كتابات الإمام حسن البنا حول فهم الإخوان للدين والسياسة

إعداد موقع الإمام حسن البنا

كانت مصر واقعة تحت نير المحتل الغربي منذ مطلع التاريخ الحديث سواء من فرنسا أو بريطانيا، لكن نتيجة للوعي السياسي الذي نتج عن يقظة بعض رجال الأمة بدأت المعادلة تتغير وبدأ المستعمر لا يشعر براحة في ظل ضغط الشعب لطلب الحرية والتحرر.

ولذلك دعا الإمام البنا إلى وحدة الأمة، وإزالة العقبات التى تقف فى سبيل ذلك، وعمل على معالجة الشبهات التي حاول المستعمر بثها لعرقلة الحركة الإسلامية ومنها قضية فصل الدين عن السياسة، ونادى بالدعوة إلى الفكرة الإسلامية الصحيحة التى لا تفرق بين الدين وكافة شئون الحياة ومنها السياسة.

 

الإخوان بين السياسة والدين

أهو تدخل حزبي أم قيام بواجب إسلامي؟

أيها الناس، تجردوا عن الغاية وافهموا الأمور على وجهها

لا يريد كثير من الناس أن ينظروا إلى الحقائق إلا بمنظار مطموس بالغايات ملوث بالأهواء سودته الحزازات الحزبية، وتكاثفت على زجاجه الضغائن الشخصية، وما دام ذلك كذلك فلن يصل هذا إلى الحق وإن كان أوضح من النهار وأضوأ من الشمس المشرقة، فالهوى والحق لا يجتمعان، والغاية والإنصاف خصمان لدودان ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾[المؤمنون: 71].

ولا يريد هذا الصنف من الناس أن يفهم أن الإسلام قد أفتى فى شئون الحياة جميعا، وتناول أمور الدنيا والآخرة بالبيان والإيضاح، ورسم للناس فيها حدودا إن اتبعوها فهم مسلمون صادقون وإن خرجوا عليها فهم آثمون مخالفون يقولون ما لا يفعلون، وما دام الإسلام قد بين للناس نظام الحكم وقواعده ووضح لهم حقوق الحاكم والمحكوم فى بيان شامل فاصل، فإن الإسلام بهذا قد ضرب فى صميم السياسة، وتناول أخص خصائص رجالها، وزج بأحكامه فى تيارها، وألزم الناس النزول على هذه الأحكام. وهل أوضح فى هذا من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 49-50]؟ وما دام الإسلام قد فرض على الناس أن يجهروا بالحق، وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وألا يقروا ظالما على ظلمه، وألا يستسلموا لجائر فى جوره، وأن يجاهدوا أمراءهم وحكامهم وأولى الرأى منهم فى سبيل إقامة موازين العدل حتى تقوم، وإعلاء كلمة الله حتى ترتفع على الرءوس، وإظهار شعائر الإسلام حتى تسمو فوق كل منار، فهو بذلك قد فرض على المسلمين جميعا اليقظة السياسية، والتدخل فى شئون السياسة، وأعطى الأمة حق مراقبة قوادها وزعمائها وحكامها وأمرائها وملوكها ووزرائها وأهل النفوذ والرأى فيها، فما من كبير إلا والحق أكبر منه، وما من ضعيف إلا وهو أقوى الناس بحقه، وهل أوضح فى ذلك من قول الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79]، ومن قول الرسول  صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء حمزة, ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"؟ فى أحاديث وآيات أكثر من أن يتسع لها كتاب ما دام الإسلام يقول هذا-أيها الناس- فليس هناك شىء اسمه دين وآخر اسمه سياسة، وهى بدعة أوربية أراد خصومكم بها أن تفتر حماستكم للإسلام، وأن يصرفوكم عن نظمه إلى نظمهم الفاسدة، وليس هناك فى حقيقة الأمر إلا شىء واحد –هو شريعة الله التى صلح عليها أمر الدنيا والآخرة، ووضعت للناس أفضل النظم فى سياسة معاشهم، ومعادهم، وحكمهم، وقضائهم، وحربهم، وسلمهم، وأخذهم، وعطائهم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ﴾[المائدة: 3].

أيها الناس: ضعوا عن أبصاركم هذه المناظير الملونة التى قدمتها إليكم أوربا وروجها عليكم ساسة هذا العصر، وانظروا إلى الإسلام بنور الله الذى هداكم إليه فحبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم ترون ذلك جليا وتبصرونه واضحا، وتعلمون أن الحق فى جانب الإخوان المسلمين وأن الخطأ كل الخطأ فى نظرات الزعماء السياسيين الذين يفرقون بين السياسة والدين.

وبعد: أيها الناس، فقد اختلفت أحكامكم على الإخوان وكتابات الإخوان فى هذه الصحيفة، وذهبتم فيها كل مذهب، وجافيتم الصواب كثيرا، وحكمتم بأهوائكم لا بحقيقة الأمر، والمسألة أبسط من ذلك وأهون مما تظنون.

كتب الإخوان ينتقدون رجال الحكومة الحاضرة نقدا مرا لاذعا أليما فيه صراحة وفيه وضوح وفيه حساب عسير وفيه مؤاخذة شديدة، نقدوا وزير الخارجية فى حفل البعثة الإيرانية، وما كان فيه من خمر ورقص وعبث ولهو بأموال الفلاحين بما يخالف أوامر الدين، ونقدوا وزير الداخلية السابق فى سفره ظهر الجمعة وتركه أداء فريضتها مع منشوره للمديرين والمحافظين ورجال الإدارة بوجوب مشاركة المسلمين فى أداء هذه الفريضة المقدسة، ونقدوا وزير المالية الحالى، والنائب العام فى حضور ميادين السباق والمراهنة على الخيل، وهى بوضعها الحاضر قمار صريح لاشك فيه، ونقدوا رئيس الوزراء فى تصريحه الخاص بقضية فلسطين وفى إعجابه بفرسان المغاربة يزينون ميادين فرنسا وهم سلالة الأشاوس الفاتحين من أبطال الموحدين.

 كتبوا فى كل هذا وسوف لا تقف هذه الأقلام عن هذا النقد أو هذا النصح إن شئت ما وجدت إليه سبيلا، ولن تقف فى سبيلها عقوبة أو محاكمة فنحن نرتل دائما قول الرسول: "إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" فإذا تأولتم أنتم -أيها الناس- كلماتنا هذه، ونظرتم إليها خلال غايتكم وغفلتم تماما عن الدافع الحقيقى لها، فأما الحكوميون منكم فقالوا فى أنفسهم وفى مجتمعاتهم: وفديون نحاسيون مهرجون مأجورون لا يرضيهم شىء ولا يعترفون بمحمدة كل همهم خصومة الحكومة وعداوة الحكومة والنيل من الحكومة ورجال الحكومة، وقال الوفديون وأنصارهم: إن الحكومة لم تغدق على هؤلاء القوم من الإعانات المادية، ولم تعطهم من المصروفات السرية، ولم تحقق لهم مطالب شخصية فهم لهذا يحملون عليها وينتقدون رجالها ويشهرون بأعمالها وهو انتصار للوفد مبين.

وكتب الإخوان مع الكلمات السابقة وفى أعداد واحدة ينقدون رفعة النحاس باشا فى تصريحه عن الحدود الإسلامية، وينددون بموقفه من التشريع الإسلامى، ويعيبون على المؤتمر الوفدى إضاعته لصلاة المغرب، ويطالبون الوفد ورجال الوفد بالحرص على شعائر الإسلام ومظاهر الإسلام، فانعكست الآية وانقلبت التهمة وفرح الحكوميون واغتاظ الوفديون، وأصدر كل منهما على العدد الواحد من أعداد النذير حكمين متناقضين فهو العدد بعينه ومن يكتب فيه وفدى وحكومى وماهرى ونحاسى ومؤيد ومعارض كل ذلك فى وقت واحد. هذه الأحكام المتناقضة كلها خاطئة، وإنما جر الناس إليها أمر واحد هو أنهم لا ينظرون إلى الأمور إلا من وراء الأفكار الحزبية، والحق -أيها الناس- أننا حين ننقد الحكومة أو الوفد لا نكره واحد منهما، ولا نعتبر هذا النقد معارضة إلا فى هذا العمل الذى نقدناه، وحين نؤيد واحدا منهما ونثنى على عمل حميد صدر منه فليس معنى هذا أننا معه أو مؤيدوه إلا فى هذا العمل وحده، ونحن على استعداد لأن نؤيد اليوم من نقدناه بالأمس إذا أحسن وأجاد، وأن ننقد اليوم من أيدناه بالأمس إذا اعوج والتوى، وليس ذلك بتلون منا ولا نفاق، ولكنه نزول على حكم الحق أينما كان، وليس هذا -أيها الناس- تدخل حزبى أو كيد سياسى، ولكنه أداء واجب دينى فرضه الله، هو واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهل آن أن نتفهم معا هذه الحقيقة فنتعاون جميعا على أن نرى الحق حقا ونتبعه والباطل باطلا فنجتنب ونحاربه، ذلك ما نريد أن يفهمه الناس عنا، ويحملوا عليه كتاباتنا، ولنا عود إلى هذا الموضوع(1).

 

كلمة الأسبوع

الدستور والقرآن

منذ عشر سنوات خلت أو تزيد قام الإخوان المسلمون بدعوتهم، وعماد هذه الدعوة وسداها وأصلها وفرعها أن تركز النهضة الإسلامية الحديثة على قواعد ثابتة من تعاليم الإسلام الحنيف، وأن تهيمن روح الإسلام وكلمة القرآن على كل ناحية من نواحى الحياة ومظهر من مظاهرها فى كل هذه الأمم. فنظام الحكم يجب أن يكون إسلاميا قرآنيا، وقوانين البلاد المسلمة يجب أن تكون إسلامية قرآنية، وبيوت المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم يجب أن تكون مستمدة من روح الإسلام لا تتنافى بحال مع ما شرعه وحدده وأمر به وحض عليه. والعقائد والعبادات والأخلاق وكل شىء مما يتعلق بالفرد أو بالأسرة أو بالأمة يجب أن يكون مأخوذا عن الإسلام تابعا لما جاء به رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن ربه، وبذلك تعود إلى المسلمين قوتهم الروحية وقوتهم المادية، واستقلالهم المفقود، وعزهم الضائع، ومجدهم المغصوب.

رفع الإخوان المسلمون أصواتهم بهذه التعاليم والمبادئ منذ عشر سنوات أو تزيد، وكتبوا فى ذلك مئات المقالات، ومن يطالع جريدة الإخوان المسلمين منذ ست سنوات يجد ذلك جليا تكاد تلمسه فى كل مقال من مقالاتها، وسيظل الإخوان ينادون بهذه المبادئ ويعملون لها، وسيجاهدون فى سبيل تحقيقها؛ حتى يصلوا. وسيضحون بكل شىء فى سبيل الوصول إلى هذه الغاية لا يثنيهم عن ذلك شىء حتى؛ يأتى أمر الله. وهما خطتان لا ثالث معهما إما أن تكون هذه الأمم إسلامية تحب الإسلام وتجله وتريد أن تعمل به فلا مناص لها من أن تنزل على حكمه، وتعمل بكل تعاليمه، وتؤمن بكتابه جميعه فلا تأخذ بعضه وتترك بعضا آخر، وإما أن تظل على ما هى عليه من خروج على تعاليمه فى نظمه العملية من حكم، وقانون، وعادات، ومعاملات، وعبادات، وعقائد فهى غير مسلمة، وإن ادعت ذلك حتى ينشق حلقها، وصرخت به حتى تملأ صرختها أجواز الفضاء فليس الإيمان بالتمنى، ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل.

إن الذين وضعوا الدستور المصرى قالوا فى المادة التاسعة والأربعين بعد المائة منه: (إن دين هذه الدولة الرسمى هو الإسلام) فالأمر لا يعدو أحد اثنين إما أن يكونوا جادين فى هذا الذى سجلوه على أنفسهم وعلى الدستور المصرى، فيجب أن يكون محل احترام منهم، وأن يعملوا جاهدين؛ حتى تحل النظم الإسلامية محل كل نظام غير إسلامى فى كل شىء فى الحكم والقانون والعادات والمعاملات وكل مظاهر الحياة. وحينئذ يكون بحق دين الدولة الرسمى هو الإسلام، ويكون الدستور المصرى محترما مصونا قد احترمه واضعوه، ونزلوا على حكمه هو الآخر، وإما أن يكونوا لا يقصدون ما يقولون، ولا يؤمنون بما يكتبون، وهم بذلك يعبثون ويلهون أو يغشون الشعب ويخدعونه بمثل هذا النص الذى لا تحقق له فى الخارج. وحينئذ يجب علينا -معشر الدعاة- أن نقوم إليهم وإلى هذا الشعب المخدوع بالنصيحة، فإن فعلوها فبها وإلا فنحن دائبون فى جهادنا عاملون على تحقيق هذه الغاية مهما كلفتنا، جادون فى إيقاظ الفكرة الإسلامية النائمة فى نفس الشعب المسلم المسالم الطيب القلب؛ حتى يعرف حقه، ويحرص على دينه، ويملى إرادته على حكامه، فينزلون عليها ولا يجدون مناصا من تحقيقها فيكون الدين الرسمى بذلك للدولة هو الإسلام. فأى الموقفين يريد حماة الدستور وواضعوه أن يضعوا أنفسهم فيه أمام الأمة؟ وهل يرضيهم أو يروقهم أن يظل هذا التناقض قائما بين الدستور المكتوب والدستور المنفذ؟ وما قيمة نصوص لا تتحقق؟ أفتونا -أيها الفقهاء الدستوريون- أثابكم الله!!

ذلك موقف الإخوان المسلمين من القرآن والدستور منذ عشر سنين، وذلك موقفهم منهما الآن وذلك موقفهم الذى سيظل قائما فى المستقبل؛ حتى تتحقق غايتهم فيتفق تعليم الدستور مع تعليم القرآن، وتكون تعاليم القرآن هى لب الدستور ومحوره، والحكم بيننا وبين الفقهاء الدستورين كتاب الله على أوسع حدوده، ومدلولاته فى غير سرف ولا تحكم ولا جمود ولا اشتطاط. فلعمر الله، لقد أنصفناهم، وسنظل ننصفهم، وإنا لندعوهم إلى خطة سواء فهل هم يقبلون؟

نحن لا نعترض على الحكم الشورى النيابى من حيث هو، فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح، ولحرية الرأى ولسلطة الأمة، ولتبعة الحكام، وهى أركان الدساتير العصرية، ولكن الذى نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التى جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم.

نريد تعديلات فى النصوص والأشكال توفق بين تعاليم الإسلام وما نحن عليه، وتخلصنا من هذا البلاء الداهم الذى وقعنا فيه من جراء تقليد الغرب من غير تبصر ولا تقدير لعواقب الأمور. نسأل الفقهاء الدستوريين: هلا يكون المعنى النيابى قائما صحيحا إذا وضع للانتخاب ولمحاسبة الحكام نظام غير هذه الحزبية المفرقة؟ ووضع للبرلمان نظام غير نظام المجلسين، وهل البلاد التى توحدت فيها الأحزاب والمجالس وتغيير نظام الانتخاب ليست أنها بلاد دستورية نيابية؟ وسنسألهم أيضا: هل لو عدلنا المادة الثانية فى الدستور المصرى، مادة حرية الاعتقاد، فأضفنا إلى ذلك ما أضفناه لمادة حرية الرأى من أن ذلك مقيد بالقوانين والنظم الموضوعة؛ حتى يخرج المرتد فلا يكون محميا بالدستور. هل إذا فعلنا ذلك يكون ذلك تغييراً لنظام الحكم النيابى وقلبا له؟ أيها السادة الفقهاء، وأيها السادة الحاكمون والزعماء، صارحوا الناس وقولوا لهم: إن ذلك ليس قلبا لنظام الحكم فى شىء، وإنما هو قلب لهذه الأوضاع الفاسدة، ونحن لا نحسن الانتفاع فى جو غير هذا الجو فنحن لهذا نحارب هذا التعديل الذى لا ينقذ الأمة سواه.

هذا هو موقف الإخوان المسلمين فى الماضى والحاضر والمستقبل، وسيظلون ثابتين عليه ويتنادون به فى خطبهم وكلماتهم ومجالسهم، وسيعلنونه فى جرائدهم وفى مجلاتهم، وسيصلون لتحقيقه بكل الوسائل، وسيصلون إلى غايتهم بتوفيق الله؛ لأنهم لله يعملون، ومنه يستمدون، ولدعوته ينصرون ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز. فعلى النيابة التى دعت الأستاذ أحمد حسين لتحقق معه متهمة إياه بمحاولة قلب نظام الحكم لأنه كتب عدة مقالات يدعو فيها الناس إلى التمسك بالدين والقرآن وإلى جعل نظام فى مصر مرتكزا على الإسلام، أن تدعو الإخوان المسلمين وأن توجه إليهم هذه التهمة، وأن تؤاخذهم على مقالات لا عدد لها نشرت فى جريدة الإخوان سابقا منذ ست سنوات خلت، وتنشر الآن فى مجلة النذير بين سمع الحكومة وبصرها وهى أوضح عبارة وأبين مقصدا، وأقوى لهجة مما تحقق فيه الآن.

والإخوان على استعداد لتقديم هذه الأعداد لتكون حجة بيد النيابة، وهم يرقبون بعد ذلك اليوم الذى تنقل دعوتهم من ميدان الصحافة الحرة إلى ميدان القضاء الممحص المتزن، وحينئذ سيعرفون كيف يتهمون من اتهموهم بأنهم هم الذين خرجوا على الدستور يوم عطلوا أحكامه فلم يعملوا على أن يكون دين الدولة الرسمى بحق هو الإسلام؟

أما الأستاذ أحمد حسين، فنحن نحمد له موقفه، ونتمنى أن يتابع السير فى هذه الطريق التى اختطها لنفسه من جديد فهى خير له وللناس، وأجدى على الأمة، ولا أنفع لها من أن تتجرد من كل تقليد وتعود إلى تعاليم الإسلام الحنيف(2).

 

هذه الثلاثة من أركان الإسلام

(الدولة، والقومية، والعلم)

مهداة إلى مجلس النواب المصرى الموقر..

شهدت جلسة مجلس النواب المصرى الموقر التى ناقش فيها النواب المصريون المحترمون الاستجواب الخاص بمراقب الثقافة العامة. وتردد فى القاعة ما ذهب إليه الدكتور طه حسين بك فى كتابه "مستقبل الثقافة" -تصريحا أو تلميحا- من أن الدين شىء والسياسة شىء آخر، والدين شىء والقومية شىء غيره، والدين شىء والعلم شىء سواه، وأن وحدة الدين واللغة لا تصلحان أساسا لتكوين الدول، وأن هذا التفريق بين الدين وبين السياسة والوطن والعلم أصل من أصول الحياة الحديثة التى نقلناها عن أوروبا. ولقد كانت علامات الاستحسان لهذه الآراء تبدو فى كلمات وإشارات وحركات بعض حضرات النواب المحترمين، وكنا -نحن المشاهدين- مقيدين بلائحة المجلس، فلا نظهر استحسانا ولا غير استحسان، وذلك ما دعانى إلى أن أتناول هذا الموضوع فى هذه الكلمات، وإلى أن أتقدم بها إلى مجلس النواب المصرى الموقر.

فأما أن هذا التفريق والفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم، أصل من أصول الحياة الحديثة فى أوروبا أمر لا نخالف الدكتور طه ولا غير الدكتور طه فيه ولا ندعى غيره، بل نستطيع أن نقول أيضا: إن أوروبا استفادت من هذا التفريق والفصل أجزل الفوائد ولعلها ما كانت تستطيع النهوض بغير هذا.

وأما أننا نقلنا بعض هذه الأفكار من أوروبا، وتأثرنا بها إلى حد كبير أو صغير، وجرت عليها سياستنا العملية فى كثير من مظاهر حياتنا فأمر لا نخالف فيه كذلك وسببه واضح بيِّن هو أننا أسلمنا قيادنا أو أسلمتنا الحوادث -بعبارة أدق- إلى ساسة أوروبين، ومعلمين أوروبين، ومشرعين أوروبيين، فصاغونا كما يريدون وكما يعلمون، واصطبغت سياستنا العملية فى معظم شئوننا بهذه الصبغة الأوروبية، وأذكر أن أحد إخواننا أراد بناء مسجد، فدعا مقاولا أوروبيا وترك له الحرية فى بناء المسجد، ووضع رسمه التصميمى فجاء كنيسة طبق الأصل فى مختلف أوضاعه، حتى إنه جعل موضع القبلة إلى جهة المشرق أيضا لولا أن تداركنا الأمر، ونبهنا الرجل إلى خطئه قبل أن يمضى فيه إلى النهاية فأصلح ما أمكن إصلاحه، وظلت فى المسجد إلى الآن آثار المعابد المسيحية، وكان عذر المقاول أمامنا واضحا إذ قال: إننى لا أستطيع أن أفهم فى المعبد إلا هذا الوضع. وما أذكر هذه القصة على أنها مثال بل هى حقيقة وقعت فعلا وهى تنطبق على ما نحن فيه تمام الانطباق، فنحن لا نخالف الدكتور طه ولا غيره فى أن حياتنا العملية فى كثير من مظاهرها العامة والخاصة قد انحرفت إلى معنى أوروبى بفعل الحوادث المتعاقبة طول هذه السنين الطويلة، وهذا الانحراف نفسه الذى يتخذه الدكتور -ومن نحا نحوه- حجة على وجوب رضانا بأوروبا والاندفاع فى تقليدها فيما بقى لنا من مظاهر الحياة هو نفسه الذى يدفعنا نحن إلى تحذير الأمة من التقليد، وإلى وجوب رجوعها إلى تعاليم الإسلام، وعرض هذه الحضارة الأوروبية عليها فما وافقها قبلناه وما خالفها رفضناه، ونحن لم نجن بعد من هذا التقليد الخاطئ إلا الصعاب والعلقم واضطراب الحياة فى كل ناحية من نواحيها.

ولكن الذى نخالف فيه الدكتور طه وغير الدكتور طه ممن يؤمن بفكرته هذه: ادعاء أن هذا التفريق بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم نافع لنا متفق مع تعاليم ديننا. هذه دعوى ينقصها الدليل النظرى والدليل التاريخى، وتتنافى تمام التنافى مع مصلحتنا ومع مقومات نهضتنا، والذى يريد أن يجرد الإسلام عن معناه السياسى وعن معناه القومى وعن معناه الثقافى يريد بمعنى آخر ألا يكون هناك شىء اسمه الإسلام تؤمن به هذه الأمة وتدين بها، وهو عند نفسه وعند الناس يخدع هذه الأمة ويخاتلها، ويعدل بها عن الإسلام الحق إلى إسلام من عند نفسه لا يتصل إلى الإسلام الصحيح بسبب، وإنما هو فى الحقيقة مسيحية سماها هو الإسلام.

إن أوروبا يا حضرات السادة المحترمين حينما فصلت بين السياسة والدين، وبين السياسة والقومية، وبين السياسة والعلم كانت مدفوعة إلى ذلك بعوامل قهرية ضرورية:

فالدين الذى كان يسودها وتؤمن به شعوبها خال تماما من التشريعات العملية والمعانى السياسية، وهو وصايا روحية محدودة فى الكتب المقدسة، وطقوس كهنوتية بين جدران الهياكل والمعابد.

والرجال الذين كانوا يمثلون هذا الدين كانوا شجا فى حلق الدولة والعلماء بما لهم من سلطان مطلق أكسبتهم إياه هذه التعاليم. وتاريخ أوروبا القديم والمتوسط سلسلة نزاع بين الأمراء والبابوات من جهة، وبين العلماء والكنيسة من جهة أخرى، بل تعد الأمر فى هذا النضال إلى الشعوب نفسها فكان النضال كثيرا ما يكون بين الشعب بأسره وبين الكنيسة.

هذه الأمور الثلاثة: طبيعة الدين الأوروبى. هيمنة رجاله على الدولة والعلم: والنضال الطويل بين نواحى الجهات الأوروبية المختلفة. كل ذلك دعا أوروبا إلى أن تفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم.

فهل هذه المعانى تنطبق على الإسلام الحنيف؟ 

أحب أن يفكر السادة الباحثون فى الجواب على هذا السؤال بإنصاف وهم سيقولون بعد ذلك بملء الفم: لا ثم لا.

إن طبيعة الإسلام ليست طبيعة روحية بحتة، فهو دين روحى وعملى معا، وهو لم يحصر نفسه فى حدود المساجد والمعابد ولم يحفل بالطقوس والمظاهر، وإن الدين الذى يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (ابنوا مساجدكم جما). أى: غير مزينة ولا مزخرفة ولا مبالغة فى بنائها ورفعها. (وابنوا مدائنكم مشرفة). أى: محصنة مسورة مجهزة بأدوات الدفاع وما إليها. رواه ابن أبى شيبة وهو حديث حسن.

إن الدين الذى يجعل هذا من شعاره لعظيم العناية بشئون الدنيا ومصالح الناس فيها، كما يعنى تماما بصلاح الروح والآخرة وشعار الإسلام دائما: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[القصص: 77].

وسأبين موقف الإسلام من هذه الأمور الثلاثة: الدولة، والقومية، والعلم، بالتفصيل -إن شاء الله تعالى- فى كلمات تاليات، وحسبى أن أقول الآن: إنها من أعظم أركانه، وأثبت قواعده وأظهر تعاليمه وشعائره، فأين هذا من بعد الدين الأوروبى عن مظاهر الحياة العامة؛ وأن رجال الإسلام فى كل عصر من عصوره إلى الآن لم يدعوا لأنفسهم سلطة أكثر مما يؤهلهم له علمهم بهذا الدين وصلتهم به، ولم ينازعوا الأمر أهله بعضا من الأيام، ولم يعرف عنهم إلا إنكار المنكر حين يشيع، وتشجيع المعروف حين يظهر، والوقوف عند حدود الله، وإذا كان شعار الرسول الأعظم  صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف: 110] إلى جانب قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ﴾[الأعراف: 188] إلى جانب قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا*إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾[الجن: 22-23] فأين هذا من سلطان "الإكليروس" فى أوروبا وما ادعوه لأنفسهم من سلطان على قلوب الناس وإيمان الناس وحياة الناس الدنيوية والأخروية؟

وتبعا لهذا كان تاريخ الإسلام مع الدولة ومع القومية ومع العلم صفحات مجيدة من التعاون والتآزر والسلام.

فكيف يقال بعد ذلك أن هذا الأصل الذى سارت عليه أوروبا من فصل سياستها وعلومها وقوميتها عن الدين يجب أن يطبق عندنا ويجب أن نتلقاه على أنه أصل صالح لنا؟!

يا حضرات السادة المحترمين:

علم الله أننا لا نريد لهذا البلد ومن ورائه الشعوب الإسلامية عامة إلا الخير كل الخير، ولو كان فى ذلك ذهاب أرواحنا، وتقطير دمائنا، وفناء أموالنا وأبنائنا، بل إن ذلك هو أسعد أوقات حياتنا يوم تعتز هذه الأوطان الحبيبة ونكون نحن فداء لهذه العزة لو صلحنا لها فداء، ولكنا نريد أن نتفق على أصل صالح للنهوض، ونريد أن نحدد الهدف معا حتى لا نختلف ولا نضل، ونريد أن نتبع الهدى الواضح والنور اللائح حتى لا نفشل ونقاسى مر الآلام ولا ينفعنا فى ذلك إلا العودة إلى هدى الإسلام.

ألستم مسلمين أيها الناس؟ ألا ترضون الإسلام حكما؟ نحب أن تكونوا صرحاء، فإن كنتم آمنتم بهذه الأصول فى حياة أوروبا على أنها حقائق لا تقبل النقض فاعلموا أنها لا تتفق مع الإسلام، وأنكم بذلك تصطدمون بإسلامكم، فكونوا شجعانا وكونوا صرحاء فى إعلان الخروج على تعاليم الإسلام حتى لا تخدعوا أنفسكم وتخدعوا الناس.

وإن كنتم آمنتم بالإسلام على أنه حق ثابت، فنحن نرضى أن نتحاكم جميعا إليه ونتوجه إلى ما يوجهنا نحوه، وحينئذ فسنلتقى وسنتفق، وستعلمون أن الدولة وأن القومية وأن العلم من أركان الإسلام(3).

 

لماذا يشترك الإخوان

فى انتخابات مجلس النواب

قرر المؤتمر السادس للإخوان المسلمين المنعقد بالقاهرة فى ذى الحجة 1361 أن يشترك الإخوان المسلمون فى الانتخابات النيابية، وأخذ مكتب الإرشاد العام بهذا القرار وقدم بعض الإخوان فى الانتخابات الماضية، وقرر الأخذ بهذا القرار كذلك فى الانتخابات المزمع إجراؤها بعد حل مجلس النواب القائم.

وتساءل بعض الناس لماذا يشترك الإخوان المسلمون فى الانتخابات؟

والإخوان المسلمون كما عرف الناس وكما أعلنوا عن أنفسهم مرارا جمعية للخدمة العامة ودعوة إصلاحية تجديدية تقوم على قواعد الإسلام وتعاليمه، فأما أنهم جمعية للخدمة العامة فذلك هو الواضح من ممارستهم فى شعبهم لأنواع هذه الخدمة من ثقافة وبر وإحسان ورياضة وإصلاح بين الناس وإقامة للمنشآت ما بين مساجد ومعاهد ومشافى وملاجئ فى حدود طاقتهم ومقدرتهم، وأما أنهم دعوة إصلاحية فذلك أن لب فكرتهم وصميمها أن يعود المجتمع المصرى والمجتمعات الإسلامية كلها إلى تعاليم الإسلام وقواعده التى وضعها فى كل شئون الحياة العملية للناس، ومن البدهى الذى لا يحتاج إلى بيان أن الإسلام ليس دين عقيدة وعبادة فقط ولكن دين عقيدة وعبادة وعمل تصطبغ به الحياة فى كل مناحيها الرسمية والشعبية.

أولئك هم الإخوان المسلمون، جمعية، ودعوة، والدعوة لب فكرتهم وثمرة جهادهم والهدف السامى لكفاحهم الطويل من قبل ومن بعد.

وعماد الدعوة لتنجح وتظهر، تبليغ واضح دائم يقرع بها أسماع الناس ويصل بها إلى قلوبهم وألبابهم، وتلك مرحلة يظن الإخوان المسلمون أنهم وصلوا بهم فى المحيط الشعبى إلى حد من النجاح ملموس مشهود، وبقى عليهم بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمى، وأقرب طريق إليه "منبر البرلمان". فكان لزاما على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر؛ لتعلو من فوقه كلمة دعوتهم، وتصل إلى آذان ممثلى الأمة فى هذا النطاق الرسمى المحدود بعد أن انتشرت فوصلت إلى الأمة نفسها فى نطاقها الشعبى العام؛ ولهذا قرر مكتب الإرشاد العام أن يشترك الإخوان فى انتخابات مجلس النواب.

وإذن فهو موقف طبيعيى لا غبار عليه فليس منبر البرلمان وقفا على أصوات دعاة السياسة الحزبية على اختلاف ألوانها، ولكنه منبر الأمة تسمع من فوقه كل فكرة صالحة ويصدر عنه كل توجيه سليم يعبر عن رغبات الشعب أو يؤدى إلى توجيهه توجيها صالحا نافعا.

وسيفيد الإخوان من هذه الخطوة فوائد جليلة.

سيفيدون على أسوأ الفروض انتهاز هذه الفرصة لنشر الدعوة فى هذا المحيط الذى تعترك فيه الفكر وتشتجر فيه الآراء وما كان لدعوة الحق الكريم أن يخفت صوتها فى وقت تعلو فيه كل الأصوات ويختلط فيه الحابل بالنابل, ولا قيام للباطل إلا فى غفلة الحق.

وسيفيدون بعد ذلك أن يفهم الناس أن دعوتهم لا تقف عند حدود الوعظ والخطابة، ولكنها تحاول أن تشق طريقها إلى المنابر والمجتمعات الرسمية، وأن على المؤمنين بهذه الدعوة أن يهيئوا أنفسهم لهذا الميدان، وأن يستعدوا لخوض غماره.

وسيفيدون إرشاد الناس إلى هذا المظهر الكريم من مظاهر التنافس الفاضل الشريف فى هذا الميدان. ستقوم دعاية الإخوان على المبادئ والأهداف. وسيرى الناس أمامهم لونا فريدا جديدا من ألوان الدعاية الانتخابية البريئة المطهرة تستمد من قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات: 11] هذه فوائد مقطوع بها مهما كانت النتيجة الانتخابية، وسيفيد الإخوان بعد ذلك – إذا قدر لهم النجاح- وهو المأمول إن شاء الله هذه الصفة الرسمية لدعوتهم، وهذا التسجيل الرسمى لنجاحهم فى وصولها إلى آذان الشعب ومداركه، وسيرى كثير من الناس فى هذا النجاح بوادر الأمل القوى فى نهضة جديدة وحياة جديدة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، سيخوض الإخوان هذه المعركة وعمادهم تأييد الله إياهم، ودعايتهم فكرتهم التى اختلطت بصميم نفوسهم وأرواحهم، وعدتهم إيمان أنصارهم بأحقية الفكرة بأن تقود الأمة وتهدى الناس سواء السبيل.

ويتساءل فريق من الناس فيقولون: أليس معنى هذا الاشتراك أن الإخوان سيخرجون من حيزهم الدينى إلى حيز سياسى فيصبحون هيئة سياسية بعد أن كانوا هيئة دينية؟! ونقول لهؤلاء: إن الإسلام لا يعترف بهذا التفريق بين الأوضاع فى حياة الأمة الواحدة، فالهيئة الدينية الإسلامية مطالبة بأن تعلن رأى الإسلام فى كل مناحى الحياة، والطريق البرلمانى هو أقرب الطرق، وأفضلها لهذا الإعلان، ولا يخرجها هذا عن صفتها، ولا يلونها بغير لونها.

وتقول طائفة ثالثة: أليس هذا التنافس مما يكسب الإخوان أعداء ومنافسين، والدعوة أحوج ما تكون إلى مصادقة الجميع وتأييد الجميع؟ وذلك كلام طيب جميل، ونحن أحرص ما نكون على أن تظفر الدعوة بهذا الموضع من القلوب، وستكون المعركة الانتخابية الإخوانية معركة مثالية فى البعد عن المثالب الشخصية أو إثارة الأحقاد والحزازات، فإذا فهم الناس هذا المعنى وبادلونا إياه فسندخل أصدقاء ونخرج أصدقاء، وإذا لم يفهموه ولم يقدروه فهم الملومون وليست الدعوة ولا أصحاب الدعوة بمكلفين بأن يتجنبوا طرائق نجاحها خشية الناس، والله أحق أن نخشاه، وأية دعوة فى الدنيا نريد ألا يكون لها منافسون وخصوم؟ وحسب الدعوة وأصحاب الدعوة شرفا ألا يخاصموا الناس فى الباطل، بل فى الحق، وأن يحاربوا بأنظف الأسلحة وأنبل الوسائل.

ويوجه بعض المتسائلين سؤالا جميلا فيقولون: وماذا تصنعون فى اليمين الدستورية إذا نجحتم وفيها النص على احترام الدستور، وأنتم معشر الإخوان تهتفون من كل قلوبكم القرآن دستورنا؟ والجواب على ذلك واضح مستبين فالدستور المصرى بروحه وأهدافه العامة من حيث الشورى وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات لا يتناقض مع القرآن، ولا يصطدم بقواعده وتعاليمه، وبخاصة وقد نص فيه على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام، وإذا كان فيه من المواد ما يحتاج إلى تعديل أو نضوج فقد نص الدستور نفسه على أن ذلك التعديل والنضوج من حق النواب بطريقة قانونية مرسومة، وتكون النيابة البرلمانية حينئذ هى الوسيلة المثلى لتحقيق هتاف الإخوان.

وبعد: فقد اختار مكتب الإرشاد العام هذا القرار، واتخذه بعد أن درس الموضوع من كل وجوهه، وهو مع ذلك يرقب سير الأمور عن كثب، وسيرسم الإخوان طريق اشتراكهم فى هذه الانتخابات على ضوء ما يسرى من ظروف وملابسات، وسيكون رائده فى ذلك الحكمة التامة ومراعاة الظروف العامة والخاصة، وأن يكتسب للدعوة أعظم الفوائد بأقل التضحيات.

والأمور بيد الله.

وهو حسبنا ونعم الوكيل(4).

 

دين وسياسة

أتصور ما جاء به هذا الإسلام دائما كقلعة ضخمة شامخة تقوم على أربع قواعد ثابتة يحيط بها ويحميها سوران عظيمان: 

فالقاعدة الأولى: العقيدة السليمة الصافية فى الله وفى اليوم الآخر وفى هذا العالم الربانى العجيب الذى تنكشف عجائبه وتظهر غرائبه كلما صفت النفوس وأشرقت الأرواح والأفئدة وأطال الناس التأمل والنظر فيما حولهم من السماوات والأرض.

والقاعدة الثانية: التعبد الصحيح لله العلى الكبير فى إخلاص وخشوع وخشية، من فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، وما أمر الله الناس إلا بما فيه الخير لهم، وما نهاهم إلا فيما يجلب الضرر عليهم ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾[البينة: 5].

وتفصيل الكلام فى هاتين القاعدتين وما يتصل بهما يطول. ولعلنا نلم به فى موضع آخر، ولكنا الآن إنما نعرض هذا الهيكل للقلعة الإسلامية عرضا سريعا، ونلقى عليه نظرة موجزة لنتبين حدوده واتجاهاته، ولنا بعد ذلك نظرات فى مداخله وتفصيلاته، فلننتقل إلى القاعدة الثالثة: وهى الوحدة الكاملة، فالأمة الإسلامية فى نظر الإسلام أمة واحدة جمعت بينها أخوة العقيدة ووحدة الفكرة والوجهة، تتجه إلى قبلة واحدة وتتكاتف للوصول إلى غاية واحدة، وأخوتها قاعدة من قواعد دينها وكثيرا ما يعبر القرآن عن الوحدة بكلمة الإيمان وعن الفرقة بكلمة الكفر، وقد حصر معنى الإيمان فى الأخوة فى إحدى الآيات الكريمة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[الحجرات: 10] وحذر هؤلاء المؤمنين عواقب الخلاف والفرقة فقال: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[الأنفال: 46] كما أوصاهم وصية مؤكدة بالمحافظة على نعمة هذه الأخوة فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾[آل عمران: 103].

وليس معنى هذا أن الإسلام يصادر حرية الفكر أو يقتل فى أتباعه استقلال الرأى أو يجعلهم على معنى من الجمود والانقياد الأعمى، أو يحرمهم نعمة النظر والشورى، لا شىء من هذا، وهو الشريعة التى أطلقت العقول من أسرها وأعلت من قدرها، ووزنت الناس بميزانها، وأباحت لكل إنسان أن يجهر بالرأى، ويصدع بالحق، وجعلت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ركنا من أركانها، وأوجبت النصيحة على كل مؤمن لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم وجعلتها الدين كله، إذ يقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة"، وشجعت على النظر والاجتهاد حتى جعلت للمجتهد المخطئ متى سلمت غايته وحسنت نيته أجرا ومثوبة، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد.

وإنما معناه أن يفكر الناس ما شاء لهم الفكر، وأن يفسحوا ما أرادوا فى مجال النظر، وأن يقول كل إنسان ما يريد، على أن ينتهى ذلك كله إلى أهل الحل والعقد من الأمة وإلى الحاكم المسئول، وهو مطالب بأن ينظر فى ذلك كله، وأن يأخذ بما فيه مصلحة الأمة منه، ويحاسب بعد ذلك على نتائج اختياره فإن أحسن فلنفسه وللناس، وإن أساء تحمل نتيجة إساءته، ودفع ثمن خطئه، وحاسبه أهل الحل والعقد ومن ورائهم جميع الشعب على عمله.

ذلك هو الوضع الصحيح للأمة الإسلامية، أن تكون وحدتها كاملة ولا يمنع ذلك من أن تقوم فيها معارضة صحيحة نزيهة تمحص كل شىء وتكشف عن وجه الحق فى كل شىء, أما أن يكون الأساس فى الوضع الاجتماعى أن تكون الأمة معسكرين أو معسكرات أكبر همها أن يكون الحكم دولة فيما بينها، وأن يغيب بعضها بعضا بعضا بالحق وبالباطل لتصل بذلك إلى بغيتها فهذا ما تأباه الوحدة التى افترضها الإسلام للأمة التى تدين به، وتؤمن بتعاليمه ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾[المؤمنون: 52].

والقاعدة الرابعة؛ التى يقوم عليها بهاء الإسلام، الأحكام العادلة، فإن الإسلام جاء شريعة عملية إلى جانب أنه عقيدة وعبادة وأخوة، ونظر إلى النفوس نظرة واقعية وعرف أن منها من لا يمكن أن يؤثر فيه الواعظ وحده، ولا أن يهتدى بالإرشاد المجرد فوضع أحكاما تطارد الجريمة، وتقطع دابر المنكر، وتحفظ على الناس ما يحرصون عليه من الدماء والأموال والأعراض، وأعلن حرمه ذلك كله فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وقد لاحظ المشرع الإسلامى العوامل النفسانية والاجتماعية إلى جانب المبادئ التشريعية المجردة، فلم يجعل العقوبة مجرد تأديب أو انتقام، ولكنه لاحظ فيها أن تكون تربية وزجرا ووقاية للفرد والمجتمع، كما أنه كذلك لم يتورط فى الجزئيات التى تختلف باختلاف الأشخاص والأعصار والأماكن، بل ترك فى ذلك سعة كاملة للتطبيق والظروف والحوادث، ويرحم الله الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز إذ يقول: "وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" كما أنه لاحظ كذلك عوامل الرحمة، برًّا بالإنسانية، كما لاحظ عوامل الزجر حفظا لكيان الجماعة فقال: "ادرءوا الحدود بالشبهات" وكان تشريع الإسلام فى هذا كله معجزا حقا، وبديعا حقا ولا يحجب الناس عن ملاحظة هذا الإبداع والإعجاز إلا الدعايات السيئة والأفكار البالية التى أحاطت بهذه المعانى بفعل الذين لا يعرفونها، وسيأتى اليوم الذى تزول فيه هذه الحجب والغشاوات ويعلم الناس أى كنوز أغفلوا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[النساء: 83].

هذه هى القواعد الأربع الأساسية التى قام عليها هيكل القلعة الإسلامية فى السورين: أما السور الأول, فهو الحكومة، فالحكومة سياج الإسلام والحكم جزء منه، والإسلام يفترض الحكومة دائما ولا يقر بالفوضى ويقول الرسول  صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه "إذا نزلت ببلدة وليس فيه سلطان فارحل عنه فإن السلطان ظل الله فى الأرض" وقد جعل الإسلام الحنيف التعاليم والمبادئ التى جاء بها، والأمة التى تؤمن به وتدين الله عليه وديعة فى يد الحاكم، هو مسئول عنها بين يدى الله والناس، كما جعل من الأمة رقيبا عليه، ينصحه ويسدده ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وقد فصل الإسلام حقوق الحاكم وواجباته وشروطه وما يتصل بالمحكومين من ذلك كله فى بيان رائع مستفيض.

وليست هناك سلطة فى الإسلام غير سلطة الدولة تحمى تعاليم الإسلام، وتقود أمته إلى خير الدين والدنيا معا، ولا يعرف الإسلام ما ظهر فى أوربا بعد ذلك من تنازع السلطة الروحية والزمنية ومن خلاف بين الدولة والكنيسة، كل هذه أوضاع جديدة على الإسلام وأممه، والدولة فيه هى المسئولة عن الأمة والنظام معا.

وأما السور الثاني, فهو الجيش الذى يحمى الدولة، ويسد الثغور، ويرابط على الحدود، ويصون استقلال الأمة، ويدفع عنها عدوان المعتدين.

وليس الجيش فى الإسلام لبغى أو عدوان، ولكنه لحماية ودفاع وإعزاز، والقرآن يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[البقرة: 190]، كما يقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾[الحج: 39].

ومن هنا كان الجهاد ركنا من أركان الإسلام، بل لعله أعلاها وأقواها، وكان على كل مسلم أن يكون مجاهدا من أول يوم يتذوق فيه حلاوة الدين: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾[التوبة: 111] ويقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم "من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية".

علم الذين يتربصون بالإسلام وأممه الدوائر هذه المعانى جميعا، ولعلهم أدركوها بأوضح مما أدركها المسلمون أنفسهم فى عصورهم المتأخرة، فألحوا على هذه الأمم بالغزو المادى حتى حطموا جيوشها فتحطم السور الأول، وتدخلوا فى حكوماتها وقيدوها فى تصرفاتها فحطموا السور الثانى، وانكشفت أمامهم القلعة، فألحوا على القاعدة الرابعة قاعدة الأحكام حتى بدلوها، وألحوا على القاعدة الثانية قاعدة الأخوة حتى مزقوها، وعبثوا بالقاعدتين العبادية والتعبدية بكتبهم وآرائهم ومدارسهم ومناحى ثقافتهم حتى زلزلوا أصولهما فى النفوس الضعيفة والقلوب التى لم تتحصن بالمعرفة الصحيحة، ولكن القلعة بعد هذا ظلت شامخة البنيان ثابتة الأركان: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾[الحجر: 9] ولا زال فيها بقية من حاميتها المؤمنة القوية تفسر قول القرآن الكريم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾[المائدة: 54] وعلى أيديهم النصر وبهم الفتح إن شاء الله رب العالمين.

ولقد قام الإخوان المسلمون فى ساحة هذه الأمة الإسلامية ينادون: أيها المسلمون، تعالوا إلى كلمة سواء، هذه القلعة لنا ولكم، وهذه أعلام قواعدها واضحة بينة، فإلى العقيدة نصححها، وإلى العبادة نتعاون عليها، وإلى الوحدة نرفعها، وإلى الأحكام نقيمها وإلى الحكم لنصلح فساده، وإلى الجيش حتى لا يقال: إنكم ضعفاء عن حماية أنفسكم والمحافظة على مصالحكم ومصالح الناس.

وسمع أقوام هذا النداء فقالوا: هؤلاء دعاة الدين فما لهم وللسياسة، ونسألهم نحن بدورنا هذا الذى تقرءون الآن, أدين هو أم سياسة؟

 ولله عاقبة الأمور(5).

 

معركة المصحف

بيننا وبين الناس كتاب الله

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾]النساء: 174[.

﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾]المائدة: 15-16[.

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾]إبراهيم: 1-2[.

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾]النحل: 44[.

﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾]الفرقان: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾]المائدة: 67[.

قيل: وما معركة المصحف؟

والجواب: إنها معركة وضع القواعد والحدود, وبيان المميزات والفروق, بين الذين آمنوا بالمصحف إيمانًا حقيقيًّا, فجرت به ألسنتهم غضًّا طريًّا, وانشرحت له صدورهم نورًا ربانيًّا, وآمنت به قلوبهم إيمانًا عميقًا, وفقهت أحكامه عقولهم فقهًا دقيقًا, فطبقوه فى حياتهم الخاصة تطبيقًا كاملاً, وطالبوا به فى حياتهم العامة مثلاً عليا، ونظامًا شاملاً، وبين الذين لم يسعدوا بعد بالانتساب إلى هذا الكتاب، أو انتسبوا إليه، ثم رضوا بمجرد الانتساب إما غفلة أو تبرمًا به، أو رضًا عن غيره, أو خديعة بأعدائه, أو ألفة لسواه, أو خوفًا وخشية للذين لا يؤمنون بالله ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾]المائدة: 52[.

والجواب: إنها بين الإخوان المسلمين الذين رأوا منذ عشرين سنة انحراف العالم كله عن جادة الصواب, وضلاله فى مسالك النظم الاجتماعية الفاسدة, وإهماله لهذا النظام الربانى الكريم والصراط المستقيم, كما رأوا كذلك نسيان أهل القرآن أنفسهم والمنتسبين إليه من أبناء الأمة الإسلامية لما فيه من روائع الحكم والأحكام, وكمال القواعد والأصول, ودقة الفروع, وحسن النظام ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾]إبراهيم: 24-25[, وانصرافهم عنه إلى مبادئ ودعوات لم يعرفوها, ونظم وأحكام لم يألفوها, جرت عليهم الخيبة والفساد فى الدنيا, وسيكون جزاؤهم الندم والعذاب فى الآخرة, فقاموا من هذا التاريخ يهتفون: "القرآن دستورنا"، ويطالبون فى إلحاح بأن يكون للقرآن أمته الواعية, ودولته العاملة, تنفذه الأولى, وتحققه وتحميه الثانية وتنشره, ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾]البقرة: 193[.

المعركة بين هؤلاء وبين أولئك الصنفين: الذين لا يؤمنون به على اختلاف أممهم ودولهم وعقائدهم ليؤمنوا, والذين آمنوا به على اختلاف طوائفهم وهيئاتهم وأحزابهم ومذاهبهم ليتذكروا ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾]ق: 45[.

وقيل: وعلى أى أساس تدور؟

والجواب: إنها تدور بالحكمة والموعظة الحسنة, والبيان الصريح الكافي, والدعوة الواضحة المشرقة على أساس النصوص القرآنية المحكمة القاطعة التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾]فصلت: 42[.

ولن تدع الخصوم يفلتون من ثنايا وجوه التأويل والتفسير, أو يفرون من أبواب النقاش والجدل العقيم, بل سنوقفهم أمام النص المحكم وجهًا لوجه, فلا يستطيعون منه فرارًا أو إفلاتًا, فإما عناد أو تسليم ﴿ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾]الأنفال: 42[.

قيل: وما النتيجة المرجوة من ذلك؟

والجواب: هو التميز أولاً, فلابد أن يمتاز أهل الحق من أهل الباطل, وحينئذ يزداد الذين آمنوا إيمانًا بعد وضوح حجتهم, وبيان محجتهم, ويتعثر أهل الرجس فى رجسهم, ويشعرون بمرض القلب, وظلمة النفس, وفداحة الجرم, وحرارة الإثم, لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرًا, وما طال عمر الباطل إلا حين يمتزج به ستار من الحق, أو يمتزج هو بعناصر من الحق, وما فقد بالحق شىء كاختلاطه بطرف من الباطل ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾]الفتح: 25[.

ورحم الله القائل: ميزنا يا خالد, وحين يتم هذا التميز فى الموازين والقواعد, ثم فى النفوس والمشاعر, ثم فى الأعمال والتصرفات, تحددت بفعاله الحقوق والواجبات, وانتصر أهل الحق بحقهم، وتفرق أهل الباطل عن باطلهم, وكانت العاقبة للمتقين, والنصر للمؤمنين, ويومئذ يفرح المؤمنون بنصره, ينصر من يشاء, وهو العزيز الرحيم(6).

 

معركة المصحف

أين حكم الله؟

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[النساء: 10]

﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 49-50]

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[النور: 51].

الإسلام دين ودولة ما فى ذلك شك.

ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية وكلت حمايتها ونشرها، والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها، وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة أى إلى الحاكم الذى يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم. وإذا قصر الحاكم فى حماية هذه الأحكام لم يعد حاكما إسلاميا، وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هى الأخرى أمة إسلامية، مهما ادعت ذلك بلسانها، وإن من شرائط الحاكم المسلم أن يكون فى نفسه متمسكا بفرائض الإسلام بعيدا عن محارم الله غير مرتكب للكبائر، وهذا وحده لا يكفى فى اعتباره حاكما مسلما حتى تكون شرائع دولته ملزمة إياه بحماية أحكام الإسلام بين المسلمين، ملزمة إياه كذلك بتبليغها لغير المسلمين، وتحديد موقف الدولة منهم بناء على موقفهم هم من دعوة الإسلام.

هذا الكلام لا نقاش فيه ولا جدل، وهو ما تفرضه هذه الآيات المحكمة من كتاب الله، ولقد كانت آيات النور صريحة كل الصراحة واضحة كل الوضوح فى الرد على الذى يتهربون من الحكم بما أنزل الله وإخراجهم من زمرة المؤمنين فالله تبارك وتعالى يقول فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ*وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ*وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ*أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[النور: 47-51] كما جاءت آيات المائدة تصف المهملين لأحكام الله بالكفر والظلم والفسق فتقول ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون- الظالمون- الفاسقون﴾ ثم تقول ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 50].

ولا يكفى فى تحقيق الحكم بما أنزل الله أن تعلن الدولة فى دستورها أنها دولة مسلمة، وأن دينها الرسمى الإسلام أو أن تحكم بأحكام الله فى الأحوال الشخصية وتحكم بما يصطدم بأحكام الله فى الدماء والأموال والأعراض، أو يقول رجال الحكم فيها: إنهم مسلمون سواء أكانت أعمالهم الشخصية توافق هذا القول أم تخالفه. لا يكفى هذا بحال ولكن المقصود بحكم الله فى الدولة أن تكون دولة دعوة، وأن يستغرق هذا الشعور الحاكمين مهما علت درجاتهم والمحكومين مهما تنوعت أعمالهم، وأن يكون هذا المظهر صبغة ثابتة للدولة توصف بها بين الناس، وتعرف بها فى المجامع الدولية، وتصدر عنها فى كل التصرفات، وترتبط بمقتضياتها فى القول والعمل.

فى العالم دولة اسمها الاتحاد السوفيتى لها مبدأ معروف ولون معروف ومذهب معروف نحن لا نأخذ به ولا ندعو إليه، ولكنا نقول: إن هذه الدولة عرفت بلونها هذا بين الناس وفى المجامع الدولية، وهى ترتبط بمقتضياته فى كل تصرفاتها وأقوالها وأعمالها، وقد أرادت إنجلترا وأمريكا تقليدها فادعتا أنها تصطبغان بالدعوة إلى شىء اسمه الديمقراطية وإن اختلف مدلوله بمختلف المصالح والمطامع والظروف والحوادث.

فلماذا لا تكون مصر وهى دولة مستقلة ذات سيادة معروفة فى المجامع الدولية بتمسكها بهذه الصبغة الإسلامية وحرصها عليها ودعوتها فيها وارتباطها بها فى كل قول أو عمل. ذلك هو أساس الحكم بما أنزل الله ومتى وجد هذا المعنى وارتبطت الدولة بهذا الاعتبار واصطبغت بهذه الصبغة فستكون النتيجة ولاشك تمسك الحاكمين بفرائض الإسلام واتصافهم بآدابه وكمالاته ثم صدور كل التشريعات وخضوع كل النظم الاجتماعية فى الدولة لتوجيهاته وأحكامه فيتحقق حكم الله فرديا واجتماعيا ودوليا وهو المطلوب.

أين نحن من هذا كله؟

الحق أننا لسنا منه فى شىء وكل حظنا منه نص المادة 149 من الدستور، ثم ما بقى فى نفوس هذا الشعب من مشاعر وعواطف وتقدير وأعمال وعبادات أما الحكومة والدولة ففى واد وحكم الله فى واد آخر.

يا دولة رئيس الحكومة، أنت المسئول بالأصالة.

ويا معالى وزير العدل، أنت المسئول بالاختصاص

ويا نواب الأمة وشيوخها، أنتم المسئولون باسم الشعب

ويا فضيلة شيخ الأزهر وأصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء، أنتم المسئولون باسم أمانة العلم والتبليغ التى أخذ الله عليكم ميثاقها.

ويا أيتها الأمة. أنت المسئولة عن الرضا بهذا الخروج عن حكم الله لأنك مصدر السلطات.

ففاصلى حكامك، وألزميهم النزول على حكم الله، وخوضى معهم معركة المصحف ولك النصر بإذن الله(7).

 

معركة المصحف

والقضاء والتشريع والمحكمة مِن حُكمِ الله!!

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65]

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 178-179]

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[المائدة: 38]

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[النور: 2]

توضع القوانين وتنشأ المحاكم وينصب القضاة لصون الحقوق فى الدماء والأموال والأعراض، وهى ما يحرص عليه الناس فى هذه الحياة ولتفصل بينهم فى كل خلاف يقع حول هذه الأمور الثلاثة التى تواضع المجتمع عليها من لدن وجد إلى الآن. على أن الاعتداء عليها تنكر وجريمة يجب أن تقاوم، وجاء الإسلام يؤكد هذا المعنى فيقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله".

فهل خَلا القرآن من أصول القواعد التشريعية التى تصون على الناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وتكشف لهم على طريقة الفصل فيما يقع بينهم حولها من خلاف؟ وهل خلت أيدى المسلمين وعقولهم وجماعتهم من الثروة الفقهية والتشريعية التى تفصل لهم فى وجوه الخلاف، وحرموا أئمة التشريع وأساتذة الحقوق والقوانين؟ وهل أقفرت حياتهم الاجتماعية فى أعصارهم التاريخية ودولهم الماضية من القضاء العادل والحكم المنظم والمحكمة التى كانت مصدر عدالة ومشرق نور وإنصاف وهداية؟

والجواب على ذلك من كتاب الله ومن ميراث هذه الأمة الضخم ومن تاريخها المجيد لا لبس فيه ولا غموض.

فقد وضع القرآن الكريم أصول قواعد المحافظة على الدماء والفصل فيها بآيات القصاص فى القتل والجراحات، ووضع أصول قواعد المحافظة على الأموال والفصل فيها بتحريم الربا، وفرض الزكاة وعقوبة السرقة وآداب التعامل ووضع أصول قواعد المحافظة على الأعراض؛ لسد أبواب الفتنة وذرائعها، وعقوبة القذف وحد الزنا وتقديس الزواج، وحاط ذلك بسياج من عقوبة المعتدين فى الأرض، وأشرك فى الزجر عامل الضمير وعقيدة الجزاء فى اليوم الآخر، فلم يدع زيادة لمستزيد وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.

وبين أيدى الدارسين والباحثين ثروة فقهية تشريعية ضخمة فخمة هى بقية مما ترك أولئك الأئمة الأعلام من رجالات الفقه الإسلامى الذين كانوا غرة فى جبين الدنيا، ونجوما زاهرة فى سماء العلم والمعرفة أمثال: أبى حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعى، وأحمد بن حنبل الشيبانى، والليث بن سعد المصرى، وداود الظاهرى وغيرهم من المئات بل الآلاف، كانوا آية الله فى الفطنة والذكاء وجودة البحث وصحة النظر ودقة الحكم وصدق الفراسة حتى ضربت بهم فى ذلك كل الأمثال.

وتاريخ الدول الإسلامية العظيمة حافل بالعدول من القضاة المحدثين ما كانوا يخشون فى الحق لومة لائم، وكان أحدهم يقضى على نفسه وعلى أقرب الناس إليه وعلى الأمير فى إمارته والملك فى عز سطوته لا تمنعه عظمة العظيم من أن يأخذ الحق منه لأصغر صغير.

وهذه الحقائق ثابتة واضحة لا يجادل فيهن إلا الكفور، فلماذا نعدل عنها ونرضى أن نكون عالة على غيرنا فى التقنين والتشريع وأصول التحاكم والقضاء؟ فاصلنا الله على هذا، ولن نكون مؤمنين إلا إذا رجعنا فى ذلك كله إلى حكم الله، وهل بعد هذه المصارحة من بيان ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65].

سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول: 

إننا لسنا مختارين فى هذا فقد غزتنا الحضارة الأوروبية بأوضاعها الاجتماعية فنقلنا عنها هذه القوانين، ولا نملك الآن أن نعدل عنها، وقد أصبحنا مقيدين باتفاقات دولية ومعاهدات سياسية وقانونية.

وماذا نصنع بغير المسلمين الذين يخالفوننا فى الدين وبالأجانب الذى ينزلون ديارنا ولا يشتركون معنا فى الجنسية؟

وكيف نطبق اليوم شريعة ألف عام أو يزيد بعد أن تطورت قواعد التشريع وأساليبه هذا التطور العجيب مع ما فى هذه الأحكام من قسوة وجحود؟

سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول هذا وسنرد عليه فى الكلمة الآتية بما يكفيه ويشفيه إن شاء الله ولكن قبل هذه الردود نريد أن نقف نحن وإياه أمام حقيقة الإيمان وجها لوجه فنقول له ولأمثاله نحن يا هذا نخاطب المؤمنين بهذا القرآن الكريم أولا فإن كنت منهم فهذا هو صريح القرآن الكريم لا تملك أنت ولا غيرك حولا عنه ولا بديلا منه، فاختر لنفسك، وخذ أو دع ولا ثالثة لها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب: 36] "صدق الله العظيم"(8).

 

معركة المصحف

والقضاء والتشريع والمحكمة مِن حُكمِ الله!!

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65]

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 178-179]

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[المائدة: 38]

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللهِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[النور: 2]

ذكرت فى الكلمة السابقة أن مقتضى الإيمان بالقرآن الكريم يفرض على كل مؤمن أن يسلم بما جاء فيه من أحكام، وإلا زال عنه وصف الإيمان، وهذا هو صريح الآيات من مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء: 65]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[النور: 36] ولنا بعد التسليم بأحكام الله تبارك وتعالى الواضحة الصريحة أن نبحث فى حكمها وأسرارها، وسيكشف لنا البحث الحر النزيه عن أن وراء كل حكم حكمة عالية وفائدة شاملة كاملة، فصدق قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾[الأعراف: 157]، أما أن نتوقف عن الأخذ بأحكام الله القاطعة حتى تظهر لنا حكمها وفوائدها، وذلك لا يستقيم مع مقتضى الإيمان بأن علم الله أوسع من علمنا واختياره لنا أفضل من اختيارنا لأنفسنا، ووعدت بعد ذلك بمناقشة الشبهات التى يثيرها بعض الناس حول ما جاء فى كتاب الله من أحكام وحدوده ومن ذلك قولهم: إن العرف العصرى والاتفاقات الدولية تحول بيننا وبين الرجوع إلى ما جاء فى القرآن من أحكام، وهذا القول منقوض بقرارات المجامع الدولية نفسها، ففى لاهاى وفى واشنطن ارتفع صوت المجتمعين بتزكية الشريعة الإسلامية، واعتبارها مصدرا مستقلا من مصادر التشريع صالحا للتطور والبقاء. وما مثلت مصر فى محكمة العدل الدولية بعضو قانونى، هو سعادة عبد الحميد بك بدوى، إلا بهذا الاعتبار. وهو أنها تستمد من شريعة مستقلة هى الشريعة الإسلامية، ولو قيل أنها تستمد تقنينها من إحدى الشرائع الأوروبية لأغنى عن تمثيلها العضو الذى يمثل الدولة ذات التشريع الأهلى، على أن العرف الدولى الآن قد تغير تغييرا كبيرا، وصار من المسلم به أن من حق كل شعب أن يفكر فى تنظيمه الداخلى كما يشاء، وتعديل الاتفاقيات والمعاهدات جائز فى كل الظروف والأوقات، فلو أردنا نحن إرادة صادقة لما وقف فى وجهنا أحد، ولكنا نحن الذين لا نريد، ونقيم فى وجه أنفسنا العقبات الثقال ونتوهمها توهما لا حقيقة له.

ويقولون أيضا: وماذا تفعلون مع غير المسلمين من المواطنين؟ والجواب حاضر سهل ميسور مقنع وهو أننا لا نقدم لهم هذه الأحكام على أنها دين يؤمنون به أو عقيدة جديدة تخالف ما يعتقدون، ولكنا نقدمه على أنه قانون اجتماعى تحارب به الجريمة التى حرمتها كل الأديان، ويحقق ما جاءت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية جميعا، ولا يصطدم مع نص من نصوصها، ولا يتعرض للمؤمنين بها فى عقيدة ولا عبادة ولا عمل من الأعمال، فهل يكره أحد الإصلاح الاجتماعى الذى يحقق فعلا ما يريده دينه، وما نص عليه كتابه لمجرد أنه ورد فى القرآن أو أوحى به الإسلام، ومن يكون المتعصب إذن فى هذه الحال؟.

أما الأجانب فنريد أن نسأل من يرون فى تطبيق هذه الأحكام صعوبة بالنسبة لهم، ماذا يطبق علينا الأجانب فى بلادهم من قوانين؟!..

فإن قالوا: يطبقون قوانينهم، قلنا: فلماذا لا نطبق عليهم نحن قوانيننا؟.. ولماذا لا نضع أنفسنا معهم على قدم المساواة، وما الذى يدعونا إلى أن نستشعر أننا أقل منهم وأضعف؟.. وإن قالوا: يطبقون قوانيننا، قلنا: فلنطبق عليهم قوانينهم، ويكون ذلك امتياز بامتياز، على أن الأمر الواقع أنهم يطبقون علينا قوانينهم ولا يعترضون إن طبقنا نحن عليهم قوانين البلاد، ولا يحتاج الأمر منا إلا أن نؤمن بتشريعنا أو أنفسنا.

ويقال: كيف نطبق شريعة مضى عليها ألف عام أو تزيد؟.. والجواب على هذا أن هذه الشريعة نفسها قد احتاطت لهذه الأغراض فلم تورط نفسها فى جزئيات الأمور، ولم تتحكم فيما يتجدد بتجدد الحوادث والأعصار، وجاءت على نسق جعلها أعظم الشرائع مرونة، وقبولا للتطور مع الأزمان، والصلاحية للحكم فى كل عصر ومكان، حتى أثر عن أئمتها الأجلاء قول بعضهم: "تحدث للناس أقضيتهم بقدر ما أحدثوا من الفجور، وما نص عليه فيها من عقوبات لا تتجاوز عدد أصابع اليد لجرائم أساسية وجدت مع الغريزة الإنسانية، ولا يمكن كبحها إلا بهذا الأسلوب من التشريع الحازم الجرىء، ومن قرأ كتب الفقه الإسلامية علم وصدق ما نقول وأدرك جلال ما فيه من مرونة ودقة وانفساح واتساع، وقابلية لكل الظروف والأحوال.

أما تهمة القسوة والشدة فى الحدود التى جعلت بعض الذين لا يعلمون يتطاول إلى وصفها بالوحشية والرجعية والهمجية إلى غير هذه الأوصاف فأمر مقصود لحكمة سابقة، ونظرة عالية يكشف اليوم عن جلالها وجمالها ودقتها وروعتها ما ذهب إليه المشرعون العصريون من أن العقاب علاج لا مجرد جزاء، وأنه يجب أن يساير طابع النفوس وغرائزها، ويصدر عن علم بخفاياها ودقائقها، والحدود الإسلامية مبنية على ذلك فى صورتها، فهى تبدو فى شكل من القسوة يرهب ويخيف حقا، ولكن لعدد محدود من الجرائم يتصل بالغرائز الإنسانية التى لابد لردعها وعلاجها من هذه الصورة من الدواء، حتى إذا وصل الأمر إلى يد القاضى، فهناك طرق الإثبات، وهناك ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، ولن تجد بعد ذلك تشريعا أرفق وأرحم، ولا أدق وأكرم من تشريع الإسلام وخذ مثلا لذلك: حد الزنا، وهو أقسى الحدود فى نظر الناس فهو جلد على ملأ من الناس أو رجم بالحجارة إلى الموت كيف يثبت؟ لا يمكن إلا بالشهادة بصورتها المعروفة، ولن تتوفر، أو بالإقرار ولا عذر لمن أقر، حتى إذا عرضت للقاضى أضيق ثغرة أو وقعت فى نفسه أدنى شبهة عدل عن الحد إلى ما دونه، وهو التعزير والتأديب بما يناسب من العقوبات، وبذلك تجمع هذه الحدود بين الصورة الرادعة والرحمة الوادعة ولن يستقيم ذلك بعد تشريع العليم الخبير، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.

فيأيها الذين يريدون الاستناد إلى الأوهام حسبكم، وعودوا إلى أحكام الله، ففيها الدواء والشفاء والحد من حدود الله يقام فى أرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا، والتبعة الأولى على الحكام.

وهى من بعدهم على العلماء والكتاب.

وهى أخيرا على الأئمة والهيئات والأحزاب.

وليس بعد النصيحة أو البيان إلا المفاصلة والجهاد، ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 105].

تعليق: كتب إلينا كثير من الإخوان بتأييدهم لما جاء فى هذه الكلمات استعدادا لمعركة المصحف، وقد لاحظوا فى كتبهم أن هذا الموضوع الحيوى الجليل سيذهب صداه ويضيع أثره إذا تابعناه فى الوقت الداوى بصيحات الجهاد الصاخب بأصوات المدافع وأزيز الطائرات، واقترحوا أن نرجئ أمر هذه المعركة حتى ننتهى من معركة الجهاد القائم فى فلسطين، وتركيزًا للجهود فى ناحية واحدة يهمنا جميعا أن ننتصر فيها أعظم انتصار، وترقبا لأنسب الأوقات، وهو كلام جميل وشعور طيب مشكور، وبما أن هذا التوجيه الذى نسير عليه الآن إنفاذ لقرار من قرارات الهيئة التأسيسية للإخوان، فإنى أعد هؤلاء الإخوان الكاتبين بأننى سأعرض مقترحاتهم هذه التى أقدرها حق قدرها على الهيئة فى اجتماعها غدا إن شاء الله، وأرجو أن يكون رأيها عند رأيهم، فننصرف جميعا إلى معركة الحرية، حتى ننتصر فيها عن قريب بإذن الله، فنعلن معركة المصحف من جديد والله المستعان(9).

المصادر

  1. جريدة النذير، العدد(10)، السنة الأولى, 5جماد ثان سنة 1357/ 1أغسطس1938، ص(3-6).
  2. جريدة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11ذو القعدة 1357 /3 يناير 1939، ص(3-5).
  3. مجلة التعارف، العدد (4)، السنة الخامسة، السبت 30 محرم 1359ﻫ- 9 مارس 1940م، ص(1-2).
  4. جريدة الإخوان المسلمين ، العدد (46)، السنة الثانية، 18 ذو القعدة 1363/ 4 نوفمبر 1944، ص(3-4).
  5. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (7)، السنة الأولى، 10جماد الآخرة 1365/ 12 مايو 1946، ص(1، 4).
  6. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (625)، السنة الثالثة، 4رجب 1367ﻫ/ 13مايو 1948م، ص(3).
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (627)، السنة الثالثة، 7 رجب 1367ﻫ/16 مايو 1948م، ص(3، 5).
  8. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (629)، السنة الثالثة، 9 رجب 1367 هـ/18 مايو 1948م، ص(3).
  9. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (631)، السنة الثالثة، 11 رجب 1367 هـ/20 مايو 1948م، ص(3).
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا في علوم الفقه
المقال السابق رؤية الإمام البنا في الاصلاح الاجتماعي من خلال آيات القرآن