كتابات الإمام حسن البنا في علم الحديث الشريف

إعداد موقع الإمام حسن البنا

علم الحديث أحد العلوم التي تفردت بها الأمة الإسلامية. وهو دراسة شاملة للحديث النبوي من حيث السند والمتن، أما علم مصطلح الحديث، فهو علم يُعرف به حال السّند والمتن من حيث القبول والرد. وهو علم حفظ دين الإسلام من التحريف والتبديل، ولولا أن هيّأ الله هذا العلم لهذه الأمة لالتبس الصحيح بالضعيف والموضوع، ولاختلط كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلام الناس.

ولقد اهتم الإمام حسن البنا بالكتابة عن الحديث الشريف وتبسيط علومه للناس، فكان الإمام البنا يختار من الأحاديث ما يعالج به القصور فى الفرد والمجتمع، وما ينمى جانب الإصلاح فيهما، أو ما يعد من السنن الكونية أو الاجتماعية التى لا تتخلف.

 

الحديث

مقدمة:

الحديث الشريف - الأطوار التى مرت عليه - علومه:

الحديث الشريف هو الأصل الثاني فى دين الله الموضح لكتابه المبين لحدوده قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7].

والحديث الشريف يراد به ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

وقد كان الشأن أن يتلقى الحديث شفاهًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يكرر الحديث ثلاثًا فى أغلب أحيانه حتى يحفظه أصحابه.

تدوين الحديث: عصر النبى صلى الله عليه وسلم:

لم تدون السنة كثيرًا فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم؛ بل ثبت النهى عن ذلك. روى مسلم عن أبى سعيد الخدري "لا تكتبوا عنى شيئًا، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحُه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وكان الغرض من هذا الحديث ألا يختلط الحديث بالقرآن؛ حتى إنه لما ثبت القرآن، وأَلِفَهُ الناس، وارتاضت ألسنتهم عليه رفع هذا النبى، كما جاء فى حديث قصة الفتح؛ ومضمونها أن رجلا من المسلمين قتل مشركًا بثأر كان له، فشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتلى راحلته، وخطب الناس: "أيها الناس إن الله قد حرم هذا البلد.. إلخ الحديث"، فقال رجل: اكتبه لى يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبى فلان.

وقد روى أنه كان لعبد الله بن عمر صحيفة، وكان يسميها "الصادقة"، فسئل عن سبب تسميتها بهذا الاسم، فقال: "نقلتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بيني وبينه واسطة". وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى كتاب الديات والصدقات والفرائض والسنة، فتقرر بكل هذا أن النهى كان أولا ثم نسخ.

عصر الصحابة:

لم يدون الحديث كثيرًا فى عصر الصحابة؛ فقد كانوا يتحرجون من التحديث أو الإكثار منه، وكانوا ينهون عن ذلك؛ فقد روى أن الصديق جمع الناس يومًا، فخطبهم وقال: "إنكم تحدثون الناس أحاديث تختلفون فيها"، وبين لهم عاقبة ذلك، وطلب إليهم أن يقلوا من الرواية. وكذلك كان يفعل عمر؛ فقد روى أنه أوصى بعض عماله على الكوفة فقال: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل؛ فلا تشغلوهم عن كتاب الله بالأحاديث". وروى أنه ضرب أبا هريرة لإكثاره من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اعتذر أبو هريرة عن ذلك بأنه كان فقيرًا ملازمًا للنبى صلى الله عليه وسلم، فى حين كان إخوانه يشغلهم السعي فى الأسواق؛ فمن ثَم كان أكثر إخوانه علمًا بما قال الرسول وفعل.

وقد كان أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- يتشددان فى التحوط والتثبت من صحة الحديث؛ فكانا يطالبان ممن روى البينة.

روى الحافظ الذهبي أن الجدة جاءت لأبى بكر  تطلب حظها من الميراث، فقال لها: لا أجد لك فى كتاب الله شيئًا، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فقال: هل معك شاهد؟ فقال: محمد بن مسلمة، فشهد بمثل ذلك، فأعطاها السدس. وقريب هذا ما وقع لأبى سعيد الخدري مع عمر بن الخطاب -رضى الله عنهما- مما يدل على شدة الحرص ودقة التحري والتثبت فى الرواية. ومما تقدم كله نستطيع أن نفهم السر فى الإقلال من الرواية على عهد الخليفتين. فأما قلة التدوين فكان نتيجة الإقلال من الرواية لتحرج منها والنهى عنها.

ومع هذا فقد رُوى أن عمر  أراد أن يكتب السنن، فاستشار الناس، فأشار عليه عامتهم بذلك، فمكث شهرًا يستخير الله، ثم أصبح وقد عزم له، فقال: "أيها الناس، إنى كنت نهيتكم عن الإكثار من الرواية، وإني ذكرت أن أهل الكتاب كتبوا شيئًا، فأقبلوا عليه وتركوا الكتاب، واتبعوا كلامهم، وإني خفت أن يصيبنا ما أصابهم"، ولم يدون شيئًا.

الرواية بالمعنى:

مع هذا التشدد شاعت الرواية بالمعنى، حين اختلط الناس، واتسعت الفتوحات، وامتدت الحدود الإسلامية، ولم يستطع الناس أن يؤدوا ما سمعوه بلفظه ومعناه؛ فكانوا ينقلون المعنى بأسلوبهم وتعبيراتهم الخاصة، ونشأ عن ذلك تحريف يختلف قربًا وبعدًا بمراعاة الدقة فى التعبير أو إهمالها. وكانت الرواية مقبولة إلى حد ما، وكانوا لا يسألون عن الأشياء، ثم كان أن وقعت الفتنة بين المسلمين، وتولتهم الأهواء؛ فافترى القوم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبوا إليه ما لم يكن منه، فاضطر أهل النظر إلى البحث والتحري، فنشأ البحث عن الأسانيد؛ فلم يكونوا يقبلون إلا ما ثبت بإسناد صحيح.

روى مسلم فى مقدمة صحيحه أن مجاهدًا قال: "جاء بشير العدوى إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرت أبصارنا، وأصغت إليه آذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" وروى أيضًا عن طاووس أن ابن عباس أتى بكتاب فيه قضاء فمحاه إلا قدرًا، وأشار سفيان بن عيينة بذراعه، وروى أيضًا عن أبى إسحاق لما أحرقوا تلك الأشياء بعد على قال رجل من أصحابه: قاتلهم الله، أى علم أفسدوا؟

وروى مسلم أيضًا عن شعبان قال: سمعت جابرًا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئًا، وإن لى كذا وكذا.

كان من نتيجة هذه الفوضى وهذا الخلط والاجتراء أن انتدب فريق من المسلمين جردوا العزم لصيانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن تضيع وتصبح غرضًا لكل ذي هوى يلونها بما شاء ويصرفها أنى شاء، وأخذوا على أنفسهم أن ينفوا عنها ما ليس منها، وأن يجردوها مما لصق بها من صنع المغرضين.

وقد تحققت فيهم نبوءة النبى صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه الخبث" إلخ. فكان أن كتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن عمر بن حزم وإلى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن يدوِّنَا الحديث بما عرف عنهما ففعلا، وبكل أسف لم يبق من كتبهما شىء.

شاع تدوين الحديث بعد هذا، واشتد فى أثره قوم تفرغوا له، فجمعه ابن جريج، وابن إسحاق، وحماد بن سلمة، وسفيان، ومعمر، والأوزاعي، وابن المبارك المتوفى سنة 153 بخرسان.

كان جمع هؤلاء العلماء مختلطًا، وكانوا ربما فاتهم شىء حتى طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يؤلف له كتابًا يوطئه للناس توطئة، فجمع له الموطأ، ونظمه، فبقي حجة يُعنى به الناس، ويضربون عليه آباط الإبل، وتحققت فيه نبوءة النبى صلى الله عليه وسلم "يوشك أن يضرب الناس آباط الإبل؛ فلا يجدون أعلم من عالم المدينة".

وقد أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل عليه الناس، فنهاه مالك ، وقال له: "إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا فى الأمصار، وعند كل قوم علم؛ فإذا حملتهم على رأى واحد تكون فتنة؛ فدَع الناس وما اختاروا لأنفسهم"، وهكذا بمثل هذه القلوب المؤمنة المخلصة للحق، المجردة عن الهوى والغاية صينت سنة رسول الله، وكتب لها أن تسلم مما حاق بها من ظلمات الفتن.

جاءت بعد هؤلاء طبقة ثانية أرادت أن تفرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعناية خاصة، وأن تستقصي كل ما وصل إليها صحيحًا أو قريبًا منه، فألفت فى ذلك المسانيد الكبيرة التى من أشهرها مسند موسى بن عبد الله الكوفي، ونعيم بن إسحاق، وأحمد بن حنبل، وهو الذي وصل إلينا منها، وفيه أربعون ألف حديث.

ثم جاءت من بعد هذه الطبقة طبقة ثالثة، فتخيرت مما وصل إليها أحاديث اطمأنت لصحتها. وفى طليعة هذه الطبقة الإمامان العظيمان: البخاري ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ووجد من بين هذه الطبقة من عُنى برجال الحديث والبحث عنهم، فنشأ من ذلك علم الجرح والتعديل؛ فمنهم من أجمعوا على تعديله فهو ثقة الحديث، ومنهم من أجمعوا على تجريحه فهو مردود الحديث، ومنهم من هو بينهما.

وقد يصل السند إلى درجة من القوة والمتانة برواته الثقات، فيسمى السلسلة الذهبية كالسلسلة المشهورة: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر. وأشهر من كتب فى هذا العلم من هذه الطبقة الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه، والشافعي فى الأم.

وهكذا جمعت الكتب الستة، وانتهى من تدوينها، ووضع أساس مصطلح الحديث وميزان المنقول، وبانتهاء القرن الثالث يكاد يكون دور التدوين قد انتهى(1).

 

الرواية والإسناد

ما الإسناد؟

تقرأ الحديث النبوي الشريف فيطالعك أول ما يطالعك "السند"، وهو سلسلة الرواة الذين نقل عنهم هذا الحديث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انتهى إلى أحد الحفاظ المشهورين كمالك أو البخاري أو مسلم، رضى الله عنهم.

والإسناد رفع الحديث إلى قائله، وقال ابن جماعة: المحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد.

وأما المتن فهو ألفاظ الحديث نفسها.

ومعرفة السند هى الأساس عند المحدثين فى الحكم على درجة الحديث؛ إذ إن عماد الصحة أو الضعف عندهم درجة الراوي من الصدق، ودرجة روايته من الوضوح والثقة، ولهذا كانت عنايتهم بالأسانيد عظيمة نشأ عنها علم مصطلح الحديث بلواحقه من علم الرجال والأنساب والكنى والأسماء والجرح والتعديل... إلخ.

الإسناد من خصائص الأمة الإسلامية:

ولم يؤثر عن أمة من الأمم العناية برواة أخبارها وكتبها، ومأثورات أنبيائها كما عرف ذلك عن هذه الأمة الإسلامية التى عنيت بهذه الناحية أتم العناية؛ حتى إن اهتمامها بالأسانيد والرواة لم يقف عند حد العلوم الشرعية، بل تعداها إلى العلوم الأدبية والأخبار التاريخية وغيرها، وإن كان فى الحديث النبوي وما إليه أدق وأوضح، قال أبو على الجياني: خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها مَنْ قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب، وقال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى  صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والعضال فيوجد فى كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد  صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، ولا يمكن أن يبلغوا إلى صاحب نبي ولا إلى تابع له.

وقد أثر عن السلف فى الحث على العناية بالإسناد أقوال كثيرة، قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما يشاء، وقال سفيان بن عيينة: حدث الزهري يومًا بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم؟! وقال الثوري: الإسناد سلاح المؤمن. وقال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف؛ لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه. وقال محمد بن أسلم الطوسي: قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله تعالى. وقال محمد بن سيرين: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. وحكى الأوزاعي عن سليمان بن موسى قال: لقيت طاووسًا فقلت: حدثني فلان كيت وكيت، قال: إن كان صاحبك مليًا فخذ عنه.

أنواع التحمل ودرجاته:

 وكما كانوا يتحرون حال الراوي كانوا يُعنون كذلك بالطريقة التى تلقى بها عن شيخه، وطرق التلقي تختلف فى الأسلوب وفى الرتبة، ومنها:

1-     السماع من لفظ الشيخ إملاء من حفظه أو تحديثًا من كتابه.

2-     قراءة الطالب على الشيخ.

3-     سماع الطالب على الشيخ بقراءة غيره.

4-     المناولة مع الإجازة؛ كأن يدفع له الشيخ أصل سماعه، أو فرعًا مقابلا به، ويقول له: أجزت لك روايته عنى.

5-     الإجازة المجردة عن المناولة، ولها أنواع كثيرة مفصلة فى كتب الفن.

6-     المناولة من غير إجازة بأن يناوله الكتاب مقتصرًا على قوله: هذا سماعي، ولا يقول له: اروه عنى، ولا أجزت لك روايته. قيل تجوز الرواية بهذه المناولة، والصحيح عندهم عدم الجواز، ومثلها:

أ-      الإعلام؛ كأن يقول: هذا الكتاب من مسموعاتي من غير أن يأذن له فى روايته عنه.

ب-    الوصية؛ كأن يوصى بكتاب عند سفره أو موته، والأرجح عدم جواز الرواية به.

ج-     الوجادة؛ كأن يجد حديثًا أو كتابًا بخط شيخ معروف لا يرويه الواحد عنه بسماع ولا إجازة؛ فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان. وفى مسند الإمام أحمد كثير من ذلك من رواية ابنه عنه. قال النووي: وأما العمل بالوجادة فعن المعظَمِ أنه لا يجوز، وقطع البعض بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، قال: وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه فى هذه الأزمان غيره.

أقدم إجازتين مأثورتين:

1-إجازة أبى خيثمة لزكريا بن يحيى:

جاء فى شرح ألفية العراقي نقلا عن الإمام أبى الحسن محمد بن أبى الحسن بن الوزان قال: "ألفيت بخط أبى بكر أحمد بن أبى خيثمة زهير بن حرب الحافظ الشهير بصاحب يحيى بن معين وصاحب التاريخ ما مثاله: قد أجزت لأبى زكريا يحيى بن مسلمة أن يروى عنى ما أَحَبَّ من كتاب التاريخ الذي سمعه منى أبو محمد القاسم بن الأصبغ ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه منى، وأذنت له فى ذلك ولمن أحب من أصحابه. فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا فأنا أجزت له بكتابي هذا، وكتب أحمد بن أبى خيثمة بيده فى شوال من سنة ست وسبعين ومائتين".

2-إجازة حفيد بن شيبة للخلال:

وكذلك أجاز حفيد يعقوب بن شيبة وهذه نسختها فيما حكاه الخطيب: "يقول محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة: قد أجزت لعمر بن أحمد الخلال وابنه عبد الرحمن بن عمرو لختنه على بن الحسن جميع ما فاته من حديثي مما لم يدرك سماعه من المسند وغيره، وقد أجزت ذلك لمن أحب عمر فليرووه عنى إن شاءوا، وكتبت لهم ذلك بخطى فى صفر سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة".

دقة التحري وسعة معرفة أئمة الفن بأحوال الرواة:

وإن ما أثر عن أئمة رواية الحديث فى دقة تحريهم عن أقوال الرواة وسعة معرفتهم بكل ما يتصل بهم من شئون خاصة أو عامة لما يقضى منه العجب، ولقد كانوا يتحرجون من الرواية حتى عن الثقات لتوهُّمِ الشبهة فى بعض تصرفاتهم المتصلة بالرواية، ولا تثبت صفة التقدم والحفظ لأحد من رجال الحديث حتى يكون قد حفظ متن الحديث وألفاظه وسنده حفظًا تامًا، ثم ألَمَّ بمعرفة رجاله وأحوالهم فردًا فردًا، ثم أضاف إلى ذلك العلم بطرق روايته المختلفة.

وهذا الإمام مسلم بن الحجاج يحدثنا فى مقدمة صحيحه عن شىء من هذا فيقول شارحًا منهاجه فى الرواية: "ثم إنا إن شاء الله مبتدئون فى تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك؛ وهي أنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس.

 فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التى هى أسلم من العيوب من غيرها، وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة فى الحديث وإتقان لما نقلوا.. فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع فى أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطى العلم يشملهم كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبى زياد، وليث بن أبى سليم وأضرابهم من حُمّال الآثار ونُقّال الأخبار. فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين؛ فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة فى الرواية يفضلونهم فى الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة، وخصلة سنية، ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء ويزيدَ وليثًا بمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبى خالد فى إتقان الحديث والاستقامة فيه وجدتهم مباينين لهم لا يدانونهم. لا شك عند أهل العلم بالحديث فى ذلك للذي استفاض عندهم من صحة حفظ منصور والأعمش وإسماعيل، وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء ويزيد وليث، وفى مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد فى كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم. ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم.

 فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم؛ فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن مسور أبى جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبى داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم".

ومن أمثلة التورع فى الرواية حتى عن الثقات ما رواه مسلم بعد ذلك عن أبى الزناد عن أبيه، قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال ليس من أهله. وإذا رجعت إلى كتب الرجال والعلل والجرح والتعديل أدهشك ما ترى من ذلك!

جودة الحفظ وسرعته ودقته وكثرته:

ولقد اشتهر الكثير من أئمة الحديث بسرعة الحفظ وجودته ودقته وكثرته حتى كانوا أعاجيب الدنيا فى هذه المعاني، ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الذي روى عنه فى ذلك الغرائب المدهشة منذ كان غلامًا حتى لقى ربه. ولقد حدث عن نفسه فيما رواه القربى قال: سمعت محمد بن أبى حاتم وراق البخاري يقول: سمعت البخاري يقول: "ألهمت حفظ الحديث وأنا فى الكُتّاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم، فقلت: إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم! فانتهرنى. فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدى عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لى: صدقت. فقال له إنسان: ابن كم حين رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة! قال: فلما طعنت فى ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء" يعنى أصحاب الرأي.

وقال حامد بن إسماعيل وآخر: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام؛ فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيامًا، فكنا نقول له، فقال: إنكما قد أكثرتما على، فأعرضا على ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه، ثم قال: أترون أنى أختلف هدرًا وأضيع أيامى؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.

وقال محمد بن أبى حاتم: سمعت سليم بن مجاهد يقول: كنت عند محمد بن سلام البيكندى، فقال لى: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث! قال: فخرجت فى طلبه فلقيته فقلت: أنت الذي تقول أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟! قال: نعم وأكثر، ولا أجيبك بحديث عن الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروى حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولى فى ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك الحادثة المشهورة التى يرويها ابن عدى فيقول: سمعت عدة مشايخ يحكون أن البخاري قدم بغداد فاجتمع أصحاب الحديث، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا، وإسناد هذا لمتن هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري فى المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من تلك العشرة فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه حتى فرغ العشرة، وفعل مثل ذلك مع من بقى من المشايخ لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه؛ حتى إذا فرغوا التفت إلى الأول، فقال: أما حديثك الأول فإسناده كذا وكذا، والثاني كذا وكذا والثالث... إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وفعل بالثاني مثل ذلك إلى أن فرغ، فأقر له الناس بالحفظ والتقدم.

اختلاف درجات الحديث باختلاف مراتب الرواة:

وبهذا الاختلاف فى درجات الرواة وقوة الأسانيد اختلفت مراتب الأحاديث وقوة الاحتجاج بها، ووضع لكل منها اسم ووصف يكشف عن درجته؛ فالصحيح والحسن، والضعيف، وما إلى ذلك من أوصاف وألقاب للأحاديث إنما مرده وأصله هذا الاختلاف فى طبقات الرواة، ونرجو أن نوفق فى الكلمة التالية إلى التعرض لهذه الناحية بالذات حتى نضع بين يدي القراء الكرام من الذين لم يتصلوا بهذه الدراسات خلاصة موجزة واضحة لترجمة هذه الاصطلاحات تسهل عليهم الاتصال بهذه الكتب والفنون إذا وجدوا الوقت والرغبة.

تعقيب:

إننا نضع هذا البحث الموجز المقتضب عن الرواية والإسناد بين يدي الذين يحاولون أن يغضوا من قيمة هذا المجهود العلمي الذي لم تظفر بمثله أمة من الأمم قديمًا أو حديثًا، ويريدون بعد ذلك أن يشككوا فى قيمة الاحتجاج بالأحاديث، مع أن السنة هى المصدر الثاني من مصادر أحكام الإسلام. ولعل فى هذه المحاولة ما يوجههم إلى الطريق الصحيح. ولعل من المفيد أن نختم هذا البحث بما ذكره المستشرق النمساوي الأستاذ ليوبولد فايس فى كتابه "الإسلام على مفترق الطرق"؛ إذ تناول هذه الناحية ببحث علمي مسهب انتهى منه إلى هذه النتائج، ننقلها بنص عباراتها:

1-     "إن العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عمل على حفظ كيان الإسلام، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء أَفيُدهِشُك بعدئذٍ أن يتقوض هذا البناء؟!

2-     إن الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث نشأ عنه علم تام الفروع، غايته الوحيدة البحث فى معاني أحاديث الرسول ومشكلها وطريقة روايتها. ولقد استطاع هذا العلم فى الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذكروا على أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يعد منهم فى الثقاة إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تمامًا مع القواعد التى وضعها المحدثون؛ تلك القواعد التى تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة، فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه أو على الحديث جملة؛ فإن عليه هو وحده أن يثبت ذلك، وليس ثمت من مبرر مطلقًا من الناحية العلمية أن يجرح أحد صحة مصدر تاريخي ما، ما لم يكن باستطاعته أن يبرهن على أن هذا المصدر منقوض، فإذا لم تقم حجة معقولة أى علمية على الشك فى المصدر نفسه أو فى أحد رواته المتأخرين، وإذا لم يكن ثَمة من الناحية الثانية خبر آخر يناقضه كان حتمًا علينا حينئذ أن نتقبل الحديث على أنه صحيح.. لم يستطع ناقد ما حتى أيامنا هذه أن يبرهن بطريقة منظمة ذات قواعد على أن مجموع الأحاديث التى تعتبر صحيحة حسب القواعد التى وضعها أئمة المحدثين هى غير صحيحة.

3-     إن السبب الذي يحمل على مثل هذا الموقف من المعارضة للأحاديث بين بعض المسلمين المعارضين إنما يرجع إلى أن الجيل المسلم الحاضر مستعد لأن يكبر كل شىء غربي، وأن يتعبد لكل مدنية أجنبية؛ لأنها أجنبية، ولأنها قوية وبراقة من الناحية المادية! هذا التفرنج كان أقوى الأسباب التى جعلت أحاديث النبى، وجعلت جميع نظام السنة معها لا تجد قبولا فى يومنا هذا. إن السنة تعارض الآراء الأساسية التى تقوم عليها المدنية الغربية معارضةً صريحةً، حتى إن كل أولئك الذين خلبتهم الثانية لا يجدون مخرجًا من مأزقهم هذا إلا برفض السنة على أنها غير واجبة الاتباع على المسلمين؛ ذلك لأنها قائمة على أحاديث لا يوثق بها. وبعد هذه المحاكمة الموجزة يصح تحريف تعاليم القرآن الكريم لكي تظهر موافقة لروح المدنية الغربية أكثر سهولة".

ونقول: إن هذا التراث المجيد سيظل خالدًا محفوظًا؛ لأن حفظه حفظ للكتاب الكريم الذي تكفل الله -تبارك وتعالى- به حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وصدق الله العظيم إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا. وإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا".

عن أبى هريرة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث.. إذا حدث كذب، وإذا أوعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".

الحديث والخبر والأثر:

تدور هذه الألفاظ الثلاثة على ألسنة المحدثين والمشتغلين بهذا الفن والمتصلين به، ومنهم من يعتبرها بمعنى واحد، وأنها جميعًا ما أضيف إلى النبى صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرًا أو صفة.

وقيل الحديث ما جاء عن النبى خاصة، والخبر ما جاء عن غيره، والأثر ما روى عن صحابي أو تابعي. وقيل: بين الحديث والخبر عموم وخصوص مطلق؛ فكل حديث خبر وليس كل خبر حديثًا. ولعل خير ما يقال فى هذا الشأن أن الحديث إذا أطلق هكذا انصرف إلى ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وأن الخبر والأثر ينصرفان إلى هذا المعنى بالقرينة المميزة مع صحة إطلاقها على غير الحديث من الأخبار والمرويات عن الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم.

ومعلوم أن السنة هى فعل النبى صلى الله عليه وسلم أو قوله أو إقراره.

الحديث القدسي:

أطال أهل الفن القول فى تعريف الحديث القدسي والفرق بينه وبين القرآن والحديث النبوي. وخلاصة ما ذكروه فى ذلك وأولاه بالصواب -إن شاء الله- أن الحديث القدسي إلهام من الله -تبارك وتعالى- لنبيه فى اليقظة أو فى النوم، صورًا من المعاني والمقاصد يشعر النبى صلى الله عليه وسلم أن الله يأمره بتصويرها لعباده، فيصورها لهم بعبارة من لفظه هو صلى الله عليه وسلم، على أن يرويها عن ربه عز وجل. ومثاله حديث أبى ذر الغفاري المطول الذي رواه النووي فى أربعينه، وهو الرابع والعشرون منها: "يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم فلا تظالموا" الحديث. وهو بهذا التعريف غير معجز، ولم يوحَ به إلى النبى صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، وليست ألفاظه من عند الله بداهة.

أما القرآن الكريم فترتسم معانيه وألفاظه فى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلقاء الملَك، وينتهي الوحي وقد وعى النبى صلى الله عليه وسلم ما أُلقى إليه بلفظه ومعناه، ويبلغه الناس؛ فيكون معجزًا؛ لأن لفظه وتركيبه من عند الله.

وأما الحديث النبوي؛ فهو تعبير عن الحقائق والمعاني والأفكار التى تفيض بها نفس النبى صلى الله عليه وسلم بلفظه هو عليه الصلاة والسلام، وهو صدق وحق لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى أبدًا.

قالوا: ولرواية الحديث القدسي صيغتان؛ إحداهما أن يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه"، وهي عبارة السلف، وثانيتهما أن يقول: "قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والمعنى واحد، ولا شك أن الأولى أفضل؛ لأنها لا توهم التشبيه بالقرآن الكريم.

بين المتن والإسناد:

عرفنا فى الفصل السابق كيف أن أئمة هذا الفن -جزاهم الله خيرًا- بذلوا منتهى الجهد فى تحرى أحوال الرواة وشئونهم، وأن هذا كان مدار ترجيحهم لصدق الحديث وقوته أو ضعفه.

ويقول بعض الباحثين: إنه كان يجب أن تبذل العناية كذلك إلى تمحيص المتون، والحكم على قوة الأحاديث وضعفها بما يسفر عنه التمحيص؛ فقد يأتى بعض المتون وفيه ما لا يتفق مع نتائج البحث العلمي؛ ففي الوقت الذى تصرف فيه الهمة إلى الكشف عن أحوال الرجال وتحرى شئون الرواة يجب كذلك أن نعنى بتطبيق متن الحديث على حقائق البحث العلمي والحكم بعد ذلك على الحديث بالميزانين معًا لا بميزان واحد، وهذا قول له بعض المبررات وفيه كثير من الوجاهة، ويجب أن يكون ذلك من عمل هذا الجيل الممحص النقاد الذى ارتقت فيه وسائل النقد العلمي إلى حد كبير، ولكن يجب ألا تفوتنا مع ذلك هذه الملاحظات:

1-     إن اتهام السلف -رضوان الله عليهم- بإهمال النظر فى المتون جملةً غير صحيح؛ فكثيرًا ما كانوا يعنون بهذه النظرة، ويردون بعض المرويات لهذا السبب، ويتخذون من عدم انطباق المتن على قواعد الشرع الجلية دليلا على ضعف إسناده، وصدق نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووهم راويه؛ كما رد ابن عباس حديث أبى هريرة : "من حمل جنازة فليتوضأ"، وعلل هذا الرد بقوله: "لا يلزمنا الوضوء فى حمل عيدان يابسة"؛ فروح النظر فى المتون والاستدلال بها على درجة الحديث كانت موجودة إذن.

2-     إن هذا الميزان ميزان اعتباري بحسب العقول والعصور كذلك؛ فما نعده نحن اليوم حديث خرافة كان يعتبر فى بعض العصور الماضية حقيقة من حقائق العلوم والمعارف الرسمية حينذاك، والشواهد على هذا كثيرة. وما نعتبره نحن اليوم حقيقة علمية مقررة لو ذكر لمن سبقونا لاعتبروا قائله مجنونًا، وليحكموا عليه بالإعدام، وقد فعلوا. وتلك طبيعة التطور العلمي، وما كنا لنكلف سلفنا فوق ما يطيقون، وجزاهم الله أفضل الجزاء بما جاهدوا.

 أما الأخذ بميزان تمحيص الإسناد ومعرفة حال الرواة والحكم على درجة الحديث بهذا الاعتبار؛ فهو أدق الموازين وأضبطها؛ لأنه يعتمد على أمور حسية واقعية لا يختلف معها التقدير الصحيح إلا إذا تدخلت الغايات والأهواء. ومن حسن الحظ أنها لم تتدخل إلا بعد أن تناولت هذا الميزانَ أطهرُ النفوس وأنقى القلوب وأعف الأيدي؛ فنفت عنه تحريف الغالين، وتأويل المبطلين، والحمد لله رب العالمين.

3-     ولهذا كان ما عرف من الأحاديث التى حكم عليها أهل هذا الفن بالصحة مخالفًا لبعض مقررات العلوم قليلا جدًا، نادرًا كل الندرة، قد أحصى وعرف؛ فلم يتعد العشرات إلى المئات إن لم يكن الآحاد، وكثير منه يمكن التوفيق بينه وبين هذه المقررات بضرب مقبول ميسور من التأويل، والباقي يحمل على أنه رواية بالمعنى لم يدقق فيها الراوي، وقضى الأمر الذي فيه تستفيان.

المتواتر والآحاد:

الحديث المتواتر: هو ما نقل عن عدد من الرواة يحصل العلم بصدقهم ضرورة بأن يكونوا جمعًا لا يمكن تواطؤهم على الكذب، يروونه عن مثلهم عن مثلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان مفيدًا للعلم الضروري، ويجب العمل به. واختلفوا فى تحديد هذا العدد؛ فمن قائل أربعة، ومن قائل سبعة، ومن قائل عشرة، ومن قائل سبعين. ولم يجمع أهل الفن على عدد معين.

والمتواتر قسمان: لفظي وهو ما تواتر لفظه، ومعنوي وهو ما تواتر القدر المشترك فيه، وللأول أمثلة كثيرة منها حديث "من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه نحو المائتين، وحديث المسح على الخفين رواه سبعون، وحديث رفع اليدين فى الصلاة رواه نحو الخمسين. ومن أمثلة الثاني أحاديث رفع اليدين فى الدعاء؛ فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث فيها رفع يديه فى الدعاء، ولكنها فى قضايا ومواضع مختلفة؛ فكل موضع منها لم يتواتر، ولكن القدر المشترك وهو رفع اليدين فى الدعاء تواتر باعتبار المجموع.

والأحاديث المتواترة قليلة طبعًا لدقة هذا الشرط، وتعسر توفره، وخصوصًا إذا بالغنا فى العدد، وأخذنا بقول من حددوه بالمائة أو بالسبعين أو نحوها، ولهذا أثر عن أبى حنيفة  أنه لم يظفر من المتواتر إلا بسبعة عشر حديثًا، فحرف هذا المعنى بعض المغرضين الذين يريدون أن يهربوا من القول بحجية الأحاديث ووجوب العمل بها، وزعموا أن أبا حنيفة مع جلالة قدره فى الفقه لم يجد من الأحاديث الصحيحة إلا سبعة عشر حديثًا؛ فوضع الصحيح بدلا من المتواتر للاستدلال على ما يريدون، وهو زعم غير صحيح، ولقد نبهنا إليه.

وأما حديث الآحاد فهو ما لم يتوفر فيه شرط التواتر السابق.

وجوب العمل بخبر الآحاد:

قال النووي -رحمه الله تعالى- فى شرح مقدمة مسلم: "نبه مسلم -رحمه الله تعالى- على القاعدة العظيمة التى ينبني عليها معظم أحكام الشرع؛ وهي وجوب العمل بخبر واحد؛ فينبغي الاهتمام بها، والاعتناء بتحقيقها. وقد أطنب العلماء -رحمهم الله- فى الاحتجاج لها وإيضاحها، وأفردها جماعة من السلف بالتصنيف، واعتنى بها أئمة المحدثين. وأول من بلغنا تصنيفه فيها الإمام الشافعي -رحمه الله-، وقد تقررت أدلتها النقلية والعقلية فى كتب أصول الفقه، ونذكر هنا طرفًا فنقول: اختلف العلماء فى حكمه؛ فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعهدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ويفيد الظن، ولا يفيد العلم.. وإبطال قول من قال "لا حجة فيه" ظاهر؛ فلم تزل كتب النبى صلى الله عليه وسلم وآحاد رسله يُعمل بها، ويلزمهم النبى صلى الله عليه وسلم العمل بذلك. واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة وقضائهم به ورجوعهم إليه فى القضاء والفتيا ونقضهم به ما حكموا على خلافه، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على من خالفهم، وانقياد المخالف لذلك. وهذا كله معروف -لا شك- فى شىء منه، والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد. وقد جاء الشرع بوجوب العمل به، فوجوب المصير إليه. وأما من قال يوجب العلم فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟".

ونقل فى الفتح عن ابن القيم ما ملخصه: "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها أن توافقه من كل وجه فيكون من توارد الأدلة. ثانيها: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن. ثالثها: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن. وهذا الثالث يكون حكمًا مبتدأ من النبى صلى الله عليه وسلم فتجب طاعته فيه، ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يطاع إلا فيما وافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة، وقد قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [النساء: 80]. وقد تناقض من قال: إنه لا يقبل الحكم الزائد على القرآن إلا إن كان متواترًا أو مشهورًا؛ فقد قالوا بتحريم المرأة على عمتها وخالتها ما يحرم من النسب بالرضاعة، وخيار الشرط والشفعة والرهن فى الحضر، وميراث الجدة، وتخيير الأمة إذا أعتقت، ومنع الحائض من الصوم والصلاة، ووجوب إحداد المعتدة عن الوفاة، وتجويز الوضوء بنبيذ التمر وإيجاب الوتر، وأن أقل الصداق عشرة دراهم، وتوريث بنت الابن السدس مع البنت، واستبراء المسبية بحيضة، ولا يقاد الوالد بالولد، وأخذ الجزية من المجوس، وقطع رجل السارق فى الثانية، وترك الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال، والنهى عن بيع الكالئ بالكالئ وغيرها مما يطول شرحه، وهذه الأحاديث كلها آحاد، وبعضها ثابت وبعضها غير ثابت، ولكنهم قسموها إلى ثلاثة أقسام، ولهم فى ذلك تفاصيل يطول شرحها، ومحل بسطها أصول الفقه، وبالله التوفيق.

أنواع الأحاديث ودرجاتها:

علمت مما تقدم أن الحديث يحكم على درجته بأحوال رواته، وأحوال الرواة لا تحصى وأحوال المتون كذلك. ومن هنا قال السيوطي بعد أن ذكر هو والنووي خمسة وستين نوعًا للأحاديث: "ليس هذا آخر الممكن فى ذلك؛ فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى". ومع ذلك فهذه الأنواع التى تحصى لا تخرج عن ثلاثة أقسام: الصحيح، والحسن، والضعيف؛ لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح، أو على أدناها فالحسن، أو لم يشتمل على شىء منها فالضعيف. ويتصل بكل قسم من هذه الأقسام بحوث نجملها فيما يلي:

الصحيح:

 هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله مع السلامة من الشذوذ والعلل، وهذا هو الصحيح لذاته. وهناك الصحيح لغيره؛ وهو ما لم تتوفر فيه هذه الشروط بأكمل معانيها، ولكنه اكتسب وصف الصحة لسبب آخر كالرواية من غير وجه، أو تلقى العلماء له بالقبول، أو الانطباق التام على الآيات المحكمة أو بعض أصول الشريعة؛ فإن هذه المعاني وأشباهها ترفعه إلى درجة الصحة.

على أن رتب الصحيح ودرجاته تتفاوت فى القوة بحسب تفاوت الأوصاف المتقدمة؛ فما يكون رواته فى الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التى توجب الترجيح كان أصح مما دونه، ومن المرتبة العليا فى ذلك ما أطلق عليه بعض أئمة الفن أنه أصح الأسانيد: كالزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وكمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمر السلماني عن على. وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، وكمالك عن نافع عن ابن عمر، قال النووي رحمه الله: والصحيح أقسام، أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه، ثم على شرط البخاري، ثم على شرط مسلم، ثم ما صححه غيرهما من الأئمة؛ فهذه سبعة أقسام.

ولم تستوعب الأحاديث الصحيحة فى مؤلَّف واحد، وإن كانت الأصول الخمسة وهي صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبى داود والترمذي والنسائي لم يفُتها من الصحيح إلا اليسير. كذا قال النووي. وأول مصنف فى الصحيح موطأ الإمام مالك، وتلاه صحيح البخاري. وإذا قيل: أصح شىء فى هذا الباب فلا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث؛ فإنهم يقولون: هذا أصح ما جاء فى الباب وإن كان ضعيفًا. ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفًا.

لواحق:

1-وهل توجب صحة الحديث القطع به؟ ثلاثة أقوال:

أ-      الوجوب مطلقًا، وقد ذهب إلى ذلك ابن طاهر المقدسي.

ب-    عدم الوجوب لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وعزاه النووي فى التقريب للأكثرين والمحققين، وأنهم قالوا إنه يفيد الظن ما لم يتواتر. قال فى شرح مسلم: لأن ذلك شأن الآحاد، ولا فرق فى ذلك بين الشيخين وغيرهما، وتلقى الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه بخلاف غيرهما؛ فلا يعمل به حتى ينظر فيه، ويوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبى صلى الله عليه وسلم.

ج-     تخصيص الوجوب بما رواه الشيخان أو أحدهما، وهو اختيار ابن الصلاح. وأضاف إليه ابن حجر المشهور والمسلسل بالأئمة. قال أبو إسحاق الإسفراييني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التى اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذلك اختلاف فى طرقها ورواتها. قال: فمن خالف حكمه خبرًا منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه؛ لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول".

 واستثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته فى الصحيحين ما تكلم فيه من أحاديثهما، وقال ابن حجر فى شرح النخبة: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، خلافًا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع؛ منها ما أخرجه الشيخان فى صحيحيهما مما لم يبلغ التواتر؛ فإنه احتف به قرائن، منها جلالتهما فى هذا الشأن، وتقدمهما فى تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى فى إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه؛ حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته.

2-وإذا صح الحديث فقد وجب العمل به وإن لم يخرجه الشيخان، ولا يترك العمل به لرأى ولا لتقليد ولا لتوهم إجماع.

قال ابن القيم فى إعلام الموقعين: "والذى ندين الله عليه ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث لا يحضره وقت الفتيا أو يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلا مرجوحًا، أو يكون فى ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضًا فى نفس الأمر، أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته؛ لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.. كان الإمام أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا من خالفه كائنًا من كان، ولذا لم يلتفت إلى خلاف عمر  فى المبتوت لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافه فى التيمم للجنب لحديث عمار.. وهذا كثير جدًا، ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا، ويقدمونه له على الحديث الصحيح.

وقال الشعراني فى الميزان: فإن قلت: فما أصنع بالحديث الذي صح بعد موت إمامي ولم يأخذ به؟ فالجواب ينبغي لك أن تعمل بها؛ فإن إمامك لو ظفر بها وصحت عنده لربما كان أمرك بها؛ فإن الأئمة كلهم أسرى فى يد الشريعة، ومن فعل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه، ومن قال: لا أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي فاته خير كثير، كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب. وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم تنفيذًا لوصية الأئمة؛ فإن اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا وظفروا بتلك الأحاديث التى صحت بعدهم لأخذوا بها وعملوا بها، وتركوا كل قياس كانوا قاسوه، وكل قول كانوا قالوه. وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل يقول للإمام أحمد بن حنبل: "إذا صح عندكم حديث فأعلمونا به لنأخذ به ونترك كل قول قلناه قبل ذلك أو قاله غيرنا؛ فإنكم أحفظ للحديث، ونحن أعلم به". وقال فى الرد على من يزعم أن الإمام أبا حنيفة  يقدم القياس على الحديث ما نصه: "ويحتمل أن الذي أضاف إلى الإمام أبى حنيفة أنه يقدم القياس على النص ظفر بذلك فى كلام مقلديه الذين يلزمون العمل بما وجدوه عن إمامهم من القياس، ويتركون الحديث الذي صح بعد موت الإمام؛ فالإمام معذور، وأتباعه غير معذورين، وقولهم: إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث لا ينهض حجة لاحتمال أنه لم يظفر به، أو ظفر به لكن لم يصح عنده. وقد تقدم قول الأئمة كلهم: إذا صح الحديث فهو مذهبنا، وليس لأحد معه قياس ولا حجة إلا طاعة الله وطاعة رسوله بالتسليم له

وقال ابن عابدين الدمشقي فى شرح المنظومة المسماة بـ "عقود رسم المفتي": صح عن أبى حنيفة أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". ونقل فيها عن العلامة قاسم أنه قال فى رسالته المسماة "رفع الاشتباه عن مسألة المياه": ما منع علماؤنا -رضى الله عنهم- من كان له أهلية النظر فى محض تقليدهم على ما رواه الشيخ العالم العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو يوسف عن أبى حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه قال: ليس لأحد أن يفتى بقولنا ما لم يعرف من أين قلنا، تتبعت مآخذهم وحصلت منها بحمد الله على الكثير، ولم أقنع بتقليد ما فى صحف كثير من المحدثين. وقال فى رسالة أخرى: وإني -ولله الحمد- لأقول كما قال الطحاوي لابن حربويه: لا يقلد إلا عصبي أو غبي.

3-يجب أن تفهم ألفاظ الحديث على طبيعتها ودلالتها من غير غلو فى التأويل ولا تقصير دون المراد:

قال ابن القيم فى كتاب الروح: ينبغي أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تقصير؛ فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعمله إلا الله؛ بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت فى الإسلام؛ بل هو أصل كل خطأ فى الأصول والفروع، ولا سيما إذا أضيف إليه سوء القصد؛ فيتفق سوء الفهم فى بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده وسوء القصد من التابع. فيا محنة الدين وأهله والله المستعان. وما أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى صار الدين بأكثر أيدي الناس، وهو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة -رضى الله عنهم- ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور لا يُلتفت إليه، ولا يرفع هؤلاء به رأسًا.

وقال الشيخ علم الدين الفلاني المالكي فى كتابه "إيقاظ الهمم": نرى بعض الناس إذا وجد حديثًا يوافق مذهبه فرح به وانقاد له وسلم، وإن وجد حديثًا صحيحًا سالمًا من النسخ والمعارض مؤيدًا لمذهب غير إمامه فتح له باب الاحتمالات البعيدة، وضرب عنه الصفح والعارض، ويلتمس لمذهب إمامه أوجهًا من الترجيح مع مخالفته للصحابة والتابعين والنص الصريح. وإن شرح كتابًا من كتب الحديث صرف كل حديث خالف رأيه الحديث وإن عجز عن ذلك كله ادعى النسخ بلا دليل، أو الخصوصية أو عدم العمل به، أو غير ذلك مما يحضر ذهنه العليل. وإن عجز عن ذلك كله ادعى أن إمامه اطلع على كل مروي أو جله؛ فما ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطلع على طعن فيه برأيه المنيف، فيتخذ علماء مذهبه أربابًا، ويفتتح لمناقبهم وكراماتهم أبوابًا، ويعتقد أن كل من خالف ذلك لم يوافق صوابًا. وإن نصحه أحد من علماء السنة اتخذه عدوًا، ولو كانوا قبل ذلك أحبابًا، وإن وجد كتابًا من كتب مذهب إمامه المشهورة قد تضمن نصحه وذم الرأي والتقليد، وحرض على اتباع الأحاديث المشهورة نبذه وراء ظهره، وأعرض عن نهيه وأمره، واعتقده حجرًا محجورًا.

4- ومن الحكمة والكياسة فى التحديث تحرى المصلحة والمناسبات فى الرواية؛ فلا يحدث بكل صحيح كل أحد:

روى الشيخان عن معاذ  قال: كنت ردف النبى صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: "يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". وفى رواية لهما عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم وهو ردفه "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا". فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا. وروى البخاري تعليقًا عن على : "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟". وروى مسلم عن ابن مسعود قال: "ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".

وقال الحافظ ابن حجر: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد فى الأحاديث التى ظاهرها الخروج على الأمير، ومالك فى أحاديث الصفات، وأبو يوسف فى الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما روى عنه فى الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة فى سفك الدماء بتأويله الواهي. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوى البدعة وظاهره فى الأصل غير مراد؛ فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب.

درجات الحديث:

الحديث الحسن:

قال الشيخ تقى الدين بن تيمية: "أول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه التسمية عن أحد قبله، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك، فذكر أن الحسن ما تعددت طرقه، ولم يكن فيهم متهم بالكذب، ولم يكن شاذًا، وهو دون الصحيح الذي عرف عدالة ناقليه وضبطهم. وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى: صحيح وضعيف، والضعيف كان عندهم نوعان: ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به وهو يشبه الحسن فى اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفًا يوجب تركه وهو الواهي".

والحسن قسمان: حسن لذاته، وهو ما اشتهر رواته بالصدق ولم يصلوا فى الحفظ رتبة رجال الصحيح، وهذا تعريف ابن الصلاح، وقال الطيبي: "الحسن مسند من قرب من درجة الثقة، أو مرسل ثقة. وروى كلاهما من غير وجه وسلم من شذوذ وعلة". وقد تقدم تعريف الترمذي. ومن ألطف تعاريفه "ما اتصل إسناده بنقل عدل قل ضبطه عن الصحيح غير شاذ ولا معلل"، وخلاصتها جميعًا أنه أقل من الصحيح وفوق الضعيف.

وحسن لغيره: وعرفه ابن الصلاح بما كان فى إسناده مستور لم تتحقق أهليته غير مغفل، ولا كثير الخطأ فى روايته، ولا متهم بتعمد الكذب فيها، ولا ينسب إلى مفسق آخر، واعتد بمتابع أو شاه فأصله ضعيف، وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي عضده، فاحتمل لوجود العاضد، ولولاه لاستمرت صفة الضعف فيه، ولاستمر على عدم الاحتجاج به.

وللحسن رتب كالصحيح؛ فأعلاها ما قيل بصحته كبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر، وأمثال ذلك، وهو أدنى مراتب الصحيح، ثم بعد ذلك ما اختلف فى تحسينه وضعفه كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطأه ونحوهم. قاله الحافظ الذهبي.

والحسن لذاته المشهور رواته بالعدالة والصدق، واشتهار دون اشتهار رجال الصحيح إذا روى من وجه آخر من الحسن إلى الصحيح، وهذا هو الصحيح لغيره. ومثاله حديث الترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". فإن محمدًا وإن اشتهر بالصدق والصيانة ووثقه بعضهم لذلك لم يكن متقنًا لسوء حفظه فحديثه حسن لذاته. وبمتابعة محمد عليه فى شيخ شيخه وهو أبو هريرة يرتقي إلى الصحة لغيره؛ فقد رواه جماعة غير أبى سلمة عن أبى هريرة، والمتابعة قد يراد بها متابعة الشيخ، وقد يراد بها متابعة شيخ الشيخ، والحديث رواه الشيخان من طريق الأعرج عن أبى هريرة؛ فهو صحيح لذاته من هذا الطريق، صحيح لغيره من طريق محمد بن عمرو.

وجمهور المحدثين وعامة الفقهاء على أن الحسن كالصحيح فى الاحتجاج به، وإن كان دونه فى القوة؛ ولهذا أدرجه طائفة فى أنواع الصحيح كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة، وقال السخاوى: منهم من يدرج الحسن فى الصحيح لاشتراكهما فى الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه، وقال الخطابي: على الحسن مدار أكثر الحديث؛ لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وعمل به عامة الفقهاء، وقبله أكثر العلماء. قال: وشدد بعض أهل الحديث فرد بكل علة، قادحة كانت أم لا، كما روى عن أبى حاتم أنه قال: سألت أبى عن حديث، فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟ فقال: لا..

وزيادة راوي الصحيح والحسن مقبولة؛ إذ هى فى حكم الحديث المستقل، وهذا إن لم تنافِ رواية من لم يزد. فإن نافتها ولزم من قبولها رد الأخرى احتيج للترجيح؛ فإن كان لإحداهما مرجح فالأخرى شاذة. قال الحافظ ابن حجر فى النخبة وشرحها: "وزيادة راويهما -أى الصحيح والحسن- مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافى بينها وبين رواية من لم يذكرها؛ فهذه تقبل مطلقًا؛ لأنها فى حكم الحديث المستقل الذى ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكون منافية بحيث يلزمهم من قبولها رد الرواية الأخرى؛ فهذه التى يقع الترجيح بينها وبين معارضها؛ فيقبل الراجح، ويرد المرجوح. واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون فى الصحيح ألا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعجب ممن أغفل منهم ذلك مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ فى حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدى، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلى بن المديني، والبخاري، وأبى زرعة، وأبى حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة".

ويصف الترمذي بعض الأحاديث بأنه "حسن صحيح"، ويرى بعض المحدثين فى هذا التعبير ما يستوقف النظر؛ لأن وصف الحسن قاصر عن الصحة، وقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: "إن تردد أئمة الحديث فى حال ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه حسن باعتبار وصفه عند قوم، وصحيح باعتبار وصفه عند قوم. وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول: حسن أو صحيح، وعليه فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قيل فيه صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث التفرد؛ فإن لم يحصل تفرد فإطلاق الوصفين على الحديث يكون باعتبار إسنادين؛ أحدهما صحيح فقط، والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردًا؛ لأن كثرة الطرق تقوى".

ألقاب تشمل الصحيح والحسن:

الجيد والقوى والصالح والمعروف والمحفظ والمجود والثابت والمقبول كلها ألفاظ مستعملة عند أهل هذا الحديث فى الخبر المقبول، صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفَا يصلح للاعتبار(2).

المصادر

  1. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 44 – صـ4 : 7 – 28ذو القعدة 1358هـ / 8يناير 1940م.
  2. مجلة الشهاب – السنة الأولى – العدد 1 – صـ30 : 37 – 1محرم 1367هـ / 14نوفمبر 1947م.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا عن مفهوم العقيدة
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر