويكون هواهم تبعًا لما جاء به رسولهم صلى الله عليه وسلم، وهو صريح الإيمان. ومن هنا كان الكثير منهم يتحرج من التفسير ويخاف أن يقول فى القرآن برأيه.

قال ابن عطية: "وكان جُلَّة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعًا واحتياطًا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم". قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن، فبعضٌ يقدِّر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله -عز وجل- فيحجم عن القول، وبعضٌ يشفق من أن يجعل فى التفسير إمامًا يبنى على مذهبه ويقتفى طريقه، فلعل متأخرًا أن يفسر حرفًا برأيه ويخطئ فيه، ويقول: إمامي فى تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف.

وعن ابن أبى مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى تفسير حرف من القرآن فقال: أى سماء تظلني، وأي أرض تقلني، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلت فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله تبارك وتعالى؟!".

وروى الترمذي وأبو داود من حديث جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ".

والمراد بالقول بالرأي هنا أن يقول بغير علم خجلا أو تورطًا أو هروبًا من الوصف بالجهل، أو أن يتحكم الهوى وتتغلب الأغراض فتجور بصاحبها عن نهج الصواب، وتعدل به عن طريق الحق، فلو أصاب أحدهم مع هذه النية فقد أخطأ وأثم. ولا شك أن الذين يجتهدون فى تحرى الحق متجردين له من أهوائهم فهم مثابرون، إن أخطأوا فلهم أجر، وإن أصابوا فلهم أجران إن شاء الله، وبهذا يجمع بين رغبة السلف فى التفسير وتعظيمهم لقدر المفسرين، وبين خوفهم من القول فى القرآن بالرأي وما ورد من النهى عن ذلك.

تأثر أسلوب التفسير بالثقافات والعصور المختلفة:

ولا شك أن أسلوب التفسير قد تأثر بالتطورات الاجتماعية والثقافية فى العصور الإسلامية المختلفة؛ فبدأ أول ما بدأ هيِّنًا يسيرًا ساذجًا، يتناول بعض الآيات وبعض الألفاظ والوقائع، لاستغناء الناس عن ذلك بسليقتهم العربية وذوقهم اللساني الذي ما زال متمكنًا منهم وما زالوا مقيمين عليه، واكتفاء بالسنة العملية التى شاهدوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أصحابه والتابعين لهم بإحسان.

وجاء عصر التدوين والقصص، فكتبت فى التفسير رسائل لا تعدو أن تكون روايات منقولة وأقاصيص، منها ما هو صحيح يتصل بأسباب النزول ووقائع الأحكام، ومنها ما هو منقول عن أهل الكتاب فيه الغث وفيه السمين. وعرف بذلك مفسرون، ووضعت كتب على هذا الأسلوب الذي يعرف بأسلوب الرواية أو التفسير "التفسير بالمأثور" لا شك أن من أعظمها وأجلها وأبقاها وأنفعها وأغزرها مادة تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ، واسمه "جامع البيان فى تفسير القرآن".

وجاء عصر الترجمة والفلسفة، والاتصال بعلوم الفرس واليونان، ووقع الخلاف بين فلاسفة الإسلام وعلمائه فى كثير من الشئون العقدية والفروع الفقهية وما إلى ذلك، فنحت كتب التفسير نحو هذا الأسلوب، من حيث تضمنها لكثير من النظرات الفلسفية، والاستدلال بالآيات على الآراء والمذاهب العقدية المختلفة؛ بل إن كثيرًا من المفسرين كان يجتهد أن يستنبط من الآية ما يوافق مذهبه فى الفروع، وذلك أمر طبيعي. وكثير من كتب التفسير إنما كان الدافع إليه مجرد الرد على بعض الكتب السابقة، ويرى ذلك واضحًا فى تفسير الفخر الرازي المتوفى سنة 606هـ، والمسمى "مفاتيح الغيب"، وفى تفسير الزمخشري المتوفى سنة 538هـ، وهو المسمى بـ(الكشاف)، وأضرابهما، ويطلق بعض الباحثين على هذا الأسلوب "التفسير بالمعقول".

وكثيرًا ما تناول بعض اللغويين تفسير القرآن الكريم فصرفوا وجهتهم إلى النكات البلاغية والتوجيهات اللغوية، والاستعمالات النحوية، وهكذا، كما ترى ذلك فى تفسير الزجاج والواحدي وأبى حيان الأندلسي، وما زال بين أيدينا كتاب المفردات للراغب الأصفهاني من رجال القرن السادس الهجري.

واتجهت وجهة كثير من المفسرين العصريين إلى مسايرة النهضة العلمية، وبيان ما تناوله القرآن وأشار إليه من أصول العلوم الكونية ونواميسها ومظاهرها، كما فعل ذلك الأستاذ الشيخ الطنطاوي جوهري فى تفسيره (الجواهر)، كما اتجهت وجهة آخرين إلى بيان السنن الاجتماعية، وأساليب الهداية النفسية، وأسباب التطورات التاريخية، واستنباط ذلك من آيات القرآن الكريم؛ ليكون حافزًا للمسلمين إلى استعادة مجدهم بالقرآن، وربط حياتهم الاجتماعية بتعاليمه وشرائعه، كما فعل ذلك الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، واقتفى أثره وارثه وتلميذه السيد محمد رشيد رضا رحمهما الله فى تفسير (المنار).

وهكذا نجد أن أسلوب التفسير يتجدد مع كل مفسر ومع كل عصر بحسبه، وذلك أمر طبيعي كما قدمنا، فإنما يصور المفسرون بالتفسير ما فهموا من كتاب الله، وأداة فهمهم عقولهم، ومادة علمهم بيئتهم ومعارف عصرهم، فكان لزامًا أن يظهر ذلك كله جليًّا فى نفثات أقلامهم، ومعرض آرائهم.

ولا نريد أن نتناول هنا جميع كتب التفسير بالوصف والتحليل؛ فذلك ما لا نقصد إليه، ولا هو من مواد هذا البحث، وحسبنا ما ذكر على سبيل المثال.

مزالق المفسرين:

وهذا التأثر فى أسلوب التفسير بثقافات المفسرين وعصورهم كثيرًا ما يجر بعضهم إلى مزالق الخطأ، وينحرف بهم عن جادة الصواب فى الفهم أو فى التعبير؛ وبخاصة إذا لم يكونوا قد تمرسوا بالدراسات الشرعية واللغوية والدينية والأدبية التى تعين على صحة الفهم، وإدراك المقصد، ووضوح العبارة؛ ولهذا رأينا المستشرقين أفحش خطأ من غيرهم كلما تناولوا الحديث عن القرآن؛ لضعف مادتهم اللغوية وبعدهم عن التمكن من الدراسات الإسلامية الصحيحة. وهذا فى المخلصين للبحث الحر منهم، فما بالك بالمغرضين؟! ثم يتلوهم الباحثون الذين لم يأخذوا بحظ وافر من هذه الدراسات.

وكثيرًا ما يكون مظهر الخطأ الفاحش صياغة العبارة وقصورها عن الوفاء بالمراد، بحيث لو صيغ هذا المعنى فى عبارة أدق وأحكم لكان أدل على غرض الكاتب وأوفى بمقصده، مع تمشيه مع الأدب اللازم فى معالجة مثل هذا البحوث، ومسايرته للحق والمنطق والصواب. ولعل من المفيد أن نلم إلمامة وجيزة ببعض هذه المزالق فى أساليب الكاتبين عن مقاصد القرآن المختلفة، لعل فيها تحذيرًا وتبصرة، فهناك: 

أ- فى القصص والمعجزات:

يتناول القرآن الكريم قصص الأنبياء والمرسلين ويذكر طرفًا من معجزاتهم، ومن المقرر أنه ليس الغرض من ذلك استقراء الوقائع ولا تحديد الأزمان ولا تناول الظروف والملابسات، ولا تسجيل مجرد الحوادث والأشخاص، ولا البحث التاريخي الاصطلاحي الفني، وإنما الغرض من ذلك الهداية والعظة والعِبرة، وتقرير قواعد هذه الهداية فى النفوس بذكر هذه القصص وعرض وقائعها أمام السامعين والقارئين. والقرآن الكريم يصرح بهذا فى وضوح فيقول: }لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِى الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُّفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ [يوسف: 111].

ومن المقطوع به كذلك عند كل مسلم أن كل ما ذكره القرآن فى هذه الناحية حق لا شك فيه، وأن علم التاريخ الاصطلاحي لا يمكن أن يأتى بحقيقة تخالف ما جاء فى قصة من القصص التى ذكرها القرآن الكريم. نعم إنه قد يعجز عن أن يصل بوسائله الفنية المجردة إلى بعض ما ذكره القرآن الكريم، فيكون ما ذكره القرآن الكريم زائدًا عن علم التاريخ المجرد، وقد يعجز التاريخ المجرد عن أن يجد الدليل بأسلوبه الخاص على ما ورد فى القرآن الكريم، ولكن يجب أن يلاحظ أن عجز علم التاريخ عن المعرفة أو الاستدلال ليس معناه عدم صحة ما جاء فى القرآن، فليس انتفاء العلم بالشيء دليلا على عدم وجوده.

وهنا المزلق؛ فالمؤرخون قسمان: قسم لا يؤمن بالقرآن الكريم ولا يتخذ وحيه دينًا، وهذا يقول: إن القرآن لا يصح أن يكون عنده كتابًا تاريخيًّا يعتمد عليه فى بحوثه الفنية المجردة عن أى اعتبار آخر، وهو معذور فى هذا القول، ولا ينتظر منه غيره؛ لأنه لم يلتزم التصديق والإيمان بالقرآن من قبل. وقسم آمن بالقرآن وقام عنده الدليل على صدقه، وعليه حينئذ واجبان: أولهما أن يكون أصدق الأدلة التاريخية عنده وأثبتها ما جاء فى هذا القرآن عن الأمم والعصور التى أرَّخ لها أو تناولتها آياته، وثانيهما أن يرد عنه تكذيب الصنف الأول إن حاولوا ذلك أو أرادوه، وأن يقيم لهم الدليل على خطئهم بالأسلوب التاريخي الفني، ولن يعجزه ذلك متى أراده.

ولكن بعض الباحثين من هذا القسم يحلو له أن يتشبه بأولئك، فيجرد من شخصيته المؤمنة بالقرآن شخصية أخرى يدعى أنها تاريخية بحتة لا تهتم بأي اعتبار آخر، ثم يمضي فى بحثه متقمصًا هذه الشخصية الجديدة، وينسى تمامًا شخصيته الأولى فيزل ويهوى، ولو عاد فذكر شخصيته المؤمنة، وعقَّب على بحثه المجرد بما يفيد إيمانه بصدق هذا التاريخ القرآني، ثم ناضل عن ذلك ودعمه بالأسلوب العلمي لقام ذلك عذرًا له أمام إيمانه أولا وأمام الناس بعد ذلك، ولاستحق الشكر والثناء.

زلَّ الدكتور طه حسين بك فى هذا المزلق حين انتحل من قبل ما قاله أحد المستشرقين: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللإنجيل أن يحدثنا عنهما، وللقرآن أن يفعل ذلك، ولكن هذا لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي". وثار الناس عليه وهم محقون، ولو قال بعد ذلك: "ولكنى كمؤمن بالقرآن الكريم أثبت وجودهما التاريخي بهذا الدليل. 

وإذا كان البحث التاريخي المجرد بأدلته الفنية الخاصة لم يصل إلى إثبات شىء عن إبراهيم وإسماعيل؛ فذلك لقصور قد يكشفه الزمن، وقد نصل فى المستقبل إلى ما عجزنا عنه الآن كما يحدث ذلك دائمًا، وأخيلة الأمس حقائق اليوم، وأخيلة اليوم حقائق الغد. 

وحسب الكتب السماوية أن تضع أيدينا على طرف الحبل وعلينا بعد ذلك تمام البحث، ومن أنكر ذلك من المستشرقين فهو متجنٍّ على العلم! فليس توقف العقل عن حكم دليلا على الاستحالة" لكان محققًا وكان محقًّا وكان جامعًا بين تحليل العالم العصري واعتقاد المؤمن القوى، ولما ثار الناس به وثار هو كذلك بالناس.

وهذا الكاتب الجديد صاحب رسالة (القصص الفني فى القرآن) التى لم تظهر للناس بعد وإنما ظهر منها طرف تناولته الصحف نحا هذا النحو، ولكن فى واد أدبى متصل بالتاريخ، فهو يريد أن يقول: إن رعاية الناحية الفنية عند الأديب المجرد لا تستلزم صدق الرواية ولا صحة الواقعة وهذا حق؛ بل إنه كثيرًا ما يتجلى فن الأديب فى المبتكر من الحوادث والمتخيل من الروايات أكثر ما يتجلى فى رواية الوقائع الصادقة الحقة، بصرف النظر عما يقوله المربون وعلماء النفس فى خطر هذا الأسلوب على التكوين الفكري والنفساني للأشخاص، ثم هو يريد بعد هذا أن يجرد من نفسه أديبًا بعيدًا عن كل اعتبار آخر، ويجرد من القرآن كتابَ أدب بعيدًا عن كل اعتبار آخر كذلك، وينظر فيه على هذا الأسلوب بصرف النظر عن صدق هذه القصص ومطابقتها للواقع والتاريخ أو مخالفتها لذلك كله. ولو قال: إنه يتخذ هذا البحث وسيلة إلى إثبات سمو الناحية الفنية فى كتاب الله وعمقها، وإنه كمؤمن بالقرآن الكريم يصدق بأن هذه الوقائع جميعًا لا بد أن تكون حقائق تاريخية، وذلك مما يزيد فى روعة التصوير ودقة الفن، ولا عجب فهو صنع الله الذى أتقن كل شىء. لو قال هذا لاستراح وأراح، ونفى عن نفسه وعن الذين يقرءون له لوثات الزيغ والضلال، وقل مثل ذلك فى مثل هذه المناحى جميعًا.

هذا من حيث التاريخ والأدب مع القصص القرآني والحوادث التاريخية فيه، أما المعجزات والقصص الغريبة التى لم تأتِ على حسب مألوف الناس، ووفق ما يعرفون من النواميس العادية؛ كقصة أهل الكهف، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فذلك بحث آخر سنفرده بالكلام فى أول مناسباته -إن شاء الله- وإنما نقصد إلى التنبيه لمثل هذا المزلق، وللاستقراء بعد ذلك موضعه بتوفيق الله.

ب- فى العلوم الكونية:

من المقرر أن القرآن الكريم لم ينزل ليكون كتاب هيئة أو طب أو فلك أو زراعة أو صناعة، ولكنه كتاب هداية وإرشاد، وتوجيه اجتماعي إلى أمهات المناهج الاجتماعية التى إذا سلكها الناس سعدوا فى دنياهم وفازوا فى آخرتهم. وهو إنما يعرض للعلوم الكونية، ولمظاهر الوجود المادية الطبيعية بالقدر الذى يعين على الإيمان بعظمة الخالق جل وعلا، ويكشف عن بديع صنعه، وعما أودع فى هذا الكون من المنافع والفوائد لبنى الإنسان؛ حتى ييسر لهم بذلك طرائق الاهتداء إلى الاستفادة من هذه الخيرات فى الأرض وفى السماء وفيما بين ذلك، ثم ترك بعد ذلك للعقل الإنساني أن يجاهد ويكافح فى سبيل الكشف عن مساتير هذا الوجود والاستفادة مما فيه من قوى ومنافع، وحثه على ذلك وجعل هذا من أفضل العبادة وأعلى أنواع ذكر الله }قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس: 101]، }إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِى الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 190-191].

ولقد ذهب كثير من المؤلفين والمفسرين فى القديم والحديث إلى أن القرآن الكريم قد تضمن كل أصول العلوم الكونية، وحاولوا أن يصلوا إلى ذلك بتطبيق آيات الخلق والتكوين وما إليها على ما عرف الناس من هذه العلوم؛ ومن هؤلاء الإمام الغزالي قديمًا فى جواهر القرآن، والشيخ طنطاوي جوهري حديثًا فى تفسيره الجواهر، والدكتور عبد العزيز إسماعيل فى كتابه عن القرآن والطب، وأمثالهما، وهو جهد مشكور ولا شك، ولكنه تكليف بما لم يكلفنا الله به قد يصل فى كثير من الأحيان إلى التكلف، وخروج بالقرآن عما نزل له من الهداية والإصلاح الاجتماعي وتقرير قواعدهما فى النفوس والمجتمعات، وتعريض لمعاني كتاب الله -تبارك وتعالى- لاختلاف الآراء، وتضارب المقررات العلمية، واختلاف أقوال العلماء. ولهذا كره بعض السلف هذا المعنى وأشار إليه، كما فعل ذلك الشاطبي فى الجزء الثاني من (الموافقات)، وناقشه مناقشة دقيقة خلص منها إلى: "أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء من هذه العلوم وإن كان قد تضمن علومًا هى من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودهما مما يتعجب منه أولو الألباب ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه، والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا".

ومن المقرر كذلك أن القرآن قد تعرض لكثير من مظاهر الوجود الكونية، فتناول خلق الإنسان، وتكوين الأرض والسماء، وجريان الشمس والقمر، وتسخير الكواكب والنجوم والأفلاك، وتراكم السحاب ونزول المطر، وظاهرة الرعد والبرق، ونمو النبات وتنوع أصنافه، وعجائب البحار، وأعلام الطريق والجبال الرواسي على هذه الأرض، وأطوار الأجنة فى بطون أمهاتها، إلى غير ذلك مما يتناوله علماء الكون بالتمحيص والبيان، وما هو موضوع بحوثهم ومحل عنايتهم وتجاربهم.

وكثيرًا ما تختم هذه الآيات بالبحث عن التعقل والتفكر والنظر والتدبر، إشارة إلى أن القرآن الكريم لم يقصد بهذا التعرض تقرير أصول هذه العلوم، أو تناول فروعها، ولكنه إنما قصد إلى الهداية، وتوجيه الأنظار والنفوس إلى ما تدل عليه من عظمة الخالق وفائدة المخلوق.

ولكن الذى لا يمكن أن يكون محل نزاع هو أن القرآن حين أشار إلى هذه النواميس الكونية، والمظاهر الوجودية المادية، كان من دقة التعبير وصدق التصوير بحيث لا يمكن أبدًا أن يصطدم بما يكشف العقل الإنساني عنه فى أطواره المختلفة من حقائق هذه العلوم ومقرراتها، وخصوصًا إذا لاحظنا أن هذه المقررات العلمية تنقسم إلى قسمين: قسم تظاهرت عليه الأدلة وتوافرت الحجج حتى كاد يلحق بالبديهيات، وقسم لا زال فى طور البحث العلمي، وكل الذى بين يدى العلماء الكونيين منه فروض تؤيدها بعض القرائن التى لم تَرْقَ إلى مرتبة الأدلة القاطعة أو الحجج المقنعة، فما كان من القسم الأول فلا شك أن ما أشار إليه القرآن الكريم منه يوافق كل الموافقة ويطابق كل المطابقة ما عرفه العلماء الكونيون، حتى إنه من الحق أن يقال: إن ذلك من إعجاز هذا الكتاب الذى جاء به أمي لم يتعلم فى مدرسة ولم يلتحق بجامعة من الجامعات! ومن أمثلة ذلك إشاراته إلى أطوار الجنين وتلقيح الرياح، وتكون السحاب وصلته بالرياح.. إلخ. 

وما كان من القسم الثاني فمن التجني وظلم الحقيقة أن يوازن بينه وبين ما جاء فى القرآن الكريم، فلننتظر حتى يطمئن العلم الكوني إلى ما بين يديه، ويؤمن العقل الإنساني بما وصل إليه، ثم ننظر على ضوء هذا الإيمان إلى النص القرآني، ولن نجدهما إلا متعاونين على تثبيت دعائم الحقيقة }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53].

ومن هذا القبيل ما يتصل بنشأة الإنسان وحقيقة الحياة وبدء التكوين، وصلة الأرض بالسماء على أنه من عجيب أمر هذا القرآن أنه حتى فى مثل هذه المواطن يسوق التعبير سوقًا عجيبًا معجزًا فى مرونة عبارته ودقة إشارته، حتى إنه ليساير بحق تطور العقل الإنساني فى كل زمان ومكان، وتأمل تصويره لنهاية العالم المادي ووصفه للقيامة وآثارها فيه تَرَ أنه أتى فى ذلك بالعجب العجاب!

وهنا المزلق: فإن كثيرًا من الكاتبين فى هذه المعاني والناظرين إليها يكتبون وينظرون وقد آمنوا إيمانًا لا شك فيه بصحة هذه الفروض العلمية، واعتبروها حقائق بديهية مقررة لا نقض فيها ولا إبرام، وهم مع هذا الخطأ لا يكلفون أنفسهم دقة النظر فى نصوص القرآن ولطف التركيب فى عباراته وسر الوضع فى ألفاظه، فيتورطون فى الحيرة أحيانًا وفى التكذيب أحيانًا أخرى، فما دام دارون عندهم قد قرر أن الإنسان لا بد أن يكون مشتقًا من حيوان آخر فليس للقرآن أن يقول: إنه من طين أو من صلصال كالفخار؛ حتى لا يصطدم بالكشوف العلمية، وفاتهم أنهم لم يحيطوا بما قال دارون، ولم يطالعوا ما كتب خصوم نظريته فى هدمها وإبطالها، وبخاصة فى هذه الناحية بالذات وما ذكره بعض العلماء من نظريات تعاكسها تمامًا.

كما فاتهم سر تركيب القرآن فى قوله: }الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ [السجدة: 7-9]، وفى قوله: }مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح: 13-14]. 

والحق والإنصاف أن يسلموا بصدق هذه الآيات الكريمة تمام الصدق، وأن ينتظروا ما ينتهى إليه علم الناس، ثم ينظروا بعد ذلك، والله غالب على أمره }وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا [الإسراء: 85].

وهذه إشارات عابرة إلى الموضوع، يأتى تفصيلها فى موضعه إن شاء الله.

ج- فى السمعيات وصفات الله تبارك وتعالى:

ومما يلحق بذلك ويشبهه ما ذكره القرآن الكريم مما يسمى فى اصطلاح النظار والمؤلفين بالسمعيات؛ ومن ذلك الجن، والملائكة، وأحوال الموت، والقبر، والبعث والجزاء، والجنة والنار... إلخ، ثم صفات الله تبارك وتعالى.

ولقد تناول القرآن الكريم هذه الموضوعات بكثير من الإفاضة والإسهاب؛ فذكر الجن فى عدة مواطن ووصفهم بالفقه والفهم والإيمان، والقدرة على ما يعجز عنه البشر فى كثير من الأحيان، وذكر الملائكة ووصفهم بأوصاف عدة فى كثير من الآيات، وأفاض فى ذكر الموت وأحواله وما بعده من بعث ونشور وحساب وجزاء: }فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7-8] ثم عرض لصفات الله -تبارك وتعالى- فوصفه بالكمالات كلها، ونزَّهه سبحانه عن أوصاف النقص جميعًا، ونفى عنه المشابهة لخلقه والمماثلة لغيره }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]، }وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4] كما جاءت الآيات وفيها ذكر الاستواء على العرش واليد والوجه والعين والأعين مضافة إليه سبحانه.

ولا شك أن ما ذكره القرآن من أحوال هذا العالم غير المادي ثم من صفات الباري -جل وعلا- كلها لا تدخل فى حدود نواميس المادة ولا قواعد عالمها، والعقل الإنساني لا زال إلى اليوم عاجزًا عن إدراك ما يحيط بالمادة نفسها من قوى وأسرار، فكيف بما هو وراءها؟!

وهنا المزلق.. فكثير من الناظرين فى معاني الكتاب الكريم يعز عليه أن يسلم بوجود شىء لم يصل عقله بعد إلى حقيقته، فما هؤلاء الجن الذين تخفى علينا حقيقتهم؟ وما هذه الملائكة التى لا ندرى كنهها؟ وما هذا البعث بعد أن تحللت عناصرنا المادية ورُدَّت إلى أصولها الأولية؟ وما هذه الأرواح المزعومة فى هذه الأجساد ونحن لا نحس إلا بهذه العوامل المادية تتصرف فى أبداننا؟ فالبرد يؤذينا، والحر يؤلمنا، والسم يقتلنا، والطعام يقوينا، والهواء ينعشنا وكلها من عالم المادة، وهم أمام هذه النظرة الضيقة يزلون؛ فمنهم من ينكر ذلك جملة، ومنهم من يتعسف فى التأويل فينكر الحقيقة ويذهب إلى أنها تمثيل أو تخييل، وكلاهما أخطأ الطريق وضل سواء السبيل، وهم لو أنصفوا لعرفوا أن من خصائص العَالِم الألمعي أن يعترف بالعجز والقصور فيما لم يصل إليه علمه، وأن ما كشفه العقل الإنساني إلى اليوم بالنسبة إلى ما لم يكشف عنه من أسرار هذا الوجود شىء يسير لا يكاد يقام له وزن؛ كجزيرة صغيرة فى وسط محيط عظيم. ولقد اعترف بذلك وبأكثر منه أكابر علماء الكون، وسيمر بنا من ذلك الكثير، حتى إن بعضهم ليقول: "إن من خصائص العَالِم العصري أن يكون متواضعًا وجريئًا؛ متواضعًا لأنه لم يصل إلى شىء يذكر من أسرار هذا الوجود، وجريئًا لأن المجهولات التى أمامه من الكثرة بحيث لا يفيد فى الكشف عن بعضها إلا الجرأة.

فالتكذيب بمثل هذه السمعيات لمجرد أنها لم تدرك بالحواس البشرية مع دخولها فى حيز الإمكان الفعلي ظلم صارخ وضلال مبين، والتأويل تكلُّف لا مبرر له، والإيمان بها مع عدم التكلف فى تصور حقيقتها هو الصراط المستقيم. وأما ما أحاط بهذه المعاني فى بعض الكتب أو الأذهان من صور خرافية، ومن أقاصيص خيالية، وأوصاف روائية لم ترد فى كتاب ولا سنة ولا ثبتت من طريق صحيح فليس من هذا البحث فى شىء، ويجب على كل مؤمن ألا يقيم له وزنًا ولا يرفع به رأسًا.

ومن الناس من يحاول أن يقرب هذه المعاني إلى أذهان غيره من المتشككين الذين لم تشرق بعد أنوار الإيمان على صدورهم، فيتصرف فى الألفاظ، ويتجوز فى التصوير، فعليه إن فعل ذلك أن يردفه بما يفيد تصديقه الكامل بما جاء عن هذه العوالم فى القرآن الكريم، وأن يصارح بذلك أولئك المتشككين، بعد أن يخطو بهم الخطوة الأولى للإفهام والتقريب؛ حتى لا يقف بهم أو يقف معهم فى وسط الطريق.

وليست هذه الصور جديدة فى البحوث الإسلامية الدينية؛ بل إنها لتتكرر منذ ترجمت الفلسفة، وأدمجت فى علوم الإسلام إلى اليوم، والموفق من شرح الله صدره للإيمان فهو على نور من ربه.

أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم:

وبعد، فقد سألني أحد الإخوان عن أفضل التفاسير وأقرب طرق الفهم لكتاب الله تبارك وتعالى، فكان جوابي على سؤاله هذا هذه الكلمة: "قلبك"، فقلب المؤمن ولا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله تبارك وتعالى، وأقرب طرائق الفهم؛ أن يقرأ القارئ بتدبر وخشوع، وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وأن يلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعنى بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد فى ذلك أكبر العون على الفهم الصحيح السليم. وإذا قرأ فى كتب التفسير بعد ذلك فلِلْوقوف على معنى لفظ دق عليه أو تركيب خفي أمامه معناه أو استزادة من ثقافة تعينه على الفهم الصحيح لكتاب الله، فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق ينقد ضوؤه فى صميم القلب. 

ومن وصايا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده -رحمه الله- لبعض تلامذته: "وأدم قراءة القرآن، وفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعِبَره كما كان يتلى على المؤمنين أيام الوحي، وحاذر النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ غاب عنك مراد العرب منه، أو ارتباط مفرد بآخر خفي عليك متصلة، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه، واحمل نفسك على ما يحمل عليه". 

ولا شك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين فى نفسه ملكة تجعل الفهم من سجيته، ونورًا يستضيء به فى دنياه وآخرته إن شاء الله(1).

 

سورة الفاتحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [سورة الفاتحة].

فضلها:

روى الإمام أحمد فى مسنده عن أبى سعيد بن المعلى رضى الله عنه قال: كنت أصلى فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلمْ أُجِبْه حتى صَلّيْتُ فأتَيْتُه فقال: "مَا مَنَعَك أنْ تأتيني؟" قال: قلتُ: يا رسول اللهِ، إنى كُنْتُ أصلِّى. قال: "ألَمْ يَقُل اللهُ تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ، ثم قال: "لأعلَّمَنَّكَ أعظمَ سورةٍ فى القرآنِ قبلَ أن تخرجَ من المسجدِ"، قال: فأخَذَ بيدي، فلما أرادَ أنْ يخرجَ من المسجدِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنكَ قلتَ: لأعلِّمَنَّك أعظم سورةٍ فى القرآن. قال: "نَعَمْ، }الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هى السبع المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه". رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

وروى أحمد فى مسنده، والبيهقي فى الشعب، وذكره السيوطي فى "الدر المنثور" عن عبد الله بن جابر رضى الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أُخْبرُك بأخيَرِ سورةٍ نَزَلَتْ فى القرآن؟" قلتُ: بَلىَ يا رسولَ اللهِ. قال: "فَاتحةُ الكِتاب". وقال: "فيها شِفاءُ مِن كلِّ دَاءٍ".

وروى على بن أبى طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاتحةُ الكتابِ، وآيةُ الكرسي، وشَهِدَ اللهُ أنّه لا إلهَ إلا هُو، وقل اللَّهُمَ مَالكِ الْمُلكِ، هذه الآياتُ مُعَلَّقاتٌ بالْعَرْشِ ليس بينَهُنَّ وبينَ اللهِ حِجابٌ". أسنده أبو عمرو الداني فى كتاب "البيان" له، ونقله القرطبي عنه.

أين ومتى نزلت؟

الجمهور على أنها نزلت بمكة؛ لقوله تعالى: }وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المثاني وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: 87] والحجر مكية بإجماع، ولأن الصلاة فرضت بمكة، ولم تحفظ فى الإسلام صلاة بغير الفاتحة. وقال أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري ونفر: هى مدنية، وجمع بعض العلماء بين القولين بأنها تكرر نزولها فنزلت بمكة، ونزلت بالمدينة حين حوِّلتِ القبلة.

وذهب بعض المفسرين إلى أنها أول آيات القرآن وسوره نزولا، والجمهور على أن أول ما نزل من القرآن }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ [العلق: 1]، وقيل: المدثر، وقد ذكر البيهقي فى "دلائل النبوة" عن أبى ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: "إنى إذا خلوتُ وَحْدِى سمعتُ نِدَاءً، وقد والله خشيتُ أنْ يكونَ هذا أمرًا. قالت: معاذَ اللهِ، ما كانَ اللهَ ليفعلَ بكَ، فوالله إنَّكَ لتؤدي الأمانةَ، وتصلُ الرَّحِمَ، وتصدُقُ الحديثَ. فلمَّا دخلَ أبو بكر -وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثَمَّ- ذكرت خديجة حديثه له، قالتْ: يا عتيقُ، اذهبْ مع محمد إلى ورقةَ بنِ نَوْفَلٍ، فلما دخلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال ومن أخبرك؟ قال: خديجة، فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: "إذا خلوتُ وحْدِى سمعتُ نداءً خلفي يا محمدُ يا محمدُ، فأنْطلِقُ هاربًا فى الأرض". فقَال: لا تفعلْ، إذا أتَاكَ فاثْبُت حَتَّى تسمَعَ ما يقولُ، ثُمَّ ابتنى فأخبرني، فلما خلا ناداهُ يا محمدُ قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، حتى بلغ ولا الضَّالين. قل: لا إلهَ إلا الله. فأتى ورقةَ فذكرَ ذلك له، فقالَ له ورقةُ: أبْشِرْ ثم أبْشِرْ؛ فأنا أشهدُ أنَّك الذي بَشَّرَ به عيسى ابنُ مريمَ، وإنك على مِثلِ ناموسِ موسى، وإنك نَبِىٌّ مُرْسلٌ، وإنك سوفَ تُؤْمَرُ بالجهادِ بعدَ يومِكَ هذا، وإن يدركني ذلك لأجادهن معك. فلما تُوُفِّى ورقةُ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيتُ الْقَسَّ فى الجنةِ عليه ثِيابُ الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدقني". يعنى ورقة. قال البيهقي: هذا منقطع، وهو ليس نصًّا فى أن الفاتحة أول ما نزل على كل حال.

وذهب الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فى تفسيره إلى أنها أول سورة نزلت من القرآن، محتجًا لذلك بأن سنة الله -تبارك وتعالى- قد جرت بأن يسبق الإجمال التفصيل، وسورة الفاتحة قد تضمنت مقاصد القرآن الكريم إجمالا، وذلك يقتضى أن تسبق فى النزول. وأفاض فى تفصيل ذلك، وقد يقال: إن هذا يصح علة للترتيب لا للنزول، والذى كان يتبع غالبًا الحوادث والوقائع.

أم القرآن:

وللفاتحة أسماء كثيرة، فهي الصلاة؛ للحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبَيْن عَبدى". وسيأتي. وهى الحمد، وهى فاتحة الكتاب بلا خلاف بين العلماء فى ذلك، وهى أم الكتاب، وأم القرآن، وكره إطلاق هذين الاسمين عليها أنس وابن سيرين، والحديث الثابت ينفى هذه الكراهة.

روى الترمذي عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمدُ لله أمُّ القرآن، وأمُّ الكتابِ، والسَّبعُ المثاني". وهي المثاني، وهي الشفاء، وهي الأساس، وهي الواقية، وهي الكافية، وهي الرقية، وهي القرآن العظيم".

قال القرطبي: سميت القرآن العظيم لتضمنها جميع علومه، وذلك أنه تشتمل على الثناء لله -عز وجل- بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشىء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه فى الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيانه عاقبة الجاحدين، كذا قال رحمه الله. ويمكن أن يقال: إنها تضمنت مقاصد القرآن الكريم إجمالا؛ بمعنى آخر هو أن القرآن الكريم إنما جاء لبيان حقوق الخالق على خلقه، وحاجة الخلق إلى خالقهم، وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، وهذه هى جملة المقاصد التى جاء بها القرآن؛ بل جاءت بها الكتب السماوية والأديان كلها، وقد أشارت إليها الفاتحة؛ فآياتها الأولى بيان لحقوق الله على خلقه، و}إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مع طلب الهداية منه تعالى إلى الصراط المستقيم بيان لحاجة الخلق إلى خالقهم، والصراط المستقيم هو نظام هذه الصلة بين المخلوقين والخالق، كما تضمنت الفاتحة كذلك الإشارة إلى الرد على كل طوائف المبطلين الخارجين عن المستقيم، وبيان أسباب هذا الخروج وهى لا تتعدى الغضب عليهم أو الضلال منهم، وبهذا استحقت الفاتحة أن يطلق عليها أم القرآن؛ بل القرآن العظيم.

البسملة فى الفاتحة:

قال الشوكاني فى باب ما جاء فى بسم الله الرحمن الرحيم: وقد اختلفوا؛ هل هى آية من الفاتحة فقط، أم من كل سورة، أم ليست بآية؟ فذهب ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وطاووس وعطاء ومكحول وابن المبارك وطائفة إلى أنها آية من الفاتحة، ومن كل سورة غير براءة. 

وحكى عن أحمد وإسحاق وأبى عبيد وجماعة أهل الكوفة ومكة وأكثر العراقيين وحكاه الخطابي عن أبى هريرة وسعيد بن جبير، ورواه البيهقي فى "الخلافيات" بإسناده عن على بن أبى طالب والزهري وسفيان الثوري، وحكاه فى "السنن الكبرى" عن ابن عباس ومحمد بن كعب أنها آية من الفاتحة فقط. وحكى عن الأوزاعي ومالك وأبى حنيفة وداود -وهو رواية عن أحمد- أنها ليست آية فى الفاتحة، ولا فى أوائل السور. وقال أبو بكر الرازي وغيره من الحنفية: هى آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة، وليست من السور؛ بل هى قرآن مستقل كسورة قصيرة، وحكى ذلك عن داود وأصحابه، وهو رواية عن أحمد.

ولا خلاف أنها آية فى أثناء النمل، ولا خلاف فى إثباتها خطًّا فى أوائل السور فى المصحف إلا فى أول سورة التوبة، وأما التلاوة فلا خلاف بين القراء السبعة فى أول فاتحة الكتاب، وفى أول كل سورة إذا ابتدأ بها القارئ ما خلا سورة التوبة، وأما فى أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتها ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي من القراء فى أول كل سورة إلا التوبة، وحذفها منهم أبو عمرو وحمزة وورش وابن عامر.

احتج القائلون بأنها آية فى الفاتحة بكتابتها فى المصحف الإمام الذى بعث به الخليفة الثالث  رضى الله عنه إلى الأمصار بعد مشاورة الصحابة، وأجمعت عليه الأمة، والكتابة أقوى الأدلة، وبما ورد من الأحاديث الصحاح التى تثبت ذلك.

ومنها ما رواه البخاري عن قتادة قال: سئل أنسٌ: كيف كانَتْ قراءةُ النبى صلى الله عليه وسلم فقال: كانتْ مدًّا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويمدُّ بالرحمن ويمدُّ بالرحيم. وروى عنه الدارقطني من طريقين أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملة.

وما روى عن أم سلمة أم المؤمنين -رضى الله عنها- أنها سُئلت عن قراءة رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية؛ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. رواه أحمد وأبو داود بهذا اللفظ وغيرهما.

وما رواه النسائي وغيره عن نعيم المجمر قال: صليتُ وراءَ أبى هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأمِّ القرآن وفيه يقول إذا سلمَ: والذي نفسي بيده؛ إنى لأشْبهكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم. وأقره الذهبي، وقال البيهقي: صحيح الإسناد، وله شواهد. وحديث على -كرم الله وجهه-: سُئلَ عن السبع المثاني فقال: الحمدُ لله رب العالمين، قيلَ: إنما هى سِتٌ، فقالَ: بسم الله الرحمن الرحيم. رواه الدارقطني، وله حديثان آخران عنه وعن عمار بن ياسر فى إثبات جهر النبى صلى الله عليه وسلم بالبسملة، وإن تكلم فى سندهما.

وحديث أنس  رضى الله عنه: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه الحاكم وقال: ورواته عن آخرهم ثقات، وأقره الحافظ الذهبي.

واحتج القائلون بأنها ليست آية من الفاتحة بما رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صلى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداجٌ". يقولها ثلاثًا، فقيل لأبى هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها فى نفسك، فإنى سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله -عز وجل-: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبدُ: }الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال اللهُ: حمدني عبدى، فإذا قال: }الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال اللهُ: أثنى علىَّ عبدى، فإذا قال: }مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مجدني عبدى -وقال مرة: فوَّضَ إلىَّ عبدي- وإذا قال: }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عبدى، ولعبدى ما سأل، فإذا قال: }اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ قال: هذا لعبدى ولعبدى ما سأل". فهو لم يذكر فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ولو كانت من الفاتحة لذكرت.

وقد يرد على هذا بأن البسملة فيها الثناء على الله بما تكرر فى الفاتحة فلم يكن هناك ما يدعو إلى ذكرها، وبخاصة وهى مشتركة فى كل السورة.

وبما روى عن أنس قال: صليتُ مع النبى  صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. رواه أحمد ومسلم.

وفى لفظ: صليتُ خلف النبى  صلى الله عليه وسلم وخلف أبى بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح.

ولأحمد ومسلم: صليتُ خلف النبى  صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا آخرها. وهناك روايات أخر تدور حول ذلك.

وذكر بعض العلماء أن ما جاء فى روايات النفي سببه الإسرار بالبسملة وجمع بين الأقوال بناء على ذلك.

وروى الطبراني فى الكبير والأوسط فى سبب ترك النبى صلى الله عليه وسلم للجهر بالبسملة فى الصلاة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يجهرُ ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزؤون بِمُكاءٍ وتصديةٍ، ويقولون: محمدٌ يذكر إله اليمامة، يشيرون إلى قول مسيلمة الكذَّابِ وتسميته حائطه بحديقة الرحمن، فأنزل الله }وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ [الإسراء: 110] فتُسْمِع المشركين فيهزؤوا بك }وَلاَ تُخَافِتْ عن أصحابك فلا تسمعهم. وقال فى "مجمع الزوائد": إن رجاله موثقون. فلما هاجر الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويسر بها أخرى، واختلفت الروايات بناء على ذلك.

وقد أفرد هذه المسألة بالتأليف جماعة من أكابر العلماء، وجمع فيها الشوكاني رسالة تشتمل على نظم ونثر أجاب بها على سؤال ورد، وبالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد، والأمر أيسر من هذا كله، وحسبنا أن نراها مثبتة فى المصحف، وقد أجمع الصحابة -رضوان الله عليهم- على كتابتها فى صدر الفاتحة وتلاوتها حين القراءة، وأن ما بين دفتي المصحف قرآن نزل من عند الله. لنقول: إنها آية منها وكفى.

الفاتحة فى الصلاة:

اختلف العلماء فى وجوب قراءة الفاتحة، فذهب الجمهور إلى وجوبها فى كل ركعة للإمام والمنفرد والمأموم، وحجتهم فى ذلك ما روى من حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه فيما رواه الجماعة كلهم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاةَ لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتابِ". وفى لفظ رواه الدارقطني بإسناد صحيح: "لا تجزئُ صَلاةُ مَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ".

وذهب أبو حنيفة والكوفيون إلى أن الفاتحة غير واجبة بل تجب آية من القرآن؛ لِمَا جاء من قول النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث المسيء صلاته: "ثُمَّ اقرأ ما تَيسَّرَ معك مِنَ القرآن". وأجيب عنه بأنه لا أيسر من الفاتحة، ولأنه ثبت فى رواية أخرى أنه قال له: "ثُمَّ اقرأ بأمِّ القرآن". فهذا مفسر لما تيسر، وأما إذا كان مأمومًا فلا قراءة عليه مطلقًا عند أبى حنيفة، محتجًا بما ورد من أن قراءة الإمام قراءة له، فإن قرأ كره تحريمًا.

وذهب مالك وأصحابه إلى أنها متعينة للإمام والمنفرد فى كل ركعة، مطلوبة من المأموم خلف إمامه فى صلاة السر، فإن تركها فقد أساء ولا شىء عليه، وأما فى صلاة الجهر فلا يقرأ بفاتحة القرآن ولا بغيرها؛ لقوله تعالى: }وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف: 204]، ولقول النبى  صلى الله عليه وسلم فى الإمام: "إذا قرأ فأنصِتُوا". أخرجه الدارقطني وقال: رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل بن يونس وشريك وأبو خالد الدالانى .. إلخ، عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبى  صلى الله عليه وسلم. وذهب الحسن البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المدني إلى أن قراءتها واجبة مرة واحدة فى كل صلاة؛ اعتمادًا على أن من فعل ذلك فقد قرأ بأم القرآن فى صلاته وذلك يجزئه.

والذى تطمئن إليه النفس أن الفاتحة واجبة فى الصلاة على كل مصلٍّ قادر على تلاوتها، ولم يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم ولا أحدًا من خلفائه أو أصحابه أو التابعين لهم بإحسان صلى صلاة بغير قراءة الفاتحة فيها، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.

} بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

فى افتتاح القرآن الكريم عامة وسوره بعد ذلك بهذه الآية الكريمة إرشاد لنا إلى أن نستفتح بها كل أقوالنا الطيبة وأعمالنا، وقد جاء فى الحديث: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع". وفى رواية: "أجذم"، وفى رواية: "أبتر"، وكلها بمعنى واحد. رواه أبو داود، وحسَّنه ابن الصلاح، وكأن المقصود بهذا الافتتاح: اقرأ مفتتحًا باسم الله الرحمن الرحيم، أو أعمل أو أقول مفتتحًا باسم الله الرحمن الرحيم.

والاسم ما دل على ذات من الذوات أو معنى من المعاني، ولفظ الجلالة }الله عَلَم على ذات واجب الوجود، وهو آكد أسمائه سبحانه وأجمعها، وما عداه صفات له سبحانه، وتسند إليه تعالى أفعال هذه الصفات وتضاف إليه مصادرها، ويطلق عليها الأسماء الحسنى، وكل اسم منها صفة فى المعنى، وهو يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التى اشتق منها. واسم الجلالة الأعظم يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية، وعلى تنزهه سبحانه عن أضدادها، فهو دال على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال وتنزهه عن جميع النقائص.

} الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صفتان لله تعالى مشتقتان من الرحمة بالمعنى الذي يليق بجلاله سبحانه، قال ابن القيم: وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى بديع، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، وكأن الأول الوصف والثاني الفعل؛ فالأول دال على أن الرحمة صفته أى صفة ذات له سبحانه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته أى صفة فعل له سبحانه، فإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: }وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 43]، }إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 117]. ولم يجيء قط رحمن بهم، فعلمت أن رحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته. وقال رحمه الله تعالى: هذه النكتة لا تكاد تجدها فى كتاب.

ولكن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- ذهب إلى عكس ذلك فقال: والذى أقول: إن صيغة فعلان تدل على وصف فعلى، فيه معنى المبالغة كفعال، وهو فى استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغوثان وغضبان، وأما صيغة فعيل فإنها تدل على الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا فى الناس؛ كعليم وحكيم وحليم وجميل، والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ فى الحكاية عن صفات الله -عز وجل- التى تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين؛ فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهى إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان، على أنها من الصفات الثابتة الواجبة. 

وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون الثاني مؤكدًا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله -جل ثناؤه- بالرحمن وفهم منه أنه المفيد للنعم فعلا لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائمًا؛ لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذى يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه، ويعلم أن لله صفةً هى الرحمة التى عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول؛ ليقدم برهانًا عليه، ولعل هذا الرأي الأخير هو الأقرب إلى قواعد اللغة وأساليبها.

وقد ذهب الشيخ محمد عبده فى رده على بعض المعترضين عليه وتوجيه كلامه هذا مذهبًا لطيفًا نورده هنا ملخصًا لجمال إشارته، قال: "إن احتمال التوكيد بذكر الصفتين معًا لنفى التعدد بعيد؛ لأنه لا علاقة بين التوحيد ومعنى الرحمة، ولم يسبق فى التاريخ أن أحدًا ذهب إلى أن الرحمن معبود والرحيم معبود آخر حتى يرد عليه بأنهما شىء واحد، ولكن الذى عرف هو قول النصارى فى ابتداء شئونهم باسم الأب والابن والروح القدس وهو فى زعمهم ثلاثة مختلفة الآحاد مع أنها واحد، فأراد الله أن يجعل للمسلمين فاتحة أعمال تحتوى على ثلاثة معان: الأول ذات، والآخران صفتان؛ فلفظ الجلالة هو الذات وهو يقابل الأب عندهم، والرحمن وصف الفعل المتجدد الصادر من فيض الكرم وهو يقابل الابن لزعمهم أنه منبثق من الذات، والرحيم يدل على الصفة الثابتة للذات الأقدس وهى التى يرجع إليها الفعل المتجدد وباعتبارها يصدر ويتجدد، وهو يقابل روح القدس فإنه عندهم الصلة بين الأب والابن، وإن حاولوا ستر ذلك بضروب من العبارات، فأراد الكتاب أن يعلمنا كيف نضع التوحيد مكان التثليث، ونستبدل بألفاظ التشبيه خيرًا منها من ألفاظ التنزيه. ولا يفوتنا المعنى الذي يحتج بقصده من الأب والابن والروح القدس وهو معنى الرحمة وإفاضة النعمة، وهذا هو وجه تكرير هذه الفاتحة الكريمة فى كل سورة، والندب إلى الافتتاح بها فى كل عمل ذي بال ".

أقول: لو قبل أهل الدين من النصارى هذا التفسير لانحلت أعظم عقدة تباعد بين عقيدتي المسيحية والإسلام.

ومجمل القول: أن جمهور المفسرين على أن معنى الرحمن المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم المنعم بدقائقها، وهو توجيه لا دليل عليه أو أنهما بمعنى واحد والثاني تأكيد للأول وهو رأى الجلال والصبان وبعض المفسرين وهو ضعيف؛ إذ أن الحق أنه لا توجد فى القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود كما قال ابن جرير الطبري، أو أن أحد الوصفين يدل على صفة الرحمة الثابتة له سبحانه، والثاني يدل على تجدد الأفعال المتعلقة بهذه الصفة وهو ما ذهب إليه ابن القيم والشيخ محمد عبده رحمهما الله، وهو الذي تستريح إليه النفس.

} الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

} الْحَمْدُ الثناء الحسن الجميل، وهو يكون على مقدار علم الحامد بصفات المحمود، وكلما كان هذا العلم واسعًا شاملا كان الحامد أصدق حمدًا، ومن هنا وجب على المسلمين أن يجتهدوا فى استطلاع أسرار الكون وتعرف ما فيه من قوى وعجائب، ليستطيعوا بذلك أن يدركوا عظمة المكون إدراكًا صحيحًا، فيكون حمدهم إياه وثناؤهم عليه حمدًا صادقًا منشؤه الإدراك الحقيقي والشعور القلبي والتقدير العقلي لا مجرد التقليد اللفظي أو التعبد الوراثي. ومن هنا كان أعظم الحمد وأجل الثناء حمده سبحانه لنفسه "سبحانك لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".

وحمده سبحانه واجب لذاته؛ لأنه الموصوف بالكمالات كلها، المستحق للمحامد كلها، وإن أثارت الأسباب معاني هذا الحمد فى نفوس عباده؛ فالجائع يحمد عند الشبع، والظمآن يحمد عن الري، والفقير يحمد مع الغنى، والجاهل يحمد عند العلم، والمحروم يحمد إذا أعطى }الْحَمْدُ للهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: 39] وهذا هو سر الجمع بين استحقاق الحمد وربوبيته سبحانه للعالمين.

} رَبِّ الْعَالَمِينَ

قال البيضاوي: الرب فى الأصل مصدر بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة ثم سمى به المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه، ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدًا أو مضافًا. وقال الراغب: الرب فى الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام، ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى.

و}الْعَالَمِينَ جمع عَالَم، قيل: المراد به الناس خاصة على حد قوله تعالى: }لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1] وقيل: بل أهل العلم والإدراك من الخلق من الملائكة والإنس والجن. وقيل: كل جملة متميزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل فهي عالم، ولهذا جمعت على هذا النحو، ومنه عالم الإنسان، وعالم النبات، وعالم الحيوان، ولا يقال عالم الحجر أو الجبال أو نحوها من الجمادات. وقيل: بل المراد بالعالمين جميع أجناس المخلوقات على حد قوله تعالى: }قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنْتُم مُّوقِنِينَ [الشعراء: 23-24] ولعل أولى الأقوال بالصواب أن يقال: إن هذه المعاني جميعًا تراد بهذا اللفظ بحسب القرينة، والمراد هنا المعنى الأخير؛ فإنه سبحانه مربى الخلائق جميعًا.

والتربية الإلهية للخلق جميعًا واضحة فى كل مظاهر هذه العوالم دقيقها وجليلها؛ فالجمادات يربيها الخالق سبحانه بهذه النواميس الكونية التى لا تتخلف من التفاعل والتحليل والتركيب والامتزاج والاتحاد والتحول. وصنوف النبات يتضح فيها معنى التربية الإلهية بشكل أوضح مما فى الجماد؛ لما فيها من معاني الحياة ومباديها؛ فالجنين النباتي يظل مستجنًا فى البذرة حتى يجد التربة الصالحة فينمو ويتحرك ويتغذى بما حوله من المواد الغذائية التى جهزت لهذا الغرض، فتكون له بمثابة الثدي فى الحيوان، حتى إذا نما وكبر تشبث بالأرض وامتص منها غذاءه ونما وازداد فى تركيب غريب ووضع دقيق عجيب، ويظهر على وجه الأرض نبتة تتحول إلى شجيرة فشجرة ذات أغصان وأوراق وثمار تتأثر وتتنفس وتتغذى وتحمل وتنتج الثمرات.

والحيوان على اختلاف فصائله والإنسان يربيهما الخالق -جل وعلا- فى كل أطوار الحياة من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الهيكل العظمى، فالتكوين التام الكامل، فالوضع والرضاع والنمو والكبر، مع تيسير أسباب البقاء والمحافظة التامة على صيانة الأجهزة والأعضاء، والإمداد بعد ذلك بأسباب المعارف والمدركات المتنوعة والعواطف والمشاعر والوجدانيات المختلفة؛ حتى يستطيع أن يميز بين الحسن وغيره، ويتذوق معاني الخير والحق والجمال. وما من شىء يظن القاصرون أنه ليس بذي بال إلا وله من الحكم الجليلة والفوائد العظيمة ما تتحير معه الألباب، وهذا الباب من تربية الله -تبارك وتعالى- لا ينتهي مداه ولو كتبت فيه المجلدات؛ ففيه أسرار الكون، ودقائق الصنع المتصلة بجميع الخلق وغرائب الإبداع فى نواميس هذا العالم الذي لم يصل العقل الإنساني فى الإحاطة بها إلى النَزْر اليسير ولا زال أمامه الجم الكثير، وهذه الآية الكريمة من جوامع الكلم ولا شك، فقد أشارت واحتملت هذه المعاني كلها فى هذه الألفاظ الأربعة اليسيرة.

} الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قال فى تفسير المنار ملخصه: النكتة فى إعادة ذكرها ظاهرة، وهى أن تربية الله للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة، وإنما هى لعموم رحمته وشمول إحسانه. وثَمَّ نكتة أخرى؛ وهى أن البعض يفهم من معنى الرب الجبروت والقهر، فأراد الله أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال، فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدًا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده، فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان؛ ليعلموا أن هذه الصفة هى التى ربما يرجع إليها معنى الصفات فيقبلوا على اكتساب مرضاته، منشرحة صدورهم مطمئنة قلوبهم، ولا ينافى عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات فى الدنيا وما أعده من العذاب فى الآخرة للذين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات. فإنه وإن سمى قهرًا بالنسبة لصورته ومظهره فهو فى حقيقته وغايته من الرحمة؛ لأن فيه تربية للناس وزجرًا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية، وفى الانحرافات عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفى الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم. والوالد الرؤوف يربى ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان إليه إذا قام به، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال، ولله المثل الأعلى، لا إله إلا هو وإليه يرجعون.

} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرئ مَالِك ومَلِك، ولكل من القراءتين شواهد فى كتاب الله: يشهد للأولى قوله تعالى:} يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ [الانفطار: 19] ويشهد للثانية قوله تعالى:} لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16].

والدين: الحساب والمكافأة والجزاء، وهو أنسب المعاني فى الآية الكريمة. ويوم الدين هو يوم البعث الأكبر للحساب والجزاء }يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران: 30] ولما كانت الرحمة ليست السبيل الوحيد إلى التربية بل لا بد معها من الجزاء حتى يجتمع الترهيب إلى الترغيب ناسب أن يذكر الله خلقه بدقيق محاسبته بعد أن ذكرهم بمظاهر رحمته حتى يتمثلوا دائمًا أن رب العالمين الرحمن الرحيم هو مالك يوم الدين كذلك، الذى سيحاسبهم ويدينهم بما يفعلون. والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت فكما تدين تدان. وهو أسلوب القرآن الكريم دائمًا؛ كما قال تبارك وتعالى: }نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عذابي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر: 49-50].

} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ:

تفسر العبادة لغة بأنها الطاعة مع غاية الخضوع، ولكن هذا التفسير اللغوي لا يؤدى المعنى المقصود بالعبادة بالضبط، ولا يزال المرء يشعر بأنه فى حاجة إلى تعريف أوفى وأدق وأشفى للنفس؛ فقد يطيع الناس الرؤساء والكبراء طاعة تامة مع غاية الخضوع ولا يقال: إنهم عبدوهم بذلك. والعبادة غير العبودية ولا بد من تفريق بينهما، يشعر بذلك الذوق السليم والطبع المستقيم. وقد ألَمَّ الأستاذ الشيخ محمد عبده فى تفسيره بهذا المعنى إلمامًا جميلا، وصوَّر معنى العبادة تصويرًا بديعًا يطمئن به القلب فقال: "يغلو العاشق فى تعظيم معشوقه والخضوع له غلوًّا كبيرًا حتى يفنى هواه فى هواه، وتذوب إرادته فى إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس فى تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، دع سائر العابدين. ولم يكن العرب يسمون شيئًا من هذا الخضوع عبادة، فما هى العبادة إذن؟ تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه. للعبادة صور كثيرة فى كل دين من الأديان شرعت؛ لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر فى تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون عن ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانًا". هذا أقوله ملخصًا، وهو كلام بديع كما ترى يجعل حقيقة العبادة مبعث التعظيم فى القلب لا صورته التى تمثلها الجوارح.

والاستعانة طلب المعونة لإزالة العجز والمساعدة على إتمام ما يعجز المستعين عن أدائه أو إتمامه بنفسه، وهى فى الأمور العادية التى تدخل فى حيز قدرة الإنسان وتصرفه جائزة بين الناس، بل هى من المقربات التى يتقرب بها المرء إلى الله تبارك وتعالى "والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه". لأنها من الأسباب المشروعة المسنونة لإتمام الأعمال وأدائها، ولكن الاستعانة فى الأمور الخاصة بالله تبارك وتعالى والتي لا يصح أن تطلب من أحد سواه، وهي ما يجاوز حد القدرة البشرية كطلب الشفاء بعد استخدام الدواء، وكطلب النصر على الأعداء بعد إعداد العدة وبذل المستطاع، وكالاستعاذة بالله من الحوائج والآفات وصنوف البلاء، إلى غير ذلك مما هو فى يد الله وحده، ولا يقدر عليه إلا مدبر الأمر فى الأرض وفى السماء. العبادة والاستعانة بهذا المعنى لا تكونان إلا لله وبالله وحده تبارك وتعالى، ولهذا قدم الضمير }وإِيَّاكَ ليدل على الاختصاص كما يقول أهل اللغة، وكل المظاهر التى تدل على العبادة شرعًا حسية أو معنوية لا يجوز أن تكون إلا لله؛ كالصلاة والركوع والسجود والنذر والقربان والحلف والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والمحبة والرغبة والرهبة والتأله والتذلل... إلخ. كما أن مظاهر الاستعانة التى اختصها الشرع بالله -تبارك وتعالى- لا يصح أن تصرف لغيره؛ كالدعاء والاستغاثة واستمداد الحول والقوة وطلب قضاء الحاجات. إلخ، وبذلك يسلم للمؤمن دينه، ويكمل إيمانه ويقينه، ويسلم من لوثات الشرك الأكبر والأصغر، ويجتمع له توحيد الألوهية والربوبية معًا، والتوفيق بيد الله.

والآية من جوامع الكلم؛ لأنها إشارات إلى خلاصة ما جاءت له الرسالات كلها وبعث به الرسل جميعًا من حقوق الله وجميل فضله على خلقه، وليس الدين أكثر من }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الأولى بداية المعرفة، والثانية ثمرتها، وبينهما منازل ودرجات لا يقطعها إلا المقربون. ولقد ألف الشيخ إسماعيل الهروي رسالة لطيفة أسماها "منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين"، ألَمَّ فيها ببعض ذلك وأشار إليه، وشرحها ابن القيم فى سفر كبير أسماه "مدارج السالكين إلى منازل السائرين" هو من خير ما كتب فى علوم الأخلاق وأدب النفوس وتربيتها بأسلوب الصوفية من السلف الصالح رضوان الله عليهم.

ومن اللطائف اللفظية فى الآية الكريمة أن كلمة الاستعانة تشعر بوجوب العمل والأخذ فى الأسباب؛ لأن الاستعانة هى طلب العون من الله على أداء عمل أو إتمامه، فلا بد للإنسان إذن من أن يأخذ بالأسباب ويَجِد فى الأعمال، ثم يطلب المساعدة والمعونة من الله تبارك وتعالى. ومن كلام عمر  رضى الله عنه: "لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقنى، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة". وفى هذا تكريم للإنسان يجعل العمل المتصل به أساسًا فى كل ما يحتاج إليه. وقد ذهب بعض المفسرين إلى قصر طلب الاستعانة على التوفيق فى العبادة، استئناسًا بقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم حين أخذ بيد معاذ  رضى الله عنه وقال له: "واللهِ إنى لأُحبُّكَ، أوصِيكَ يا مُعاذُ: لا تدعَنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ أن تقولَ: اللهمَّ أعِنِّى على ذِكرِك وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِكَ". ولكن هذا التخصيص لا معنى له، وإن كان أفضل الاستعانة -ولا شك- ما كان على الطاعة والخير وحسن عبادة الله.

} اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ:

الصراط: الطريق، والمستقيم: المعتدل. والآية من جوامع الكلم كذلك؛ فإن الإنسان فى حاجة إلى الهداية وإلى الصراط المستقيم فى كل قول وعمل وفكرة وخاطرة؛ لأنه فى كل ذلك بين إفراط وتفريط وكلاهما ضار، والنافع المفيد دائمًا هو الحد الوسط وهو الصراط المستقيم الذى نطلب الهداية إليه من الله -تبارك وتعالى- بهذه الآية، وهو من الدين ما جاء به رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن ربه بغير زيادة عليه ولا انتقاص منه ولا انحراف عنه: }قُلْ هَذِهِ سبيلي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتبعني وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: 108]، }وَأَنَّ هَذَا صراطي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: 153]، }وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى: 52-53].

وعن النواس بن سمعان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ -تبارَكَ وتعالى- ضرَبَ مثلا صِراطًا مستقيمًا على كتفي الصِّرَاط دَارَان". وهو فى رواية: "سورانِ لهما أبواب مُفَتَّحةٌ، على الأبوابِ ستورٌ، وداعٍ يدعو على رأسِ الصراطِ، وداعٍ يدعو فَوْقه، واللهُ يدعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهدى مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مستقيم؛ فالأبوابُ التى على كتفي الصراطِ حدودُ اللهِ تعالى، فلا يقعُ فى حُدودِ الله تعالى حتى يُكْشَّفُ السترُ، والذي يدعُو مِن فَوْقِه واعظُ رَبِّه". أخرجه الترمذي، وفسره رزين فى حديث رواه عن ابن مسعود رضى الله عنه: أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب محارم الله، والداعي على رأس الصراط هو القرآن، والداعي فوقه واعظ الله تعالى فى قلب كل مؤمن.

ولقد منح الله الإنسان أربع وسائل للهداية تتدرج مع أفراده ونوعه بتدرج نموهم واستعدادهم؛ فالوسيلة الأولى: الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وهذا يكون مع الطفل منذ ولادته؛ ألا تراه يشعر بالحاجة إلى الغذاء فيلتقم الثدي ويمتصه بحركة آلية فطرية لا تفكير معها ولا تدبير. والثانية: الحواس والمشاعر التى تنمو بنمو الإنسان من السمع والبصر والذوق والشم والحس، وهى عرضة للخطأ فى كثير من الأحيان. والثالثة: العقل بقواه المختلفة من الإدراك والفكر والخيال والحفظ والذكر... إلخ، وهو مصدر الحكم ومناط التكليف فى الإنسان، وبه تصحح أخطاء الحواس وتدرك حقائق الأشياء فى الحسيات والمعنويات على السواء. والرابعة: الدين والإرشاد الإلهي والرسالات السماوية مع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

هذه الوسائل جميعًا قد يضل الإنسان فى استخدامها ولا يستطيع الاستفادة منها والانتفاع بها، فقد تقصر حواسه فى الإلمام بالمحسات، وقد يضعف عقله بالعلل والآفات أو الأغراض والشهوات عن الوصول إلى الحقيقة، وقد ينحرف عن الدين لجهالة به أو إعراض عنه أو غير ذلك من الأسباب، ولهذا شرع لنا الله -تبارك وتعالى- أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم فى هذه الوسائل كلها، فلا تقصر حواسنا ولا تضعف عقولنا ولا نحيد فى فهم الدين والفقه فيه عن الحق وجادة الصواب. واستقصاء مدلول الصراط المستقيم فى جميع الأقوال والأفعال غير ممكن؛ لأنه الحد الوسط فى كل قول وفعل كما تقدم، وفى هذا الإيجاز منتهى الإعجاز، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.

} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ:

فى هذه الآية الكريمة ثلاثة أصناف من الناس، هم: الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.

قال بعض المفسرين: الذين أنعم الله عليهم هم المؤمنون من أمة محمد  صلى الله عليه وسلم أو غيرها من الأمم السابقة، والمغضوب عليهم: هم اليهود الذين انحرفوا عن هدى التوراة، والضالون هم النصارى الذين لم يستمسكوا بتعاليم الإنجيل الصحيح، وقد وردت بذلك بعض الآثار.

كما قال بعض المفسرين: المغضوب عليهم بالبدعة، والضالون عن السنة، ولا مبرر لهذا التخصيص إلا أن يكون ذلك على سبيل التمثيل فقط. ولعل أجمع ما يقال فى ذلك وأوفاه أن الذين أنعم الله عليهم هم الذين عرفوا الحق ووفقهم الله إلى اتباعه فاهتدوا بذلك إلى الصراط المستقيم، وأن المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه من أى دين كانوا وفى أى زمن وجدوا. ولا شك أن هذا الإعراض دليل غضب الله -تبارك وتعالى- عليهم، وأن الضالين هم الذين غفلوا عن الحق وتاهوا فى أودية الضلال، أو الذين يتلمسون الحق فلا يهتدون إليه من أى دين كانوا وفى أى زمان وجدوا كذلك. وإن الله -تبارك وتعالى- أرشدنا إلى أن نسأله الهداية إلى سنن الصنف الأول من الذين أنعم الله عليهم، وأن نبرأ إليه من الصنفين الآخرين؛ فكلاهما هالك والعياذ بالله.

روى أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتاب "فضائل القرآن" عن عمر بن الخطاب  رضى الله عنه أنه كان يقرأ غير المغضوب عليهم وغير الضالين، وكذلك حكى عن أبى بن كعب  رضى الله عنه، وذلك محمول على أنهما كانا يقصدان بذلك التفسير لا التلاوة؛ إذ إنه من غير المعقول أن يخالفا إجماع الصحابة فى تلاوة سورة الفاتحة التى تقرأ فى كل صلاة، وعمر أمير المؤمنين يقرأ بها فى صلاته بهم، وإمامته إياهم صباح مساء!! .

} آمين:

آمين: ليست من الفاتحة بإجماع، ومعناها: اللهم استجب لنا. ونقل القرطبي عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما معنى آمين؟ قال: "رَبِّ افْعَلْ". وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للبركة. وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا، وكلها بمعنى قريب هو طلب الاستجابة. وأبعد قوم بالنجعة فقالوا: آمين لفظ غير عربى منحوت من الاسم المصري القديم آمنون، ولا دليل على ما يزعمون.

وآمين بعد تلاوة الفاتحة فى الصلاة وفى غيرها من السنة. عن وائل بن حجر قال: سمعتُ رسولَ الله  صلى الله عليه وسلم قرأ }غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ فقال: "آمين" يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ.

وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمَّنَ الإمَامُ فأمِّنُوا؛ فإنَّ مَنْ وَافق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِه".

وقال ابن شهاب: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: آمين. رواه الجماعة إلا الترمذي؛ لم يذكر قول ابن شهاب. وعن أبى هريرة قال: "كانَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين، حتى يُسْمِعَ مَن يَليِه مِنَ الصَّفِّ الأول، فيرتجُّ بِهَا المسجِد.

وإلى مشروعية التأمين جهرًا للإمام والمأموم ذهب الشافعي ومالك فى رواية المدنيين، وقال أبو حنيفة وبعض المدنيين والطبري: لا يجهر بها. وروى ابن القاسم عن مالك -وهو مذهب المصريين من المالكية- أن الإمام لا يؤمن، محتجين بحديث أبى موسى  رضى الله عنه قال: إن رسولَ اللهِ  صلى الله عليه وسلم خَطَبنَا فبيَّنَ لنا سُنَّتنَا وعلَّمنَا صلاتَنا، فقال: "إذا صَلَّيتُم فأقيمُوا صُفُوفكم، ثم ليؤمكم أحدُكم، فإذا كَبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين فقولوا: آمين يُجبكم الله". أخرجه مسلم. والسكوت عن ذكر الإمام فى التأمين هنا لا يَنهض حجة أمام صريح الأحاديث التى جاء فيها ذكر تأمين الإمام.

والتأمين مستحب بعد كل دعاء؛ روى أبو داود عن أبى مصبح المقرائى قال: كنا نجلس إلى أبى زهير النميري -وكان من الصحابة- فيحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين؛ فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة. قال أبو زهير: ألا أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح فى المسألة، فوقف النبى  صلى الله عليه وسلم يسمع منه، فقال النبى  صلى الله عليه وسلم: "أوْجَبَ إن خَتَمَ". فقال له رجل من القوم: بأي شىءٍ يختِمُ؟ قال: بآمين؛ فإنه إن خَتَمَ بآمين فَقَدْ أوْجَبَ". فانصرف الرجل الذى سأل النبى  صلى الله عليه وسلم، فأتى الرجلَ فقال له: اخْتِمْ يا فُلانُ وأبْشر". ولا جرم أن آمين براعة مقطع فى غاية الجمال والحسن؛ وأي شىء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب والتوجه إلى الله بالدعاء.

تناسب وإنعام:

}وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر: 17] ولا شك أن من تدبر الفاتحة الكريمة -وكل مؤمن مطالب بتدبرها فى تلاوته عامة وفى صلاته خاصة- رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلُبِّه، ويضيء جوانب قلبه؛ فهو يبتدئ ذاكرًا تاليًا متيمنًا باسم الله الموصوف بالرحمة التى تظهر آثار رحمته متجددة فى كل شىء، مستشعرًا أن أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التى وسعت كل شىء، فإذا استشعر هذا المعنى ووقر فى نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله الرحمن الرحيم، وذكره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله وعظيم آلائه البادية فى تربيته للعوالم جميعًا، فأجال بصيرته فى هذا المحيط الذى لا ساحل له، ثم تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة ليست عن رغبة ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمة بالعدل، ويذكر بالحساب بعد الفضل؛ فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين }يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ [الانفطار: 19] فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب. 

وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفًا بتحري الخير والبحث عن وسائل النجاة، وهو فى هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم وليس أولى به فى ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله: }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه، آمين.

فهل رأيت تناسبًا أدق أو ارتباطًا أوثق مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ وتذكر وأنت تهيم فى أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه فى الحديث القدسي الذي أوردناه آنفًا: "قسمت الصلاة بيني وبَيْن عَبدى". 

وأدم هذا التدبر والإنعام، واجتهد أن تقرأ فى الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطى التلاوة حقها من التجويد والنغمات من غير تكلف ولا تطريب أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل فى التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية؛ فإن ذلك يعين على الفهم ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شىء أفضل من تلاوة فى تدبر وخشوع(2).

 

سورة البقرة:

وهي مدنية إلا آية }وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ [البقرة: 281]؛ فقد نزلت بمنى فى حجة الوداع، وعدد آياتها 286 آية.

فضلها:

روى الترمذي عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل شىء سَنَام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هى سيدة آى القرآن".

وروى مسلم عن أبى أمامة الباهلي رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة".

وروى البخاري ومسلم وابن حبان فى صحيحه -واللفظ له- عن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله، بينما أنا أقرأ الليلة سورة البقرة إذ سمعت وجبة من خلفي فظننت أن فرسي انطلق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ أبا عتيك"، فالتفتُّ فإذا مثل المصباح مدلى بين السماء والأرض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرأ أبا عتيك"، فقال: يا رسول الله، فما استطعت أن أمضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الملائكة تنزل لسورة البقرة، أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب".

وروى مسلم والنسائي والترمذي عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".

وروى الترمذي عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا وهم ذوو عدد فاستقرأ كل رجل منهم -يعنى ما معه من القرآن- قال: فأتى على رجل من أحدثهم سنًّا فقال: "ما معك يا فلان؟" قال: معى كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: "أمعك سورة البقرة؟" قال: نعم، قال: "اذهب فأنت أميرهم". فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا القرآن واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه فى كل مكان، ومن تعلمه فيرقد وهو فى جوفه فمثله كمثل جراب أوكئ على مسك".

قال ابن العربي: سمعت بعض أشياخي يقول عن البقرة: فيها ألف أمر، وألف نهى، وألف حكم، وألف خبر. وقال خالد بن معدان: هى فسطاط القرآن؛ وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها.

وفى كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: كان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام فحسن إسلامه، وترك قول الشعر فى الإسلام، وسأله عمر فى خلافته عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتًا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمرَ قولُه، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة، وقد قال كثير من أهل الأخبار: إن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم، وقال بعضهم: لم يقل فى الإسلام إلا قوله:

الحمد لله إذ لم يأتني أجلى

                حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

وفى موطأ مالك أنه بلغه أن ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها، وذكر أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الحافظ فى كتابه المسمى: "أسماء من روى عن مالك" عن مرداس بن محمد بن بلال الأشعري قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة فى اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا شكرًا لله.

حكمة التسمية:

قال المفسرون: سميت بهذا الاسم لما ورد فيها من ذكر قصة "البقرة"، ويبدو لى أن الحكمة فى هذه التسمية أعمق من هذا الذي ذكر، ولعلها لفت النظر إلى هدم هذه العقيدة فى نفوس الناس؛ عقيدة تقديس البقرة وعبادتها من دون الله.

والمقصد الأول من الأديان، وبالتالي من إنزال القرآن تقرير وحدانية الله -تبارك وتعالى- وصرف وجوه عباده وقلوبهم إليه، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله. ولقد كانت البقرة أوفر أنواع الحيوان حظًّا من عبادة البشر وتقديسهم؛ فالتاريخ يحدثنا عن قدماء المصريين، وكيف كانوا يبالغون فى تقديس هذا الحيوان وعبادته، ويعنون أشد العناية باختيار العجل "أبيس" بشروط خاصة وكيفيات خاصة، حتى سرت منهم هذه العادة إلى الإسرائيليين رغم ما كان فيهم من أنبياء، وما أنزل الله عليهم من كتب. ولقد عرفت عبادة البقرة فى معظم القارة الأسيوية، كذلك بين الأشوريين والبابليين والإيرانيين والهنود، ولا زالت إلى اليوم معبود الهندوس الأعظم، وسرى إلى العرب شىء من هذه العقيدة فكان عنها السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي وما يتصل بها من شعائر. 

ولقد استمر ظل هذه العقائد الفاسدة ممتدًا حتى وصل إلى بعض المجتمعات الإسلامية، وكنا نسمع إلى وقت قريب عن "عجل السيد" ونظرائه فى كثير من البلاد، ولهذا كان من اللازم أن تحارب هذه العقيدة، وأن تجتث من أصولها، وأن تسمى أطول سورة فى القرآن باسم الجزء الذي تعرض للبقرة منها، وفيه الأمر بذبحها بأيدي الذين سرى إلى نفوسهم تقديسها وتكريمها من بنى إسرائيل تقليدًا للمصريين، ونقلا عن شرائعهم حينذاك، والله أعلم.

 

استعراض عام للمقاصد الكلية فى السورة الكريمة:

من الخير أن نضع بين يدي الناظرين فى كتاب الله -تبارك وتعالى- هذه الصورة المجملة لمقاصد السورة المباركة بأرقام الآيات حتى تكون مفتاحًا للتدبر والتفكر حين التلاوة ومعوانًا على الدرس والبحث، فنقول: بدأت هذه المقاصد فى السورة الكريمة بمقدمات عامة خلاصتها:

حكمة الاستفتاح بالحروف المفردة الآية (1)، ثم عرض الدعوة ممثلة فى كتاب حق، الآية (2)، ثم بيان موقف الناس منها وتقسيمهم إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين وصفات كل وخصائصه الآيات (3-20)، وعموم الدعوة إلى عبادة الله وحده ونفى الشرك به (21-22)، والتحدي بإعجاز القرآن للبشر (23)، وتسجيل جزاء المصدقين والمكذبين (24-25)، وحكمة القرآن فى التمثيل وأثر ذلك فى الناس (26-27)، وتلخيص أطوار الحياة الإنسانية وخلق الكائنات، والصلة بين الإنسان والجن والملائكة وختام هذه المقدمات بتقرير جزاء المهتدين والمكذبين (28-39).

ثم عرضت بعد ذلك لناحية تطبيقية؛ هى استعراض تاريخ الأمة اليهودية استعراضًا تظهر فيه أخلاقها وأعمالها، وتتخلله قواعد ثابتة من سنن الله التى لا تتغير. والحكمة فى اختيار قصة بنى إسرائيل وكثرة تكرارها فى سور القرآن الكريم واضحة؛ فإن شريعتها هى أقدم الشرائع السماوية المعروفة الآن، وما زالت هذه الأمة مشكلة العالم الإنساني ومصدر البلاء للبشرية حتى يأتى أمر الله.

وقد بدأ هذا الاستعراض بتذكيرهم بنعمة الله عليهم وعهده عندهم، ومطالبتهم بالوفاء وتوعدهم بالجزاء الآيات (40-48)، ثم تذكير الله إياهم بالنجاة من فرعون وإنزال التوراة وقبول التوبة بعد الخطيئة والحياة بعد الصعق والسعة فى الرزق، وهم مع ذلك يأبون إلا العناد والمخالفة والتمرد على الحق، والعدوان على أنبياء الله الآيات (49-61). وتقرير قاعدة التبرير بالإيمان، وأن الإيمان هو لب الدين وأصل النجاة فى كل الشرائع السماوية (62)، ثم ذكر حادثة الطور والسبت والبقرة والقتيل وقسوة قلوبهم من بعد ذلك كله، مما يؤدى إلى اليأس من هدايتهم ويعزى عن ضلالهم وسوء طويتهم (63-75). ثم تسجيل خلق النفاق والكذب عليهم (76-79)، وتقرير قاعدة الجزاء بالعمل لا بالتمني والادعاء (80-82)، وبيان أصول شريعة موسى -عليه السلام- وهى أصول الشرائع عامة (83)، وخروجهم عليها بعد إقرارهم بها استكبارًا وبغيًا وحسدًا وحرصًا على الحياة (84-96)، ثم التعرض لهدم عقائدهم الفاسدة فى الملائكة وفى السحر (97-103)، وكشف خبيئة نفوسهم للمؤمنين من الخبث والحسد (104-105)، وتقرير السنة الإلهية فى التذكير بآيات الله وقدرته على ذلك ووجوب التسليم للرسل عليهم الصلاة والسلام (106-108)، وبيان داء الحسد فى نفوس أهل الكتاب ودوائه فى نفوس المؤمنين وأعمالهم، وتقرير قاعدة أن الجنة إنما تكون جزاء الإيمان بالحقيقة والجوهر لا بالتسمية والمظهر (109-112). والتنديد بالخلاف الشكلي بين اليهود والنصارى مع بعدهم عن لب الدين وحقيقته، وتعطيلهم لشعائر الله، وتعصبهم لما هم عليه من الباطل، ثم تذكيرهم بنعمة الله وتوعدهم بالجزاء إن أعرضوا يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئًا (113- 123).

ولما كان بنو إسرائيل أحفاد إبراهيم -عليه السلام- وإليه ينتهى شرفهم وتفضيلهم تناولت السورة بعد ذلك طرفًا من سيرته؛ فيه تقرير إمامته عمليًّا بالبيت الحرام، ونظريًّا بملته الحنيفية السمحة، مع بيان أن هذه الحنفية هى حقيقة اليهودية والنصرانية والإسلام وأنه وصية إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لأبنائهم الأسباط عليهم الصلاة والسلام، مع بيان أن الخلاف فى القبلة والملة إنما أساسه التعصب مع أن الكثير يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، وأن واجب المؤمنين استباق الخير واستقباله قبلة الحق أينما كانوا

(124-150).

ثم أتبعت السورة هذا التطبيق التاريخي ببيان بعض الأصول التى تقوم عليها الشريعة المطهرة؛ من تقرير مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم، والوصية بالذكر والشكر والصبر والصلاة والجهاد، وتسجيل سنة الله فى القائمين بالدعوات من الامتحان والاختبار وعقوبة الكاتمين لآيات الله والكافرين به والمنكرين لوحدانيته، وبيان أن التقليد لا يدفع العقوبة، وأن أساس النجاة أكل الحلال الطيب ومخالفة الشيطان (151- 176).

كما عرضت بعد تقرير هذه الأصول إلى ما يتصل بها من فروع الأحكام المتعلقة بالأفراد فى عقائدهم أو أعمالهم؛ كحقيقة البر وحكمة القصاص والوصية والصيام والدعاء والاعتكاف والحج والعمرة والمحافظة على الأموال، وتسجيل قاعدة وجوب مخاطبة الناس بما يعقلون (177- 203).

وتناولت الآيات بعد ذلك بحوثًا تحليلية فى مواقف الناس بالنسبة للدعوات؛ من حيث اختلاف طبائعهم وترددهم فى القبول، وأن من سنة الله امتحانهم فى أنفسهم بالقتال والانتقام، وفى أموالهم بالبذل والعطاء، وأن الجزاء مرتب على النجاح فى هذا الامتحان (204- 218).

وعادت بعد هذا البيان إلى تقرير كثير من الأحكام الفرعية المتصلة بالبيوت والمجتمعات؛ فذكرت حكم الخمر والميسر، والإنفاق والصدقات، وفضل رعاية اليتيم، وحكم نكاح المشركين والمشركات، وآداب مخالطة النساء، وأثر اليمين اللغو والمنعقدة، وأحكام الإيلاء والعدة والطلاق بصوره المختلفة، ثم الإرضاع والمتعة وعدة الوفاة، وصلاة القتال (219- 242).

ثم أردفت هذا البيان الوافي فى الأحكام الشرعية بتقرير سنة الله -تبارك وتعالى- فى نهضات الأمم، وأنها إنما تقوم على حب الموت ودوام البذل وتقرير الجهاد وحسن الطاعة واحترام النظام، والاعتماد بعد ذلك كله على تأييد الله، مؤيدًا ذلك بقصة طالوت وجالوت، وأن ذلك شأن الناس فى كل زمان ومكان (243 - 254).

واقتضى هذا السياق العودة إلى التذكير بالأصل الذى تقوم عليه الشرائع والأديان؛ وهو تنزيه الله -تبارك وتعالى- ومعرفته معرفة طواعية واختيار، وأن الإيمان وحده هو أساس صلة البشر بالله، وأن سر الحياة لا يعلمه أحد سواه (255-260).

ولما كان المال قوام الحياة عرضت السورة الكريمة لجملة صالحة من أحكام الصدقات والأموال؛ من الإنفاق فى سبيل الله والزكاة والبيع والربا والقرض والدين والتجارة والرهن (261- 283).

وكان مسك الختام إعلان التسليم لرب العالمين، والإيمان بوحدة قواعد الدين، وتقرير قاعدة دفع الحرج عن المكلفين، وهذا الدعاء والابتهال فى إخبات المؤمنين وخشوع الصادقين (284- 286).

الحروف المفردة فى أوائل السور:

(الم) وما شابهها فى أوائل السور القرآنية.

كثرت أقوال المفسرين فى ذلك، وأحقها بالنظر والتقدير آراء ثلاثة:

أنها للفت النظر للاستماع للقرآن حين يتلى، فهي أداة تنبيه وخاصة للمشركين الذين كانوا يعلمون تمام العلم أن محمدًا -عليه الصلاة والسلام- أمي لم يقرأ ولم يكتب قبل أن يوحى إليه هذا القرآن، فنطقه بهذه الحروف على الهيئة التى لا يحذقها إلا القراء والكاتبون أمر يستدعى الانتباه ويستلفت النظر.

أو أنها إشارة إلى الإعجاز؛ كأنه يقول لهم: إن هذه الألفاظ والجمل والعبارات والآيات قد ركبت من هذه الحروف البسيطة التى تعرفونها جميعًا، ومع ذلك فقد عجزتم عن الإتيان بمثل هذا التركيب مع أن هذه هى مادته الأولية بين أيديكم، فلا مندوحة لكم بعد هذا من الإقرار بأن هذا الكتاب المركب هذا التركيب من عند الله لا من صنع البشر.

أو أنها إشارة على فضل الكتابة وسمو منزلتها، والتفاؤل بأنه كما كانت معرفة البشر للكتابة إيذانًا بانتقالهم من طور إلى طور فى مدارج الرقى والكمال، فكذلك الاهتداء بهذه الرسالة سيكون انتقالا جديدًا إلى درجة أعلى وأكمل فى مدارج الحضارة الإنسانية والترقي الاجتماعي. وقد جاء القرآن حريصًا على إبراز هذا المعنى، حتى كانت أول سورة أنزلت منه فى أرجح الأقوال: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5].

وكل ما عدا هذه الآراء الثلاثة من أقوال المفسرين ظن لا يغنى من الحق شيئًا. ومن طرائف ما ذهب إليه بعضهم فى ذلك استخلاصه هذا التركيب من هذه الحروف فى أوائل السور بعد حذف المكرر منها: "نص حكيم قاطع له سر"؛ كأنه يريد أن يقول: إنها وصف للقرآن، ولا دليل على هذا القول ولا سند له.

} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2].

القرآن الكريم وأحقيته:

والمراد بالكتاب القرآن الكريم، والريب الشك. فالآية تقرر أن هذا القرآن من شأنه الحق والصدق، فلا يصح أن يخالط أحد الشك فى صدقه وأحقيته، وأنه من عند الله تبارك وتعالى، وأن ما فيه هو الخير والهداية للناس. وقد يقف بعض القراء على (لا ريب) ويستأنف القراءة بعدها فيقرأ: (فيه هدى للمتقين)، وهو توجيه متكلف وإن صح المعنى، ويضعفه ما جاء فى سورة السجدة }الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: 1-2]؛ إذ لا يحتمل المعنى الاستئناف فيها كما احتمله فى الأولى.

وقد تكررت الإشارة إلى أحقية القرآن وصدقه وفضله وبركته وإعزازه وسلامته فى كثير من الآيات؛ مثل قوله تعالى: }وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 41-42]، }كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ [ص: 29]، }وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [فاطر: 31].

كما أشارت الآيات أيضًا إلى الأدلة المعقولة المقبولة على هذا الصدق ونفى الريب والشك والمظنة فى مواضع كثيرة، ومن هذه الأدلة: استقامة نظمه وانسجام معانيه

} وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: 82] ، وذلك يتضح بإنعام النظر وكثرة التدبر، ومنها إعجازه البالغ المحيط الشامل مع التحدي الثابت الدائم} قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88]. 

وسنفرد لهذا بابًا خاصًا فى هذا التفسير -إن شاء الله- عند أول مناسبة، ومنها أنه جاء على فترة من الرسل وفى غفلة من النبى  صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وبعد أن بلغ السن التى يستبعد معها الكذب والاختلاق والتوهم، وخصوصًا مع من عرف طيلة شبابه بالصادق الأمين }وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: 15]، ومنها نزوله على أمي لم يدخل مدرسة ولم يتعلم فى جامعة ولم يقرأ ولم يكتب من قبل }وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [النمل: 48]، ومنها موافقته للعقل والمنطق، وغزارة ما فيه من العلم والمعرفة، وصحة ما أشار إليه من نظم الحياة وقواعد الاجتماع، وانطباق ما فيه على الحقائق الكونية الثابتة مهما ارتقى البحث أو تطورت الكشوف والمخترعات }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53].

والأدلة والشواهد على ذلك كثيرة متضافرة، كلها تنطق بأن هذا الكتاب فى نظمه وأسلوبه ومقاصده ومعانيه لا يمكن أن يلصق به شك أو ريب فى أنه من عند الله.

الهداية الربانية:

الهدى: الإرشاد والدلالة على الطريق المستقيم، وقد جاء هذا الوصف فى القرآن الكريم مصاحبًا للكتب السماوية جميعًا؛ فالقرآن هدى للمتقين، والتوراة هدى ونور، والإنجيل هدى وموعظة... إلخ.

وقد تقدم فى تفسير سورة الفاتحة أن الله -تبارك وتعالى- منح البشر هدايات؛ هى هداية الشعور والوجدان والفطرة، ثم هداية الحواس الظاهرة، ثم هداية العقل والتفكير، ثم هداية الشرائع والكتب التى تبصر العقل بالخير والشر وترجح أمامه دواعي الخير وتعظه وتزجره عن وساوس الشر، وقد تكتب هذه الهداية للصالحين من عباد الله -تبارك وتعالى-: }أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90]. كما ثبتت بأعلى درجاتها للنبى صلى الله عليه وسلم بهذا الإسلام }قُلْ إِنَّنِى هداني رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161]. وأمرنا الله -تبارك وتعالى- أن نسأله إياها فى صلواتنا، فكان من آيات الفاتحة }اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6].

المتقون وأوصافهم:

التقوى والاتقاء بمعنى، وأصل المادة: وقى يقي، ومنه الوقاية، وهي ما يحول بين الإنسان وما يكره. وقد ورد لفظ التقوى والأمر بها فى القرآن الكريم مضافًا إلى الله -تبارك وتعالى- فى كثير من الآيات؛ مثل قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: 102]، وقوله: }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]، وقوله: }وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الألْبَابِ [البقرة: 197]، }وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 41].

وكثيرًا ما تختم الآيات الكريمة -وبخاصة التى تتضمن أحكامًا تتصل بالنفس أو بالشئون الشخصية أو نحوها من الأمور التى لا تقوم عليها الدلائل الحسية الظاهرة- بالأمر بتقوى الله -تبارك وتعالى- وبيان جزاء هذه التقوى فى الدنيا والآخرة، كما قال تبارك وتعالى: }وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة: 189]، }وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة: 203]، }وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 231]، }وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2-3]، }وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: 4]، }وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: 5]. وسنشير إلى المقصود بهذا الختام عند كل آية إن شاء الله.

كما جاء لفظ التقوى كذلك مضافًا إلى النار، والمراد التحفظ مما يوقع فيها؛ كما ورد فى قوله تعالى: }فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 24]، }وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى أُعِدِّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131]، }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ [التحريم: 6].

وقد ورد فى كثير من الآيات أن مثوبة التقوى الجنة مع النجاة من النار:

} وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] ، واعتبرت مقياس الكرامة الإنسانية} إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].

قال القرطبي: التقوى يقال أصلها فى اللغة: قلة الكلام، حكاه ابن فارس. قلت: ومنه الحديث: "التقى ملجم، والمتقي فوق المؤمن الطائع". وهو الذى يتقى بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه مما تجعله حاجزًا بينك وبينه، وقال الشاعر:

فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت

                بأحسن موصولين كف ومعصم

وخرج أبو محمد عبد الغنى الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبى عبيدة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: قال يومًا لابن أخيه: يا ابن أخي، ترى الناس ما أكثرهم، قلت: بلى، قال: لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم.

وقال أبو يزيد البسطامي: المتقي مَنْ إذا قال قال لله، ومن إذا عمل عمل لله. وقال أبو سليمان الدارانى: المتقون الذين نزع الله من قلوبهم حب الشهوات. وقيل: المتقي الذي اتقى الشرك وبرئ من النفاق. قال ابن عطية: وهذا فاسد؛ لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق. وسأل عمر بن الخطاب  رضى الله عنه أبيًّا عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. والتقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله فى الأولين والآخرين، وهي خير ما يستقيده الإنسان.

وروى ابن ماجة فى سننه، عن أبى أمامة، عن النبى  صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة؛ إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها نصحته فى نفسها وماله".

وقال سهل بن عبد الله: لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسوله، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه. ومن أراد أن تصح له التقوى فليترك الذنوب. وقال طلق بن حيي: التقوى عمل بطاعة الله، على نور من الله؛ مخافة عقاب الله. وكان أبو الحسين الزنجان يقول: من كان رأس ماله التقوى كلَّتِ الألسن عن وصف ريحه. وقيل: أصل التقوى اتقاء الشرك، وبعده اتقاء المعاصي والسيئات، وبعده اتقاء الشبهات. وقال فى تفسير المنار ما خلاصته: معنى اتقاء الله تعالى اتقاء عذابه وعقابه، وإنما تضاف التقوى إلى الله تعالى تعظيمًا لأمر عذابه وعقابه، وإلا فلا يمكن لأحد أن يتقى ذات الله تعالى ولا تأثير قدرته ولا الخضوع الفطري لمشيئته. فالمتقي هو من يحمى نفسه من العقاب، ولا بد فى ذلك أن يكون عنده نظر ورشد يعرف بهما أسباب العقاب والآلام فيتقيها. والعقاب الإلهي الذي يجب على الناس اتقاؤه قسمان: دنيوي وأخروى، وكل منهما يتقى باتقاء أسبابه، وهي أمران: مخالفة دين الله وشرعه، ومخالفة سنته فى نظام خلقه، فأما عقاب الآخرة فيتقى بالإيمان الصحيح والتوحيد الخالص والعمل الصالح، واجتناب ما ينافي ذلك من الشرك والكفر والمعاصي والرذائل. وذلك مبين فى كتاب الله وسنة رسوله، وأفضل ما يستعان به على فهمهما واتباعهما سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأولين من آل الرسول  صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمصار. وأما عقاب الدنيا فيجب أن يستعان على اتقائه بالعلم بسنن الله تعالى فى هذا العالم، ولا سيما سنن اعتدال المزاج وصحة الأبدان وأمثلتها ظاهرة، وسنن الاجتماع البشرى، فاتقاء الفشل والخذلان فى القتال يتوقف على معرفة نظام الحرب وفنونها، واتقاء آلاتها وأسلحتها التى ارتقت فى هذا العصر ارتقاءً عجيبًا، كما يتوقف على أسباب القوة المعنوية من اجتماع الكلمة واتحاد الأمة والصبر والثبات والتوكل على الله واحتساب الأجر عنده.

الإيمان بالغيب:

} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 3].

} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ: الإيمان فى اللغة: التصديق، ويتعدى بالباء واللام. وفى الشرع: التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها وتسليمها بما أشار إليه حديث جبريل -عليه السلام- حين قال للنبى صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". وهو مروى بطوله فى الصحاح. وآية الإيمان العمل، وفى كتب العقائد والفرق تفصيلات وتفاريع وكلام طويل عن الإيمان وما يتصل به، وفى آيات القرآن الكريم بيان واف لحقيقة الإيمان الشرعي وعلامته وكل ما يتصل به سنعرض له فى موضعه إن شاء الله تعالى.

والغيب فى اللغة: كل ما غاب عنك، والغيابة الأجمة، وهى مجتمع الشجر يغاب فيه. ويسمى المطمئن من الأرض الغيب؛ لأنه غاب عن البصر. والغيب فى الشرع: كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا يقع تحت الحس فى عالم الشهادة؛ كعذاب القبر، والحشر والنشر، والصراط، والميزان، وصفات الباري جل وعلا، ونحو ذلك.

والإيمان بهذا الغيب من صفات المتقين، وهو دليل على حسن استعداد النفوس لتلقى حقائق الدين والتصديق بها والعمل لها؛ ولهذا جاء فى صدر هذه الصفات، وهو أفضل أنواع الإيمان وأعلاها.

قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبى  صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيِّنا لمن رآه، والذى لا إله غيره ما آمن من أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: }الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى قوله: }الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 1-5].

وهكذا رواه ابن أبى حاتم وابن مردويه والحاكم فى مستدركه من طرق عن الأعمش، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وروى أحمد وابن مردويه فى تفسيره بسنده -واللفظ له- عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس يصلى فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة رضى الله عنه، فلما انصرف خرجنا نشيِّعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: هات رحمك الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا بالله واتبعناك. قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحى من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا مرتين".

وروى الحسن بن عرفة العبدى قال: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن ابن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أى الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: فالنبيون؟ قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن؟ قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن أعجب الخلق إلىَّ إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم، يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها".

قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث. وقال الحافظ ابن كثير تعقيبًا على هذا: لكن قد روى أبو يعلى فى مسنده وابن مردويه فى تفسيره، والحاكم فى مستدركه من حديث محمد بن حميد، وفيه ضعف عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبى  صلى الله عليه وسلم بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد روى نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا، والله أعلم.

قال الطبري: وحدثت عن عمار بن الحسن قال: حدثني ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله قال: الإيمان التصديق، ومعنى الإيمان عند العرب التصديق، فيدعى المصدق بالشيء قولا مؤمنًا به، ويدعى المصدق قوله بفعله مؤمنًا، ومن ذلك قول الله -جل ثناؤه-: }وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17] يعنى: وما أنت بمصدق لنا فى قولنا.

وقد تدخل الخشية لله فى معنى الإيمان الذى هو تصديق القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل، وإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويله الآية وأشبه بصفة القوم أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب قولا واعتقادًا وعملا؛ إذ كان -جل ثناؤه- لم يحصرهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى؛ بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شىء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل، كما أورد فى معنى الغيب عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبى  صلى الله عليه وسلم: أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر الله -تبارك وتعالى- فى القرآن لم يكن تصديقهم بذلك يعنى المؤمنين من العرب من قبل أصل كتاب علم كان عندهم. وعن قتادة قال: آمنوا بالجنة والنار والبعث بعد الموت وبيوم القيامة، وكل هذا غيب. وعن الربيع بن أنس: آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب" أ هـ.

وليس المراد بالإيمان بالغيب التسليم الأعمى بدون دليل أو نظر أو برهان مما يؤدى إلى اعتقاد الخرافات والتصديق بالأوهام، والإيمان بما لا يتفق مع الحقائق العليا التى جاء بها الدين الحنيف؛ فقد نهينا عن مثل هذا الإيمان الضعيف المتهافت، وقد أمرنا بالنظر فى ملكوت السموات والأرض، وتقدير نعمة الله علينا بالإدراك والعقل، واعتبر الفكر عبادة من أجَلِّ العبادات الموصلة إلى معرفة الخالق -جل وعلا- وكمال الإيمان به. وجعل العقل مناط التكليف، ومدار الثواب والعقاب، وتردد ذكره فى القرآن الكريم أكثر من أربعين مرة مقرونًا بالحث على استخدامه فيما خلق له، فلا يمكن أن يكون معنى ذلك تشجيع الاستسلام للأوهام بدون نظر أو برهان، ولكن المراد -والله أعلم- أن طبائع البشر مختلفة؛ فمنها الحجري المتصلب المكابر المعاند الذى لا يؤمن إلا بما يرى بعينه ويدركه بحاسته الكثيفة، وقد تدفعه الأهواء والأغراض الفاسدة إلى المكابرة حتى فى هذا المحسوس، وقد وردت الإشارة إلى هذا الصنف من البشر فى كثير من آيات القرآن الكريم؛ من مثل قول الله -تبارك وتعالى- فى بنى إسرائيل: }ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فهي كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 74]. وقوله تعالى: }إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ [الأنفال: 2-23].

وقوله تعالى: }أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 75]. فهؤلاء وأمثالهم لا يمكن أن تنفع فيهم موعظة، أو تشرق أرواحهم بحقائق الإيمان.

كما أن من النفوس البشرية المشرق المستنير اللين المستعد لتلقى الحق والإذعان له، وهو من الشفافية والصفاء والإشراق بحيث يدرك الحقائق بحاسة أخرى هى فوق الحس والشم والذوق والسمع والبصر، وفى هؤلاء وأمثالهم يقول الحق -تبارك وتعالى-: }اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَّشَاءُ [الزمر: 23].

ولا ينكر هذا التفاوت فى طبائع النفوس البشرية إلا جاحد مكابر من الصنف الأول؛ فإنه مشاهد ملموس. فالمراد بالذين يؤمنون بالغيب هو هذا الصنف المشرق الشفاف من النفوس الطيبة اللينة الحسنة الاستعداد لتقبل الحقائق، وإن جاءتها عن غير طريق الحواس. قال الأستاذ الإمام فى هذا المقام ما نصه: "وصاحب هذا الاعتقاد واقف على طريق الرشاد، وقائم على أول النهج لا يحتاج إلا إلى من يدله على المسلك، ويأخذ بيده إلى الغاية، فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل وإن كان لا يأتى عليها الحس إذا أقمت له الدليل على وجود فاطر السموات والأرض المستعلي عن المادة ولواحقها، المتصف بما وصفت به نفسه على ألسنة رسله سهل عليه التصديق وخف عليه النظر فى جلى المقدمات وخفيها، وإذا جاء الرسول بوصف اليوم الآخر أو بذكر عالم من العوالم التى استأثر الله بعلمها -كعالم الملائكة مثلا- لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر بعد ثبوت النبوة، لهذا جعل الله -سبحانه- هذا الوصف فى مقدمة أوصاف المتقين الذين يجدون فى القرآن هدى لهم، وأما من لا  يعرف من الموجود إلا المحسوس، ويظن أن لا شىء وراء المحسوسات وما اشتملت عليه فنفسه تنفر من ذكر ما وراء مشهوده أو ما يشبه مشهوده، وقلما تجد السبيل إلى قلبه إذا بدأته بدعواك. نعم؛ قد توصل المجاهدة بعد مرور الزمان فى إيراد المقدمات البصيرة والأخذ به فى الطرق المختلفة إلى تقريبه مما تطلب، ولكن هيهات أن ينصرك الصبر أو يخضعه القهر حتى يتم لك منه الأمر، فمثل هذا إذا عرض عليه القرآن نَبَا عنه سمعه ولم يجمل من نفسه وقعه، فكيف يجد فيه هداية أو منقذًا من غواية. ولما كان الإيمان بالغيب يطلق عند الناس على ذلك الاستسلام التقليدي الذي لم يأخذ من النفس إلا ما أخذ اللفظ من اللسان، وليس له أثر فى الأفعال لأنه لم يقع تحت نظر العقل ولم يلحظه وجدان القلب، بل أغلقت عليه خزانة الوهم، ومثل هذا الذي يسمونه إيمانًا لا يفيد فى إعداد القلب للاهتداء بالقرآن.

لما كان هذا شأنهم مَنّ الله علينا ببيان يشعر بحقيقة ما أراده الله تعالى من معنى الإيمان، فذكر علامات المؤمنين بالغيب الذين ينتفعون بهداية القرآن بالجمل الآتية":

إقامة الصلاة:

} وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ [البقرة: 3].

الصلاة أصلها فى اللغة: الدعاء، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا دُعِىَ أحدُكم إلى طعام فلْيُجِب، فإن كان مُفْطِرًا فلْيَطْعَم، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ". أى فليدع على الأشْهَر. ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبى صلى الله عليه وسلم قالت أسماء: ثم مسحه وصلى الله عليه؛ أى دعا له، ومنه قوله تعالى: }وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة: 103] أى ادع لهم، وقال الأعشى:

تقول بنتي وقد قربت مرتحلا

                يا رب جنب أبى الأوصاب والوجعا

عليك مثل الذي صليت فاغتمضى

                نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا

أى مثل الذي دعوت به. ومن هذا المأخذ اشتقت الصلاة شرعًا. وقيل: بل هى مأخوذة من الصلاة، وهو عرق فى وسط الظهر. وقيل: مأخوذة من اللزوم، أو من صليت العود بالنار إذا قوَّمته وليَّنته بالصلاء. وقيل: هى اسم علم وضع للعبادة المعروفة، فإن الله تعالى لم يخل زمانًا من شرع ولم يخل شرعًا من صلاة، هكذا قال أبو نصر القشيري.

ومن معانى الصلاة: الرحمة، ومنه: اللهم صل على محمد. والعبادة، ومنه الآية الكريمة }وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ [التوبة: 35] أى عبادتهم. والقراءة، ومنه: }وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا [الإسراء: 110]. أ هـ ملخصًا من القرطبي.

ويراد بالصلاة شرعًا: العبادة المعروفة من الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، وإقامتها: أداؤها بأركانها وسننها وهيآتها فى أوقاتها. قال ابن عباس: ويقيمون الصلاة: أى يقيمون الصلاة بفروضها. وحكى الضحاك عنه إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد، والصلاة على النبى  صلى الله عليه وسلم، فهذا إقامتها. وقيل: إقامتها دوامها؛ يقال: قام الشيء أى دام وثبت. وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله: من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيَّعها فهو لِمَا سواها أضيع.

وهنا بحوث طريفة لطيفة نلم بها فى اختصار وإيجاز؛ لما فيها من فائدة وتنبيه على دقائق الآيات التى ستمر بنا بعد ذلك متصلة بأحكام الصلاة، والله المستعان. 

الصلاة فى القرآن والسنة:

لم تتعرض آيات الكتاب الكريم لتفاصيل أحكام الصلاة فى أوقاتها أو أعمالها، وإنما عرضت لذلك إجمالا فى عدة مواضع؛ منها قول الله -تبارك وتعالى-: }حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238]، }إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا [النساء: 103]، }وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَىْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114]، }أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78]، }وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا [الإسراء: 110]، }وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: 132]، }إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45]، }إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج: 19- 23]، }وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ [البينة: 5]، }فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4-5].

ذلك مثل ما جاء فى القرآن الكريم عن الصلاة مجملا، وخصت صلاة الجمعة بآية مفصلة، وصلاة الخوف أو القتال بآية مفصلة كذلك؛ ففي صلاة الجمعة يقول القرآن الكريم: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِى الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة: 9-11].

وفى صلاة الخوف أو القتال يقول القرآن الكريم: }وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء: 102].

كما عرضت الآيات كذلك للطهارة قبلها فى آية المائدة: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6].

وقد أورد القرطبي فى هذا الموضع إحصاء لطيفًا فقال: فهذه جملة من أحكام الصلاة وسائر أحكامها يأتى بيانها فى مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقِبْلة، والمبادرة إلى الأوقات وبعض صلاة الخوف فى هذه السورة (أى البقرة)، ويأتي قصر الصلاة وصلاة الخوف فى النساء، والأوقات فى هود وسبحان -يعنى الإسراء- والروم، وصلاة الليل فى المزمل، وسجود التلاوة فى الأعراف، وسجود الشكر فى "ص"، كل فى موضعه إن شاء الله. وَفَاتَه -رحمه الله- أن يشير إلى صلاة الجمعة فى سورة الجمعة، وسبحان من لا تأخذه سنة ولا نوم.

ويلاحظ أن ذكر الصلاة فى كثير من الآيات يجيء مقرونًا بالإيمان أولا وبالزكاة ثانيًا، وقد يقرن الثلاثة بالعمل الصالح، وهو ترتيب ووضع طبعي؛ فالإيمان أساس وهو عمل القلب، والعمل الصالح مجملا دليل صدق الإيمان وهو عمل الحس، وأول عمل يطالب به المؤمن هذه الصلاة وهي عبادة البدن، ثم الزكاة والنفقة وهي عبادة المال وضريبة المكسب.

كما يلاحظ أن الآيات تطالب بإقامة الصلاة لا بالصلاة مطلقًا؛ لأن المقصود ليس أداء الصلاة أداء شكليًّا، ولكن المقصود أداؤها أداء حقيقيًّا بكمال صورتها الظاهرة وتوفر الخشوع وحضور القلب فيها، وهذا الحضور هو حقيقتها الباطنة.

أما السنة المطهرة فقد جاءت مفصلة لكل ما أجمله القرآن الكريم؛ من أحكامها، فأوقاتها، وأركانها، وفرائضها، وسننها، ونوافلها، وكيفياتها، وكل ما يتصل بها قولا وعملاً، كلها مفصلة فى السنة، وأجمل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلى".

حكم ترك الصلاة فى الفقه الإسلامي:

وقد أجمع فقهاء المسلمين على أن من ترك الصلاة جاحدًا لفرضيتها ومنكرًا لوجوبها خارج من الإسلام مرتد عنه؛ لأنه كذب الله ورسوله. واختلفوا فيمن تركها تكاسلا وإهمالا؛ فأما الجمهور منهم فقد ذهب إلى أنه ارتكب كبيرة من أشد الكبائر، ولكنه لا يكفر بذلك، وذهب بعض الأئمة إلى أنه يكفر بهذا الترك، وتفصيل ذلك فى موضعه من كتب الفقه، وإنما ألممنا هنا بهذه الإشارة؛ لبيان ما لهذه الفريضة من منزلة فى الإسلام.

كيف فرضت الصلاة، ومتى فرضت؟

الجمع بين الأقوال الواردة فى ذلك يعطينا هذه الصورة: أنها فرضت على ثلاث مراحل؛ ففي أول البعثة فرضت ركعتان بالغداة وركعتان بالعشى وصلاة الليل، ودليل القائلين بهذا ما نزل من الآيات فى مكة وفيها الأمر بالصلاة، وما ورد من أن خديجة -رضى الله عنها- صلت مع النبى  صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أنها توفيت قبل الإسراء على أرجح الأقوال فى وقته، وهو قبل الهجرة بسنة، ونقله العيني عن أبى إسحاق ويحيى بن سلام قال: ويشهد له قوله تعالى: }وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: 41]، وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا [المزمل: 1-2].

ثم زيد عددها فى ليلة الإسراء إلى خمس صلوات ركعتين ركعتين إلا المغرب فكانت ثلاثًا فى أرجح الأقوال. وقيل: بل كانت اثنتين أيضًا، ويشهد له حديث عائشة -رضى الله عنها- الذي رواه البخاري قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين فى الْحَضَر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد فى صلاة الحضر". ثم زيدت ركعاتها بعد ذلك فى السنة الثانية من الهجرة إلى العدد المعروف فى الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وبهذا التصوير يجمع بين كل الأقوال الواردة فى وقت فرضية الصلاة وكيفيتها.

أثر الصلاة الروحي:

الإيمان الصادق بالله تبارك وتعالى يُحْدِث -ولا شك- فى النفس شوقًا ولوعة وتحرقًا وحنينًا وحبًّا يصل إلى حد الوَلَه بمناجاته سبحانه وتعالى وذكره والتبتل له، والتذلل بين يديه، وليس لهذا كله من مظهر إلا "الصلاة" التى هى الصلة بين العبد وربه، والتي يقول فيها النبى صلى الله عليه وسلم: "أقربُ ما يكونُ العَبْدُ من ربه وهو سَاجِدٌ".

وإذا أكثر العبد من الصلاة مستصحبًا هذا الشعور أحدثت الصلاة فى نفسه أثرًا عميقًا من التلذذ، ووجد لها حلاوة فى قرارة فؤاده، وإشراقًا فى حنايا قلبه يجعلها ربيع صدره وقرة عينه، وكذلك كان الصالحون يقولون، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وجُعِلتْ قُرَّة عيني الصَّلاةُ".. وكان  صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. رواه أحمد وأبو داود. ومن هنا كانت الصلاة -ولا شك- خير مهذب للأرواح، ومطهر للنفوس من أدران الإثم والفساد }إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ [العنكبوت: 45].

أثر الصلاة الاجتماعي:

ولا يقف أثر الصلاة عند هذا الحد الفردي؛ بل إن الصلاة كما وصفها الإسلام بأعمالها الظاهرة وحقيقتها الباطنة منهاج كامل لتربية الأمة الكاملة؛ فهي بأعمالها البدنية وأوقاتها المنتظمة خير ما يفيد البدن، وهي بآثارها الروحية وأذكارها وتلاوتها وأدعيتها خير ما يهذب النفس ويرقق الوجدان، وهي باشتراط القراءة فيها والقرآن الكريم منهاج ثقافة عالية شاملة تغذى العقل وتمد الفكر بكثير من حقائق العلوم والمعارف، فيخرج المصلى المتقن وقد صح بدنه، ورق شعوره، وغذى عقله، فأي كمال فى التربية الإنسانية الفردية بعد هذا؟! ثم هى باشتراط الجمعة والجماعة تجمع الأمة خمس مرات فى كل يوم، ومرة فى كل أسبوع على المعاني الاجتماعية الصالحة من الطاعة والنظام والحب والإخاء والمساواة بين يدي الله العلى الكبير، فأي كمال فى المجتمع أتم من أن يقوم على هذه الدعائم، ويشيد على هذه المثل العالية؟!!

إن الصلاة الإسلامية تربية للفرد كاملة، وبناء للأمة مشيد، ولقد خطر لى وأنا أستعرض المبادئ الاجتماعية العصرية أن الصلاة الإسلامية أخذت بخير ما فيها وطرحت نقائصها ومساويها؛ فأخذت من "الشيوعية" معنى المساواة والتآخي بجمع الناس فى صعيد واحد لا يملكه إلا الله وهو المسجد، وأخذت من "الديكتاتورية" النظام والحزم بإلزام الجماعة واتباع الإمام فى كل حركة وسكون، ومن شذ شذ فى النار. وأخذت من "الديمقراطية" النصح والشورى ووجوب رد الإمام إلى الصواب إذا أخطأ كائنًا من كان، وطرحت كل ما سوى ذلك من فوضى الشيوعية، واستبداد الدكتاتورية، وإباحية الديمقراطية، فكانت عصارة سائغة من الخير لا كدر فيها ولا التواء.

كمال الصلاة:

وكمال الصلاة فى ثلاثة أمور: المحافظة على وقتها المحدد، وإتقان ظاهرها بتجويد الأقوال واستيفاء الأعمال، وإتقان باطنها بحضور القلب والخشوع، وهذا فى الحقيقة هو المقصود بإقامة الصلاة، فمن فعل ذلك فقد أقامها، ومن قصر فى شىء منها فهو غير مقيم لها.

ويقول بعض المخدوعين: إذا كانت حقيقة الصلاة والمقصود منها عبادة الله وحضور القلب وتزكية النفس فما قيمة هذه الأعمال الظاهرة وإنما ينظر الله من عباده إلى قلوبهم؟ وقد خدع هؤلاء أنفسهم؛ فإن المعاني الوجدانية لا بد لها من رموز حسية حتى تظهر فى صورتها وتثبت فى النفوس بتكرارها، فالخشوع ومحبة الله والإخبات له كلها معان وجدانية تظهر فى هذه الأقوال والأفعال التى يأتى بها المصلى التى جاءت فى الصلاة الإسلامية على نحو من الكمال عجيب؛ من التكبير والركوع والسجود والجلوس حتى تشترك الجوارح كلها فى هذه العبادة، وتصدر عنها على كل الصور والأوضاع الممكنة فى تعظيم الله تبارك وتعالى، وتقديس عظمته وجلاله، وبتكرار هذه الأعمال الرمزية تثبت فى النفس هذه المعاني الوجدانية، فلا بد من ربط الأعمال بالأحاسيس والوجدانات، ومن قال غير ذلك فإنما يغالط نفسه، ويريد أن يفر من أعباء التكاليف، وما هى بالحقيقة بأعباء وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.

علاج الوسوسة:

ويقول بعضٌ آخر: إن جمع القلب فى الصلاة على الله -تبارك وتعالى- يكاد يكون مستحيلا؛ فإن الخواطر والوساوس تنتاب الإنسان وتتراكم عليه إذا دخل فى الصلاة ويكون التخلص منها من أعسر الأمور وأشقها وأصعبها، فهل من علاج نافع فى ذلك؟

والجواب: إن من أنفع ما يفيد فى هذا الأمر الاجتهاد فى الاستحضار أولا، وجمع القلب عند استقبال القبلة وقبل التكبيرة، ثم التكبير مع استحضار معناه، ثم متابعة التلاوة مع استحضار مقاصد الآيات الكلية، ثم استصحاب معرفة الحكمة فى كل قول أو عمل مع الإتيان به، ومن واظب على ذلك بشيء من الإجهاد أولا سهل عليه أخيرًا، ووجد لذلك لذة وحلاوة وفائدة محققة إن شاء الله، وأصبح بتوفيق الله من المقيمين للصلاة.

الإنفاق فى سبيل الله:

} وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزق: العطاء، ورزقناهم: أعطيناهم. وهو من رزقه يرزقه رَزقًا بالفتح وهو المصدر، وبالكسر الاسم، وجمعه أرزاق. والرازقية: ثياب كتان بيض. والرزق بلغة أزد شنوءة: الشكر، ومنه قوله عز وجل: }وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82] أى شكركم، ويقول: رزقني أى شكرني.

والرزق عند الجمهور: ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حرامًا. وذهب بعضهم إلى أن الحرام لا يسمى رزقًا، وأن الرزق مشروط بما يملك، وهو خلاف لا ثمرة له فى المقصود من الآيات.

والإنفاق: إخراج المال من اليد، ومنه نفق البيع أى خرج من يد البائع إلى المشترى، ونفق الزاد: فنى وفرغ. واختلفوا فى المراد بالإنفاق هنا، فقيل: الزكاة المفروضة، وروى هذا عن ابن عباس لقرنها بالصلاة.

وقيل: نفقة الرجل على أهله، وروى ذلك عن ابن مسعود؛ لأن ذلك أفضل النفقة. روى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "دينار أنفقته فى سبيل الله، ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرًا الذى أنفقته على أهلك". وروى عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته فى سبيل الله عز وجل، ودينار ينفقه على أصحابه فى سبيل الله. قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم.

وقيل: المراد صدقة التطوع، وروى عن الضحاك. نظرًا إلى أن الزكاة لا تأتى إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة، قال الضحاك: كانت النفقة قربانًا يتقربون بها إلى الله -عز وجل- على قدر جهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات فى براءة، وقيل: هو عام، وهو الصحيح – ملخصًا من القرطبي.

وأقول: إن الأمر أعمق من التحديد، والمراد به أولا -والله أعلم- بيان أثر التقوى والإيمان الصحيح فى النفوس الطيعة المستعدة للخير من زهادة فى أعراض هذه الحياة الدنيا، ومحبة لإشاعة الخير فى المجتمع، ومبادرة إلى الإيثار والبذل فى سبيل إسعاد البشر أو تخفيف آلامهم، وذلك غير قاصر على وقت أو قدر، فالذي تتأثر نفسه بهذه المشاعر ينفق مما رزقه الله على نفسه وعياله وعلى الناس تطوعًا وفريضة بالليل وبالنهار، وفى كل فرصة تتاح له.

سياسة القرآن فى الإنفاق:

وتدور سياسة القرآن الكريم فى الإنفاق على هذه القواعد:

1-     الترغيب فى الإنفاق فى سبيل الله، ومثال ذلك قول الله -تبارك وتعالى-:

} مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَّشَاءُ [البقرة: 261].

2-     الترهيب والتخويف من البخل وكنز المال: }وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 34-35].

3-     التحذير من الإسراف والتنبيه إلى التوسط: }إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء: 27]، }وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا [الإسراء: 29]، }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67].

4-     إيثار الأقرب فالأقرب، والأحوج فالأحوج: }يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [البقرة: 215]، }وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: 24-25].

5-     اللين فى الرد عند الاعتذار: }وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلا مَّيْسُورًا [الإسراء: 28].

6-     التنَزُّه عن المن والأذى عند العطاء: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا [البقرة: 264].

7-     ابتغاء وجه الله -تبارك وتعالى- وطيب النفس بالنفقة: }مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: 265].

} وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: 54].

8-     افتراض الزكاة على القادرين؛ لتنفق فى وجوه من ضروريات الإصلاح الاجتماعي: }إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60].

9-     الإشادة بفضل الإيثار والتطهر من الشح: }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9]، }وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا [الإنسان: 8-9].

10-   تفضيل السر على العلانية إلا لحكمة: }إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: 271].

ولا شك أن لهذه السياسة أثرها البالغ فى صلاح المجتمع الإنساني، وتحقيق معنى التكافل والعدالة واستقامة الأوضاع فيه، ولا شك أن مَنْ لاحظها وأنفق مما رزقه الله فى حدود قواعدها مع إقامة الصلاة والإيمان بالغيب فهو من خيار المتقين المهتدين بهداية القرآن الكريم.

أفضل نظام اقتصادي:

ولا شك أن القرآن بسياسته هذه فى الإنفاق قد أقام الاقتصاد الاجتماعي على المزج بين أصلين أساسيين؛ أولهما الاعتراف بمواهب الفرد وحقه فى ثمرات كسبه، وعدم الحد من جهوده فى هذه السبيل ما دام يكتسب من حلال طيب لا إثم فيه ولا عدوان.

وهذا هو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمونه فى هذا العصر "بالرأسمالية"، وهو وحده لا يؤدى إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور بين الناس على وفاق وصفاء، فكان لا بد من المزج بينه وبين الأصل الثاني؛ وهو: تقرير حق المجتمع فى كسب الفرد، ووجوب التكافل بين أبناء الأمة الواحدة، وهو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمونه فى هذا العصر "بالشيوعية".

وهو وحده لا يؤدى كذلك إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور فيه بين الناس على وفاق وصفاء، فكان لا بد من المزج بينه وبين الأصل الأول، فجاء نظام القرآن بهذا المزج بين أفضل ما فى النظامين، وقدمه للناس سائغًا فى صورة "اشتراكية معقولة"، عمادها تقديس الأخوة وروحانية العاطفة وحب الخير والإيمان بالجزاء فى الدنيا والآخرة، وليس ذلك فحسب فإن من النفوس من لا تهزه هذه النواحي وحدها، بل لاحظ أيضًا وجوب تدخل الدولة وحماية هذا السمو بالتشريع؛ بل بالقتال إذا احتاج الأمر عند اللزوم. 

ومن هنا قال الخليفة الأول رضى الله عنه: "والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها".

تقريب:

كما لاحظ الإسلام بأوضاعه الاقتصادية الدقيقة فى الكسب والإنفاق التقريب بين الطبقات؛ بحيث ضاقت الشقة بين الثروة والفقر إلى أقصى حد؛ فمن حيث الأغنياء حدد أمامهم أبواب الكسب وفتح لهم أبواب الإنفاق، وفرض عليهم الزكاة، وحرم الربا، وحيل بينهم وبين مظاهر الترف، ولم تعتبر ثروتهم فى عرف المجتمع الإسلامي مظهرًا من مظاهر التميز والاستعلاء، وأنذروا بأشد الوعيد فى الدنيا والآخرة إذا لم يؤدوا حق الله والناس فى المال. 

ومن حيث الفقراء رفع عنهم معنى النقص الاجتماعي بسبب الفقر، وفرض عليهم العمل وفتح أمامهم أبوابه، وجعلوا عند العجز فى ضمان الأقرباء أولا والأغنياء من الأمة ثانيًا وبيت مال الدولة ثالثًا، وتقرر بالتشريع حقهم المعلوم فى أموال الأثرياء، ثم ألزمت الدولة بعد ذلك بملاحظة هذا التوازن والمبادرة إلى المحافظة عليه كلما عرضت له عوارض الاختلال، ووضعت فى يدها كل السلطات التشريعية والتنفيذية اللائقة لإصلاح الحال وليس بعد ذلك زيادة لمستزيد، }وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: 82].

} وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 4-5].

الإيمان بالكتب:

بعد أن وصف الله المتقين بالإيمان بالغيب وأوضح أمثلته مما يطلق عليه علماء العقائد "السمعيات" وبإقامة الصلاة، وبالإنفاق مما رزقهم الله، أثبت لهم وصفًا رابعًا؛ هو الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله على أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ووصفًا خامسًا وهو الإيقان بالآخرة.

والذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم، ومن أسمائه الفرقان والذكر والنور والشفاء، والذي أنزل على الذين من قبله كتب كثيرة وصحف متعددة، ذكر القرآن منها صحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود، والمعروف فى العالم اليوم من الكتب السماوية القرآن، وهذه الثلاثة الأخيرة التوراة والإنجيل والزبور بأيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويجمعها عندهم "الكتاب المقدس" الذي يتألف من العهدين القديم والجديد.

ذكر القرآن الكريم صحف إبراهيم فى آية واحدة من سورة الأعلى مقرونة بصحف موسى فى قوله: }إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: 18-19]. وذكر زبور داود فى آية من سورة النساء: }إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء: 163].

وذكر التوراة وحدها مثنيًا عليها بالصدق والخير والهداية والنور فى كثير من الآيات، منها قوله تعالى: }إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلا وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44].

كما ورد ذكر الألواح التى تلقاها موسى من ربه فى سورة الأعراف موصوفة بأحسن الأوصاف: }وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الألْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [الأعراف: 145]. وهل الألواح من التوراة أو هى كتاب غيرها أوحى الله به إلى موسى عليه السلام أيضًا؟ قولان: وأرجح أنها منها؛ إذ إن اسم التوراة يطلق على ما أنزل على موسى -عليه السلام- من صحف وكتب، وإن ورد فى بعض الآثار أن الله أنزل على موسى صحفًا غير التوراة.

وذكر الإنجيل فى القرآن وحده أحيانًا ومقرونًا بالتوراة على أنه مصدق لها أحيانًا أخرى؛ ومن الأول قول الله -تبارك وتعالى-: }وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: 47]. ومن الثاني قوله تعالى: }وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ [المائدة: 46].

كما ذكرت الكتب الثلاثة مقترنة فى آية واحدة فى مواضع عدة على أنه يصدق بعضها بعضًا فى الهداية فى فاتحة سورة آل عمران: }الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: 1-4]، ومنها قوله تعالى: }إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة: 111].

وقد افترض الله على النبى محمد  صلى الله عليه وسلم وعلى أمته المسلمة الإيمان بكل هذه الكتب السابقة والأنبياء السابقين -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كما قال تعالى: }قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 136]، وقال تعالى: }آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة: 285].

وقال فى آية ثالثة: }فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [الشورى: 15].

وفى آية رابعة: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا بَعِيدًا [النساء: 136]. 

كما عاب على كثير من أهل الكتاب أنهم يؤمنون ببعض هذه الكتب ويكفرون بالبعض الآخر: }وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ [البقرة: 91]، وفى سورة النساء: }إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء: 150-151]. وجاء فى بعض الآثار ذكر لعدد الكتب المنزلة السابقة وبعض ما أنزل منها على الأنبياء السابقين غير هذه الأربعة؛ فقد روى القرطبي عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزل الله؟ قال: "مائة كتاب وأربعة كتب؛ أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان". وقال القرطبي: أخرجه الحسين الآجري، وأبو حاتم البستى. وقد أورده السفارينى فى عقيدته وفى شرحها عند الكلام على الإيمان بالرسل مطولا عن صحيح ابن حبان، ثم قال: وقد تكلم عليه الولي العراقي، ورد على ابن حبان جماعة من الحفاظ لإدخاله هذا الحديث فى الصحيح، ونقل ابن تيمية عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول: يجب الإيمان بالرسل -عليهم الصلاة والسلام- والإقرار بهم فى الجملة مع الكف عن عددهم، وكذلك ذكر محمد بن نصر المروزى وغيره من أئمة السلف. قال: وهذا يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبى ذر فى ذلك لم يثبت عندهم".

وبما أن القرآن الكريم والسنة الثابتة لم يتعرضا لذكر الكتب بالتفصيل، كما لم يتعرضا لما فى أيدى بعض الأمم والطوائف من كتب؛ كالبراهمة والبوذية والكونفوشيوسية والزرادشتية وغيرها، فمن الواجب أن نقف عند ما ذكر الله ورسوله، وأن نؤمن بما افترض علينا أن نؤمن به.

ومن تمام الفائدة أن نتناول فى بحث موجز "شخصية" كل كتاب من هذه الكتب الأربعة، وماذا يراد به فى الماضي والحاضر.

القرآن الكريم:

الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو "المجموع فى المصاحف، المحفوظ فى الصدور، المقروء بالألسنة، المعروف بين الناس".

نزل مفرَّقًا بحسب الحوادث فى نحو اثنتين وعشرين سنة وشهرين واثنين وعشرين يومًا على أرجح الأقوال، وكان تنجيمه مثار الاعتراض من المشركين، وقد ذكر القرآن ذلك ورد عليه فى سورة الإسراء: }وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا [الإسراء: 106]، وقال فى سورة الفرقان: }وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: 32 - 33].

وكان أول نزوله بمكة فى غار حراء، واستمر ينزل بمكة من رمضان سنة 41 إلى ربيع الأول سنة 54 من ميلاده صلى الله عليه وسلم. ونسبة ما نزل منه فى هذه الفترة يساوى 19/30 من مجموعه، ويسمى هذا القسم المكي لذلك، ونزل الباقي بالمدينة من ربيع الأول سنة 54 إلى ذي الحجة سنة 63 من ميلاده صلى الله عليه وسلم، وهي السنة العاشرة من الهجرة، وما نزل من القرآن فى هذه الفترة يسمى المدني لذلك.

وأول آياته نزولا على أرجح الأقوال: }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5]، وقد نزلت فى رمضان بغار حراء، وسميت ليلة النزول ليلة القدر }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر: 1-5]، ووصفها القرآن بالبركة والرحمة فى سورة الدخان: }إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان: 3-6]. ولا خلاف فى أنها كانت فى رمضان؛ لقول الله تعالى: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 183] ولأن رمضان هو الشهر الذى اعتاد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أن يعتكف فيه بالغار ويتحنث ويتعبد.

روى ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور فى حراء فى كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنث به قريش فى الجاهلية؛ ثم قال: حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى فيه ما أراد من كرامته من السنة التى بعثه الله تعالى فيها وذلك الشهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ..إلخ. فهو ينص على أن هذا الشهر هو رمضان، وأما تحديد الليلة ففيه خلاف كثير كخلافهم فى ليلة القدر.

ويرجح ابن إسحاق أنها كانت ليلة السابع عشر من الشهر، مستأنسًا بقول الله -تبارك وتعالى-: }إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال: 41] والمراد بيوم التقاء الجمعين يوم التقاء المسلمين والمشركين ببدر، وقد كان يوم الجمعة 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة. وحكى القسطلانى فى شرحه على البخاري خلاف العلماء فى تحديد هذه الليلة على أقوال كثيرة؛ ومنها: القول الذي رجحه ابن إسحاق، وقال: إنه رواه ابن أبى شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم.

وآخر آياته نزولا فى أرجح الأقوال قول الله تعالى: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3].

حكى الطبري أن ذلك يوم عرفة عام حج النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، ولم ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شىء من الفرائض ولا تحليل شىء ولا تحريمه، وأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة، وروى ذلك عن ابن عباس والسدى وابن جريج. وروى الشيخان عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر بن الخطاب  رضى الله عنه: إنكم لتقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إنى لأعلم حين أنزلت وأين أنزلت، وأين رسول الله  صلى الله عليه وسلم حين أنزلت؛ أنزلت يوم عرفة، وأنا والله بعرفة فى يوم جمعة، يعنى }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . 

وروى النيسابوري فى تفسيره عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية ومعه يهودي فقال يهودي: لو نزلت علينا فى يوم لاتخذناه عيدًا، فقال ابن عباس: إنها نزلت فى عيدين اتفقا فى يوم واحد؛ فى يوم جمعة وافق يوم عرفة.

ومجموع القرآن 114سورة، أولها الفاتحة وآخرها الناس، وعدد آياته فى قول المكيين 6219، وفى قول الكوفيين 6236، وفى قول البصريين 6204، وفى قول أهل الشام 6226 أو 6225. وسبب الخلاف فى الآيات الخلاف فى بعض مواضع الوقف. 

وعدد كلمات القرآن فى قول عطاء بن يسار: 77439 كلمة، وعدد حروفه فيما رواه سلام أبو محمد الحمانى 340740 حرفًا.

روى الحمانى أن الحجاج بن يوسف جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال: أخبروني عن القرآن كله، كم من حرف هو؟ قال: وكنت فيهم: فحبسنا فأجمعنا على أن القرآن 340740 حرفًا. قال: فأخبروني إلى أى حرف ينتهي نصف القرآن؟ فإذا هو فى الكهف }وَلْيَتَلَطَّفْ فى الفاء، قال: فأخبروني بأثلاثه؟ فإذا الثلث الأول رأس مائة من براءة، والثلث الثاني رأس مائة وواحدة من طسم الشعراء، والثلث الثالث ما بقى من القرآن. قال فأخبروني بأسباعه على الحروف، فإذا أول سبع فى النساء }فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ (النساء: 55] فى الدال، والسبع الثاني فى الأعراف }أُولَئِكَ حَبِطَتْ فى التاء، والسبع الثالث فى الرعد }أُكُلُهَا دَائِمٌ (الرعد: 35] فى الألف من آخر أكلها، والسبع الرابع فى الحج }وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا (الحج: 34] فى الألف، والسبع الخامس فى الأحزاب }وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ (الأحزاب: 36] فى الهاء، والسبع السادس فى الفتح }الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ (الفتح: 6] فى الواو، والسبع السابع ما بقى من القرآن. قال سلام أبو محمد: عملناه فى أربعة أشهر، وكان الحجاج يقرأ فى كل ليلة ربعًا، فأول ربعه خاتمة الأنعام، والربع الثاني فى الكهف، والربع الثالث خاتمة الزمر، والربع الرابع ما بقى من القرآن. قال القرطبي بعد أن نقل هذه العبارات: وفى هذه الجملة خلاف مذكور فى كتاب البيان لأبى عمرو الداني، من أراد الوقوف عليه وجده هناك.

وإنما أطلنا فى نقل هذه الأرقام والأقوال لندل على مبلغ عناية المسلمين بالقرآن الكريم والتدقيق فى كل ما يتصل به، بما أنه أصل دينهم وأساس حياتهم الدنيوية والأخروية(3).

المصادر

  1. مجلة الشهاب – السنة الأولى – العدد 1 – صـ10 : 23 – 1 محرم 1367هـ / 14نوفمبر 1947م.
  2. مجلة الشهاب – السنة الأولى – العدد 2 – صـ10 : 23 – غرة صفر 1367هـ / 14 ديسمبر 1947م.
  3. مجلة الشهاب – السنة الأولى – العدد 3 – صـ1 : 11 – غرة ربيع الأول 1367هـ / يناير 1948م.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا في الإبتلاء
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر