وقفة على قبر الإمام الشهيد

الامام حسن البنا في عيون أخيه جمال البنا

لست أنسى هذه اللحظة، لحظة أن وقفت، للمرة الأولى، على قبر الإمام الشهيد، دنيا بأسرها حافلة مجيدة تمثلت أمام عيني وتوالت صورها سراعًا كأنها شريط من أشرطة السينما يحمل في دقائق ما استغرق في الحقيقة أعوامًا وسنوات.

تراءت لي صورتنا في معتقلنا القاصي البعيد، في تلك الليلة المكفهرة الباردة، الرهيبة التي لا تنسى، في جنح الليل، وقد انشق هدوؤه عن صوت المذيع يعلن من بلاد نائية، وبلغة أجنبية، النبأ المروع، فيعلم به المعتقلون جميعًا، وتكون ليلة تابعية مدلهمة ليلاء، لم يرقد فيها جنب، أو يغمض فيها جفن، أو ترقأ فيها عين، اللهم إلا عيون ثلاثة من المعتقلين هم وحدهم بين الآلاف، من جهلوا النبأ وهم أيضًا، ويا للمفارقات، أشقاء الشهيد الثلاثة.

وتراءت صورة الصباح التالي، والوجوم الكئيب الذي قبض المعتقل بأسره بيد من حديد، الفناء المتسع الذي كان يفيض حياة، ويضج حركة قد أمسى خرابًا بلقعًا، خواء أجرد لا يفرق عن أي ناحية من نواحي الصحاري المهجورة، وتراءى لي وجه قومندان المعتقل، وقد علته غبرة، وكسته قترة، وتنازعته رهبة الموقف وقسوة الأوامر والإثارة القليلة الباقية من المعنى الإنساني، فمضى سقمًا شكسًا، يدجج جنوده، يتوسل آونة، ويهدد آونة أخرى.

ثم كانت تلك الليلة المروعة التي عذبني فيها، وأطار النوم من عيني أن أتصور ذلك المشهد الشنيع الفظيع، مشهد جثمان الإمام مسجًّى في بيته، مثخنًا بجراحه بين أبيه الشيخ وأمه العجوز، وأطفاله الصغار، اللهم رحمتك، إنها وحدها دون أي معنى إنساني آخر تصمد لهذا الهول، وتهب القوة والصبر لتحمل هذه الصورة، وانتهى فصل.

وبدأ الفصل الثاني عندما عدنا نجرُّ أقدامنا إلى البيت الذي تركناه منذ عام أو أكثر، كانت فرحتنا بالحرية مشوبة منغصة بتلك الفجيعة الكبرى التي لا تعوض، ورحنا نسأل أين قبر الإمام نهديه التحية، ونُقرئه السلام، ونفضي إليه بما تعجز عن تسطيره الأقلام، أسراب من الأحبة والصحاب كانوا يسلكون الطريق المتعرج الطويل بعد أن يتركوا مسجد الإمام الشافعي دون أن يضلوا الطريق أو تتوزعهم السبل المتشعبة، كان الأطفال ببصائرهم الملهمة يصيحون أمامهم "البنا في الجنة"! وكان الناس، كل الناس، يدلونهم، وما كانوا في حاجة إلى السؤال، فعشرات الأيدي الوفية المجهولة، قد رسمت على حيطان الشوارع الطريق، وأشارت بالأسهم إلى قبر الشهيد.

كانت تلك البقعة حينًا من الدهر، مسيل الدموع، ومعركة حرب، ونقطة حراسة، ووجدتني ذات صباح أسعى في هذا الطريق حتى أنتهي من غايتي، ليس هذا قبرًا، هذا معتكف وملاذ.. ألف الناس أن تكون القبور غرفًا مغلقة معتمة، وأضرحة قائمة مشيدة، مبنية من الرخام ومكسوة بالحرير، ولم يكن شيء من هذا في قبر الإمام.

إنه ساحة مربعة مبسوطة مسورة بجدار ومشقوقة عند نصفها بحاجز من الطوب يعلو شبرًا أو بعض شبر، يشير إلى أن جزءًا منها قد خصص للمدفن نفسه، وأرضها كلها مغطاة بالرمال والحصباء ونصفها مكشوف للسماء.

إنها راحة مبسوطة، ممدودة، لا ينهض فيها الوثن، ولا الجسد، ولكن المعنى الكريم الذي ملأ حياة صاحبها، وصاحبه ليظلل ساحته.

تذكرت وقتئذ ليلة من مئات الليالي في البيت العتيق القديم، وقت أن كانت الدعوة التي نصب نفسه لها نبتة صغيرة تختفي في بعض أزقة القاهرة ولا يعلم بها إلا القليل، وكنت بين النوم واليقظة، يصل إلىَّ صوت الإمام الشهيد، "مرحبًا، مرحبًا، مرحبًا" وتترامى كلماته التي جعلها الإخلاص، والإيمان سحرًا يتسلل إلى النفوس فيمتلكها.

ما شعرت بالعجز كما شعرت أمام هذه المفارقة، وما بدت لي "لو" كبيرة عريضة مسيطرة مهيمنة، كما بدت في هذه الساعة.

واحر قلباه، على الآمال العريضة المضيعة المهدرة، كل ما كنت قد نسيته من قصائد الرثاء ارتسمت أمام ذاكرتي، وهرعتْ إلىَّ لتنجدني من الحيرة الممزقة، والألم الممض، فمضيت أكررها كأنما أشغل بها الفكر، أو أطفئ بها اللوعة.

ذكرت كلمة شاعر يوصي صاحبه بقبر الحسين:

فأَطِلْ به وقْف المطية              وإذا مررت بقبره

والمطهرة الزكية                   وابك المطهر للمطهر

يومًا لواحدها المنية                كبكاء معولة أتت

وذكرت كلمات المنحسر بن على الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم:

وأنتم إذا لاقيتمُ الله أندم             ندمتم على قتل الأغر بن مسلم

وأنتم لمن لاقيتمُ اليوم مغنم                  لقد كنتمُ من غزوة في غنيمة

وكلمات صاحب قيس بن عاصم:

ورحمته ما شاء أن يترحما                 عليك سلام الله قيس بن عاصم

إذا زار عن شحط بلادك سلما              تحية من ألبسته منك نعمة

ولكنه بنيان قوم تهدما              فما كان قيس هُلْكُه هُلْك واحد

وأخيرًا البيت الذي أخذت أكرره وأعيده كأنه سيحقق أملا أو يعيد ماضيًا:

فدت عليًا بمن شاءت من البشر            فليتها إذا فدت عمرًا بخارجة

ورأيتني أتحدث، كما كنت أتحدث إلى الإمام الشهيد في الأيام الخالية: أنت هنا يا أستاذ! لقد استرحت أخيرًا، ونعمت بالنوم والرقاد، ويا طالما تعبت للناس، وفي سبيل الناس، ويا طالما سهرت وأرقت وحملت الأعباء.

أنت هنا يا أستاذ! وسط طفلين بريئين طاهرين، وفى حراسة الشمس والقمر والنجوم وطيور السماء، وبين الرمال الطاهرة الجافة، إنها كلها أحنى من الإنسان، وأكرم من المعترك الوحشي الذي يأكل الكبيرُ فيه الصغير، ويطغى القوي فيه على الضعيف.

أنت هنا يا أستاذ! لقد أصبحت روحًا حرة فوق الزمان والمكان والقيود والحدود والحسد والعداوة، وعادت نفسك المطمئنة إلى ربها راضية مرضية تنعم بصحبة الأبرار والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

لقد انتصرت في الموت، كما انتصرت في الحياة فكلنا سنموت، ولكن القليل منا من يستطيع أن يجعل من موته حياة لمبدئه، وخلودًا لفكرته، وتصديقًا لحياته وكفاحه، ليهنك الفوز، وأما نحن فليرحمنا الله.

نشر هذا المقال في الدعوة – السنة السابعة – العدد (254) – 12رجب 1376هـ / 12فبراير 1957م.

المقال التالي حامي الحقيقة هكذا فهمت الأستاذ
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر