الإمام الشهيد حسن البنا والمرأة

إعداد موقع الإمام الشهيد حسن البنا

تميّزت المرأة عبر العصور القديمة والحديثة بمشاركتها الفاعلة في شتى المجالات؛ فلعبت دور الشاعرة والملكة والفقيهة والمحاربة والفنانة. وما زالت المرأة حتى العصر الحالي تتعب وتكد في سبيل بناء الأسرة ورعاية البيت، حيث يقع على عاتقها كأم مسؤولية تربية الأجيال، وتتحمل كزوجة أمر إدارة البيت واقتصاده، وذلك ما يجعل المهام التي تمارسها المرأة في مجتمعاتنا لا يمكن الاستهانة بها، أو التقليل من شأنها.

ولقد حرص الإخوان على إعطاء المرأة حريتها الكاملة التي كفلها لها الإسلام والدين الحنيف، وفي ذلك يقول حسن البنا: "نحب من كل قلوبنا أن تبلغ المرأة الشرقية أقصى حدود الكمال الممكن، وأن ترقى إلى أوسع مدى تطمح إليه، ونعتقد أن النهضة الصحيحة إنما تتدعم على أسس قوية من نفسية المرأة وروحها، وما تبثه فى نفوس أبنائها -وهم الجيل الجديد- من مبادئ وأخلاق، ذلك أمر مفروغ منه ليس فيه مجال للجدل ولا للخلاف.

بل إن الإمام البنا أصدر رسالة كاملة عن المرأة المسلمة، فى وقت تنازعها تياران: تيار يدعو للتمسك بالتقاليد ولا يرى حقوقًا للمرأة، وآخر يدعو إلى الانحلال ومتابعة الغرب فى رؤيته للمرأة، فكتب الإمام البنا هذه الرسالة لتوضيح موقف الإسلام من المرأة وحقوقها.

بل إنه طالب بمعالجة قضايا المرأة علاجا يليق بمكانتها وحصنتها في المجتمع فقال في رسالة نحو النور: علاج قضية المرأة علاجا يجمع بين الرقى بها والمحافظة عليها وفق تعاليم الإسلام، حتى لا تترك هذه القضية التى هي أهم قضايا الاجتماع تحت رحمة الأقلام والآراء الشاذة من المفرطين والمفرطين.

 

وظيفة المرأة فى الحياة

 

نالت الآنسة نعيمة الأيوبي ليسانس الحقوق وتقدمت إلى نقابة المحامين لتحصل منها على تصريح بالاشتغال بالمحاماة فتوقفت النقابة، وخاضت الصحف فى هذا الموضوع، وكان لها فيه جولات يرمى أكثرها إلى الاحتجاج على النقابة فى عدم إسراعها بالموافقة على مطلب الآنسة، ويزكي هذا المطلب محتجًا له بالمساواة بين المرأة والرجل وصيانة حقوق المرأة، وهكذا من هذه المزاعم.

وتقدمت الآنسة فاطمة فهمي على ما أذكر إلى مدرسة الهندسة الملكية بعد حصولها على البكالوريا فتوقفت المدرسة فى قبولها، وقد أنحت عليها بعض الصحف باللائمة الشديدة، وأرادت أن تبرر حملتها على المدرسة وعلى وزارة المعارف بسماح الوزارة للآنسات بالتعليم الثانوي، فإما أن تفتح لهن الباب على مصراعيه فى التعليم العالي، وإما أن تغلقه فى وجوههن من أول الأمر، وهو منطق كما ترى...

وكتبت الكاتبة "زينب الحكيم" كلمتها الأولى فى الأهرام 2ربيع الثاني تحت عنوان: "وظيفة المرأة فى الإنسانية على بساط البحث والتمحيص" وصدرتها بكلمة أفلاطون القائلة: "ليس من عمل ما فى نظام الهيئة الاجتماعية تختص به المرأة كامرأة، أو يختص به الرجل كرجل؛ لأن الطبيعة ساوت بين الرجل والمرأة فيما منحتهما من النعم والمواهب؛ ولذلك يحق للمرأة أن تقوم بكل عمل يقوم به الرجل رغم كونها أضعف جسمًا منه".

أيها الكاتبون والكاتبات والناقدون والناقدات والناصرون للرجل أو المطالبون بحقوق المرأة على حد سواء لي معكم جميعًا كلمة فى هذا الموضوع مختصرة كل الاختصار، عادلة كل العدل، بريئة كل البراءة، مخلصة كل الإخلاص، لا تعتمد على خلابة لفظية، ولا بلاغة كتابية، ولا جمل أفلاطونية، ولكنها تعتمد على حجج فطرية بدهية يراها الأعمى ويسمعها من به صمم.

أيها القوم جميعًا: أما تعليم البنت وتثقيفها وتهذيبها وتربيتها فأمر لا نجعله محل نزاع فيما بيننا، وليس هو من شئون بحثنا. وأما سفورها أو حجابها واختلاطها أو اعتكافها فلنا فيه كلام آخر كذلك فى غير هذا المقام، ولكن موضوع البحث هو: "وظيفة المرأة فى الحياة، وهل من النافع للأمة أن تشارك الرجال فيما يقومون به من الأعمال، أم لكل منهما وظائف عليه أن يؤديها ولا يصح أن يشاركه الصنف الآخر فيها؟" ذلك هو محل البحث، فتعالوا نتعرف الحقيقة على ضوء الفطرة والبديهة.

أيها القوم جميعًا: ليست الحياة نوعًا واحدًا من الأعمال، ولكنها أقسام مختلفة تندرج تحت قسمين رئيسين أولهما: كسب العيش ووسائله من إدارة المصانع والمتاجر والمزارع وغيرها مما ينحو منحاها، ومنها إدارة المنزل وتهيئة لوازم الأسرة والحمل والوضع والرضاع وتربية الأولاد والحنو عليهم، والرجل وحده لا يستطيع أن يقوم بالمهمتين ولا أن يؤدى الوظيفتين، وكذلك المرأة لا تستطيع أن تقوم بهما معًا، وإذن فلابد من القسمة ولابد من التخصيص، فما الذي تريدون أن يختص به الرجل؟ وما الذي تريدون أن تختص به المرأة؟ أظن أن الجواب على هذا فطري بدهي لو سألت عنه فيلسوفًا لأجابك، ولو سألت عاميًا لما أعجزه الجواب أيضًا.

للرجل الكسب والكد وتدبير الحياة الخارجية، وللمرأة المملكة المنزلية وتدبير حياة الأسرة، وليس فى ذلك انتقاص لأحدهما، وإنما هي القسمة العادلة فيما بينهما.

هذه -أيها المنصفون- القاعدة الأساسية فى وظيفة الرجل ووظيفة المرأة، ولهذا خلق الرجل قوى الجسم قوى العضلات قوى الفكر واسع الحيلة، وخلقت المرأة لينة الجسم لينة الشعور عاطفة كلها.

دعونا -أيها القوم- من النظريات والكلاميات، ولا تخرجوا على سنن الكون ونظمه، ودعوا المرأة سيدة فى بيتها، آمنة فى سربها، هانئة بأولادها، سعيدة بزوجها، قائمة بالوظيفة التى أعدت لها، ولا تزعجوها بالأماني والأحلام والظنون والأوهام.

واذكروا أيها القوم أن المحاكم قد شرقت بالمترافعين، والبيوت قد أقفرت من المتزوجين، فخير للآنسة نعيمة الأيوبي أن تخدم أمتها بأن تعمر بيتًا على أساس الفضيلة والعلم، وتكوّن أسرة تبث فى نفوس أبنائها وبناتها الخلق الفاضل على ضوء ما تعلمته من الحقائق -وكثير من يوافقها على ذلك إن أرادته– من أن تنافس المحامين الذين يطالبهم أبناؤهم وزوجاتهم بالنفقة التى لابد منها للبيوت وللأسر.

وقل مثل ذلك للآنسة فاطمة فهمى ولكل آنسة تحاول أن تتخذ التعليم العالي سلمًا للكسب والمعاش، ثم قل لأفلاطون وللكاتبة زينب الحكيم: "حتى لو سلمنا بهذه النظرية أن نظرية: أن المرأة تستطيع أن تقوم بأعمال الرجل فلن نستطيع فى مصر أن نسلم بعكسها، وهى أن الرجل يستطيع أن يقوم بأعمال المرأة ونحن مضطرون لتقسيم وظائف الحياة فيما بينهما، ولابد أن يختص كل منهما بعمل، ومن هنا يجئ وجوب قيام كل منهما بوظيفة خاصة به"، على أن النظرية منقوضة من وجهات كثيرة فسيولوجية واجتماعية، هذا حوار لا لبس فيه ولا غموض ولا سفسطة ولا تعقيد، وإن لم يكن هذا واضحًا جليًا مسلمًا به من كل إنسان فقل على العقول السلام، وليس لي أن أقول ولكنها الأهواء عمت فأعمت.

هدى الله القوم إلى سواء السبيل، ولا زلنا -ونعتقد أن هذا رأى العقلاء من الأمة- نؤيد نقابة المحامين ونؤيد مدرسة الهندسة فى وجوب رفض طلبي الآنستين، ونشكر لوزارة المعارف مواقفها المشرفة فى المحافظة على المصلحة العامة"(1).

 

كيف يشجعون الزواج؟

تحت هذا العنوان نشرت الجرائد اليومية ما يأتي: برلين فى 20يوليو: أعلنت شركة كبيرة من شركات الدخان هنا أن كل فتاة عازبة من مستخدماتها تجد عريسًا قبل انتهاء السنة الحالية تنال مكافأة ستمائة مارك، وهي تأمل من هذا أن تزيد الإقبال على الزواج وتخفض – جهد المستطاع– عدد العاملات فى مصالحها؛ لأنه بمقتضى القانون الألماني لا يسوغ لأية امرأة متزوجة أن تحترف عملاً خارج منزلها. وتقول هذه الشركة: إن كل وظيفة تخلو بسبب زواج الفتيات تستخدم فيها رجالاً، وتأمل بهذه الوسيلة أن تخفف وطأة البطالة.

وقد جاءت البرقيات بما أشارت إليه هذه الكلمة من حظر القانون الألماني العمل خارج المنزل على المتزوجات، رغبة فى تخفيف وطأة البطالة، وإلزامًا للمرأة أن تقوم بوظيفتها الطبيعية.

هذه بلاد من أرقى بلاد الدنيا مدنية وحضارة وأدقها نظامًا وبرامج ثارت على سنة الكون حينًا من الدهر فاستخدمت النساء فى وظائف الرجال، ثم ها هي بعد أن أدركت ما جره عليها هذا الخروج من مصائب وويلات تتقهقر بنظام فتضع القوانين لإلزام النساء القيام بوظائفهن فى حدود منازلهن، وتغرى العائلات بترك وظائفهن للرجال والعودة إلى أحضان حياة الأسرة، حيث تكون المرأة كما يريدها نظام الكون زوجًا وأمًا ومربية.

ونحن فى بلادنا قد عافانا الله من هذا البلاء الذى يقاسى غيرنا مرارته، ويحاول التخلص من ويلاته بالتشريع تارة، وبالإغراء والمال تارة أخرى، فما بال أقوام يرفعون أصواتهم بخديعة الأمة ويزينون لها هذا الشر المستطير بصورة الخير الكثير، ويغالطون أنفسهم والناس بجمل معسولة وأقوال ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، فيريدون من الآنسة نعيمة الأيوبي محاميًا بين المحامين، ومن الآنسة فاطمة فهمى مهندسًا بين المهندسين، ثم تكون سنة بعد ذلك، فيهجر الآنسات المنازل والقصور والبيوت والخدور إلى المكاتب والمحاكم والترع والعمائر، وعلى حياة الأسر السلام.

يا قوم، إن كنتم تخضعون لسلطان العقل والمنطق فاعلموا أنكم تسوقون الأمة بدعايتكم هذه إلى خطر عظيم، وإن كنتم تخضعون لسلطان التقليد الغربي فهذه أمة من أمم الغرب ضربت لكم المثل فيما يجب على المرأة وما يجب على الرجل، وإن كانت شهوة من شهوات النفوس والآراء فالله نسأل أن يبصركم بالحق ويدفع عن الأمة شر هذه الشهوات.

يا قوم، إنكم تلعبون بالنار وتفتحون على الأمة بابًا مغلقًا من أبواب التهلكة والدمار، وتزجونها إلى مزلق من مزالق الفناء الاجتماعي، ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا، فاتقوا الله فى أنفسكم وفى أمتكم(2).

 

استعباد المرأة فى اليابان

إن استعباد المرأة اليابانية واستثمار جهودها مقابل أجور تافهة هو من أهم العوامل التى ساعدت اليابان على مزاحمة جميع الدول المصدرة، وعلى إغراق أسواق العالم بالبضائع الرخيصة.

وقد ظهر حديثًا باللغة الإنجليزية كتاب عنوانه: (الصين الفتية واليابان الجديدة) للكاتبة الإنجليزية "سيسل شسترتون" ضمنته المؤلفة وصفًا للمرأة اليابانية قالت فيه: إن النساء اليابانيات مستعبدات كأقسى ما يكون الاستعباد، وإنهن لا يشتغلن فى المكاتب والمتاجر والمصارف بأجور زهيدة فقط، ولكنهن أيضًا يزاولن أعمالاً لا يزاولها فى غالب البلاد المتمدينة غير الرجال الأشداء، فهن يشتغلن فى المصانع والحقول، ويحملن الأثقال، ويشتغلن فى كثير من الأحيان بنقل الفحم إلى البواخر فى الموانئ، فهي بحق من دواب الحمل، وليس هناك أى تشريع لتنظيم تشغيلهن وصيانة حقوقهن والدفاع عنهن.

والرجال فى اليابان يعتبرون أنفسهم سادة النساء، ويعتقد الواحد منهم أنه أرقى من المرأة اجتماعيًا وعقليًا وأخلاقيًا وأن المرأة لذلك يجب أن تكون أمته.

وذكرت السيدة شسترتون ضمن كتابها أن ما لا يقل عن أربعين ألف فتاة يابانية قد شحنّ إلى "متشوكيو" للعمل فيها وتعميرها والاقتران بشبابها، لكي يتم صبغ هذه البلاد بالصبغة اليابانية البحتة.

بل ذكرت المؤلفة أكثر من ذلك فقالت: إن الفتيات فى اليابان يبتعن ويشترين، وإن الحكومة تتقاضى ضريبة عليهن.

وتسرد مدام شسترتون بين مشاهداتها أنها ركبت مرة عربة الترام فوجدتها غاصة بالرجال، أما النساء وبعضهن أمهات يحملن أطفالهن فإنهن ظللن واقفات ولم يتحرك رجل واحد ليحل محله إحدى النساء.

وتلاحظ المؤلفة فضلاً عن ذلك أن النساء فى اليابان بدأن يستبدلن (الكيمونو) القومي بالثياب الأوروبية ليس لأن عيونهن تفتحت للمدنية الغربية، وإنما لأن الثياب على النمط الأوروبي أرخص كثيرًا من الكيمونو الوطني، ولأن أسعد النساء حظًا فى اليابان تلك التى تستطيع أن تربح فى الأسبوع خمس شلنات.

وتقول المؤلفة: إن بعض المزارعين يبيعون بناتهم لتجار الرقيق الأبيض تحت تأثير الأزمة الاقتصادية العنيفة. "الجهاد 4 ربيع الثاني"

ننشر هذا الخبر كما روته جريدة الجهاد لا لأننا نريد أن تكون المرأة المصرية كذلك، بل نحن نتمنى للمرأة المصرية كل خير وكل رقى وكل تقدم، ولكن لنلفت نظر إخواننا الذين لا يرون سببًا لنهضة الأمة إلا تحرير المرأة، "وهو فى عرفهم ثورتها على التقاليد والعادات حتى ولو كانت صالحة" إلى أن استعباد المرأة فى اليابان لم يمنعها عن أن تكون أرقى أمم الشرق حضارة ومدنية وتقدمًا وقوة.

يا قومنا، نحن معكم فى أن رقى المرأة يفيد نهضة الأمة كثيرًا، ولكن نحب أن تكونوا معنا فى أنه ليس كل شىء فى النهضة، وليست أهميته فيها كأهمية إصلاح الأخلاق وتربية النفوس، فليس معناه الإباحة والخلاعة والتهتك، ولكن معناه التهذيب الصحيح، والتربية الفاضلة، والتعليم النافع.

فإذا كنتم معنا فى هذه الثلاثة كما نحن معكم فى الأولى فقد اتفقنا.

وما أجمل أن تتوجه جهود الكل إلى وجهة واحدة من نواحي الإصلاح المثمر(3).

 

وصايا الزواج فى اليابان

تقول مجلة "تيت بتس" الإنجليزية الشهيرة: إنه عندما تتزوج الفتاة اليابانية توصيها والدتها إحدى عشر وصية هي:

1-     منذ اللحظة التى تتزوجين فيها تكفين عن أن تكوني ابنتي فيجب عليك أن تطيعي والد زوجك ووالدته كما كنت تطيعين والديك.

2-     كوني متواضعة ومؤدبة مع زوجك، واعلمي أن طاعة الزوج هي أحسن فضيلة تملكها الزوجة.

3-     كوني دائمة رقيقة لطيفة تجاه والدة زوجك.

4-     انبذي الغيرة فإنها تقتل محبة زوجك لك.

5-     لا تغضبي ولو أخطأ زوجك، بل دعيه وشأنه إلى أن يسترد حلمه فتكلميه.

6-     لا تستشيري الدجالين.

7-     لا تتكلمي كثيرًا، ولا تذمى فى جيرانك، ولا تكذبي.

8-     كوني مقتصدة فى شئونك المنزلية وأديريها بحكمة وعناية.

9-     لا تشمخي بأنفك لثروة أبيك ولا تتحدثي عن غناه أمام أقارب زوجك.

10-   لا تترددي كثيرًا على مجتمعات الشابات وإن كنت شابة.

11-   كوني دائمًا نظيفة ومتواضعة فى ملبسك ولا ترتدى فساتين زاهية الألوان كثيرًا.

محمد محمد الغندور = الأهرام: 13جمادى الأولى 1352ﻫ

هكذا نشرت الأهرام هذه الوصية على أن ما أوصت به زوج عوف بن محلم الشيباني ابنتها حين خطبها عمرو بن حجر أبلغ من ذلك وأشمل قالت:

أى بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشك الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكونى له أمة يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالاً عشرًا يكن لك ذخرًا: أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع عينه وأنفه فلا تقع عينه معك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه فإن تواتر الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله وملاك الأمر فى المال حسن التقدير وفى العيال حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا ولا تفشين له سرًا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مغتمًا. والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا.

فليت شعري فى أى جامعة تلقت هذه الأعرابية درر البلاغة، وغذيت بلبان الحكمة؟ أليس من الحسن أن ننقب فى بطون الأسفار عن هذه الآثار؟(4).

 

النسائيات

قلنا ألف مرة لسادتنا دعاة اختلاط المرأة بالرجل: إن الإسلام أكرم نظام جمع فى تشريعه بين حرية المرأة وتقدير كرامتها وتقديس منزلتها، وبين المحافظة عليها وحمايتها من عدوان المعتدين وخداع الخادعين.

وإن الإسلام حين شرع للمرأة ألا تختلط بالرجل وألا تسافر مسافة القصر إلا مع محرم، وأن تقوم بوظيفتها الطبيعية من تنظيم مملكة الأسرة، تلك المملكة الكثيرة الأعباء العظيمة النتائج البعيدة الأثر فى حياة الأمم لم نقصد بذلك قدحًا فى شرفها، ولا حبسًا لحريتها، وإنما نقصد بذلك إلى صيانتها وحمايتها، فكان إخواننا دعاة الاختلاط من كاتبين وكاتبات يعيبون علينا ذلك، ويرون فى بسط الرقابة على الفتاة غلاً ثقيلاً لا يطيقون رؤيته ولا يحتملون التفكير فيه.

فماذا تقول السادة الآن أمام هذه الحوادث المتواترة، وأمام ما نشره الأهرام فى عددين متتاليين فى شهر: "ما قل ودل" للأستاذ الصاوي محمد داعية الاختلاط والسفور، وداعية بسط رقابة الآباء على الفتيات فى عددي الأهرام المذكورين.

وقد كان ما نشرته الأهرام فى العدد الأول خاصًا بطبيب إنجليزي شطب اسمه من عداد الأطباء لانتهاكه شرف أسرة ترددت عليه سيدتها، فنجم عن ذلك صلات غرامية انتهت بانتحار السيدة وبؤس أسرتها، وطلاق زوجة الطبيب وحرمانه من مهنته.

وكان ما نشرته فى العدد التالي خاصًا بطبيب مصري حاول مثل هذه المغامرة وكاد يتم له ما أراد لانخداع الفتاة لولا أن يقظة الوالد حالت دون ذلك.

يا إخواننا، صدقونا إننا لا نريد بالمرأة إلا كل خير، ولا نكن لها إلا كل تقدير وتقديس، وقد نكون فى ذلك أشد عليها منكم غيرة وأعظم احترامًا، فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن ندعو إلى الفضيلة، ونحيط حرم العفة المقدس بسياج من الرقابة اليقظة، ونحول بين ذلك الاختلاط الذي يؤدى إلى أشد النكبات وأفظع المآسي.

ومن المصادفات أن تكون هذه النذر فى وقت غصت فيه المصايف بالمختلطين، فرحمة أيها الآباء ببناتكم وفتياتكم، وحياء حياء أيها الشبان فإنما هؤلاء أخواتكم وبنى عمومتكم، وليس من فتنة أضر على الرجال من النساء، ولا أضر على النساء من الرجال، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها(5).

 

المرأة المسلمة على مفرق طريقين

بمناسبة المؤتمر النسائي الدولي بإسطنبول

 

نحب من كل قلوبنا أن تبلغ المرأة الشرقية أقصى حدود الكمال الممكن، وأن ترقى إلى أوسع مدى تطمح إليه، ونعتقد أن النهضة الصحيحة إنما تتدعم على أسس قوية من نفسية المرأة وروحها، وما تبثه فى نفوس أبنائها -وهم الجيل الجديد- من مبادئ وأخلاق، ذلك أمر مفروغ منه ليس فيه مجال للجدل ولا للخلاف، فلترق المرأة الشرقية فى مدارج الكمال ما شاء لها الرقى، ولتكمل نفسها ما شاء لها التكميل حتى تصل إلى الكمال، ولتعمل فى هذا السبيل بكل ما وجدت من وسع، ولكن حذار حذار فإن الموقف دقيق، حذار فإن المرأة التى تصلح الأمة بصلاحها هي المرأة التى تجلب على الأمة الفناء والاضمحلال بفسادها، حذار فإن مزالق الضلال كثيرة ومناحي الفساد متشعبة ومظاهر الخداع غرارة، وإذن فلابد من تحديد الغاية.

وإنما يكون كمال المرأة ورقيها إذا استطاعت أن تكون فتاة عفة طاهرة، راجحة العقل، نبيلة العاطفة، سامية الغاية والمطمح، صحيحة الجسم والروح، وزوجًا مخلصة وفية، يجد فيها زوجها ما يملأ فراغ قلبه، ويصل إلى مقر الطمأنينة من نفسه، ويدبر شئون الحياة فى بيته، وأمًّا برة صالحة تقدم للإنسانية رجالاً فضلاء، ذاك هو كمال المرأة الصحيح الذي إذا وجدت السبيل إليه فقد وفقت إلى كل خير..

فما الوسائل إلى هذه الغاية؟

أمام المرأة الشرقية نموذجان لكل منهما مرجحاته ومزاياه.

أمامها المرأة المسلمة كما يريدها الإسلام أن تكون صحيحة الجسم، سليمة الفكر، نبيلة العاطفة، رقيقة الشعور، ليس بينها وبين العلم حجاب، مراقبتها لربها، وقلبها لزوجها، وعملها فى بيتها، ووقتها لبنيها، لا تألو جهدًا فى النصح لهؤلاء جميعًا، وذلك ما كانت عليه المرأة العربية يوم كان الإسلام غضًا طريًا.

وأمامها المرأة الغربية كما تبدو الآن برزة تغشى الأسواق والمجامع، متبرجة تغالى فى الزينة وتسرف فى التجمل، مدلة بما وصلت إليه من علم ومعرفة، بائسة بين دخان المصانع وجحيم المعامل، كل همها المادة، وكل أثرها لا يعدو حياة المادة. لا ننكر أن لكثير من نساء الغرب فضائلهن ومزاياهن من حيث سعة المدارك، والاضطلاع بأعباء الحياة، وبث كثير من المبادئ الصالحة فى نفوس أبنائهن، ولكن هذا لا يبدو للمرأة الشرقية واضحًا من جهة، ولا يصل إلى درجة التغلغل فى الأرواح والنفوس، وطبعها بطابع الفضيلة الخالصة التى تؤدى إلى الخير العام للإنسانية المعذبة، لهذا كانت الناحية التى تقصد إليها المرأة الشرقية فى الأخذ عن الغربية هي الناحية الواضحة البارزة ناحية التبرج والتزين، والإغراق فى الإباحية والاختلاط، حدثوا أن بهيسة بنت أوس بن حارثة الطائي حقنت دماء الأمة العربية، وحملت زوجها الحارث بن عوف المري على أن يتحمل ديات القتلى بين عبس وذبيان فى حرب داحس والغبراء، وانتهت بذلك تلك الحرب الضروس التى ظلت ناشبة بين الحيين دهرًا طويلاً، وقد ورد مثل ذلك كثير عن نساء العرب وكيف استطعن أن يحملن الرجال على نبذ الحروب واجتناب الفتن ونشر راية السلام، بما طبعت عليه نفوسهن من رقة، وعقولهن من رجحان، فهل استطاعت المرأة الغربية أن تصل إلى بعض ذلك فى عصر النور والعرفان؟ وهل غرست فى بنيها حب السلام الذي يتمناه طلابه وقد أغلقت بأيديهم أبوابه؟

قلب طرفك فى كل زاوية من زوايا الدنيا وأخبرني بربك هل ترى إلا قلوبًا ملأها الغل، وران عليها الحقد، ونفوسًا استولى عليها الجشع، وأعماها الطمع، ومشاعر تهتز لإراقة دم الدجاجة وهي تلغ فى دماء الشعوب البريئة والأمم المغلوبة؟

وأليس من سخرية المصادفات أن يجتمع الاتحاد النسائي الدولي فى استنبول، وتخف إليه أسراب الأوانس والسيدات يتحملن وعثاء السفر وكآبة المنظر، ويغضين فيه للضرورة عن اختلاط ومقابلات وزيارات ومجاملات، كل ذلك فى الوقت الذي يطالب فيه السنيور موسوليني فى مؤتمر ستريزا بزيادة تسليح النمسا وتعلن فيه ألمانيا التجنيد بالإجبار.

سيداتي وآنساتي أتقدم بين أيديكن باقتراح أقسم لكنَّ أن العمل به أقرب الوسائل إلى تحقيق ما تصبون إليه من غاية إن كنتن تردن السلام بإخلاص.

عدن إلى بلادكن وقرن فى بيوتكن وربين على حب السلام أبناءكن، واغرسن فى نفوسهم الرحمة والرأفة والإنصاف والشفقة، ولن تجدن أقرب من هذا إلى السلام(6).

 

من أهداف الدعوة

الأسرة المسلمة

السفور، تعدد الزوجات، تقييد الطلاق، الاختلاط، الطفولة المشردة إلخ

لا شك فى أن من أعقد المشاكل التى تعترض المصلحين الاجتماعيين فى هذا العصر مشكلة نظام الأسرة وما يتبعه من صلة المرأة بالرجل، وصلة المرأة بالمجتمع، وما يجب أن يكون عليه أسلوب تكوينها وتنشئتها تبعا لذلك. ومن هنا كانت هذه الألفاظ التى تتصل بالمرأة والأسرة أكثر دورانا وتداولا للقلوب والأسماع.. السفور. الاختلاط بين الجنسين. عمل المرأة فى البيت وفى خارجه. التبرج والحفلات العامة. تعدد الزوجات. تقييد الطلاق. تشجيع الزواج. تعليم الفتاة الملابس والأزياء إلخ. كلها من الألفاظ التى تشير إلى موضوعات هامة تشغل أذهان المصلحين وألبابهم وتدفع الكتاب إلى أن يكتبوا، والوعاظ إلى أن ينصحوا، والحاكمين إلى أن يقننوا، والجماعات إلى أن تتحرك وتعمل. لا شك فى هذا كله، ولا شك عند المنصفين الفاهمين فى أن الإسلام بما وضع لهذه المشاكل من حلول، وبما جاء به من نظم وأوضاع، قد كفى الناس مؤنة هذا العناء لو أخذوا عنه ولجئوا إليه وساروا وفق نهجه القويم وصراطه المستقيم، ولكن هكذا الإنسان يصبح ظمآن وفى البحر فمه.

جاءني بعض الشباب ثائرا ثورة عنيفة على ما تريد الحكومة المصرية أن تتقدم به من قوانين تحد بها من تعدد الزوجات وتقيد حق الرجل فى الطلاق، وقالوا إنها لإحدى الكبر؛ أن تحرم ما أحل الله وأن تحمل الناس على نهج يزيد الأمر فسادا على فساد كما يتداوى شارب الخمر بالخمر، وسألوني رأيي فى هذه القضية، وتطرق الأمر من حديث خاص حول هاتين النقطتين إلى حديث عام حول المرأة والأسرة وما يجب أن يكون عليه الحال بالنسبة لهما.. ولقد خلصت من هذا الحديث بهذه النتائج، ولا أدرى أأرضاهم هذا الاستنباط أم غضبوا له، ولكنها على كل حال آراء أعتقد أنها توضح لهم نهج الإسلام القويم فى هذه المشاكل المعقدة، وأتمنى أن يفتح الله لها آذان الحاكمين والمحكومين على السواء، وأن يلهمنا الله الرشد بالرجوع إلى ديننا والتأدب بآداب شريعتنا، فإنها الحق كل الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال؟

لا أظن اثنين يختلفان فى أن الإسلام الحنيف يحرم تحريما قاطعا هذه الفوضى الخلقية والإباحية السائدة التى تتجلى فى مجتمعاتنا وأحفالنا والصور التى تنشرها جرائدنا ومجلاتنا، ومهما قيل عن أن كشف الوجه والكفين يجيزه الإسلام، فليس فى الدنيا كلها مسلم واحد يقول إن الإسلام يبيح هذا الكشف الفاضح عن مواضع الزينة، ويسيغ هذه الأزياء المتهالكة التى تشف وتصف معا، والتي تدع صواحباتها كاسيات عاريات، ولا ينكر أحد هذا التغيير والتبديل لخلق الله، إلا إن كان مسلما بحكم مولده فقط، ولا يعلم من أحكام هذا الدين وآدابه شيئا. وليس فى الدنيا كلها مسلم واحد يقول بجواز خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه من غير أن يكون معهما "محرم". هذا الوضع لا يقره الإسلام بحال ولا يقر ما يؤدى إليه، فكل عمل أو تصرف يكون من شأنه اختلاط المرأة بالأجانب عنها يحرمه الإسلام ولا يرضاه.

هذا كلام أظن أنه مفروغ منه بين الذين يعرفون أحكام هذا الدين. ودعك من الجدل الفقهي حول عورة المرأة وخوف الفتنة وما إلى ذلك من المماحكات، وحسبك أن تصرخ بكل قواك بأن الإسلام يحرم تحريما قاطعا هذا الاختلاط، وهذه الأزياء، وهذه الصور، وهذه الأحفال، وهذا التبرج، وهذا التمرد على الأزواج والأولاد والبيوت والخدور، وهذا الانطلاق الشائن إلى ساحات الأعمال التى لم تخلق لها المرأة ولا يمكن أن تمت إليها بسبب من الأسباب، فيردد صدى صرختك كل قلب مؤمن، ولا تجد من ينكرها إلا رجل لم يعرف شيئا من الإسلام، أو آخر يجاهر بأنه سيعمل ما يشاء -وإن رغم أنف الإسلام- ولا يرغم الله إلا هذه المعاطس.

ولا شك أن الأسرة فى مصر قد وصلت من التحلل والاضطراب إلى درجة تصم السميع وتعمى البصير ويسأل من مثلها العافية، والأسباب لذلك معروفة غير مجهولة، والداء مشخص واضح غير خفي، ولكن الشأن فى العلاج.

إن العلاج تربية الفتيان والفتيات تربية إسلامية عفيفة طاهرة، ومصادرة هذا الداء الوبيل من الصحف والمجلات والروايات والكتابات والمسارح والسينمات والإذاعات الهازلة الضئيلة المثيرة التى تستغل فى الناس أخس مشاعرهم وأحط غرائزهم. ومقاومة هذا التيار من التبرج والاختلاط ومفارقة البيوت والخدور للتسكع فى الحدائق والمصايف والمتنزهات وعلى الشواطئ وفى البلاجات. وتحريم هذه الوسائل الخسيسة التى تيسر على الشباب مقاصدهم بغير تبعة ولا رقابة ولا حساب. ثم تشجيع الزواج وتيسير سبيله على راغبيه وإقناعهم بالغاية الصحيحة منه، وإفهامهم أنه شركة على احتمال أعباء الحياة لا جنة يجب أن تكون محفوفة بالروح والريحان ومغمورة بالمشاعر الملتهبة والعواطف الثائرة الحائرة، وتعريف كل من الزوجين حقه وواجبه فى حدود قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾[البقرة: 228]. فلا يكون بعد ذلك إلا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. 

إن الأمر فى الحقيقة أوضح من أن يحتاج إلى مزيد شرح، ولكنه يحتاج إلى قوة جهاد ودوام كفاح وعمل متواصل. ويحتاج كذلك إلى قدوة صالحة وأسوة حسنة تظهر للناس عاملة مجدة. وأرجو أن يكتب الله هذا الفضل للإخوان المسلمين وأن يجعلهم فى ذلك من السابقين الأولين بإذن الله.

أما تقييد حرية الطلاق وتعدد الزوجات فليس محل خلاف بين الناس. إن الإسلام سلم بهذه الحقوق للأزواج وعلمهم طريق استخدامها، كما أنه ليس محل خلاف أن معظم الناس قد أساء استخدام هذه الحقوق ولم يتصرف فيها على وجهها السليم ولم يضعها موضعها النافع. وليس محل خلاف كذلك أن الحكومة باعتبارها المسئولة عن شئون الناس العامة من حقها أن تتدخل لوضع حد لهذه الفوضى التى أوجدها سوء استعمال الجماهير لهذه الحقوق، وهي بذلك -إن وفقت- تعمل -ولا شك- على حماية الأوضاع الإسلامية نفسها وعلى رعاية الكيفيات التى رسمها الإسلام لاستخدام هذه الحقوق واستعمالها، ففي تعدد الزوجات مثلا قال القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾[النساء: 3]. فإذا تدخلت الحكومة لحماية شرط العدل كانت عاملة على تحقيق فكرة الإسلام لا واقفة فى طريقها. وفى الطلاق قال القرآن: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلهَا﴾[النساء: 35]. فإذا تدخلت الحكومة لتجعل القاضي وسيطا فى الصلح ينتدب حكما من أهله وحكما من أهلها قبل الطلاق كانت بذلك عاملة على تحقيق فكرة الإسلام كذلك...وهكذا.

وقد يقال إن هذا الحق إنما يقرر للحكومة التى تثبت أنها حكومة تسير وفق النظام فى كل صغير وكبير من شأنها، أما ومعظم الحكومات لا يأخذ بهذا التوجيه ولا يتقيد به، فإن ما يخشى من سوء استخدام الحكومة لحق التدخل الممنوح لها أعظم مما يخشى من استعمال الأفراد لحقهم الأصلي، وهذا محل نظر من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الوصف غير مسلم فى جملته. والوجه الثاني: أن هذه الحكومات كلها ستكل هذا التطبيق للجهة الشرعية التى تتقيد بالفكرة الإسلامية فى كل تصرفاتها وأحكامها، ومهمة الحاكم العام بعد ذلك ملاحظة التنفيذ لا أكثر.

وإذا تقرر هذا، فإن الذي يجب أن نتوجه إليه بالعناية بمناسبة هذه التشريعات أن نسأل الحكومة هل عجزت عن كل علاج إلا هذا؟ وهل هي قوية العزم مع استخدام هذا العلاج أن تعتبره علاجا وقتيا وتعمل جاهدة على إزالة الأسباب الرئيسية الأساسية للداء؟ وهل لاحظت فى مشروعاتها مطالب الفكرة الإسلامية وكيفت أوضاعها بحيث لا تصطدم بالقواعد الشرعية فلا يترتب عليها إحلال حرام أو تحريم حلال؟ وهل كان الدافع لهذا بحق هو المصلحة العامة لا شهوة بعض الأفراد ورغبة بعض الأشخاص؟ فإذا وثقنا من أن الإجابة على هذه الأسئلة مرضية كان من الواجب أن تتعاون الهيئات كلها على أن يأتي العلاج بثمرته، وذلك ما نتحققه بدراسة أوفى ومعرفة أوسع لنصوص هذه المشروعات والمذكرات الملحقة بها، وهو ما ستقوم به اللجنة الشرعية بالمركز العام للإخوان المسلمين، ثم تكتب فيه بيانا أدق وأوفى بإذن الله. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل(7).

 

من أهداف الدعوة

الأسرة المسلمة أيضا

منذ أسابيع عرض على مجلس النواب المصري موضوع اشتغال المرأة بالمحاماة، وكانت اللجنة المختصة ترى عدم موافقة المجلس على إباحة الاشتغال بهذه المهنة للفتيات والنساء، وبعد جدل طويل بين حضرات النواب المصريين امتد إلى رأى الإسلام فى مثل هذا الشأن انتهى المجلس إلى الموافقة على أن للمرأة أن تحترف مهنة المحاماة إن شاءت.

وفى الأسبوعين الماضيين عرض على مجلس النواب المصري كذلك اقتراح النائب المحترم "زهير صبري" بإباحة حق الانتخاب للمرأة فرفضه المجلس بما يشبه الإجماع، وقد حام صاحب الاقتراح حول رأى الإسلام وفكرته أيضا فى حقوق المرأة المدنية والسياسية، وقد اهتم الاتحاد النسائي بموقف الأستاذ زهير صبري، فأرسل إليه برقية شكر وتشجيع، رد عليها حضرته بأنه سيظل يدافع عن المرأة بكل قواه حتى تنال حقها.

ويلاحظ إلى جانب ذلك نشاط ممن يسمون أنفسهم أنصار قضية المرأة يتناول المجلات والهيئات والأندية على السواء.

ولنا فى هذه القضية نظرات هادئة نتوجه بها إلى المهتمين بهذه القضية، ويجب أن نكون جميعا ممن يهتمون بها؛ فهي قضية الأخلاق وقضية الأسرة وقضية الأمة بل قضية المدنية والعالم، فما نظن أن شيئا جنى على الناس قديما أو سيجنى عليهم حديثا إلا سوء فهمهم للأوضاع وتحكيم الهوى ومخالفة التكوين الطبعي الذى لا يمكن أن يتخلف سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا وقتل الإنسان ما أكفره، لا يزال مخدوعا بتفكيره مغرورا بتدبير، سادرا مع هواه، معتمدا على أساليب الجدل وصنوف الحيل، حتى إذا ظن أنه قد انتصر وظفر، رأى نصره عين الهزيمة، ولمس فى ظفره حقيقة الفشل والإخفاق، ومع هذا لا يعتبر ولا ينزجر: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾[يوسف: 10].

أريد أن أقول لأنصار قضية المرأة: إنكم دجالون مخادعون، تلعبون بالألفاظ، وتعبثون بزخرف القول، وتخلقون خصومة فى غير موضع، وتجولون فى غير ميدان، وتتخذون من الأنصار الحقيقيين لهذه القضية خصوما ﴿اسْتِكْبَارًا فِى الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾[فاطر: 43]. وآية ذلك وبرهانه، أننا نحن وأنتم متفقون على أن تعاليم الإسلام الحنيف هي أوفى التشريعات والنظم بكفالة حقوق المرأة، فالإسلام هو الذي قرر المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة من أول يوم، وقرر لها حقوقها كاملة غير منقوصة، ولكنه مع هذا لم يهمل الاعتبارات العملية المهلكة التى تترتب على إباحة الصلة بين الرجل والمرأة بغير قيد ولا شرط، فوضع لذلك من القواعد والحدود ما يكفل للمرأة أن تتمتع بحقوقها، وأن تكتفى شر غيرها، وأن تنهض أفضل النهوض بمهمتها الجلي فى الحياة. فإذا كنتم -أيها المدافعون عن المرأة- تعلمون هذه الحقيقة فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: أن نرضى الإسلام حكما، وأن ننزل جميعا على حكمه، وأن نتوجه إلى ما يوجهنا إليه، ولا معنى بعد هذا لأن تخلقوا خصومة لا وجود لها ولا خير فيها. وإن لم تكونوا درستم هذه الحقيقة وعلمتموها فيجمل بكم أن تعلموها أولا لتختصروا الطريق إلى الإصلاح الذي تريدون إن كنتم مخلصين، فإن الله يأبى أن تدين هذه الشعوب المؤمنة لغير الإسلام ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين﴾[ص: 88].

أما إن كنتم تعلمون ولكنكم غير مخلصين فى دعواكم فى الحرص على إنصاف المرأة والسمو بمنزلتها فى المجتمع، ولكنها أهواء غلبت على النفوس، وشهوات ثارت بها الطبائع، فثقوا من الآن بأنكم لن تنجحوا لأن البقاء دائما للأصلح. ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[يونس: 81]. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ﴾[الرعد: 17]. 

وبعد: فتعالوا نتناول القضايا التى أثرتموها من وجهة النظر المدنية البحتة، ولن يفوتنا أن نتعرف فيها رأى الإسلام الواضح المستنير، ولكنى ما فكرت فى هذه القضايا إلا أخذني الدهش والعجب من غلبة الأهواء على العقول فى أمر لا لبس معه ولا خفاء.

أرادوا للمرأة أن تشتغل بالمحاماة وأباحوا لها هذا الحق. وهم بالأمس القريب فكروا فى التشدد فى شروط قبول الشباب فى جدول المحامين، حتى بالغ بعضهم وقال بإقفاله لكثرة عدد المشتغلين بالمهنة حتى صار كثير منهم لا يجد عملا، وحتى زاحم الكثير منهم الكتبة العموميين على أبواب المحاكم وعرض نفسه عرضا مزريا على التافه من الوظائف لقلة جدوى المحاماة وعدم نهوضها بأعباء المشتغلين بها- فهل مع هذا يباح للمرأة أن تزاحم الرجال فى هذا الميدان؟! أفما كان الأولى والأجدر أن يقرر مجلس النواب المصري إلزام المحاميات بأن يتزوجن محامين فيضرب العصفورين بحجر واحد ويفرج أزمتين أزمة المحاماة وأزمة الزواج معا بقرار واحد، ويضع بذلك أساسا سليما قوى الدعائم للتعاون لا للتزاحم.

صدقوني لا أمزح ولكنى أعنى ما أقول! وهم يحاولون أن تمنح المرأة حق الانتخاب؟ فهل يشعر هؤلاء المحاولون فى قرارة أنفسهم أن الكثير من الرجال الذين منحوا هذا الحق يحسنون استخدامه؟ وهل لا يؤمن الأستاذ زهير صبري بأن ناخبي دائرته لازال فيهم أكثر من 60٪ لا يهتمون بحق الانتخاب ولا يعرفون كيف ينتفعون به أو يضعونه فى موضعه؟ وليراجع عدد المقيدين فى الجداول وعدد المنتخبين بالفعل ليعلم -إن لم يكن يعلم- صدق ما أقول.

وإذا كانت هذه حال الرجال فى بلادنا، أفما كان الأولى والأجدر بنا أن نهتم بتربية هؤلاء الرجال أولا تربية وطنية صحيحة تغرس المعاني السياسية العليا فى أنفسهم وأرواحهم. 

أيها الناس قدموا الأهم على التافه وكونوا جادين وقليلا من الإنصاف، وأريد أن أسأل المطالبين للمرأة بالعمل والمكتب والانتخاب: ألا يرون معنا أن المكان الأول للمرأة هو البيت وأن أسمى مهماتها تكوين الأسرة وتربية النشء وبناء الأمة؟ فإن قالوا لا قلنا: كذبتم ألف مرة. وإن قالوا نعم قلنا لهم: بربكم ألستم تعلمون علم اليقين أن معظم نسائنا لا يدري شيئا فى تدبير المنزل وتربية الأولاد وحقوق الزوجية، ولا يعرف معنى هذه الشركة الروحية العملية شركة الزواج التى هي أقدم الشركات وأقدسها وأفضلها إنتاجا، والتي هي ولا شك قوام الأمم وسياج الدول فإن قالوا لا قلنا: كذبتم مرة ثانية، والواقع يصرخ بغير ما تزعمون. وإن قالوا نعم قلنا: أفما كان الأولى والأجدر أن تنصرف العناية إلى هذه النواحي الهامة فى بناء الأمة وكيانها.

أيها الناس: أشفقوا على أوقاتكم وأوقات الناس، وانصرفوا بأقوالكم وآمالكم وجهودكم فى قضية المرأة إلى ما يفيد ويجدى. علموها كيف تسود فى مملكتها الطبيعية مملكة المنزل، وكيف تكون ابنة صالحة وأختا صالحة وزوجا صالحة وأما صالحة، وأرشدوها إلى الإقلاع عن سيئ العادات والإسراف فى الكماليات، وامنعوها غشيان الحفلات وضياع الأوقات فى الأندية والصالونات، وحولوا بينها وبين هذا الاختلاط الشائن الذى أضاع عليها عزتها وكرامتها وراحة ضميرها وهناءة بالها، وأفقدها مع ذلك أفضل ما يشرف به الصالحات من النساء، وعلموها دينها وصلوها بربها ولا تحرموها سعادة معرفة الله، فما أسعد قلب المرأة حين تقترن فيه محبة الله بمحبة الزوج ومحبة الأولاد.

هذه آراء ونظرات أتقدم بها إلى السادة الغيورين من أنصار قضية المرأة، ولم أحاول فيها أن أعرض للأمر من وجهة النظر الإسلامية؛ لأني لم أشأ أن أجعل نظرة الإسلام فى أمر من أخطر أمور الحياة موضع أخذ ورد قبل أن يتفق الجميع على أن يحتكموا عليه وينزلوا على حكمه، وحسبنا الآن أن نجد الدليل واضحا كفلق الصبح من واقع الحياة: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق: 37](8).

 

من أهداف الدعوة

الأسرة المسلمة

تعدد الزوجات، الطلاق، نصيب المرأة فى الميراث، حظها من الشهادة

كتبت بعض المجلات الأسبوعية فى مصر حول تعدد الزوجات، ونقد الكاتبون تقرير هذا النظام فى الإسلام واشتطوا فى التعبير إلى حد كبير. وعجيب أن يستبد سلطان التقليد بهذه العقول والأقلام حتى ينسيها البديهيات. وقد سبق لهذه الأقلام وغيرها أن عرضت بالنظم الإسلامية فى الطلاق، وفى نصيب المرأة فى الميراث، وفى حظها من الشهادة، وصورت هذه الأوضاع بغير صورتها الحقيقة، وحملتها مالا تحتمله من النتائج والآثار.

هذه الزوبعة التى تتجدد كلما ثارت فى الرؤوس عاصفة التقليد الهوجاء لا تضر الإسلام فى شىء، بل هي تنفع كثيرا فى إثارة الأقلام الإسلامية للكشف عن جمال نظمه وكمال أوضاعه.

وفرق بعيد بين نظم الإسلام الحنيف وتعاليمه من حيث هي، وبين سوء استخدام الناس لهذه النظم وفساد تطبيقهم لهذه الأوضاع، فالصورة الجميلة الرائعة قد تعلق مقلوبة، أو ينظر إليها الناظر كذلك فتبدو مشوهة ليس فيها معنى من معاني الجمال. ولا ذنب للإسلام إذا كان بعض أهله أو كثير منهم قد لبسوه كما يلبس الفرو مقلوبا كما قال حكيم. وإن جريمة هؤلاء الذين لبسوا الإسلام على غيره وجهه ليست بأعظم من جريمة أولئك الذين جهلوا فضله من أبنائه فحاربوه بحسن قصد أو بسوء قصد. كلا الصنفين مخطئ، وكلاهما يحتاج إلى التوجيه والرعاية والإرشاد.

أباح الإسلام تعدد الزوجات إلى أربع للقادر على ذلك المستطيع له، ولهذه الإباحة حكمتها الرائعة الجليلة، ولعل هذه الحرب وما سيعقبها من فقر فى الرجال ستكون أعدل شاهد وأقرب دليل والواقع سيد الأدلة كما يقولون. وإن خيرا للمرأة وأقرب إلى العدالة الاجتماعية والإنصاف فى المجتمع أن تستمع كل زوجة بربع رجل أو ثلثه أو نصفه من أن تستمتع زوجة واحدة برجل كامل وإلى جانبها واحدة أو اثنتان أو ثلاث لا يجدن شيئا، وإن خيرا للمرأة والرجل وللمجتمع كله أن يتصل الرجل بهذا العدد من الزوجات على أنهن حليلات لا خليلات. هذا كلام مفروغ منه، وهو عدل وإنصاف وحق وصلاح للمجتمع كبير: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾[ص: 88]. فإذا أساء الناس استخدام هذه الإباحة وظهرت لذلك نتائج فاسدة وآثار ضارة، فليس العيب فى النظام ولكن فى الاستخدام، وعلى المسئولين أن يحملوا الناس على أن يضعوا كل شىء فى موضعه، ولا يمنعهم عن ذلك شىء فى الإسلام.

وأباح الإسلام الطلاق بعد مراحل عدة: بعد صبر ومصابرة وجهاد، ووعظ وإرشاد، وهجر وبعاد، وزجر واشتداد، ثم تحكيم بين الطرفين، ثم انتظار وتربص ليقع الطلاق على صورة لا تضر أحدا من الزوجين، ثم فرص بعد ذلك لتعود الحياة الزوجية إلى وضعها الأول بعد هذه النزغة من الشيطان، حتى إذا فقد الأمل، وعجزت الحيل، وتعذر الإمساك بالمعروف كان التصريح بالإحسان: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾[النساء: 130]. فماذا فى هذا الوضع من الإجحاف وقلة الإنصاف؟ وحسبنا أن الأمم التى خالفت هذا الوضع ونقدته مر النقد قد صارت هي إليه، واتكأت عليه، وجعلته من شرائعها الاجتماعية وأوضاعها الأسرية، وإذا أسيئ الاستخدام فليس العيب فى النظام.

وجاء الإسلام يقرر أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وأن نصيب الفتاة نصف نصيب الفتى من تركة الأبوين. نظام ما أبدعه، وعدل ما أروعه!! نظر إليه القاصرون من زاوية واحدة، فنادوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، ونسوا أن الإسلام وحدة كاملة يجب أن ينظر إليها من كل ناحية، فالإسلام الذى قرر هذا الوضع قرر إلى جانبه أن الفتى مطالب بالإنفاق على الفتاة زوجا كانت أو أختا أو أما، فكان من العدل أن يعان على تبعته، وكان مقتضى هذا ألا تأخذ الفتاة شيئا من الميراث، ولكن الشارع الحكيم احترم قرابتها -وهو الذى يقدس القرابة بقدر صلتها- فقدر لها وتوسط بذلك فى الأمر، فلم يعطها الإعطاء الكامل، ولم يحرمها الحرمان الكامل، وذلك بالنسبة لها –ولاشك- أعدل الأوضاع. وجاء الإسلام يقرر أن شهادة المرأة لابد أن تعزز بمثلها وأن تقرن بأختها: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾[البقرة: 282]. وارتفعت أصوات القاصرين بأن هذه هو الظلم المبين. ولم يصبروا حتى يتموا قراءة الآية الكريمة ويتعرفوا تعليل هذا الوضع الحكيم: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾[البقرة: 282]. 

يا هؤلاء إنكم معنا ونحن معكم فى أن جمال المرأة عاطفتها وأنها عاطفة كلها، وأنها حين تخلو من رقة العاطفة وجمالها تفقد أهم مميزاتها وأفضل خصائصها. والشهادة دليل يحتاج إلى حدة الذاكرة ودقة التفكير والبعد عن مجال العاطفة وتجنب التأثر بتيار الشعور والوجدان، ولهذا قرر الإسلام أن تقرن شهادة المرأة بشهادة أخرى حتى يتأكد لدى القاضي أنها شهادة يمليها تفكير لا هوى ولا عاطفة: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾[البقرة: 282]. فليس فى ذلك إنقاص لقيمة المرأة ولا حط من درجتها ومنزلتها، ولكنه تقدير لعاطفتها ونزول على تكوينها.

أحب أن يضع هؤلاء الكاتبون أمام أنظارهم هذه النظرات، وأن يفكروا فيها بعيدا عن تيار التقليد وموجة التعصب، ولا شك أنهم بعد ذلك سيقولون معنا: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِى لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾[الأعراف: 43](9).

المصادر

1-     جريدة الإخوان المسلمين: العدد (8)، السنة الأولى، 11ربيع الثاني 1352ﻫ/ 3أغسطس 1933م، صـ 19-20.

2-     جريدة الإخوان المسلمين: العدد (9)، السنة الأولى، 18ربيع الثاني 1352ﻫ/ 10أغسطس 1933م، صـ21.

3-     جريدة الإخوان المسلمين: العدد (10)، السنة الأولى، 25ربيع الثاني 1352ﻫ/ 17أغسطس 1933م، صـ23-24.

4-     جريدة الإخوان المسلمين: العدد (14)، السنة الأولى، 24جمادى الأولى 1352ﻫ/ 14سبتمبر 1933م، صـ22.

5-     جريدة الإخوان المسلمين: العدد (11)، السنة الثانية، 7ربيع الثاني 1353ﻫ/ 20يوليو 1934م، صـ18.

6-     جريدة الإخوان المسلمين: العدد (2)، السنة الثالثة، 20محرم 1354ﻫ/ 23أبريل 1935م، صـ23-24.

7-     مجلة الإخوان المسلمين: العدد (35)، السنة الثانية، 27 جماد أول1363/ 20 مايو1944، صـ3، 4-18.

8-     مجلة الإخوان المسلمين: العدد (36)، السنة الثانية، 12 جماد ثان 1363/ 3 يونيو 1944، صـ3-4.

9-     مجلة الإخوان المسلمين: العدد (37)، السنة الثانية، 26 جماد ثان1363/ 17يونيو 1944، صـ3-4.

المقال التالي كتابات الامام البنا في الشخصيات الإسلامية
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية