حسن البنا وعبقرية البناء

بقلم الأستاذ سيد قطب

في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور، وحكمة مدبرة، في كتاب مسطور.. حسن "البنا" إنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه، ولكن من يقول: إنها مصادفة، والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء، وإحسان البناء، بل عبقرية البناء؟

لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيرًا من الدعاة، ولكن الدعاة غير البُناة، وما كل داعية يملك أن يكون بنَّاء، وما كل بنَّاء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء.

هذا البناء الضخم، الإخوان المسلمون، إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات، إنهم ليسوا مجرد مجموعة من الناس، استجاش الداعية مشاعرهم ووجداناهم، فالتفوا حول عقيدة، إن عبقرية البناء تبدو في كل خطوة من خطوات التنظيم، من الأسرة إلى الشعبة إلى المنطقة إلى المركز الإداري إلى الهيئة التأسيسية إلى مكتب الإرشاد.

هذا من ناحية الشكل الخارجي - وهو أقل مظاهر هذه العبقرية - ولكن البناء الداخلي لهذه الجماعة أدق وأحكم، وأكثر دلالة على عبقرية التنظيم والبناء. 

البناء الروحي، هذا النظام الذي يربط أفراد الأسرة وأفراد الكتيبة وأفراد الشعبة، هذه الدراسات المشتركة، والصلوات المشتركة والمشاعر المشتركة، التي تجعل نظام الجماعة عقيدة تعمل في داخل النفس، قبل أن تكون تعليمات وأوامر ونظمًا.

والعبقرية في استخدام طاقة الأفراد وطاقة المجموعات في نشاط لا يدع في نفوسهم ولا يدعهم يتلفتون هنا أو هناك يبحثون عما يملؤون به هذا الفراغ، إن مجرد استثارة الوجدان الديني لا يكفى، وإذا قصر الداعية همه على هذه الاستثارة فإنه سينتهي بالشباب خاصة إلى نوع من الهوس الديني الذي لا يبني شيئًا، وإن مجرد الدراسة العلمية للعقيدة لا تكفي، وإذا قصر الداعية همه على هذه الدراسة فإنه سينتهي إلى تجفيف الينابيع الروحية التي تكسب هذه الدراسة نداوتها وحرارتها وخصوبتها، وإن مجرد استثارة الوجدان والدراسة معًا لا يستغرقان الطاقة فستبقى هنالك طاقة عضلية، وطاقة عملية، وطاقة فطرية أخرى في الكسب والمتاع والشهرة والعمل والقتال.

وقد استطاع حسن البنا أن يفكر في هذا كله، أو أن يلهم هذا كله؛ فيجعل نشاط الأخ المسلم يمتد وهو يعمل في نطاق الجماعة إلى هذه المجاملات كلها، بحكم نظام الجماعة ذاته، وأن يستفيد من الطاقات الفطرية كلها في أثناء العمل للجماعة وفي مجال بناء الجماعة. 

استطاع ذلك في نظام الكتائب، ونظام المعسكرات، ونظام الشركات الإخوانية، ونظام الدعاة، ونظام الفدائيين الذين شهدت معارك فلسطين ومعارك القنال نماذج من آثاره، تشهد بالعبقرية لذلك النظام.

وعبقرية البناء في تجميع تلك الأنماط من النفوس، ومن العقليات، ومن الأعمار، ومن البيئات تجميعها كلها في بناء واحد، كما تتجمع النغمات المختلفة في اللحن العبقري، وطبعها كلها بطابع واحد يُعرفون به جميعًا، ودفعها كلها في اتجاه واحد على تباين المشاعر والإدراكات والأعمار والأوساط في ربع قرن من الزمان.

ترى أكانت مصادفة عابرة أن يكون هذا لقبه، أم أنها الإرادة العليا التي تنسق في كتابها المسطور بين أصغر المصادفات وأكبر المقدورات في توافق واتساق؟

ويمضي حسن البنا إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل البناء أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له عملية جديدة من عمليات البناء.

 عملية تعميق للأساس، وتقوية للجدران، وما كانت أَلْفُ رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان، كما ألهبتها قطرات الدم الزكيَّ المهراق. 

إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبَّت فيها الروح وكتبت لها الحياة.

وحينما سلَّط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان كان الوقت قد فات. 

كان البناء الذي أسسه حسن البنا قد استطال على الهدم، وتعمّق على الاجتثاث، كان قد استحال فكرة لا يهدمها الحديد والنار، فالحديد والنار لم يهدما فكرة في يوم من الأيام، واستعلت عبقرية البناء على الطغاة الأقزام، فذهب الطغيان وبقي الإخوان.

ومرة بعد مرة نزت في نفوس بعض الرجال - من الإخوان - نزوات، وفى كل مرة سقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة، أو انزوت تلك النزوة، لم تستطع أن تحدث حدثًا في الصفوف.

ومرة بعد مرة استمسك أعداء الإخوان بفرع من تلك الشجرة، يحسبونه عميقًا في كيانها، فإذا جذبوه إليهم جذبوا الشجرة، أو اقتلعوا الشجرة، حتى إذا آن أوان الشد خرج ذلك الفرع في أيديهم جافًا يابسًا كالحطبة الناشفة، لا ماء فيه ولا ورق ولا ثمار!

إنها عبقرية البناء، تمتد بعد ذهاب البناء، واليوم يواجه بناء الإخوان خليطًا مما واجه في الماضي، ولكنه اليوم أعمق أساسًا، وأكثر استطالة، وأشد قوامًا، اليوم هو عقيدة في النفس وماضٍ في التاريخ، وأمل في المستقبل، ومذهب في الحياة، ووراء ذلك كله إرادة الله التي لا تُغلب، ودم الشهيد الذي لا ينسى.

فمن كان يريد بهذا البناء سوءًا فليذكر أن طغيان فاروق ومن خلفه إنجلترا وأمريكا لم يهدم منه حجرًا ولم يترك فيه ثغرة.

 إن المستقبل لهذه العقيدة التي يقوم عليها بناء الإخوان وللنظام الذي ينبثق من هذه العقيدة، وفي كل أرض إسلامية اليوم نداء بالعودة إلى الراية الواحدة التي مزَّقها الاستعمار ذات يوم، ليسهل عليه ازدراء الوطن الإسلامي قطعة قطعة، وقد آن أن تتضام هذه المزق، وتنتفض جسمًا حيًا كاملا يمزق الاستعمار.

 إن طبائع الأشياء تقتضي انتصار هذه الفكرة، فلقد انتهت موجة التفكك والتمزق، ولم تمت الفكرة الإسلامية في تلك الفترة المظلمة، فهيهات إذن أن تموت لليوم في موجة اليقظة والانتفاض والإحياء، ولقد اختلطت الفكرة الإسلامية ببناء الإخوان المسلمين، فلم يعد ممكنًا أن يفصل بينهما التاريخ، ومن ثم لم يعد ممكنًا أن يفصل بينهما أحد في اليوم أو الغد.

ولقد كان الاستعمار في الماضي يستخدم أجهزة للتخدير يلبسها ثوب الدين، استخدم رجال الطرق واستخدم رجال الأزهر، كما استخدمهم طغيان السرايا، أما اليوم فلم يعد ذلك ممكنًا، إن الفكرة الإسلامية اليوم يمثلها بناء الإخوان تمثيلا قويًا، فلا سبيل إلى التمويه بأي جهاز، والأزهر ذاته، وقد خضع للطغيان طويلا وخضع للاستعمار، وها هو ذا أخذ في الانتفاض والتحرر، وهؤلاء طلابه وأساتذته ينضمون جماعات وأفرادًا إلى صفوف الإخوان، المحضن الأول للفكرة الإسلامية كما ينبغي أن تكون {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ}.

المصدر: الدعوة – السنة الثالثة – العدد (104) – 25جمادى الأولى 1372هـ / 10فبراير 1953م.

المقال التالي التربية الصالحة
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم