خواطر حول الخلافة وصراع الحضارات

بقلم الأستاذ مصطفى مشهور 

أحببت في ذكرى مرور خمسين عامًا على استشهاد الإمام الشهيد أن ألقي الضوء على ظروف استشهاده، وأن أتناول الإجابة على بعض التساؤلات التي قد تدور في بعض الأذهان نتيجة حملات التشويه والتشكيك التي تتعرض لها الجماعة.

فأقول: إنه عندما طلب اليهود من خليفة المسلمين السلطان عبد الحميد أن يعطيهم فلسطين، ويعطونه مالا ورفض تآمر اليهود مع مصطفى كمال أتاتورك وأسقطوا الخلافة عام 1924م، وكان الإمام - آنذاك - طالبًا في دار العلوم فشغله هذا الأمر، وبعد تخرجه وتعيينه مدرسًا بالإسماعيلية فكر كثيرًا واعتبر إسقاط الخلافة بمثابة إهدار للأمة الإسلامية يعمل على انفراط عقدها، وأنه صار واجبًا دينيًا على كل مسلم ومسلمة إقامة الدولة الإسلامية من جديد، ثم إن هذا الواجب لا يمكن أن يتم فرديًا، وإنما لابد من العمل الجماعي، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فَفَكر في إنشاء الجماعة وأسماها "الإخوان المسلمون"، وحدد هدفها في أمرين هما: "تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، ثم إقامة دولة الإسلام على هذا الوطن المحرر" فجعل همّه ضرورة إشعار المسلمين بهذا الواجب الذي تحتمه الظروف، وألا يكتفي المسلم بالعبادات والأخلاق الإسلامية فقط، بل لابد للمسلمين من دولة تجمع كلمتهم، وتطبِّق شريعة الله، وتقوم بالدعوة إلى الله وتصد كيد الأعداء.

واقتبس (رضي الله عنه) طريق السير لتحقيق هذا الهدف من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أقام الدولة الأولى، فوجد أنه أقامها على أسس ثلاث هي: قوة الإيمان والعقيدة، وقوة الوحدة والترابط والأخوة في الله، وقوة الساعد والسلاح، والصبر والثبات والاحتساب، وكان يركز في أحاديثه وكتاباته على ضرورة القيام بهذا الواجب.

كما اهتمَّ بالتربية وقوة الإيمان وعلى الحب والأخوة في الله، وقد وفقّه الله في نشر هذه الروح في معظم مدن وقرى القطر المصري، ثم تخطاه إلى بعض الدول المجاورة، وكان يشارك في قضايا العالم الإسلامي ويدعو إلى تحريرها من المحتلين، وكانت قضية فلسطين من أهم القضايا التي شغلته واهتم بها، وقد وهبه الله من المواهب من قوة الذاكرة والأسلوب المؤثر - السهل الممتنع - وقوة التأثير مما ساعد على سرعة انتشار الدعوة.

هل كان يتوقع المحن والابتلاءات؟ بمراجعته لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما تعرض له هو وصحابته من محن وابتلاءات وتعذيب وقتل توقع أن الإخوان سيتعرضون لمثل ذلك فقال في إحدى رسائله للإخوان: "إنكم لا زلتم مجهولين عند كثير من الناس، وحين تُعرفون ستلقون خصومة من كثير من الأعداء، وستلصق بكم أبشع التُّهم، وتسجنون وتعتقلون وتعذبون وتشردون وتُفَتّش بيوتكم إلى غير ذلك، وقد يطول بكم الامتحان فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟!".

ولكنه بشَّر الإخوان بأن هناك عوامل نجاح لن تقف أمامها هذه العقبات، وهى "أنكم تدعون بدعوة الله، وهي أقوى الدعوات، وتدعون لشريعة الله، وهي أعدل الشرائع، وأن العالم في حاجة إلى دعوتكم، ثم إن الله سيؤيدكم" واقتبس لك من موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما استنصره بعض الصحابة فقال لهم: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه" وبشرهم وقال لهم: "والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"(1).

وأوصى الإمام الشهيد الإخوان، بالصبر والثبات والتزود بقوة الإيمان والزاد الروحي، وكان - رضي الله عنه - يتوقع طول الطريق وما فيه من عقبات، وأن الأعداء كثيرون ينسِّقون فيما بينهم، والمسلمون متفرقون ومستضعفون، والهدف كبير ويحتاج إلى جهود مكثفة، وإلى زمن ليس بالقصير، فكان يخاطب الإخوان بآيات القرآن التي توضح الطريق ومعالمه مثل قول الله تعالى:{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ، {إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، وكان يقول: "من صبر معنا حتى تنبت البذرة وتنمو الشجرة وتثمر الثمرة، ويحين قطافها فيفوز معنا بإحدى الحسنيين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة، أما المتعجلون أصحاب النفَس القصير فليبحثوا لهم عن دعوة غير دعوتنا".

ومن أقواله العميقة، موجهًا حديثه للإخوان: "أنتم لستم حزبًا كالأحزاب السياسية الموجودة، ولستم جمعية محدودة الأغراض، ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييها بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوتٌ داوٍ مردِّدٌ دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ونجده عندما يتحدث عن صراع الحضارات، ويصف حضارة الغرب التي غزت بلادنا بحضارة المتع والشهوات فيقول: "سنعمل على حسرها عن أرضنا حتى يبرأ من بلائها قومنا، ولن نقف عند ذلك بل سنلاحقها في أرضها ونغزوها في عقر دارها"، هكذا كان يحفز الهمم ويثير العزة في النفوس، وأن المسلمين بالحق الذي يؤمنون به سيزهقون الباطل مهما انتفش، فالباطل زهوق، والحق أحق أن يُتَّبع.

ولعلنا نلمس في عشرات السنين الأخيرة انتشار الحركات الإسلامية والتجمعات الإسلامية في أوروبا وأمريكا، ودخول الكثير في الإسلام، وسيكون للإعجاز العلمي للقرآن الأثر الطيب - ونحن في عصر العلم - حينما يجد العلماء اتفاق آيات القرآن بالحقائق العلمية التي اكتشفت حديثًا، فكونها في القرآن من ألف وأربعمائة عام دليل قاطع على أن القرآن من عند الله، وليس من صنع البشر، فيؤمنون ويدخلون في دين الله خاصة بعد شرح هذه الآيات وترجمتها ونشرها بالوسائل الحديثة.

ظروف استشهاد الإمام:

كما سبق أن ذكرت، فالإمام الشهيد كان مهتمًا أشد الاهتمام بقضية فلسطين، وعندما قامت العصابات الصهيونية بقتل وتشريد الفلسطينيين، والاستيلاء على أرضهم وساعدتهم إنجلترا في ذلك، أرسل الإمام الشهيد مجموعات من الفدائيين من الإخوان - بموافقة النظام في مصر - وجُمعت لهم الأسلحة وأبلوا بلاء حسنًا متعاونين مع الحاج أمين الحسيني، وعبد القادر الحسيني، ولكن اليهود أزعجتهم هذه النوعية من الفدائيين الأقوياء، فاستغاثوا بإنجلترا وأمريكا وفرنسا، فتآمرت هذه الدول وتمت الهدنة، وأُوقف القتال وأُعلن تقسيم فلسطين! وطلب سفراء هذه الدول من حكومة مصر حل جماعة الإخوان واعتقالهم، ونفَّذ النقراشي باشا طلبهم، وأصدر قرار الحل في 8 من كانون - أول ديسمبر سنة 1948، واعتقل الإخوان وترك الإمام البنا وحده، وقتل بعض الإخوان النقراشي باشا دون إذن من الإمام، فقال عنهم: ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين.

ثم تمت المؤامرة وقتل البنا، بتدبير من النظام الحاكم، وذلك في يوم 12من شباط فبراير عام 1949 ولم يسعفوه حتى استشهد، وظنوا أنهم بقتل حسن البنا ستنتهي دعوة الإخوان، ولكن الله خيَّب ظنهم، فها نحن نرى شجرة الإخوان التي غرسها الإمام ورواها بدمه، هو والشهداء قد تعمّقت جذورها، واشتد ساقها وامتدت فروعها، واستعصت على الأعداء أن يقتلعوها.

فكان دم الشهيد الزكيّ سراجًا ألهب حماس المسلمين في جميع أنحاء الأرض، وقد تعاونت مع الإخوان حركات إسلامية مختلفة في بلاد كثيرة، وكانت هذه الصحوة الإسلامية التي لمسناها في مصر وغيرها من الأقطار، ولا يشككنا أحد في طول السنين منذ بدأت الجماعة حتى الآن، فالزمن في مثل هذا الهدف الكبير لا يقاس بعمر الأفراد، وإنما بعمر الدعوات والأمم، خاصة والإخوان يركزون في أساس الدولة وهو أهم وأشق المراحل، لا سيما إذا كان البناء عاليًا صامدًا أمام كل الأعداء.

وكما نعلم أن المحن والابتلاءات هي سنة الله في الدعوات للصقل والتمحيص، لتفرز الصابرين الثابتين الصادقين الذين يؤهّلون للتمكين فلا ضعف ولا وهن ولا استكانة، ولكن إيمان وصبر وثبات يعقبه نصر بإذن الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران.

ولا ترهبوا قوة الأعداء المادية، فالله الذي بيده الأمر وهو على كل شيء قدير لن تعجزه قوى الأرض جميعًا {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} المدثر.

المصدر: مجلة الدعوة (فيينا)– العدد (83) – ذو القعدة 1419هـ / فبراير - مارس 1999م.

المقال التالي ذكرياتي مع الإمام الشهيد
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا