دين وسياسة

أتصور ما جاء به هذا الإسلام دائما كقلعة ضخمة شامخة تقوم على أربع قواعد ثابتة يحيط بها ويحميها سوران عظيمان: 

فالقاعدة الأولى: العقيدة السليمة الصافية في الله وفى اليوم الآخر وفى هذا العالم الرباني العجيب الذي تنكشف عجائبه وتظهر غرائبه كلما صفت النفوس وأشرقت الأرواح والأفئدة وأطال الناس التأمل والنظر فيما حولهم من السماوات والأرض.

والقاعدة الثانية: التعبد الصحيح لله العلى الكبير في إخلاص وخشوع وخشية، من فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، وما أمر الله الناس إلا بما فيه الخير لهم، وما نهاهم إلا فيما يجلب الضرر عليهم ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

وتفصيل الكلام في هاتين القاعدتين وما يتصل بهما يطول. ولعلنا نلم به في موضع آخر، ولكنا الآن إنما نعرض هذا الهيكل للقلعة الإسلامية عرضا سريعا، ونلقى عليه نظرة موجزة لنتبين حدوده واتجاهاته، ولنا بعد ذلك نظرات في مداخله وتفصيلاته، فلننتقل إلى القاعدة الثالثة: وهى الوحدة الكاملة، فالأمة الإسلامية في نظر الإسلام أمة واحدة جمعت بينها أخوة العقيدة ووحدة الفكرة والوجهة، تتجه إلى قبلة واحدة وتتكاتف للوصول إلى غاية واحدة، وأخوتها قاعدة من قواعد دينها وكثيرا ما يعبر القرآن عن الوحدة بكلمة الإيمان وعن الفرقة بكلمة الكفر، وقد حصر معنى الإيمان في الأخوة في إحدى الآيات الكريمة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات: 10] وحذر هؤلاء المؤمنين عواقب الخلاف والفرقة فقال: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال: 46] كما أوصاهم وصية مؤكدة بالمحافظة على نعمة هذه الأخوة فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾[آل عمران: 103].

وليس معنى هذا أن الإسلام يصادر حرية الفكر أو يقتل في أتباعه استقلال الرأي أو يجعلهم على معنى من الجمود والانقياد الأعمى، أو يحرمهم نعمة النظر والشورى، لا شيء من هذا، وهو الشريعة التي أطلقت العقول من أسرها وأعلت من قدرها، ووزنت الناس بميزانها، وأباحت لكل إنسان أن يجهر بالرأي، ويصدع بالحق، وجعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركنا من أركانها، وأوجبت النصيحة على كل مؤمن لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم وجعلتها الدين كله، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة"، وشجعت على النظر والاجتهاد حتى جعلت للمجتهد المخطئ متى سلمت غايته وحسنت نيته أجرا ومثوبة، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد.

وإنما معناه أن يفكر الناس ما شاء لهم الفكر، وأن يفسحوا ما أرادوا في مجال النظر، وأن يقول كل إنسان ما يريد، على أن ينتهي ذلك كله إلى أهل الحل والعقد من الأمة وإلى الحاكم المسئول، وهو مطالب بأن ينظر في ذلك كله، وأن يأخذ بما فيه مصلحة الأمة منه، ويحاسب بعد ذلك على نتائج اختياره فإن أحسن فلنفسه وللناس، وإن أساء تحمل نتيجة إساءته، ودفع ثمن خطئه، وحاسبه أهل الحل والعقد ومن ورائهم جميع الشعب على عمله.

ذلك هو الوضع الصحيح للأمة الإسلامية، أن تكون وحدتها كاملة ولا يمنع ذلك من أن تقوم فيها معارضة صحيحة نزيهة تمحص كل شيء وتكشف عن وجه الحق في كل شيء، أما أن يكون الأساس في الوضع الاجتماعي أن تكون الأمة معسكرين أو معسكرات أكبر همها أن يكون الحكم دولة فيما بينها، وأن يغيب بعضها بعضا بالحق وبالباطل لتصل بذلك إلى بغيتها فهذا ما تأباه الوحدة التي افترضها الإسلام للأمة التي تدين به، وتؤمن بتعاليمه ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52].

والقاعدة الرابعة؛ التي يقوم عليها بهاء الإسلام، الأحكام العادلة، فإن الإسلام جاء شريعة عملية إلى جانب أنه عقيدة وعبادة وأخوة، ونظر إلى النفوس نظرة واقعية وعرف أن منها من لا يمكن أن يؤثر فيه الواعظ وحده، ولا أن يهتدى بالإرشاد المجرد فوضع أحكاما تطارد الجريمة، وتقطع دابر المنكر، وتحفظ على الناس ما يحرصون عليه من الدماء والأموال والأعراض، وأعلن حرمه ذلك كله فقال رسول الله "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وقد لاحظ المشرع الإسلامي العوامل النفسانية والاجتماعية إلى جانب المبادئ التشريعية المجردة، فلم يجعل العقوبة مجرد تأديب أو انتقام، ولكنه لاحظ فيها أن تكون تربية وزجرا ووقاية للفرد والمجتمع، كما أنه كذلك لم يتورط في الجزئيات التي تختلف باختلاف الأشخاص والأعصار والأماكن، بل ترك في ذلك سعة كاملة للتطبيق والظروف والحوادث، ويرحم الله الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز إذ يقول: "وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" كما أنه لاحظ كذلك عوامل الرحمة، برًّا بالإنسانية، كما لاحظ عوامل الزجر حفظا لكيان الجماعة فقال: "ادرءوا الحدود بالشبهات" وكان تشريع الإسلام في هذا كله معجزا حقا، وبديعا حقا ولا يحجب الناس عن ملاحظة هذا الإبداع والإعجاز إلا الدعايات السيئة والأفكار البالية التي أحاطت بهذه المعاني بفعل الذين لا يعرفونها، وسيأتي اليوم الذى تزول فيه هذه الحجب والغشاوات ويعلم الناس أي كنوز أغفلوا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[النساء: 83].

هذه هي القواعد الأربع الأساسية التي قام عليها هيكل القلعة الإسلامية في السورين: أما السور الأول, فهو الحكومة، فالحكومة سياج الإسلام والحكم جزء منه، والإسلام يفترض الحكومة دائما ولا يقر بالفوضى ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه "إذا نزلت ببلدة وليس فيه سلطان فارحل عنه فإن السلطان ظل الله في الأرض" وقد جعل الإسلام الحنيف التعاليم والمبادئ التي جاء بها، والأمة التي تؤمن به وتدين الله عليه وديعة في يد الحاكم، هو مسئول عنها بين يدى الله والناس، كما جعل من الأمة رقيبا عليه، ينصحه ويسدده ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وقد فصل الإسلام حقوق الحاكم وواجباته وشروطه وما يتصل بالمحكومين من ذلك كله في بيان رائع مستفيض.

وليست هناك سلطة في الإسلام غير سلطة الدولة تحمى تعاليم الإسلام، وتقود أمته إلى خير الدين والدنيا معا، ولا يعرف الإسلام ما ظهر في أوربا بعد ذلك من تنازع السلطة الروحية والزمنية ومن خلاف بين الدولة والكنيسة، كل هذه أوضاع جديدة على الإسلام وأممه، والدولة فيه هي المسئولة عن الأمة والنظام معا.

وأما السور الثاني، فهو الجيش الذي يحمى الدولة، ويسد الثغور، ويرابط على الحدود، ويصون استقلال الأمة، ويدفع عنها عدوان المعتدين.

وليس الجيش في الإسلام لبغى أو عدوان، ولكنه لحماية ودفاع وإعزاز، والقرآن يقول: ﴿وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، كما يقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39].

ومن هنا كان الجهاد ركنا من أركان الإسلام، بل لعله أعلاها وأقواها، وكان على كل مسلم أن يكون مجاهدا من أول يوم يتذوق فيه حلاوة الدين: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111] ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية".

علم الذين يتربصون بالإسلام وأممه الدوائر هذه المعاني جميعا، ولعلهم أدركوها بأوضح مما أدركها المسلمون أنفسهم في عصورهم المتأخرة، فألحوا على هذه الأمم بالغزو المادي حتى حطموا جيوشها فتحطم السور الأول، وتدخلوا في حكوماتها وقيدوها في تصرفاتها فحطموا السور الثاني، وانكشفت أمامهم القلعة، فألحوا على القاعدة الرابعة قاعدة الأحكام حتى بدلوها، وألحوا على القاعدة الثانية قاعدة الأخوة حتى مزقوها، وعبثوا بالقاعدتين العبادية والتعبدية بكتبهم وآرائهم ومدارسهم ومناحي ثقافتهم حتى زلزلوا أصولهما في النفوس الضعيفة والقلوب التي لم تتحصن بالمعرفة الصحيحة، ولكن القلعة بعد هذا ظلت شامخة البنيان ثابتة الأركان: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾[الحجر: 9] ولا زال فيها بقية من حاميتها المؤمنة القوية تفسر قول القرآن الكريم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾[المائدة: 54] وعلى أيديهم النصر وبهم الفتح إن شاء الله رب العالمين.

ولقد قام الإخوان المسلمون في ساحة هذه الأمة الإسلامية ينادون: أيها المسلمون، تعالوا إلى كلمة سواء، هذه القلعة لنا ولكم، وهذه أعلام قواعدها واضحة بينة، فإلى العقيدة نصححها، وإلى العبادة نتعاون عليها، وإلى الوحدة نرفعها، وإلى الأحكام نقيمها وإلى الحكم لنصلح فساده، وإلى الجيش حتى لا يقال: إنكم ضعفاء عن حماية أنفسكم والمحافظة على مصالحكم ومصالح الناس.

وسمع أقوام هذا النداء فقالوا: هؤلاء دعاة الدين فما لهم وللسياسة، ونسألهم نحن بدورنا هذا الذي تقرؤون الآن، أدين هو أم سياسة؟

 ولله عاقبة الأمور.

المصدر

جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (7)، السنة الأولى، 10جماد الآخرة 1365/ 12 مايو 1946، ص (1، 4).

المقال التالي دولة المساجد ووطنية الربانيين
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية