كتابات الإمام حسن البنا عن ليبيا

إعداد موقع الإمام حسن البنا

ظلت ليبيا تحت حكم الدولة العثمانية حتى أكتوبر 1911م حين غزاها الطليان مستغلين ضعف الدولة العثمانية، ومغالاة قادتها في نزعتهم القومية، وإفراطهم في سياسة التتريك التي نادوا بها، ونتيجة لخيانة بعض القادة العثمانيين وكذلك اليهود الماسونيين.

وحاولوا فرض هويتهم مع العمل على طمس هوية الشعب الليبي المسلم، وهو ما جعل الإمام البنا يطالب باستقلال ليبيا كونها الامتداد الغربي للدولة المصرية، وكونها بلد إسلامي يتعرض لأقسى درجات العنت في الطليان، فجاءت إحدى مقالات الإمام البنا تحت عنوان قطعة من أرضنا لتؤكد أهميتها.

 

قطعة من وطننا

فى الأنباء الخارجية الأخيرة أن المجلس الفاشستى قرر اعتبار إقليم طرابلس الغرب وطنا إيطاليا، وكان الأثر العملي لهذا القرار أن نقلت الحكومة الإيطالية 1800 أسرة تتكون من عشرين ألف شخص لنقل الثقافة الفاشستية إلى أرض لوبيا الإسلامية العريقة فى الإسلام.

نقلت الجرائد الإفرنجية هذا الخبر فأثنت على السنيور موسولينى الذي يعمل على تنوير أفريقيا بالمدنية الغربية، ونقلت جرائدنا العربية هذا الكلام بدون تعليق كما تنقل أى خبر عادى كأن الأمر لا يعنيها، وكأن لوبيا هذه من مجاهل الأرض وليست جزءا من الوطن الإسلامي العام، وهكذا نسينا أنفسنا ونسينا أوطاننا ونسينا كل شىء حتى صار أمرنا هينا على كل الناس.

لم تنته قضية فلسطين بعد، وإن كتب أهلها كل يوم صفحة حمراء من دمائهم الطاهرة فى سجل المجد والجهاد الكريم ورووا شجرة الحرية فيها بأذكى الدماء. وفى المغرب الأقصى جهاد وعمل مشكور وإن صحبه الإعنات والإرهاق، وإن من معتقلي زعماء شباب المغرب من لا يعرف أهله عنه شيئا منذ عدة شهور، ومن هؤلاء السيد "محمد علال الفاسي" وإخوانه فى الجهاد، وذلك كله يبشر بخير كثير، فإن اليقظة أول التحرر والخلاص، وفى هذا الوقت تقضى السياسة الإيطالية على ما بقي من معالم الإسلام والعروبة فى أرض عقبة بن نافع والسنوسي وعمر المختار. 

أيها المسلمون: منذ الآن ليست طرابلس قطرا إسلاميا عربيا، فقد تفضل السنيور موسولينى فمنحها نعمة اللحاق بإيطاليا وكتب لها فخار التجنس بجنسية الطليان بعد أن كانت تحت راية القرآن.

أيها المسلمون: ستسألون بين يدي الله عن هذه القطعة من صميم الأوطان الإسلامية فى غرب مصر، وفى شرق تونس، وعلى شاطئ بحر الروم، وفى شمال السودان، وليس فيها إلا عربي مسلم. كيف تركتموها طعمة للناهبين وغرضا للطامعين.

أيها المسلمون: إن الوطن الإسلامي لا يتجزأ، وإن كل شبر أرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله، أو رفعت عليه يوما من الأيام راية الله قد صار أمانة فى يد المسلمين قاطبة ولله ولرسوله، ووجب عليهم أن يفدوا حريته بالنفوس والأرواح، وأن يبذلوا فى سبيل المحافظة عليه الدماء والأموال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[الأنفال: 27].

ليست الأقطار الإسلامية المشرقة بنور الإسلام والتي تفيض بأخلص عواطف التراحم والتواد وتعلم الدنيا جميعا أقدس مبادئ الحق والعدالة والسلام، فى حاجة إلى إلحاد أوروبا وفجورها، ولا إلى إباحيتها وتهتكها، ولا إلى ماديتها وجحيم العداوة والبغضاء الذي تتلظى به جوانب أبنائها المتهالكين على الخطايا والآثام، حتى يخلصها السنيور موسولينى بعشرين ألفا من الجياع.

أيها المصريون: نحن لا نقول لكم قصروا فى حقوق أوطانكم، ولا ندعوكم إلى أن تتركوا مصر وتعملوا لطرابلس أو لفلسطين، فإنه إذا كان الإسلام يفرض عليك -وأنت مصري- أن تعمل لفلسطين ولطرابلس وللمغرب لأنها من أرض الإسلام، فإنه يفرض عليك ذلك لمصر؛ لأنها من أرض الإسلام؛ ولأن لها مرتبة الصدارة فى أرض الإسلام؛ ولأنها أقرب الميادين إليك، فمن واجبك أن تقوم بحقها وأن تعمل جاهدا لتحريرها وخيرها.

ولكنا نقول لك: إن من واجبك -مع هذا- أن تعرف حدود وطنك العام، وألا تهمل فى حق جزء منه يهدد بالضياع والإفناء وتذكر دائما واعمل دائما للوطن الإسلامي الفسيح الأكناف.

أيها المسلمون: اذكروا دائما وعلموا أبناءكم أن طرابلس ليست وطنا إيطاليا ولن تكون كذلك فى يوم من الأيام، وإن أرادت ذلك الدنيا بحذافيرها، وإن انتقل إليها سكان إيطاليا أجمعين، وستظل بحول الله وقوته. واستعدوا لساعة الخلاص وإنها لآتية. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة: 214]. أما جرائدنا العربية فلسنا نطمع منها فى غير هذه الخطة، فإنما يفكر أصحابها وكتابها والقائمون بالأمور فيها بعقول وقلوب وأرواح وأقلام لم تتذوق طعم الإسلام، ولم تستشعر حلاوة الإيمان، ولم تكن للحق والخير العام يوما من الأيام، وحسبها ما هى فيه من مادية تجارية أو مشاحنات حزبية أو غير ذلك من النزعات والأشواق. وإلى الله المشتكى(1).

 

ليبيا أيها المارشال بالبو*

قل لنا غير هذا الكلام أو قل هذا الكلام لغيرنا

فنحن نعرف ما هنالك

استقبل الإخوان المسلمون المارشال بالبو لأول زيارته لمصر ببرقية احتجاج شديدة على طلينة طرابلس العربية المسلمة بالتجنس والهجرة وعلى فظائع الحكم الإيطالي فيها وشفعوها ببرقية إلى وزير الخارجية يطلبون إليه رفع هذا الاحتجاج رسميا بمناسبة زيارة المارشال وأرسلت صورة البرقيتين للجرائد المصورة، ولكنها جميعا حذرها ما حذر الرجال الرسميين من تأثير المجاملات الفارغة التى تستر حقائق القلوب والنفوس.

ما علينا من ذلك كله. هذا عمل يعتقد الإخوان المسلمون أنه أصغر وأضأل الواجبات على كل مسلم، وكانوا ينتظرون من الجماعات الإسلامية ومن الطبقات الإسلامية -بل ومن كل مسلم- أن يظهر ما يفيض به قلبه من الأسى والأسف والاحتجاج والألم من أعمال إيطاليا فى طرابلس، فحسب الإخوان أن يكونوا أول من بدأ بهذا ولعلهم آخر من عمله أيضا، وإنا لنقول للمارشال: لا يغرنكم ما ترى من هذه المظاهر، فإن هذه الأيدي التى ترفع لتحيتك، وهذه الأفواه التى تبتسم فى وجهك، وهذه الألسنة التى تجاملك باللفظ المعسول، وهذه القلوب التى تسترها تلك المظاهر- هذه كلها لا تنسى طرابلس العربية المسلمة ولا تنسى فظائع إيطاليا فى طرابلس، وتترقب تلك الساعة التى تستخلص فيها هذه القطعة من أرض الإسلام لترفرف عليه من جديد راية الإسلام. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾[إبراهيم: 20].

أقول ما علينا من هذا كله. ولكن المارشال بالبو أراد أن يرد بطريق غير مباشر على برقية الإخوان المسلمين، فأخذ فى خطبة له يعدد مآثر إيطاليا فى طرابلس، ويعتبر الجنسية الإيطالية تشريفا لقوم شرفهم الله من قبل بشرف الإسلام والانتساب إلى القرآن وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، ويعتبر أن رضا رجال الدين وزعمائه فى لوبيا بتناول ورقات الجنسية الإيطالية ورضا اللوبيين بالتجنيد فى الكتاتيب الإيطالية دليلا حيا على حسنات إيطاليا فى طرابلس، ثم يتغنى بالإصلاحات الزراعية ويعتذر عن سلب أرض الجبل الأخضر واغتصاب أخصب بقاع القطر المسلم العربي بأنها قد دفعت عنها تعويضات عظيمة.

يا مارشال بالبو: قل لنا غير هذا الكلام أو قل هذا الكلام لغيرنا فنحن نعرف ما هنالك.

فإما جنسيتكم الإيطالية فليست منة على قوم مسلمين، وما أروع آية القرآن فى هذا: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ﴾[الشعراء: 22]. والذي تسميه أنت صحيفة جنسية أسميه أنا ويسميه كل مسلم "صك عبودية"، فاعتبر هذا وتعرفه جيدا ولا تغالط فيه. وأما رضا رجال الدين وزعمائه ومن وصفتهم فى ذلك بأضخم الألقاب، ورضا الشعب الطرابلسي بالتجنيد وإبلاؤه معكم أحسن البلاء. فبضميرك يا رجل هل أبقيتم فى طرابلس رجلا ذا دين؟ وهل تركتم فيها زعيما لدنيا أو آخرة؟ وهل تركتم ساعة من نهار لبقايا السيوف والنيران ومن تعذر عليهم الهجرة من هذا الجحيم أن يختاروا لأنفسهم شيئا؟ يا مريشال بالبو: تستطيع أن تعمل فى طرابلس ما تشاء لأن القبوة لكم فيها الآن، ولكن لا تستطيع أبدا أبدا مهما حاولتم من دعايات أن تقنعوا أبسط المسلمين بأنكم فيها عادلون منصفون- وإن تظاهر بعض النفعيين بتصديقكم وإن أمن بعض الجبناء على كلامهم.

يا مريشال بالبو: يؤسفنا أن تزورنا فلا تستطيع الأسئلة الرسمية أن تنطق معك بالحق وأن تجلى لك الصورة الصادقة من شعور الأمة المصرية، ولكنا نأمل أن تتاح ظروف أفضل وساعات أحسن ينال فيها كل ذي حق حقه، ولا نكتب هذه الكلمة ردا عليك فلا قيمة للكلام، ولكنا نريد أن نقول لك بها فقط لسنا مصدقين(2).

 

ليبيا الإخوان المسلمون وقضية طرابلس

أعد قسم الاتصال بالعالم الإسلامي بالمركز العام للإخوان المسلمين مذكرة عن قضية طرابلس، وقام وفد من "الإخوان" بالإسكندرية بتقديمها إلى سعادة الأمين العام لجامعة الدول العربية، وقد استهلها بما يأتى: حضرة صاحب السعادة الأمين العام للجامعة العربية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد سبق لقسم الاتصال بالعالم الإسلامي بالمركز العام للإخوان المسلمين أن تقدم إلى سعادتكم بعدة مذكرات عن قضايا بعض الأقطار العربية والإسلامية، والقسم عندما يهتم بقضايا هذه الأقطار العزيزة إنما يقوم بواجبه نحوها، فهو يعمل مع أبنائها المجاهدين على المطالبة بحقوقها والاطمئنان على مصيرها ومستقبلها، وخاصة فى هذه الظروف العصيبة التى تمر بها أقطاره هذه.

واليوم يتقدم إليكم القسم بمذكرة موجزة عن قضية قطر عربي إسلامي عزيز، قريب إلى قلب سعادتكم، عاصرتم أدوار قضيته، وجاهدتم فى سبيل حريته واستقلاله، وهو الآن فى أمس الحاجة إلى عنايتكم بقضيته العادلة، وخاصة فى هذا الظرف الدقيق الذي يقف فيه على مفترق الطرق، ألا وهو طرابلس الغرب (ليبيا).

تعلمون سعادتكم القضية الطرابلسية من بدء خطواتها، وجهاد أبنائها فى سبيل الحياة الحرة الكريمة للاحتفاظ باستقلالها وسيادتها وطرد المستعمر الغاصب من أرضها، وأعجب من ذلك كله ما يذاع من فتح باب هذه البلاد العربية لهجرة اليهود (والبولونيين منهم خاصة) بعد أن نبذتهم أوطانهم فى أوروبا، وبهذا تصبح طرابلس فلسطينا ثانية.

هذا بعض ما يظهر فى الأفق السياسي لهذه البلاد، مما ينذر بمستقبل مظلم لها، وهو إن دل على شىء فإنه يدل على تبيته الدول المستعمرة للأقطار والشعوب العربية من الإمعان فى سياستها الاستعمارية الرجعية وعدم الاعتراف بحقوقها وأمانيها، وإن استهتارهم بحق الشعب الطرابلسي الشقيق هو استخفاف بالشعوب العربية والإسلامية جميعا، وانتهاز لغفلتها عن المطالبة باستقلالها وحريتها.

وغير خاف على سعادتكم أن هذا الموقف يتطلب من الأمم العربية والإسلامية عامة ومن قادتهم خاصة يقظة وانتباها، وعملا حاسما، وانتهازا للفرصة السانحة لنيل حقوق هذه الأمم المغتصبة التى اعترف بها الحلفاء فى مناسبات كثيرة، ونصارحكم أن الإخوان المسلمين ومن ورائهم الرأي العام العربي والإسلامي قلقون على مصير طرابلس خاصة، وأقطار المغرب عامة، وقد سبق أن تقدمنا إلى سعادتكم بمذكرة تطالب فيها الجامعة العربية بأن تقف موقفا إيجابيا من قضية أقطار شمال أفريقيا، باختيار ممثلين لأقطاره فى لجان الجامعة الفرعية وتعيين أبنائه فى وظائف الأمانة العامة للجامعة، واليوم نرجو أن تقف الجامعة هذا الموقف من قضية طرابلس، وتسعى لإقامة حكومة عربية مستقلة فيها باعتبارها من الأقطار المستقلة التى تم تحريرها من نير الاستعمار الإيطالي، وأن تمثل فى لجان الجامعة، وتشترك فى وظائف الأمانة العامة، وتساهم مكاتب الدعاية العربية فى لندن وواشنطن فى إظهار عدالة القضية الطرابلسية خاصة وقضية المغرب عامة.

ثم لا نكتمكم أننا فى حيرة شديدة من موقف الجامعة السلبي نحو بلاد أفريقيا الشمالية عامة، ولا سيما بعد حوادث الجزائر الدامية المحزنة وشقيقاتها الأخرى، ونعتقد أن هذه الحيرة تساور نفس كل عربي حر، ونود أن تتكرم الجامعة وأمانتها العامة بإزالة هذه الحيرة.

وفى انتظار العمل الإيجابي لقضية هذه الأقطار العزيزة من سعادتكم، ومن الجامعة العربية.

وتفضلوا بقبول وافر التحية والاحترام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(3).

 

قضايا العروبة والإسلام

ليبيا

بعث المركز العام للإخوان المسلمين بمذكرتين إحداهما خاصة بالقضية الليبية (برقة وطرابلس) مقدمة إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول العظمى المنعقد فى باريس لوضع مشروع معاهدات الصلح مع إيطاليا، والثانية خاصة بتأييد مطلب ألبانيا إزاء ما تريده اليونان من ضمها إليها، وفيما يلي نص المذكرتين:

يتقدم المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول العظمى- بمناسبة تحضير مشروع معاهدة الصلح مع إيطاليا والبت فى مصير مستعمراتها- بهذه المذكرة عن قضية ليبيا ينظر إليها العالم العربي والإسلامي كشقيقة لها كامل حقوقها فى الحرية والاستقلال.

والإخوان المسلمون إذ يطالبون اليوم بحقوق ليبيا المغتصبة يستندون إلى:

1- الحقوق الطبيعية لأهالي ليبيا فى إدارة شئون بلادهم الداخلية والخارجية وهي الحقوق المترتبة على إقامتهم فى هذه البلاد منذ فجر التاريخ.

2- حقوق الليبيين الشرعية فى السيادة على بلادهم، وهي التى تنازل عنها لهم العثمانيون بموجب معاهدة "أوشى" التى عقدت بينهم وبين إيطاليا فى سنة 1912، كما أن الإيطاليين قد اعترفوا لهم فى معاهدة سنة 1919 بحقهم فى مباشرة شئونهم المدنية والسياسية.

3- ميثاق الأطلنطي الذي ارتبطت به الدول العظمى والذي قرر حقوق الشعوب الضعيفة فى الحرية وتقرير المصير.

4- ما قدمه الشعب الليبي من مساعدات لدول الحلفاء، وما بذله من تضحية فى سبيل القضية الديمقراطية. وهو ما قدم هذه المساعدات وما بذل هذه التضحيات عن طيب خاطر إلا ثقة فيما قطعه رؤساء الدول العظمى من وعود لتحقيق آمال الشعوب الصغيرة.

والإخوان المسلمون يرون- بما هيأته لهم دراستهم لهذه القضية وبما أخذوه على أنفسهم من الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية بصفة عامة- أن كل حل لا يتفق مع حقوق الشعب الليبي سوف يثير شعور الشعوب العربية والإسلامية فى مشارق الأرض ومغاربها، كما أنه يزعزع ثقة هذه الشعوب فيما قطعته الدول العظمى على نفسها من عهود.

إن شعب ليبيا الذي ناضل الاستعمار الإيطالي الغاشم زهاء إحدى وعشرين سنة، ولاقى فى سبيل الدفاع عن حريته وحقوقه شتى ضروب العنت والإرهاق والقتل والتشريد، حتى لقد فقد منذ بدء الاحتلال الإيطالي فى سنة 1911 ما يزيد على نصف تعداده، ليعتبر إعادة الإيطاليين إلى ليبيا على أى صورة كانت، تحرشا يضطرهم إلى استئناف جهاد يسترخصون فيه الأنفس والأهوال، وسيشد أزرهم فى هذا الجهاد ثمانون مليون عربي وأربعمائة مليون مسلم، الأمر الذي يهدد السلم والأمن العام فى أنحاء الشرق بأجمعه.

والشعب الليبي إذ ينكر عودة الإيطاليين كل الإنكار، لا يقر لأي دولة أجنبية أخرى بأي حق فى بلاده؛ لأنه لا يحارب أى دولة لذاتها، وإنما يحارب مبدأ الاستعمار أينما وجد، ولا يقبل تقسيم بلاده، أو الفصل بين أجزائها، الأمر الذي يتعارض مع حالة البلاد الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما لا يقره هذا الشعب بأي حال من الأحوال، كما أنه لا يعترف بأي حل لا يؤخذ فيه رأيه فى استفتاء حر بعيد عن كل ضغط أو تدخل من جانب الإنجليز أو غيرهم.

والإخوان المسلمون إذ ينظرون إلى ما يقرره مؤتمر وزراء خارجية الدول العظمى على أنه السياسة التى قررت هذه الدول انتهاجها إزاء الشعوب الصغيرة بعد خروجها ظافرة من هذه الحرب الضروس- يؤملون أن تجئ هذه القرارات محققة للعهود والمواثيق التى أبرمتها الدول العظمى حتى يكون فى ذلك وسيلة ناجحة لتدعيم السلم فى العالم(4).

المصادر

  1. مجلة النذير، العدد (23)، السنة الأولى، 8 رمضان 1357ﻫ- 31 أكتوبر 1938م، ص(3-4).
  2. مجلة النذير، العدد (13)، السنة الثانية، 25 ربيع الأول 1358ﻫ- 16 مايو 1939م، ص(10).
  3. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (71)، السنة الثالثة، 21شوال 1364ﻫ- 27 سبتمبر 1945م، ص(16).
  4. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (101)، السنة الرابعة، 9 جمادى الآخرة 1365ﻫ- 11 مايو 1946م، ص(18).

إيتالو بالبو (5 يونيو 1896 - 28 يونيو 1940) قائد عسكري وسياسي إيطالي، طيار، حاكم ليبيا عام 1933. كان زعيم فرق القمصان الإيطالية، وزير طيران، وكان له شعبية حتى أن موسوليني كان يغار منه، ويقال انه كان سببا في قتله.

المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا عن سوريا ولبنان
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر