رسالة إلى أي شيء ندعو الناس؟

الخلفية التاريخية للرسالة

تعتبر رسالة إلى أي شيء ندعو الناس؟ أول الرسائل التي وضعها الإمام البنا من رسائله الموجودة في الكتب والتي وضعها حينما بدأت الدعوة في الانتشار في مدن وقرى ونجوع القطر المصري، بل وانتقلت إلى الساحة العالمية، فكان لابد من توضيح فكرة ومنهج ودعوة الإخوان للناس جميعا حتى يعرفوا أن هذه دعوة لا تهتم بالأمور الدينية فحسب، بل تهتم بكل أمور الإسلام وتعمل به، وعلى رأسها التصدي للمحتل الغربي والعمل على تحرير البلاد.

كما أوضحت هذه الرسالة نقاء ووضوح دعوة الإخوان المسلمين وأنها ليست كمثل الدعوات الموجودة التي ارتبطت بأشخاص أو تحولت عن مبادئها.

وقد صدرت هذه الرسالة في مايو 1934م حيث نشرتها أول مجلة للإخوان المسلمين تصدر لهم، وذلك قبل أن تجمع في كتيبات وتوزع على الناس لمدارستها.

وإلى نص الرسالة كاملة:

 

قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد أنك قد أوضحت كل الإيضاح، وأبنت كل الإبانة، وأنك لم تدع سبيلاً إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتها، حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء، وجعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح، أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون، وما أشد دهشتك بعد قليل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك، ولم يدركوا قولك.

رأيت ذلك مرات، ولمسته في عدة مواقف، وأعتقد أن السر فيه لا يعدو أحد أمرين:

إما أن المقياس الذي يقيس به كل منا ما يقول وما سمع مختلف، فيختلف تبعًا لذلك الفهم والإدراك، وإما أن يكون القول في ذاته ملتبسًا غامضًا، وإن اعتقد قائله إنه واضح مكشوف.

المقياس

وأنا أريد في هذه الكلمة أن أكشف للناس عن دعوة الإخوان المسلمين وغايتها ومقاصدها وأساليبها ووسائلها في صراحة ووضوح، وفى بيان وجلاء، فأحب أولاً أن أحدد المقياس الذي نقيس به هذا التوضيح، وسأجتهد في أن يكون القول سهلاً ميسورًا لا يتعذر فهمه على قارئ يحب أن يستفيد، وأظن أن أحدًا من الأمة الإسلامية جميعًا لا يخالفني في أن يكون هذا المقياس هو "كتاب الله" نستقي من فيضه، ونستمد من بحره، ونرجع إلى حكمه.

يا قومنا..

إن القرآن الكريم كتاب جامع جمع الله فيه أصول العقائد وأسس المصالح الاجتماعية، وكليات الشرائع الدنيوية، فيه أوامر وفيه نواه، فهل عمل المسلمون بما في القرآن فاعتقدوا وأيقنوا بما ذكر الله من المعتقدات، وفهموا ما أوضح لهم من الغايات؟ وهل طبقوا شرائعه الاجتماعية والحيوية على تصرفاتهم في شئون حياتهم؟ إن انتهينا من بحثنا إلى أنهم كذلك فقد وصلنا معًا إلى الغاية، وإن تكشف البحث عن بعدهم عن طريق القرآن وإهمالهم لتعاليمه وأوامره، فاعلم أن مهمتنا أن نعود بأنفسنا وبمن تبعنا إلى هذه السبيل.

غاية الحياة في القرآن

إن القرآن حدد غايات الحياة ومقاصد الناس فيها، فبين أن قومًا همهم من الحياة الأكل والمتعة، فقال -تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ محمد: 12.

وبين أن قومًا آخرين مهمتهم الزينة والعَرض الزائل فقال -تبارك وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران: 14. 

وبين أن قومًا آخرين شأنهم في الحياة إيقاد الفتن، وإحياء الشرور والمفاسد، أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله ُلاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ البقرة: 204-205.

تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزه الله المؤمنين عنها، وبرأهم منها، وكلفهم مهمة أرقى، وألقى على عاتقهم واجبًا أسمى، ذلك هو: هداية البشر إلى الحق، وإرشاد الناس جميعًا إلى الخير، وإنارة العالم كله بشمس الإسلام، فذلك قوله -تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الحج: 77-78.

ومعنى هذا أن القرآن يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة، وإذًا فذلك من شأننا لا من شأن الغرب، ولمدنية الإسلام لا لمدنية المادة.

وصاية المسلم تضحية لا استفادة

ثم بين الله -تبارك وتعالى- أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه وماله، فليس له فيها شيء، وإنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ التوبة: 111.

ومن ذلك ترى أن المسلم يجعل دنياه وقفًا على دعوته ليكسب آخرته جزاء تضحيته، ومن هنا كان الفاتح المسلم أستاذًا يتصف بكل ما يجب أن يتحلى به الأستاذ من نور وهداية ورحمة ورأفة، وكان الفتح الإسلامي فتح تمدين وتحضير وإرشاد وتعليم، وأين هذا مما يقوم به الاستعمار الغربي الآن؟

أين المسلمون من هذه الغاية؟

فبربك -يا عزيزي- هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذا المعنى، فسمت نفوسهم، ورقت أرواحهم، وتحرروا من رق المادة، وتطهروا من لذة الشهوات والأهواء، وترفعوا عن سفاسف الأمور ودنايا المقاصد، ووجهوا وجوههم للذي فطر السماوات والأرض حنفاء يعلون كلمة الله ويجاهدون في سبيله، وينشرون دينه، ويذودون عن حياض شريعته، أم هم هؤلاء أسرى الشهوات، وعبيد الأهواء والمطامع، كل همهم لقمة لينة، ومركب فاره، وحلة جميلة، ونومة مريحة، وامرأة وضيئة، ومظهر كاذب، ولقب أجوف.

رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم                   وخاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة".

الغاية أصل والأعمال فروع لها

ولما كانت الغاية هي التي تدفع إلى الطريق، وكانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة، كان لابد من أن نوضح ونحدد، وأظننا وصلنا إلى كثير من التوضيح والتحديد، واتفقنا على أن مهمتنا سيادة الدنيا، وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة، وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس.

إذا عرفت هذا -أيها القارئ الكريم- فاعلم أن من غاية الإخوان المسلمين أن ينادوا في الناس بهذه الغاية التي ندب إليها القرآن أبناءه جميعًا ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ إبراهيم: 36.

وإذا فهم المسلمون هذه الغاية، وجعلوها نصب أعينهم؛ فإنها وحدها كفيلة أن تكشف عنهم حجب الغفلة، وتبصرهم بمواطن النقص، وترشدهم إلى صنوف من الفلاح تسعد بها حياتهم، ويصح بها مجتمعهم، وتحقق آمالهم.

ألا إننا ندعوك -أيها المسلم الكريم- إلى:

إصلاح الحياة الإسلامية الاجتماعية بتجديد نفسك على هذه الأصول

1-      أن تعتز بنسبتك إلى "الله" جل شأنه؛ حيث نسبك إلى نفسه، ومنحك فضل ولايته، واختارك لتعميم رسالته إلى خلقه.

2-      وأن تقدر المهمة التي ألقاها الله على عاتقك، وتعد نفسك لما تحتاجه من جهود وتضحيات.

3-      أن تقدر الأثر الدنيوي والجزاء الأخروي الذي يترتب على اهتمامك بأداء رسالتك، أو قعودك عن الجهاد في سبيلها.

4-      أن تعلم أن الحجر الأساسي في أداء هذه الرسالة هو إصلاح نفوس الأمة الإسلامية وتجديد أفكارها وأخلاقها، فإن النفوس الحالية لا تصلح لعمل جدي.

5-      أن تعتقد أن كل أخ لك تألم لألمه وتفرح لفرحه، وأن كل شبر من الأرض فيه مسلم يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إنما هو قطعة من حمى الله الذي يجب على كل مسلم أن يذود عنه، ويحتفظ به، ويعمل لخير أهله.

6-      أن تعتقد أن كل نظام لا يعتمد على الأسس الإسلامية ولا يبنى على قواعد القرآن الكريم لا يصلح أبدًا لبناء النهضة الحديثة.

7-      أن يمتلئ صدرك بالأمل في النجاح، فليس اليأس من أخلاق المؤمنين، وحسبك شرفًا أن تموت في ميدان الجهاد لخير أمتك.

مصدر غايتنا

تلك هي الرسالة التي يريد الإخوان المسلمون أن يبلغوها للناس، وأن تفهمها الأمة الإسلامية حق الفهم، وتهب لإنفاذها في عزم وفى مضاء، لم يبتدعها الإخوان ابتداعًا، ولم يختلقوها من أنفسهم، وإنما هي الرسالة التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن الكريم، وتبدو في غاية الجلاء والوضوح في كل حديث من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وتظهر في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المثل الأعلى لفهم الإسلام، وإنفاذ تعاليم الإسلام، فإن شاء المسلمون أن يتقبلوا هذه الرسالة كان ذلك دليل الإيمان والإسلام الصحيح، وإن رأوا فيها حرجًا أو غضاضة فبيننا وبينهم كتاب الله -تبارك وتعالى- حكم عدل، وقول فصل، يحكم بيننا وبين إخواننا، ويظهر الحق لنا أو علينا ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين﴾ الأعراف: 89.

استطراد

يتساءل كثير من إخواننا الذين أحببناهم من كل قلوبنا، ووقفنا لخيرهم وللعمل لمصلحتهم الدنيوية والأخروية جهودنا وأموالنا وأرواحنا، وفنينا في هذه الغاية، غاية إسعاد أمتنا وإخواننا عن أموالنا وأنفسنا، وذهلنا في سبيلهم عن أبنائنا والحلائل.

وكم أتمنى أن يطلع هؤلاء الإخوان المتسائلون على شبان الإخوان المسلمين وقد سهرت عيونهم والناس نيام، وشغلت نفوسهم والخليون هجع، وأكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملاً مجتهدًا، ومفكرًا مجدًّا، ولا يزال كذلك طول شهره، حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردًا لجماعته، ونفقته نفقة لدعوته، وماله خادمًا لغايته، ولسان حاله يقول لبنى قومه الغافلين عن تضحيته: لا أسألكم عليه أجرًا إن أجرى إلا على الله. ومعاذ الله أن نمن على أمتنا، فنحن منها ولها، وإنما نتوسل إليها بهذه التضحية أن تفقه دعوتنا، وتستجيب لندائنا.

من أين المال؟

يتساءل هؤلاء الإخوان المحبوبون الذين يرمقون الإخوان المسلمين على بعد، ويرقبونهم عن كثب قائلين: لأي شيء يعمل هؤلاء، وماذا يقصدون، وإلى أي غاية يسيرون؟

ألا فليعلم هؤلاء المتسائلون أن الإخوان المسلمين إنما يعملون للنهوض بالأمة الإسلامية، وتجديد حياتها المريرة في هذه الظروف العصيبة على أساس إصلاح النفوس، وتطهير الأرواح، وقد أوضحوا مبادئهم في عقيدتهم، ونادوا بغايتهم في جريدتهم، وبابهم مفتوح على مصراعيه لمن أراد أن يتثبت من غايتهم، ويستطلع خفي شئونهم، وما يوم حليمة بسر.

ويتساءل قوم آخرون: من أين ينفقون؟ وأنى لهم بالمال اللازم لدعوة نجحت وازدهرت كدعوتهم، والوقت عصيب، والنفوس شحيحة؟

وإني أجيب هؤلاء بأن الدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال، والعقيدة قبل الأعراض الزائلة، وإذا وجد المؤمن الصحيح وجدت معه وسائل النجاح جميعًا، وإن في مال الإخوان المسلمين القليل الذي يقتطعونه من نفقاتهم، ويقتصدونه من ضرورياتهم، ومطالب بيوتهم وأولادهم، ويجودون به طيبه به نفوسهم، سخية به قلوبهم، يود أحدهم لو كان له أضعاف أضعافه فينفقه في سبيل الله، فإذا لم يجد بعضهم شيئًا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.

في هذا المال القليل والإيمان الكبير -ولله الحمد والعزة- بلاغ لقوم عابدين، ونجاحٌ للعاملين الصادقين، وإن الله الذي بيده كل شيء ليبارك في القرش الواحد من قروش الإخوان فإذا هو أزكى من مئات، وأبرك من جنيهات، و ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ البقرة: 276.

﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ الروم: 39.

نحن والسياسة

ويقول قوم آخرون: إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون، ودعوتهم سياسية، ولهم من وراء ذلك مآرب أخرى. ولا ندرى إلى متى تتقارض أمتنا التهم، وتتبادل الظنون، وتتنابز بالألقاب، وتترك يقينًا يؤيده الواقع في سبيل ظن توحيه الشكوك؟

يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن في يميننا، والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة الصالحة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدى الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس -والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة وهو ليس بها فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.

يا قومنا: لا تحجبنكم الألفاظ عن الحقائق، ولا الأسماء عن الغايات، ولا الأعراض عن الجواهر، وإن للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة، وتلك هي سياستنا لا نبغى بها بديلاً، ولا نرضى سواها دينًا، فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الدنيوية، والسعادة الأخروية، ولتعلمن نبأه بعد حين.

وأما بعد، فأرجو أن أكون في الكلمة الأولى قد تكلمت عن الغاية الإسلامية العامة، وفى الكلمة الثانية عن المبادئ التي تمليها هذه الغاية، وأرجو أن أوفق في الأعداد التالية إلى التكلم على هذه المبادئ واحدًا واحدًا، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

 ﴿اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البقرة: 257

قوميتنا وعلى أي أساس ترتكز؟

أيها الأخ المسلم، تعال نصغ معًا إلى صوت العزة الإلهية يدوي في أجواء الآفاق، ويملأ الأرض والسبع الطباق، ويوحى في نفس كل مؤمن أسمى معاني العزة والفخار، حين يسمع هذا النداء الذي تستمع له السماوات السبع والأرض ومن فيهن من لدن بلغه الأمين إلى هذا الوجود، إلى حيث لا نهاية؛ إذ كتب له الخلود ﴿اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البقرة: 257.

أجل أجل -يا أخي- هذا نداء ربك إليك، فلبيك اللهم لبيك، وحمدًا وشكرًا لك لا نحصي ثناء عليك، أنت أنت ولى المؤمنين، ونصير العاملين، والمدافع عن المظلومين الذين حوربوا في بيوتهم، وأخرجوا من ديارهم، عز من لجأ إليك، وانتصر من احتمى بحماك، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج: 40.

أجل أجل -يا أخي- تعال نستمع معًا إلى صوت القرآن الكريم، ونطرب بتلاوة هذه الآيات البينات، ونسجل جمال هذه العزة في صحائف ذلكم الكتاب المطهر.

إلىّ إلىّ يا أخي، واسمع قول الله -تبارك وتعالى:

1-      ﴿اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ البقرة: 257.

2-      ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ آل عمران: 150.

3-      ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ المائدة: 55.

4-      ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ الأعراف: 196.

5-      ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التوبة: 51.

6-      ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس: 62-63.

7-      ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ محمد: 11.

ألست ترى في هذه الآيات البينات أن الله -تبارك وتعالى- ينسبك إلى نفسه، ويمنحك فضل ولايته، ويفيض عليك من فيض عزته؟ ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ المنافقون: 8.

وفى الحديث الشريف الذي يرويه المختار صلى الله عليه وسلم عن ربه ما معناه: "يقول الله -تبارك وتعالى- يوم القيامة: يا بنى آدم، جعلت نسبًا وجعلتم نسبًا، فقلتم: فلان بن فلان، وقلت: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فاليوم أرفع نسبى وأضع نسبكم".

لهذا أيها الأخ الكريم فضل السلف الصالح أن يرفعوا نسبتهم إلى الله -تبارك وتعالى، ويجعلوا أساس صلاتهم ومحور أعمالهم تحقيق هذه النسبة الشريفة فينادى أحدهم صاحبه:

لا تدعني إلا بيا عبدها             فإنه أشرف أسمائي

في حين يجيب الآخر من سأله عن أبيه أتميمي هو أم قيسي:

أبى الإسلام لا أب لي سواه                 إذا افتخروا بقيس أو تميم

ليس بعد ذلك عزة

أيها الأخ العزيز، إن الناس إنما يفخرون بأنسابهم لما يأنسون من المجد والشرف في أعمال جدودهم، ولما يقصدون من نفخ روح العزة والكرامة في نفوس أبنائهم، ليس وراء هذين المقصدين شيء، أفلا ترى أن في نسبتك إلى الله -تبارك وتعالى- أسمى ما يطمح إليه الطامحون من معانى العزة والمجد: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا﴾ النساء: 139، وأولى ما يرفع نفسك إلى أعلى عليين، وينفخ فيها روح النهوض مع العاملين، وأي شرف أكبر، وأي رافع إلى الفضيلة أعظم من أن ترى نفسك ربانيًّا، بالله صلتك، وإليه نسبتك، ولأمر ما قال الله -تبارك وتعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ آل عمران: 79.

أعظم مصادر القوة

وفى النسبة إلى الحق -تبارك وتعالى- معنى آخر يدركه من تحقق بهذه النسبة، ذلك هو الفيض الأعم من الإيمان، والثقة بالنجاح الذي يغمر قلبك ويملأ نفسك فلا تخشى الناس جميعًا، ولا ترهب العالم كله إن وقف أمامك يحاول أن ينال من عقيدتك، أو ينتقص من مبدئك: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ آل عمران: 173.

ولأمر ما كان الرجل الواحد من أولئك القلائل المؤمنين بالله وثقته وتأييده يقف أمام الجحفل اللجب، والجيش اللهام، فلا يرهب صولته، ولا يخشى أذاه؛ لأنه لا يخشى أحدًا إلا الله، وأي شيء أعظم من تلك القوة التي تنسكب في قلب الرجل المؤمن حين يجيش صدره بقول الله -تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ آل عمران: 160.

قوميتنا نسبة عالمية

وهناك معنى من معاني السمو الاجتماعي في انتساب الناس إلى الله -تبارك وتعالى، ذلك هو تآخى الشعوب، وتآزر الجماعات، والقضاء على تلك المطامع التي توحى بها العصبية، ويؤرث نيرانها بين الأمم التقاطع والتناكر، فمن للعالم بأن يجتمع بقوة حول راية الله...؟

أحلام الأمس مقاليد اليوم

هذا كلام طال عهد المسلمين باستماعه، فقد يكون غامضًا عليهم غير مفهوم لديهم. 

 وقد يقول قائل: ما لهؤلاء الجماعة يكتبون في هذه المعاني التي لا يمكن أن تُحقق، وما بالهم يسبحون في جو من الخيال والأحلام؟

على رسلكم -أيها الإخوان في الإسلام والملة- فإن ما ترونه اليوم غامضًا بعيدًا كان عند أسلافكم بدهيًّا قريبًا، ولن يثمر جهادكم حتى يكون كذلك عندكم، وصدقوني إن المسلمين الأولين فهموا من القرآن الكريم لأول ما قرأوه ونزل فيهم ما ندلى به اليوم إليكم ونقصه عليكم.

وأصارحكم بأن عقيدة الإخوان المسلمين يحيون بها ويأملون الخير فيها ويموتون عليها، ويرون فيها كل ما تصبو إليه نفوسهم من متعة وجمال وإسعاد وحق فهل لم ﴿يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الحديد: 16.

أيها الإخوان، إذا اتفقتم معنا على هذا الأساس فاعلموا أن انتسابكم إلى الله -تبارك وتعالى- يفرض عليكم أن تقدروا المهمة التي ألقاها على عاتقكم، وتنشطوا للعمل لها، والتضحية في سبيلها، فهل أنتم فاعلون؟

 

﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ الحج: 87.

هذه -يا أخي- هي المهمة التي أسندها الله إليك، وأمرك بالعمل لها، والجهاد في سبيلها، أن ترث الرسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغ دعوته، وتعميم رسالته، والمناداة بشريعته، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

مهمة المسلم

إن مهمة المسلم الحق لخصها الله -تبارك وتعالى- في آية واحدة من كتابه، ورددها القرآن الكريم بعد ذلك في عدة آيات، فأما تلك الآية التي اشتملت على مهمة المسلمين في الحياة فهي قول الله -تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَجَاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الحج: 77-78

هذا كلام عربي مبين لا لبس فيه ولا غموض، ووالله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لواضح كالصبح ظاهر كالنور، يملأ الآذان، ويدخل على القلوب بغير استئذان، فهل لم يسمعه المسلمون قبل الآن؟ أم سمعوه ولكن على قلوبهم أقفالها فلا تعي ولا تتدبر؟ 

يأمر الله المؤمنين أن يركعوا ويسجدوا، وأن يقيموا الصلوات التي هي لب العبادة، وعمود الإسلام، وأظهر مظاهره، وأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا. وهو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم بذلك عن الشر؛ لأن من يعتاد الخير لا يفكر في الشر، وإن من أول الخير أن تترك الشر، فما أوجز وما أبلغ! ورتب لهم على ذلك الفلاح والنجاح والفوز، وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب عليه أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة.

حق الإنسانية

ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة، وتعميمها بين الناس بالحجة والبرهان، فإن أبوا إلا العسف والجور والتمرد فبالسيف والسنان:

والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا                فالحرب أجدى على الدنيا من السلم

 

حراسة الحق بالقوة

وما أحكم ذلك القائل: "القوة أضمن طريق لإحقاق الحق، وما أجمل أن تسير القوة والحق جنبًا إلى جنب"، فهذا الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية -فضلاً عن الاحتفاظ بمقدسات الإسلام- فريضة أخرى فرضها الله على المسلمين، كما فرض عليهم الصوم والصلاة والحج والزكاة، وفعل الخير وترك الشر، وألزمهم إياها، وندبهم إليها، ولم يعذر في ذلك أحدًا فيه قوة وفيه استطاعة، وإنها لآية زاجرة رادعة، وموعظة بالغة صارخة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ التوبة: 41.

وقد كشف الله عن سر هذا التكليف، وحكمة هذه الفريضة التي افترضها على المسلمين بعد هذا الأمر، فبين لهم أنه اجتباهم واختارهم واصطفاهم دون الناس ليكونوا سواس خلقه، وأمناءه على شريعته، وخلفاءه في أرضه، وورثة رسوله صلى الله عليه وسلم في دعوته، ومهد لهم الدين، وأحكم التشريع، وسهل الأحكام، وجعلها من الصلاحية لكل زمان ومكان بحيث يتقبلها العالم، وترى فيها الإنسانية أمنيتها المرجوة، وأملها المنتظر ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الحج: 78.

وتلك هي المهمة الاجتماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعًا أن يكونوا صفًّا واحدًا وكتلة وقوة، وأن يكونوا هم جيش الخلاص الذي ينقذ الإنسانية ويهديها سواء السبيل.

رهبان بالليل وفرسان بالنهار

ثم أوضح الحق -تبارك وتعالى- للناس بعد ذلك الرابطة بين التكاليف من صلاة وصوم بالتكاليف الاجتماعية، وأن الأولى وسيلة للثانية، وأن العقيدة الصحيحة أساسهما معًا، حتى لا يكون لأناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحجة أنهم يعملون للمجموع، وحتى لا يكون لآخرين مندوحة من القعود عن العمل للمجموع بحجة أنهم مشغولون بعباداتهم، مستغرقون في صلتهم بربهم، فما أدق وما أحكم، ومن أحسن من الله حديثًا؟

أيها المسلمون، عبادة ربكم، والجهاد في سبيل التمكين لدينكم، وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في الحياة، فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون، وإن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعًا فإليكم أسوق قول الله -تبارك وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ المؤمنون: 115-116.

ولهذا المعنى جاء فى أوصاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -وهم صفوة الله من خلقه، والسلف الصالح من عباده: "رهبان بالليل فرسان بالنهار"، ترى أحدهم فى ليله ماثلاً فى محرابه، قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: "يا دنيا غرى غيرى"، فإذا انفلق الصبح ودوى النفير يدعو المجاهدين، رأيته ليثًا رئبالاً على صهوة جواده، يزأر الزأرة فتدوي لها جنبات الميدان.

يا لله، ما هذا التناسق العجيب، والتزاوج الغريب، والمزج الفريد بين عمل الدنيا ومهامها، وشئون الآخرة وروحانيتها؟ ولكنه الإسلام الذي جمع من كل شيء أحسنه.

استعمار الأستاذية والإصلاح

ولهذا المعنى -أيها المسلمون- نفر المسلمون -بعد أن اختار نبيهم صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى- في أقطار الأرض. قرآنهم في صدورهم، ومساكنهم على سروجهم، وسيوفهم بأيديهم، وحجتهم واضحة على أطراف ألسنتهم، يدعون الناس إلى إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال. فمن أسلم فهو أخوهم له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن أدى الجزية فهو في ذمتهم وعهدهم يقومون بحقه، ويراعون عهده، ويوفون له بشرطه، ومن أبى جالدوه حتى يظهرهم الله عليه، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ﴾ التوبة: 32.

ما فعلوا ذلك لسلطان، فزهادتهم في الجاه والشهرة معروفة عند الخاص والعام، ولقد قضى دينهم على تلك المظاهر الزائفة التي يستمتع بها أقوام على حساب آخرين، فكان خليفتهم أحدهم، يفرض له من المال والعطاء ما لرجل منهم، ليس بأفضلهم ولا أدركهم، وأمرهم بينهم لا تميزه إلا بما أفاض الله عليه من جلال الإيمان وهيبة اليقين، ولم يكن ذلك لمال، فحسب أحدهم كسرة يرد بها جوعته، وجرعة يطفئ بها ظمأته، والصوم لديهم قربة، والجوع أحب عندهم من الشبع، وحظ أحدهم من الملبس ما يستر به عورته، وكتابهم يناديهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ محمد: 12. ونبيهم يقول لهم: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة".

إذن لم يكن مخرجهم من ديارهم لجاه أو مال أو سلطة أو استعمار أو استبداد، وإنما كان لأداء رسالة خاصة، هي رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم التي تركها أمانة بين أيديهم، وأمرهم أن يجاهدوا في سبيلها؛ ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ الأنفال: 39.

آن لنا أن نتفهم

كان المسلمون يفهمون هذا قديمًا، ويعملون له، ويحملهم إيمانهم على التضحية في سبيله، أما في هذه الأيام فقد تفرق المسلمون في فهم مهمتهم، واتخذوا من التأويل والتعطيل سنادًا للقعود والكسل، فمن قائل يقول لك: مضى وقت الجهاد والعمل، وآخر يثبط همتك بأن الوسائل معدومة، والأمم الإسلامية مقيدة، وثالث رضى من دينه بكلمات يلوكها لسانه صباح مساء، وقنع من عبادته بركعات يؤديها وقلبه هواء.

لا لا أيها الإخوان المسلمون، القرآن بينكم يناديكم بوضوح وجلاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الحجرات: 15

وأما السنة فيقول لكم الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أدخل الله تعالى عليهم ذلاًّ لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن عبد الله بن عمر.

وأنتم تقرؤون في كتب الفقه ما ألف منها قديمًا أو حديثًا متى يكون الجهاد فرض كفاية، ومتى يكون فرض عين، وتعلمون حقائق ذلك ومعناه حق العلم، فما هذا الخمول الذي ضرب بجرانه؟ وما هذا اليأس الذي قبض على القلوب فلا تعي ولا تفيق؟

هذا -أيها المسلمون- عصر التكوين فكوّنوا أنفسكم، وبذلك تتكون أمتكم.

إن هذه الفريضة تحتاج منكم نفوسًا مؤمنة، وقلوبًا سليمة، فاعملوا على تقوية إيمانكم، وسلامة صدوركم، وتحتاج منكم تضحية بالمال والجهود فاستعدوا لذلك، فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باق، وإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بجنة عرضها السماوات والأرض.

فإن آمنتم بما أقول، بل بما قال ربكم ونبيكم وعملتم على أداء هذه الرسالة والقيام بالمهمة التي ألقاها الله على عاتقكم، وأعددتم لها نفوسكم، فإن جزاء ذلك في الدنيا العزة والسيادة، وفى الآخرة الجنة والسعادة.

وإن أبيتم إلا ما أنتم فيه من كسل وخمول، فإن عاقبة ذلك في الآخرة نار تلظى، وجزاءه في الدنيا الذل والهوان، ثم الفناء والاستئصال ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ محمد: 38.

ولعلكم بعد ذلك فهمتم معنى ما قدمت إليكم آنفا: أن تقدر المهمة التي ألقاها الله على عاتقك، وتعد نفسك لما تحتاجه من جهود وتضحيات.

﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11

 

حدثتك عن بعض فكرة الإخوان المسلمين، واعترض هذا الحديث تلك المناسبات التي رأيت من واجبى أن أتحدث إلى قراء هذه الجريدة عنها في حينها، وها أنا ذا أعود إلى الموضوع الأول حتى يفهمنا إخواننا الذين ما زالوا يتساءلون عن فكرة الإخوان المسلمين، وليست بالمعضلة التي تستوجب هذا التساؤل.

قلت لك: إننا نريد أن يعتز المسلمون بنسبتهم إلى الله -تبارك وتعالى، وبذلك الميراث المجيد الذي خلفه لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، ميراث الهداية العامة للإنسانية جميعًا، وقلت: إننا نريد أن يقدر المسلمون هذا الميراث حق قدره، ويتفهموا المهمة الملقاة على عاتق كل منهم بالنسبة إليه، والأثر الذي سيترتب على ذلك في الدنيا والآخرة، وأبنت لك هذه المهمة وكشفت لك عن العاقبة الدنيوية والأخروية للقعود والعمل معًا.

وإذا كنا قد تفاهمنا جميعا إلى هذا الحد، واتفقنا على ما قدمت لك من وجهة نظر الإخوان المسلمين، وكله مؤيد بالكتاب مشيد بالسنة مدعم بالدليل والبرهان لا يشك فيه إلا أحد رجلين: شخص لم تتشرب نفسه بروح الإسلام، ولم يتعرف مقاصد القرآن الكريم. وشخص آخر عرف ذلك ولكن قعد به الضعف النفسي عن الجد والعمل، وثم صنف ثالث لا نعده من بنى قومنا الذين نقصدهم وندلي بالقول إليهم، ذلك صنف من أشباه الناس يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ونحن نربأ بقارئنا الكريم أن يكون صنفًا من هذه الأصناف، ونحن لهذا نعتقد أن الذين قرروا ما قدمنا بإخلاص متفقون معنا تمام الاتفاق.

بعد هذا أصارحك -يا عزيزي القارئ- بأن نفوسنا الحالية لا تصلح مطلقًا لتحقيق هذه الغاية السامية، بل لا تصلح لتحقيق ما هو دونها من الغايات.

من أين نبدأ

إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة -التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل- قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره. على هذه الأركان الأولية التي من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً.

وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير، ولا يحقق أملاً. وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ يونس: 36.

هذا القانون هو قانون الله -تبارك وتعالى- وسنته في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾ الرعد: 11.

وهو أيضًا القانون الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ومعناه: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن". فقال قائل: أومن قلة نحن -يا رسول الله- يومئذ؟ قال: "لا. إنكم حينئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". فقال قائل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت".

أولست تراه صلى الله عليه وسلم قد بين أن سبب ضعف الأمم وذلة الشعوب وهن نفوسها، وضعف قلوبها، وخلاء أفئدتها من الأخلاق الفاضلة وصفات الرجولة الصحيحة، وإن كثر عددها، وزادت خيراتها وثمراتها.

وإن الأمة إذا رتعت في النعيم، وأنست بالترف، وغرقت في أعراض المادة، وافتتنت بزهرة الحياة الدنيا، ونسيت احتمال الشدائد ومنازعة الخطوب والمجاهدة في سبيل الحق، فقل على عزتها وآمالها العفاء.

بين القوتين

يظن كثير من الناس أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب والكفاح لينهض ويسابق الأمم التي سلبت حقه وهضمت أهله، ذلك صحيح ومهم، ولكن أهم منه وألزم القوة الروحية من: الخلق الفاضل، والنفس النبيلة، والإيمان بالحقوق ومعرفتها، والإرادة الماضية، والتضحية في سبيل الواجب، والوفاء الذي تنبني عليه الثقة والوحدة، وعنهما تكون القوة.

لو آمن الشرق بحقه، وغير من نفسه، واعتنى بقوة الروح، وعنى بتقويم الأخلاق، لواتته وسائل القوة المادية من كل جانب، وعند صحائف التاريخ الخبر اليقين.

يعتقد الإخوان المسلمون هذا تمام الاعتقاد، وهم لهذا دائبون في تطهير أرواحهم، وتقوية نفوسهم، وتقويم أخلاقهم، وهم لهذا يجاهرون بدعوتهم، ويريدون الناس على مبادئهم، ويطالبون الأمة بإصلاح النفوس وتقويم الأخلاق.

وهم لم يبتدعوا ذلك ابتداعًا شأنهم في كل ما يقولون، ولكنهم يستمدونه من القاموس الأعظم، والبحر الخضم، والدستور المحكم، والمرجع الأعلى، ذلكم هو كتاب الله -تبارك وتعالى، وقد سمعت من قبل تلك المادة الخالدة من ذلكم القانون: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.

ولقد كشف القرآن عن هذا المعنى في كثير من آياته، بل إنه ضرب لنا مثلاً تطبيقيًّا خالدًا واضحًا كل الوضوح، صادقًا كل الصدق في قصة بنى إسرائيل، تلك القصة الرائعة التي ترسم لكل أمة يائسة طريق الحياة والتكوين فإلى العدد القادم أحدثك عن ذلك -إن شاء الله.

قصة بنى إسرائيل في القرآن الكريم

ترسم للأمم طريق التكوين بين الحرية والاستعباد

 

أيها القارئ الكريم، اقرأ هذه الآيات الكريمة بتفهم وإنعام، واقرأ ما بعدها كذلك، فإنك سترى فكرة لم تكن تخطر ببالك وجرب.

1- فجر الحرية

﴿طسم*تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ*نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ*إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ*وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ*وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ*وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ القصص: 1- 7.

2- صيحة الحق

﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرائيلَ*قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ*قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ* فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ*وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِى إِسْرائيلَ﴾ الشعراء: 16-22.

3-صراع الحق والباطل

﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ*قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: 127-129.

4-نموذج من إيمان المجاهدين في سبيل الحق

﴿فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى* قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ طه: 70-73.

5- ثواب الإيمان

﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى* فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ*وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى* يَا بَنِى إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ طه: 77- 80.

6- مثال من تطهير نفوس الأمم حتى تصلح للنضال

﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ*قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ*قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ*قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ المائدة: 21- 26.

7- الفوز للحق والبقاء للحرية

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ الأعراف: 137.

أما بعد -أيها القارئ الكريم- فإنك إن كنت قد تفهمت هذه الآيات البينات فإنك سترى نفسك منها أمام قصة رائعة تمثل لك بأوضح بيان، وأسمى عبارة، وأجمل معنى كيف يكون الصراع بين الحق والباطل، وبين الحرية والاستعباد، ثم يكون في النهاية البقاء للأصلح.

قصة أمة تتكون

1-ضعف

في القسم الأول من الآيات الكريمة ترى نفسك أمام جبار متكبر يستعبد عباد الله ويستضعفهم ويتخذهم خدمًا وحشمًا وعبيدًا وخولاً، وبين شعب من الشعوب الكريمة المجيدة استعبده ذلك الطاغية الجبار، ثم أراد الله -تبارك وتعالى- أن يعيد لهذا الشعب المجيد حريته المسلوبة، وكرامته المغصوبة، ومجده الضائع، وعزه البائد، فكان أول شعاع من فجر حرية هذا الشعب إشراق شمس زعيمه العظيم "موسى" على هذا الوجود طفلاً رضيعًا ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ*وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾(القصص: 3-6).

2-زعامة

وأنت في الثاني أمام هذا الزعيم وقد بلغ أشده واستوى وتربته العناية الإلهية، بعد أن أنفت نفسه الظلم، وعافت الضيم، ففر بنفسه وهرب بحريته حيث اصطنعه الله لنفسه، وحمله عبء رسالته، وأسند إليه خلاص شعبه، فآب مملوء بالإيمان، مؤيدًا باليقين، يواجه ذلك الجبار، فيطلب إليه أن يعيد إلى شعبه حريته، ويترك له كرامته، ويؤمن به ويتبعه، وما أروع ذلك التهكم المر اللاذع حين يحكى القرآن الكريم قول الرسول العظيم: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ﴾ الشعراء: 22 أيها الجبار المتهكم في عباد الله لا عبادك هل من النعمة التي تذكرني بها، والجميل الذى تسديه إلى أن تستعبد شعبي، وتخفر أمتي، وتمتهن قومي؟ إنها صيحة الحق دوت من فم النبي الكريم، فزلزلت عرش الجبار وهزت ملكه، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الشعراء: 16-21.

3- صراع

وأنت في القسم الثالث تشهد غضبة القوة على الحق كيف تثور عليه، وتنتقم منه، وتعذب أهله، وتقهر مناصريه، ثم كيف يصبر أهل الحق على كل ذلك، وكيف يعللهم رؤساؤهم بالآمال الحلوة، والأماني العذبة، حتى لا يجد الخور إلى نفوسهم سبيلاً: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: 129، ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ* قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الأعراف: 127-128.

4- إيمان

وما أروع أن تشهد في القسم الرابع ذلك النموذج الخالد من الثبات والصبر والاستمساك بعروة الحق، والاستهانة بكل شيء حتى الحياة في سبيل الإيمان والعقيدة من أتباع هذا الزعيم الذين آمنوا بدعوته، وقد تحدوا هذا الجبار في استهانة واستماتة: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ طه: 72-73.

5- انتصار

فإذا رأيت كل ذلك رأيت عاقبته في القسم الخامس، وما أدراك ما هيه، فوز وفلاح، وانتصار ونجاح، وبشرى تزف إلى المهضومين، وأمل يتحقق للحالمين، وصيحة الحق المبين تدوي في آفاق الأرض: ﴿يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ طه: 80، وإلى هنا تحقق لبنى إسرائيل النصف الأول من تأسيس ملكهم وعودة مجدهم؛ ذلك بأنهم تحرروا من مستعبدهم، ونجوا من سلطة قاهرهم، وبقى عليهم النصف الثاني وهو استخلاص أرضهم من أيدي العمالقة الذين اغتصبوها بعد خروجهم منها وسكنوها بعد جلائهم عنها.

فتراك في القسم السادس أمام قوم جبنت نفوسهم عن مقارعة عدوهم، فرهبوا قوته، وخافوا بأسه، وفضلوا ترك بلادهم في يده على مناضلته ومقارعته حتى يحصلوا على حقهم ويخلصوا وطنهم، فكلما أهاب بهم زعيمهم موسى على احتمال الشدائد، والصبر على المكاره، وهون عليهم أمر هذا العدو، وذكرهم نعمة الله عليهم ليحيى بالإيمان نفوسهم، ويشجع بمعرفة الله قلوبهم، وساعده المؤمنون المتوكلون على ربهم من قومهم كيوشع بن نون وكالب بن يوقنا على ذلك، كلما كان هذا جمحت بهم طباعهم، وندت أرواحهم، وأبوا إلا الارتكاس عن الفضيلة، والرضا بالذلة، وإعطاء الدنية، وتلك جريرة لا يرضاها الله، وهى ضعف في النفوس، ووهن في القلوب ران على قلوبهم لطول عهدهم بالحرية، وبعدهم عن شمسها المشرقة التي تقتل جراثيم الذل في نفوس الأحرار، لهذا قضى الله عليهم أن يظلوا هائمين على وجوههم في الصحراء الحرة الطليقة أربعين سنة، يموت فيها من ألفوا المذلة، وانطبعت نفوسهم على المهانة، وينشأ الجيل الجديد حرًّا من القيود، بعيدًا عن الأصفاد في أرض تسافر في مسافتها العيون، وتحت سماء تقنص جناح الفكر، لا يخاف إلا ربه، ولا يخشى إلا ذنبه، ولا يدين لأحد ولا يتعبد لمخلوق، فما أجملها عقوبة في طيها رحمة فيها تربية وإرشاد.

حتى إذا ما صقلت النفوس، وطهرت الأرواح، وأحرقت الحرية المتيقظة فضلات الجبن، هناك ترى نفسك في القسم السابع من الآيات أمام أمة كريمة عزيزة أورث الله بنيها مشارق الأرض ومغاربها، وتمت عليهم كلمة ربك الحسنى بما صبروا.

وأما بعد، ففي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو أروع مثل تطبيقي نسوقه إلى القراء الكرام تدعيمًا لمقالنا السابق في شرائط تكوين الشعوب والأمم، وبيان أن ذلك إنما يكون على طهارة الأخلاق والنفوس، وأن الإخوان المسلمين لينادون بأعلى صوتهم: أيها المسلمون، كوّنوا أنفسكم على الفضيلة بقواعد الإسلام ليورثكم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويكون لكم العلاء في الدنيا والآخرة.

﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ المائدة: 3

المنهاج واضح

 يعتقد الإخوان المسلمون أن الله -تبارك وتعالى- حين أنزل القرآن، وأمر عباده أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ورضى لهم الإسلام دينًا، وضع في هذا الدين القويم كل الأصول اللازمة لحياة الأمم ونهضتها وإسعادها، وذلك مصداق قول الله -تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الأعراف: 157.

ومصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف ما معناه: "والله ما تركت من خير إلا وأمرتكم به، وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه".

وأنت إذا أنعمت النظر في تعاليم الإسلام وجدته قد وضع أصح القواعد، وأنسب النظم، وأدق القوانين لحياة الفرد رجلاً وامرأة، وحياة الأسرة في تكوينها وانحلالها، وحياة الأمة في نشوئها وقوتها وضعفها، وحلل الفِكَر التي وقف أمامها المصلحون وقادة الأمم.

فالعالمية، والقومية، والاشتراكية، والرأسمالية، والبلشفية، والحرب والسلام، وتوزيع الثروة، والصلة بين المنتج والمستهلك، وما يمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى هذه البحوث التي تشغل بال ساسة الأمم وفلاسفة الاجتماع، كل هذه نعتقد أن الإسلام خاض في لبها، ووضع للعالم النظم التي تكفل له الانتفاع بما فيها من محاسن، وتجنب ما تستتبعه من خطر وويلات. وليس ذلك مقام تفصيل هذا المقال، فإنما نقول ما نعتقد، ونبين للناس ما ندعوهم، ولنا بعد ذلك جولات نفصل فيها ما نقول.

لابد من أن نتبع

وإذا كان الإخوان المسلمون يعتقدون ذلك، فهم يطالبون الناس بأن يعملوا على أن تكون قواعد الإسلام هي الأصول التي تبنى عليها نهضة الشرق الحديث في كل شأن من شئون الحياة. ويعتقدون أن كل مظهر من مظاهر النهضة الحديثة يتنافى مع قواعد الإسلام، ويصطدم بأحكام القرآن، فهو تجربة قاسية فاشلة ستخرج منها الأمة بتضحيات كبيرة في غير فائدة، فخير للأمم التي تريد النهوض أن تسلك إليه أخصر الطرق باتباعها أحكام الإسلام.

والإخوان المسلمون لا يختصون بهذه الدعوة قطرًا دون قطر من الأقطار الإسلامية، ولكنهم يرسلونها صيحة يرجون أن تصل إلى آذان القادة والزعماء في كل قطر يدين أبناؤه بدين الإسلام. وإنهم لينتهزون لذلك هذه الفرصة التي تتحد فيها الأقطار الإسلامية، وتحاول بناء مستقبلها على دعائم ثابتة من أصول الرقى والتقدم والعمران.

احذروا الانحراف

وإن أكبر ما يخشاه الإخوان المسلمون أن تندفع الشعوب الشرقية الإسلامية في تيار التقليد، فترقع نهضاتها بتلك النظم البالية التي انتقضت على نفسها، وأثبتت التجربة فسادها وعدم صلاحيتها. إن لكل أمة من أمم الإسلام دستورًا عامًّا فيجب أن تستمد مواد دستورها العام من أحكام القرآن الكريم، وإن الأمة التي تقول في أول مادة من مواد دستورها: إن دينها الرسمي الإسلام، يجب أن تضع بقية المواد على أساس هذه القاعدة، وكل مادة لا يسيغها الإسلام ولا تجيزها أحكام القرآن يجب أن تستبدل بما يتفق وهذه الأحكام؛ حتى لا يظهر التناقض في القانون الأساسي للدولة.

أصلحوا القانون

وإن لكل أمة قانونًا يتحاكم إليه أبناؤها، وهذا القانون يجب أن يكون مستمدًا من أحكام الشريعة الإسلامية، مأخوذًا عن القرآن الكريم، متفقًا مع أصول الفقه الإسلامي. وإن في الشريعة الإسلامية، وفيما وضعه المشترعون المسلمون ما يسد الثغرة، ويفي بالحاجة، وينقع الغُلة، ويؤدى إلى أفضل النتائج وأبرك الثمرات. وإن في حدود الله -لو نفذت- لزاجرًا يردع المجرم وإن اعتاد الإجرام، ويكف العادي وإن تأصل في نفسه العدوان، ويريح الحكومات من عناء التجارب الفاشلة، والتجربة تثبت ذلك وتؤيده، وأصول التشريع الحديث تنادى به وتدعمه، والله -تبارك وتعالى- يفرضه ويوجبه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ المائدة: 44.

أصلحوا مظهر الاجتماع

وإن في كل أمة مظاهر من الحياة الاجتماعية تشرف عليها الحكومات، وينظمها القانون، وتحميها السلطات، فعلى كل أمة شرقية إسلامية أن تعمل على أن تكون كل هذه المظاهر مما يتفق وآداب الدين، ويساير تشريع الإسلام وأوامره. إن البغاء الرسمي لطخة عار في جبين كل أمة تقدر الفضيلة، فما بالك بالأمم الإسلامية التي يفرض عليها دينها محاربة البغاء والضرب على يد الزاني والزانية بشدة وقسوة، ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النور: 2.

إن حانات الخمر فى أظهر شوارع المدن وأبرز أحيائها، وتلك اللوحات الطويلة العريضة عن المشروبات الروحية، وهذه الإعلانات الظاهرة الواضحة عن أم الخبائث: مظاهر يأباها الدين، ويحرمها القرآن الكريم أشد التحريم.

حاربوا الإباحية

وإن هذه الإباحية المغرية، والمتعة الفاتنة، واللهو العابث في الشوارع والمجامع والمصايف والمرابع، يناقض ما أوصى به الإسلام أتباعه من: عفة، وحياء، وشهامة، وإباء، وانصراف إلى الجد، وابتعاد عن الإسفاف. "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها".

فكل هذه المظاهر وأشباهها، على الأمم الإسلامية أن تبذل في محاربتها ومناهضتها كل ما في وسع سلطانها وقوانينها من طاقة ومجهود، لا تنئ في ذلك ولا تتواكل.

نظموا التعليم

وإن لكل أمة وشعب إسلامي سياسة في التعليم وتخريج الناشئة وبناء رجال المستقبل، الذين تتوقف عليهم حياة الأمة الجديدة، فيجب أن تبنى هذه السياسة على أصول حكيمة تضمن للناشئين مناعة دينية، وحصانة خلقية، ومعرفة بأحكام دينهم، واعتدادًا بمجده الغابر، وحضارته الواسعة.

هذا قليل من كثير من الأصول التي يريد الإخوان المسلمون أن ترعاها الأمم الإسلامية في بناء النهضة الحديثة، وهم موجهون دعوتهم هذه إلى كل المسلمين شعوبًا وحكومات. ووسيلتهم في الوصول إلى تحقيق هذه الغايات الإسلامية السامية وسيلة واحدة: أن يبينوا ما فيها من مزية وإحكام، حتى إذا ذكر الناس ذلك واقتنعوا بفائدته أنتج ذلك عملهم له ونزولهم على حكمه: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يوسف: 108.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الحجرات: 10

انتفعوا بإخاء إخوانكم

الإسلام عقيدة ثابتة تفترض على من يؤمنون بها أن يكونوا إخوة: في سبيلها تأتلف أرواحهم، وترتبط قلوبهم، وتتحد نفوسهم، وتفنى أنانيتهم في سبيل غايتهم ومعتقدهم؛ لأن الله -الذي أمرهم بالإيمان، ووفقهم إليه- قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

وكذلك ينادى الإسلام أبناءه ومتبعيه فيقول لهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ آل عمران: 103، ويقول القرآن الكريم في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الحجرات: 10، وفى آية ثالثة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ التوبة: 71، ويقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "وكونوا عباد الله إخوانًا".

وكذلك فهم المسلمون الأولون -رضوان الله عليهم- من الإسلام هذا المعنى الأخوي، وأملت عليهم عقيدتهم في دين الله أخلد عواطف الحب والتآلف، وأنبل مظاهر الأخوة والتعارف، فكانوا رجلاً واحدًا، وقلبًا واحدًا، ويدًا واحدة، حتى امتن الله بذلك في كتابه فقال -تبارك وتعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا في الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ الأنفال: 63.

تطبيق

وإن ذلك المهاجري الذي كان يترك أهله، ويفارق أرضه في مكة، ويفر بدينه إلى المدينة، كان يجد أمامه هناك أهلاً بأهل، وإخوانًا بإخوان، يجد أمامه أبناء الإسلام من فتيان يثرب ينتظرونه وكلهم شوق إليه، وحب له، وسرور بمقدمه، وما كان لهم سابق معرفة ولا قديم صلة، وما ربطتهم به وشيجة من صهر أو عمومة، وما دفعتهم إليه غاية أو منفعة. وإنما هي عقيدة الإسلام جعلتهم يحنون إليه ويتصلون به، ويعدونه جزءًا من أنفسهم، وشقيقًا لأرواحهم، وما هو إلا أن يصل المسجد حتى يلتف حوله الغر الميامين من الأوس والخزرج، كلهم يدعوه إلى بيته ويؤثره على نفسه، ويفديه بروحه وعياله، ويتشبث بمطلبه هذا حتى يؤول الأمر إلى الاقتراع، حتى روى الإمام البخاري ما معناه: ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة.

وحتى خلد القرآن للأنصار ذلك الفضل أبد الدهر، فما زال يبدو غرة مشرقة في جبين السنين في قول الله -تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الحشر: 9.

وعلى هذا درج أبناء الإسلام، وخص الرعيل الأول ممن وجدت بين نفوسهم الأخوة الإيمانية، لا فرق في ذلك بين مهاجرهم وأنصاريهم، ولا بين مكيهم ويمنيهم، حتى أثنى الرسول الكريم على الأشاعرة من أهل اليمن بقوله صلى الله عليه وسلم ما معناه: "نعم القوم الأشعريون. إذا جهدوا في سفر أو حضر جمعوا ما عندهم فوضعوه في مزادة ثم قسموه بينهم بالسوية".

وأنت إذا قرأت القرآن الكريم، وأحاديث النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، وطالعت سير الغر الميامين من أبناء هذا الدين، رأيت من ذلك ما يقر عينك ويملأ سمعك وقلبك.

أخوة تعلن الإنسانية

ولقد أثمرت هذه العقيدة ثمرتين لابد لنا من أن نجنيهما، ونتحدث إليك عما فيهما من حلاوة ولذة وخير وفائدة. فأما الأولى منهما؛ فقد أنتجت هذه العقيدة أن الاستعمار الإسلامي لم يشبهه استعمار في التاريخ أبدًا، لا في غايته، ولا في مسالكه وإدارته، ولا في نتائجه وفائدته، فإن المستعمر المسلم إنما كان يفتح الأرض حين يفتحها ليعلي فيها كلمة الحق، وينير أفقها بسنا القرآن الكريم، فإذا أشرقت على نفوس أهلها شمس الهداية المحمدية فقد زالت الفوارق، ومحيت المظالم، وشملها العدل والإنصاف والحب والإخاء، ولم يكن هناك فاتح غالب وخصم مغلوب، ولكن إخوان متحابون متآلفون، ومن هنا تذوب فكرة القومية، وتنجاب كما ينجاب الثلج سقطت عليه أشعة الشمس قوية مشرقة أمام فكرة الأخوة الإسلامية التي يبثها القرآن في نفوس من يتبعونه جميعًا.

إن ذلك الفاتح المسلم -قبل أن يغزو من غزا، ويغلب من غلب- قد باع نفسه وأهله، وتجرد من عصبيته وقوميته في سبيل الله، فهولا يغزو لعصبية، ولا يغلب لقومية، ولا ينتصر لجنسية، ولكنه يعمل حين يعمل لله، بل لله وحده لا شريك له، وإن أروع ما أثر من الإخلاص في الغاية، وتجريد النفس من الهوى ما جاء في الحديث الشريف ومعناه: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أحب أن أجاهد في سبيل الله، وأحب أن يرى موقفي، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجبه، فنزلت الآية الكريمة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الكهف: 110.

أفرأيت كيف اعتبر الإسلام تطلع هذا الشخص إلى الثناء والمدح -وهما من طبائع النفوس- شركًا خفيًّا يجب أن يتنزه منه، ويسمو لشرف الغاية النبيلة عنه، وهل هناك أخلص من أن ينسى الإنسان نفسه في سبيل غايته؟ وهل تظن أن رجلاً يشترط عليه دينه أن يتجرد من نفسه، ويكبت عواطفها وميولها وأهواءها، حتى يكون جهاده خالصًا لله وحده، يفكر بعد هذا في أن يجاهد لعصبية، أو يغزو لجنس، أو قومية؟ اللهم لا.

وإن ذلك المغلوب الذي شاء له القدر أن يسعد بالإسلام ويهتدى بهديه، ما ترك بلده وأرضه لأجنبي عنه يتحكم فيها، ويسخره تسخير العبد الذليل، ويستأثر دونه بخيراتها، ولكنه ترك ما ترك لأخ يخلطه بنفسه، ويمزجه بروحه، ويناديه بإخلاص: لك ما لنا وعليك ما علينا، وكتاب الله -تبارك وتعالى- يفصل بيننا، فكلاهما فنى في غايته، وضحى في سبيل مبدئه، وترك ما ترك ليعم الإنسانية نور الله، وتسطع عليها شمس القرآن الكريم، وفى ذلك تمام إسعادها، وكمال رقيها لو كانوا يعلمون.

أفق الوطن الإسلامي

وأما الثمرة الثانية، فإن الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض -فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم- قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها، فكان عن ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامي، وسما عن حدود الوطنية الجغرافية، والوطنية الدموية، إلى وطنية المبادئ السامية والعقائد الخالصة الصحيحة، والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونورًا، والإسلام حين يشعر أبناءه بهذا المعنى، ويقرره في نفوسهم يفرض عليهم فريضة لازمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين، وتخليصها من غصب الغاصبين، وتحصينها من مطامع المعتدين.

وهنا ترى أن الفكرة الوطنية صارت حرزًا هامًّا واضحًا في الفكرة الإسلامية، واجتمع بذلك للمسلم ما لم يجتمع لغيره من أبناء الأمم الأخرى، أن يعمل للوطن، وأن يعمل للإنسانية كلها دون تعارض أو اختلاف، ولم يجتمعا من قبل في مبدأ من المبادئ التي عرفها الناس من قبل ومن بعد، وقد قررها الإسلام قبل مئات السنين، وفى الوقت الذى يرتفع فيه صوت أبناء الأمم الحديثة: ألمانيا فوق الجميع، وإيطاليا فوق الجميع، وفرنسا فوق الجميع، فيكون هذا النداء دليل الأنانية، ومثير البغضاء، ونذير الفرقة، وشعلة الخلاف بين أمم العالم، في هذا الوقت يرتفع صوت المسلم داويًا فصيحًا يمده القرآن وتحدوه البلاغة النبوية: الأخوة على الحق شعار الجميع، وأرض الإسلام لأبناء الإسلام. ما أجمل هذا الامتزاج! وأروع معناه وأسمى مرماه!

إن الذين يظنون الإسلام يهدم الوطنيات مخطئون؛ لأنه يفترض على أبنائه حماية أرضهم، وإن الذين يظنون أن الإسلام عصبة خطيرة على العالم مخطئون؛ لأنه أخوة توحد بينهم وتسوى صفوفهم، وإن الذين أدركوا الإسلام حق الإدراك علموا أنه -بحق- صيانة للوطن ورحمة للعالمين. وهي كلمة حكيمة سمعتها من سيأسى كبير تشربت روحه بفضائل الإسلام لا تزال ترن في أذني، وستظل كذلك لما فيها من روعة وعذوبة، إنه قال في إيمان عقيدة: "لو عرف الناس الإسلام حق معرفته لعلموا أنه دين وجنسية".

وأظنك بعد هذا -أيها القارئ الكريم- قد فهمت ما قدمت لك من قبل "ندعوك إلى أن تعتقد أن كل مسلم أخ لك، تألم لألمه، وتفرح لفرحه، وأن كل شبر من الأرض فيه مسلم يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إنما هو قطعة من حمى الله الذي يجب على كل مسلم أن يذود عنه. ويحتفظ به. ويعمل لخير أهله.

﴿وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يوسف: 87

طريق طويلة

أرجو أن تكون هذه الكلمات المتتاليات فى بيان دعوة الإخوان المسلمين قد كشفت للقراء الكرام عن غايتهم، وأبانت لهم -ولو إلى حد ما- عن منهاجهم فى السير إلى هذه الغاية، وقد تحدثت من قبل إلى كثير من إخواننا الغيورين على الإسلام ومجده حديثًا طويلاً هو أشبه بهذه الكلمات التى رآها القراء تحت عنوان: "إلى أى شىء ندعو الناس".

ولقد أصغى إلى من حدثتهم إصغاءً مشكورًا، وكنا نتفهم القول تباعًا أولاً فأولاً، حتى خرجنا من المحادثة مقتنعين تمامًا بشرف الغاية، ونجاح الوسيلة. وكم كانت دهشتى عظيمة حين رأيت منهم شبه إجماع على أن هذه السبيل -مع التسليم بنجاحها- طويلة، وأن التيارات الجارفة الهدامة فى البلد قوية، مما يجعل اليأس يدب إلى القلوب، والقنوط يستولى على النفوس، وحتى لا يجد القراء الكرام فى أنفسهم هذا الشعور الذي وجده أولئك المتحدثون من قبل أحببت أن تكون هذه الكلمة مفعمة بالأمل، فياضة باليقين فى النجاح -إن شاء الله، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وسأحصر الموضوع فى نقاط ثلاث:

1-النظرة الفلسفية الاجتماعية

يقول علماء الاجتماع: إن حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد. وتلك نظرة يؤيدها الواقع، ويعززها الدليل والبرهان، بل هي محور تقدم الإنسانية وتدرجها مدارج الكمال، فمن ذا الذي كان يصدق أن يصل العلماء إلى ما وصلوا إليه من المكتشفات والمخترعات قبل حدوثها ببضع سنين، بل إن أساطين العلم أنفسهم أنكروها لأول عهدهم بها، حتى أثبتها الواقع وأيدها البرهان، والمثل على ذلك كثيرة، وهي من البداهة بحيث يكفينا ذلك عن الإطالة بذكرها.

2-النظرة التاريخية

فإن نهضات الأمم جميعًا إنما بدأت على حال من الضعف يخيل للناظر إليها أن وصولها إلى ما تبتغى ضرب من المحال، ومع هذا الخيال فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة، القليلة الوسائل إلى ذروة ما يرجو القائمون بها من توفيق ونجاح. من ذا الذي كان يصدق أن الجزيرة العربية -وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة- تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟

ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر وهو ذلك القلب الرقيق اللين، وقد انتقض الناس عليه، وحار أنصاره في أمرهم، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشًا تقمع العصاة، وتقيم المعوج، وتؤدب الطاغي، وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟

ومن ذا الذي كان يصدق أن هذه الشيعة الضئيلة المستترة من بنى على والعباس تستطيع أن تقلب ذلك الملك الأقوى الواسع الأطراف، المترامي الأكناف ما بين عشية أو ضحاها، وهي ما كانت يومًا من الأيام إلا عرضة للقتل والتشريد والنفي والتهديد؟

ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال، فيرد ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين، على توافر عددهم، وكثرة عددهم، وتظاهر جيوشهم، حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكًا من ملوكهم الأكابر، ذلك في التاريخ القديم. 

وفى التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك، فمن ذا الذي كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود، وقد نفيت أسرته، وشرد أهله، وسلب ملكه يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلاً، ثم يكون بعد ذلك أملاً من آمال العالم الإسلامي في إعادة مجده وإحياء وحدته؟

ومن كان يصدق أن ذلك العامل الألماني (هتلر) يصل إلى ما وصل إليه من قوة النفوذ ونجاح الغاية؟ حتى سمعناه بالأمس وبعد الفتنة يقول بلهجة الواثق بنفسه، المغتبط بنجاحه: لقد كنت أقول للناس: إني سأصل إلى الحكم فيعدون ذلك جنونًا حتى وصلت إليه، وها أنا ذا أقول لهم: إنني سأبقى في الحكم، فليظنوا في ذلك ما شاءوا.

3-النظرة القرآنية:

إن القرآن الكريم يحرم اليأس والقنوط على المؤمنين، ويعتبر ذلك كفرًا مرة وضلالاً مرة أخرى، فتقول الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يوسف: 87، ويقول في آية أخرى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ الحجر: 56، ثم يبشر المؤمنين بالنصر القريب، ويبين لهم أن الفرج بعد الشدة، والنصر بعد اللأواء. وأن تلك سنة الله -تبارك وتعالى- فيقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يوسف: 110، وفى آية أخرى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ البقرة: 214.

ثم يبين لهم في موضع آخر أن هذه أعراض تصيب الأمم، ثم تبرأ منها وتصح بعد أن يمحصها الله ويطهرها. فذلك قوله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ آل عمران: 140. 

فأنت ترى من هذا أن القرآن الكريم يحرم اليأس والقنوط على المؤمنين، ويفتح أمامهم باب الأمل سهلاً فسيحًا، يدعوهم إلى ولوجه ويناديهم مناديه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ المائدة: 23 تلك هذه النظرات الإيجابية التي تحدونا إلى العمل، وتمد قلوبنا بحرارة الأمل القوية المشرقة.

هل هناك طريق أخرى

وَثمَّ نظرتان سلبيتان تحدثان النتيجة بعينها، وتوجهان قلب الغيور إلى العمل توجيهًا قويًّا صحيحًا. أولاهما: أن هذه الطريق مهما طالت فليس هناك غيرها في بناء النهضات بناء صحيحًا، وقد أثبتت التجربة صحة هذه النظرة.

الواجب أولاً وثانيتهما: أن العامل يعمل لأداء الواجب أولاً، ثم للأجر الأخروي ثانيًا، ثم للإفادة ثالثًا، وهو إن عمل فقد أدى الواجب، وفاز بثواب الله ما في ذلك من شك، متى توفرت شروطه، وبقيت الإفادة وأمرها إلى الله، فقد تأتى فرصة لم تكن في حسابه تجعل عمله يأتي بأبرك الثمرات، على حين أنه إذا قعد عن العمل فقد لزمه إثم التقصير، وضاع منه أجر الجهاد، وحرم الإفادة قطعًا.

فأي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًّا؟ وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في صراحة ووضوح في الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ*فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الأعراف: 164-165.

لهذا كان لا مندوحة من العمل والجهاد للمسلم الغيور الذى تشربت نفسه بمبادئ الإسلام وتعاليمه، ولهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم، ويتفانون فى غايتهم، ويبذلون كل شىء فى جهادهم، فإن وفقوا فذاك، وإن فاتهم ذلك فحسبهم أن يكونوا قنطرة تعبر عليها الفكرة إلى من هم أقدر منهم على تحقيقها، وإلا فحسبهم أن يعذروا إلى الله.

المقال السابق كتابات الإمام البنا إلى الأقباط