أيات مختارة في التربية وسبل الفوز والفلاح للإمام حسن البنا

إعداد موقع الإمام حسن البنا

تميز الإمام حسن البنا عمن سبقه في الدعوة في العصر الحديث بعناية بالتربية، فلم تقتصر دعوته على الكلمة أو الموعظة أو الحديث أو المقال فحسب، لكن كان يعتني بتربية القلوب وتزكية النفوس وإصقال العقول بالمعارف والعلم، والتربية بالموقف والجوانب العملية.

فكتب في مناحي كثيرة مبصرا وكاشفا حقائق إسلامية قد تجاهلها الناس لعدم وجود من يذكرهم بها ويبصرهم بها، فأحيا بها القلوب. ومع ذلك أحسن في انتقاء الآيات التي قد تتفاعل معها القلوب وتركز على جوانب الفلاح والصلاح والفوز وحسن التربية، ناهيك عن آيات العقيدة والشرائع.

 

القرآن سبيل النجاة

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله الذي أنعم على عباده بالإيمان ووفقهم إليه، وأمرهم بالعمل الصالح وأثابهم عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا عباد الله، العلم علمان: علم تسمعه فتعمل به فهو حجة لك، وعلم تسمعه وتدعه فهو حجة عليك، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع، فتفهموا ما نلقى عليكم، واجتهدوا فى العمل بما علمتم لتكونوا من الفائزين.

يا عباد الله، لو جاءكم خطاب من أمير، أو ألقى إليكم كتاب من كبير؛ فإنكم تحترمونه وتعملون به وتعظمونه وتسرون له، وتسارعون إلى إنفاذ ما فيه إرضاء لصاحبه وتقربًا إليه، وقد بعث إليكم الملك الجبار، والواحد القهار، كتابًا كريمًا أنزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ليكون لكم من المنذرين، ذلكم هو القرآن الذى ]لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42]، ]كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1]، ]قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16].

فتعالوا يا عباد الله ننظر موقفنا أمام هذا الكتاب الكريم، ونحاكم أنفسنا قبل أن يحاكمنا الخبير العليم، هل أحللنا حلاله وحرمنا حرامه وأنفذنا أحكامه، أم هجرناه واتخذناه نسيًا منسيًّا؟

هاهو كتاب الله -تبارك وتعالى- ينادى فى الناس ليلا ونهارًا: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 278-279] فهل تجنبنا الربا وابتعدنا عنه أم أدخلناه فى كل معاملاتنا، وجعلناه قوام بيعنا وشرائنا ورهننا وإيجارنا وقرضنا وسلفنا؟

وهاهو الكتاب الكريم ينادى أتباعه ليلا ونهارًا: ]الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ [النساء: 34]؛ فهل قام رجالنا على نسائنا وأمروهن بما أمرهن الله به، أم تركوهن خليعات متبرجات، مائلات مميلات، كاسيات عاريات، يتسكعن فى الشوارع والطرقات؟

وهاهو القرآن الكريم ينادى أتباعه ليلا ونهارًا: ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]؛ فهل اتحدت كلمتنا، وارتبطت قلوبنا، وائتلفت أهواؤنا، أم تفرقنا طرائق قددًا، وطوائف بددًا؛ أغراض متعاكسة وأهواء متشاكسه، وقلوب مختلفة، وريح ذاهبة، ووحدة ضائعة؟ هذه مثل ثلاثة وغيرها كثير نرى فيها أننا فى طريق أخرى.

فكيف يكون جوابكم أيها الإخوان إذا خاصمكم الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إلى ربه فقال: ]يَا رَبِّ إِنَّ قومي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: 30]؟

اعلموا أيها الإخوان أن ما نحن فيه من الذل والهوان والمصائب والخسران إنما وقعنا فيه لتركنا شريعة نبينا، وانحرافنا عن كتاب ربنا، واقرءوا قول الله تعالى ]وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112] ذلك فى الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، وعقوبة الله فيها أشد، ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا، والدواء -عباد الله ولا دواء سواه- أن ترجعوا إلى قرآنكم، وتتبعوا سنة نبيكم، وتجعلوا ذلكم أمامكم فى كل شئونكم، وتنزلوا على حكمها فى كل أعمالكم، وقد رسم الله لكم طريق النجاة فى كتابه؛ فقال تعالى: ]فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10-12] فتوبوا إلى ربكم واستغفروه تكونوا من الفائزين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار"(1).

 

بين قوتين

] وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 7-10].

وهكذا كتب على الإنسان أن يواجه قوتين، وأن يجاهد فى ميدانين ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69].

ذكرت الآيات الكريمة ]هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 1-3].

فوقفت أمامها لحظات قصارًا، أدركت فيها سر الحياة، وعرفت منها ما قدر للإنسان فيها أن يلقاه؛ فإذا هو ممتحن بقوتين، موزع بين عاملين، مجهز لطريقين، تجذبه مشاعر الخير إلى السمو، وتهوى به دوافع الشر إلى الحضيض، وعليه أن يستلهم ربه، وأن يستفتى قلبه، وأن يستخدم نعمة السمع والبصر والفؤاد، وأصول الوحي والكتاب والرشاد؛ ليفلح ويفوز فى ميدان الجهاد ]وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 6].

وما ذكر الإنسان فى القرآن إلا ونوازع الشر به أقوى تعلقًا وأشد لصوقًا، وصفات البشرية أظهر فيه وأقوى وضوحًا، وإنما يتطهر منها دائمًا بالتهذيب، ويقوى عليها بالعلاج، ويسمو بدوام المجاهدة، ويزكو بالإيمان والعمل، وذلك قول الله -تبارك وتعالى- فى آيات ]وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1-3]، ]إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج: 19-23]، ]إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات: 6-7]، ]إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34]، ]قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس: 17].

من الناس من يستهويه الشيطان وينسى من نفسه معنى الإنسان، ويهوى به الحنين إلى طينته، فإذا زل سكن إلى زلته، ولم يستطع أن يفيق من غفلته، أو ينهض من كبوته؛ فتحق عليه الكلمة، ويهلك مع الهالكين ]وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف: 175-176].

ومن الناس من إذا ضل وغوى، أو زل وهوى، ذكر الله فأفاق، وتنبهت عوامل الخير فى نفسه فأناب، وأسرع بالتوبة يصل بها ما أمر الله به أن يوصل، ويغسل بها أدران الذنوب والآثام، ولقد علم الله من الإنسان ضعفه فيسر عليه السبيل فى جهاده، وفتح له باب الإنابة على مصراعيه، وناداه فى محكم كتابه ]قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر: 53-54]؛ فهذا الصنف الذى لا تذهب بلبه الآثام، ولا تطيش بحلمه الأوهام، إذا عصى ذكر، فتاب واستغفر، جزاؤه المغفرة والمثوبة ]وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 135-136].

فإذا ألف الإنسان الجهاد، وعرف طريق الرشاد، وأصبح جنديًا مدربًا ومحاربًا للشر مجهزًا، وواظب على المراقبة والاستشعار والتوبة والاستغفار.. استطاع أن يستشعر الأمر قبل وقوعه؛ فيتخذ له أهبته، ويرد على الشيطان مكيدته، ويكون من الذين قال الله فيهم: ]إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف: 201].

بل إن هذا المعنى ليتأكد فى نفسه حتى يصبح صفة لازمة له، تيئس منه الشيطان، وتدخله سرادقات الحماية من قول الله -تبارك وتعالى-: ]إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: 42]؛ بل إن الشيطان ليفْرَق من رؤيته، ويفر من خشيته، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول لعمر رضى الله عنه: "ما رآك الشيطان سالكًا فجًا إلا هرب منك".

هذه أيها الأخ ثمرات الجهاد النفساني فى ميدان الحياة الإنسانية؛ حياة الابتلاء والامتحان.. فماذا أنت صانع؟ هل تقعد مع الغافلين فتكون من الهالكين، أم تكافح مع المجاهدين فيكون كتابك فى عليين، وهما مقامان لا ثالث لهما؟

] فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى [النازعات: 37-41] ؛ فتخير لنفسك، وتذكر قول ربك:] قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 9-10] (2).

 

الوقت هو الحياة

] وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [المزمل: 20].

الوقت من ذهب، وهذا صحيح من حيث القيم المادية للذين لا يقيسون الوجود إلا بها، ولكن الوقت هو الحياة للذين ينظرون إلى أبعد من ذلك. وهل حياتك أيها الإنسان فى هذا الوجود شىء غير الوقت الذي يمضي بين الوفاة والميلاد؟ وقد يذهب الذهب وينفد، ولكنك تستطيع الحصول عليه بعد ذلك، وتستطيع أن يكون معك منه أضعاف ما فقدت، ولكن الوقت الذاهب والزمن الفائت لا تستطيع له إعادة أو إرجاعًا؛ فالوقت إذن أغلى من الذهب وأغلى من الماس، وأغلى من كل جوهر وعرض؛ لأنه هو الحياة.

وليس النجاح متوقفًا على الخطة الدقيقة والظروف المواتية فحسب، ولكنه متوقف على اللحظة المناسبة كذلك، وقد كانوا يحذرون من الرأي الطير، ومن الرأي المتأخر أيضًا، والتوفيق أن يقع العمل فى لحظته المناسبة ]وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [المزمل: 20]، ولهذا كان أعظم الناس تعرضًا للخسارة والإخفاق أولئك الغافلون ]وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179]، ولقد كان من دعاء الصديق  رضى الله عنه: "اللهم لا تدعنا فى غمرة، ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين"، وقد كان عمر  رضى الله عنه يدعو بأن يرزقه الله البركة فى الأوقات وإصلاح الساعات. ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن ماله مم اكتسبه، وفيم أنفقه.

ومن أروع الصور التى عرض فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قيمة الوقت قوله الكريم: "ما من يوم ينشق فجره إلا وينادى: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد؛ فتزود منى؛ فإنى لا أعود إلى يوم القيامة".

ليس أغلى فى الوجود إذن من الوقت، وإن الأوقات لتتفاوت فى يمنها وبركتها وحسن حظها وسعادة جدها؛ فساعة أعظم بركة من ساعة، ويوم أفضل عند الله من يوم، وشهر أكرم من شهر:

هو الجد حتى تفضل العين أختها        وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

وتلك فرصة أتاحها الله لنا نحن المؤمنين؛ لنطرد فيها شبح الغفلة، ولنعود فيها إلى التذكرة واليقظة، ولننعم منها بنفحات الفضل حين تهب نسمات القبول. فإن الحسنة تتضاعف فى هذه الأوقات المباركة؛ فيرفع الله فيها من درجات عباده الصالحين، كما يفتح باب المتاب على مصراعيه؛ ليدخل من أراد الله به الخير من التائبين المنيبين.

ولقد جاءت الآيات الكريمة تشير إلى هذه الأوقات اليومية والأسبوعية والسنوية، كما أكدت ذلك التوجيهات النبوية؛ فالله -تبارك وتعالى- يقول: ]فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18]، ويقول ]وَاذْكُر رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: 205]، ويقول ]وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر: 1-2]، ويقول: ]لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [الحج: 28]، ويقول: ]وَاذْكُرُوا اللهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ [البقرة: 203].

ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيمة الوقت وطريق الانتفاع به فيما ورد عنه فى كثير من الأحاديث، مشيرًا إلى أن: "المؤمن بين مخافتين؛ بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه؛ فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت".

فيا أيها الأخ العزيز، أمامك كل يوم لحظة بالغداة ولحظة بالعشى ولحظة فى السحر، تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ؛ فتظفر بخير الدنيا والآخرة، وأمامك يوم الجمعة وليلتها تستطيع أن تملأ فيهما يديك وقلبك وروحك بالفيض الهاطل من رحمة الله على عباده، وأمامك مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات التى وجهك إليها كتابك الكريم ورسولك العظيم؛ فاحرص على أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين، ومن العاملين لا من الخاملين، واغتنم الوقت؛ فالوقت كالسيف، ودع التسويف؛ فلا أضر منه:

وكن صارمًا كالوقت فالمقت فى "عسى"           وخل "لعل" فهي أكبر علة

وسل الله لنا ولك التوفيق للعمل المقبول والوقت الفاضل(3).

 

القلوب الحية

] أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [الأنعام: 12].

هذا القرآن حياة ونور، ما فى ذلك شك.

والقلوب قسمان: حي وميت، والقلوب الحية هى التى تعتبر موجودة فعلا، وأما القلوب الميتة فلا وجود لها ]إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37].

والقلوب الحية تتذوق طعم الكلام الجيد والرديء، وتدرك تمام الإدراك مرمى الآيات البينات ومغزاها القريب والبعيد، وتنظر وترى، وتبصر معالم المشاهد والمرئيات، وتميز بين الضار المهلك والنافع المفيد، وتشعر بهذا كله شعورًا قويًا، وتحس به إحساسًا دقيقًا، يحدد لها مثلها العليا وغايتها السامية؛ فتوجه إليها الجهود جميعًا من قول وعمل، وتدفع الجوارح والأبدان قدما فى هذه السبل حتى تصل إلى ما تريد مهما صادفها من عناء أو لقيت من مشقة وبلاء.

وإذا كانت النفوس كبارا          تعبت فى مرادها الأجسام

وهذا القرآن الكريم بما يحمل من طابع الربانية وخصائص الكلام الإلهي، وبما ينطوي عليه من معاني التأثير الكامل فى القلوب الواعية، والنفوس الصافية، وبما تميز به من سحر الفصاحة، وإعجاز البلاغة، وحلاوة الأسلوب، وعذوبة المنطق وعلو الذوق، وغرابة التركيب، وصادق التوجيه، وصحيح المعرفة.. هذا القرآن بخصائصه هذه روح من الله -تبارك وتعالى- ينفخ فى القلوب الهامدة، ويسكب فى تجاويف الأفئدة الميتة فيحييها ويبعثها، ويحركها ويعيد إليها كل معانى الحياة القوية الدافقة المنتجة المثمرة، وهو بهذه الخصائص كلها نور قوى وهّاج، يضئ لها سبيل السير والسلوك، بعد أن وهب لها حسن الحياة وقوة الإحياء ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى: 52-53].

ومن هنا وهب القرآن للرعيل الأول من رجال هذه الأمة من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان حياة جديدة فى كل شىء، ونورًا جديدًا أضاء لهم السبل لكل شىء؛ فأحياهم بعد خمود، وجمعهم بعد فُرقة، وأغناهم بعد فاقة، وجعلهم أئمة الدنيا يهدون الناس بإذن ربهم إلى طرائق العدل وسبل الخير ووسائل السعادة والسلام، وكانوا المُثُل الحية للقلوب الحية.

ذكرت هذه المعاني، ودارت بخلدي جمعيا، وقد ضمتني حنايا الحرم المبارك، وبدت أمام ناظري الكعبة المشرفة عالية البنيان، قوية الأركان، خالدة المجد، وضاحة السنا، مشرقة بالضياء والنور، تطوف بها آناء الليل وأطراف النهار خلال العام كله هذه الملايين من القلوب الوالهة المشوقة المؤمنة بالله رب البيت العتيق والحرم العتيق، تستجيب لندائه كل يوم، وتبذل فى سبيل الحج إلى بيته الحرام ما تملك من وقت وجهد ومال.

وسألت نفسي وأنا أسمع دعاء هذه الآلاف من الناس، كل يدعو بما يحب: دع عنك هذه الصيغ التقليدية التى يلقنها المطوفون الطائفين، فيردد الكثير منهم ما لا يشعر بأثره فى نفسه، ولا يجد حلاوته فى قلبه.

دع عنك هذا؛ فما عن هذا سألت نفسي أو سألتني نفسي، ولكنى إنما كنت أتصفح وجوه قلوب هذه الآلاف لأستشعر مبلغ الحياة التى قذف بها القرآن الكريم فى صميمها، ولأتعرف مدى شعورها بالمُثُل العليا، والأهداف الإنسانية الفردية والأسرية، والقومية والعالمية التى حددها الإسلام للمؤمنين به، ولأسال نفسي بعد ذلك:

ترى لو أن هذه الآلاف المؤلفة من مختلف أقطار الوطن الإسلامي من الصين إلى مراكش، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.. متيقظ فيها معنى الحياة التى يقذف بها القرآن فى نفوس أتباعه، هل كانت حالهم تظل على ما هى عليه الآن من ضعف واستكانة؟ أظن أن ذلك كان يكون من المستحيلات. ولم أشأ أن أسترسل فى هذه السلسلة من الخواطر، ولكنى توجهت إلى الله العلى الكبير، ودعوت بإيمان وخشوع وضراعة وأنا فى أحضان الملتزم وفى ظل ستر الكعبة المباركة: 

"اللهم أحي هذه القلوب بكتابك"(4).

 

من وحي حراء

] اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1-5].

حين تأذن الله لهذه الإنسانية أن تبلغ أشدها، وتستكمل رشدها اختار منها الإنسان الكامل محمدًا صلى الله عليه وسلم، فاصطنعه لنفسه وصنعه على عينه، وأدبه فأحسن تأديبه، وهيأه للرسالة الكبرى، وجهزه لأعباء الهداية العظمى، وحبب إليه الخلاء؛ فكان يفر من الناس إلى رب الناس ينظر فى ملكوت السماوات والأرض، ويتأمل فيما خلق الله من شىء، حتى كانت الساعة التى تأذن الله فيها أن يعلنه برسالته، ويطالعه بآياته، فأوحى الله إليه: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ؛ فكأنما كانت هذه الآية براعة استهلال لمقاصد هذه الرسالة، وإيذانا بهذه النقلة الفسيحة فى تاريخ الإنسانية من دور الطفولة والجهل إلى دور الشباب والعلم.

وهنا.. وفى هذا الغار المبارك من جبل حراء بشمال مكة المكرمة تلقى أعظم رسل الله صلى الله عليه وسلم الرسالة التى امتدت طولا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقا حتى استوعبت شئون الدنيا والآخرة.

أجل.. إن من خصائص رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التى بدأ الإيحاء بها إليه فى غار حراء أنها جاءت رسالة عالمية عامة ]تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]، ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: 28]، ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِى وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158].

ويقول بعض الناس: كيف تكون رسالة واحدة للناس أجمعين مع اختلاف بلدانهم، وتباين أوطانهم وعاداتهم وألسنتهم ولغاتهم؟ إن هذا إغراق فى الخيال ومجاراة للوهم، ويقول الواقع: لا وربى.. إنه لحق؛ فهاهى ذي كل ثمرات العلم، ونتائج الاختراع والكشف، واتجاهات الأمم والشعوب والدول والحكومات، وسرعة طرق المواصلات، وتقارب أطراف الأرض، حتى إن الراكب للطائرة ليفطر فى أمريكا ويتغدى فى لندن ويتعشى فى الهند، وتشابك مصالح الناس، وانتشار وسائل الثقافة المشتركة والمعرفة الموحدة بالمذياع والصحف والبرق.. كل أولئك مما يهيئ الدنيا لهذه الوحدة، ويجهز البشرية لهذه الغاية، ويجمع الأمم على ما أراد القرآن أن يجمعهم عليه، وليعلمُنَّ نبأه بعد حين، وصدق الله العظيم: ]سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53].

وإن من خصائص هذه الرسالة كذلك أنها جاءت رسالة خالدة باقية، ختمت بها الرسالات، وانتهت بها النبوات، وانقطع بها وحي السماء إلى الأرض ]مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40]، وكانت تلك نتيجة طبيعية لبلوغ الإنسانية رشدها، وتيسير وسائل التفكير والتدبير والتنفيذ أمامها، وتسخير الأرض والسماوات وما فيهن لها.

ويقول بعض الناس: إن هذا لعجيب! وكيف يتسنى لرسالة واحدة أن تساير العصور، وتماشى الأزمان، مع تطور العلوم والمعارف، وترقى الأذهان والمدارك، وتعدد حاجات الناس باتساع العمران، واختلاف الأزمان؟

وتقول شريعة الإسلام الحنيف: إن رب الناس أعلم بشأنهم وأعرف بمقتضيات أزمانهم، ولهذا وضع لهم شريعته على أسلوب من السعة والمرونة يندفع معه الحرج، وتتجدد فيه الأحكام بتجدد الليالي والأيام، بل الأجيال والأعوام، وتُحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، ويجد العقل فى كل موطن أمامه أوسع مدى للبحث والنظر وتقليب الأمور؛ "فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد"؛ فالكل مأجور، ولقد صدق الواقع ذلك فعلا؛ إذ امتدت الدولة الإسلامية من شرق الأرض إلى غربها، ودخل الناس فيها أفواجًا، واطمأنوا تحت حكمها؛ فلم يضق بهم ذرعها، ولم يتجمد أمامهم شرعها، ووجد كلٌ فيها الخير والبر، واهتدى بها إلى سواء السبيل.

وهذا ابن عمر -وهو من أئمتها المهتدين- كان يفتى فى علم برأي وفى غيره برأي آخر، ويقول: ذاك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم، أو كلاما هذا معناه. وهذا الشافعي -وهو من أجلّ فقهائها وأفضل علمائها- يقول فى العراق برأي، ثم يقول فى مصر بغيره؛ لاختلاف الظروف والملابسات، ولا يجد الفقهاء من بعده حرجًا فى أن يقولوا: "قال الشافعي فى القديم، وقال الشافعي فى الجديد"؛ فأي شىء يريد الناس أوسع من هذا وأبرع؟ ] مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج: 78].

ومن خصائص هذه الرسالة أنها وسعت شئون الدنيا والآخرة؛ فكانت دينا ودولة، وروحا ومادة، وعملا وثقافة، وشرعة وقانونًا، ونظامًا كاملا دقيقًا نافعًا للفرد وللبيت وللأمة وللدولة وللعالم ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89]، ورضى الله عن الخليفة الأول القائل: "لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله".

ويقول بعض المجادلين: وهل يعقل أن ينتظم كتاب شئون دنيا الناس وآخرتهم؟ ويقول الذين اهتدوا بنور الإيمان: إنها الكليات وضعها القرآن أمامكم، ومعالم الطريق رسمها لكم، وكل من سار على الدرب وصل، ومن اهتدى بنور الله لم يضل. ورحم الله القائل: إن فى كتاب الله آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ]إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ والبغي [النحل: 90]، وبحسب هؤلاء القائلين أن يقرؤوا سورة العصر ليعلموا أى هدى لخير الدنيا والآخرة اشتمل عليه هذا الكتاب الكريم ]قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16].

تلك هى الرسالة التى امتازت بهذه الخصائص عن كل الرسالات؛ فلم تتوفر مزيتها فى رسالة قبلها، ولن تكون فى منهاج بعدها، من أخذ بها فقد أخذ بحظ وافر، ومن جعلها أمامه قادته إلى الجنة.

فيا غار حراء، يا مهبط أول قطرة من قطرات الوحي الكريم، عليك سلام الله ورحمته وبركاته، وأشد أشواق المحبين، وأطيب تحيات المؤمنين(5).

 

دعوة

] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24].

خطر لى بمناسبة حديث الجمعة أن أوجه هذه الدعوة للقراء الكرام تبصرة وذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، ولم يتسرب اليأس إلى القلوب أو يستولى الضجر على نفوس الدعاة، والخير فى هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولا تزال طائفة منها ظاهرين على الحق، تحمل له، وتهتف به، وتجاهد فى سبيله حتى يأتى أمر الله.

والناس فى هذه الحياة طرائق بعد وطرائق قد؛ منهم من يعيش غافلا عن كل شىء، حتى عن نفسه، وسر وجوده ومهمته فى حياته مستهترًا بكل ما حوله، حسبه أن يحفظ كيانه المادي حتى يوافيه أجله المحتوم، ويومه المعلوم؛ ليخرج من الدنيا كما دخلها لم يشعر بوجوده أحد، ولم يتأثر لفقده قريب أو بعيد ]أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179].

ومنهم من يعيش قذى لغيره وأذى لسواه، لا يفكر إلا فى السوء ولا يعمل إلا فى الشر، لا يقبل نصحًا ولا يتأثر بإرشاد ]وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: 204-206].

ومنهم من يعيش منطويًا على نفسه، مفكرًا فى ذاته، إن أراد جلْبَ خيرٍ ليعود عليه هو وحده، وإن حاول دفْعَ شرٍ فعن نفسه وحده، لا يمتد بصره إلى غير هذا المحيط، ولا يمتد فى هذا المحيط إلا إلى معانيه المادية من متعة زائلة، أو لقمة لينة، أو شربة سائغة، أو مركب فاره، أو شهوة فانية، أو ضيعة وعقار، أو غضة ونضار؛ فهذه عنده الحياة: طعام وشراب ومنام، فإذا فاتته هذه المعاني فعلى الدنيا السلام، "وتعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة".

ومنهم من يعيش للناس قبل نفسه؛ فنفسه عنده بقاؤها فى فنائها لغيرها، وسعادتها فى شقائها ليسعد الناس، ولذاتها هى الألم الدائم والجهاد الدائب ليستريح المكدون، وليبدأ المتألمون؛ كشعلة النور تضئ وهي تحترق، وكطاقة الزهر تنفح الأجواء بالعبير ولا تبالى كيف يكون بعد ذلك المصير، وطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر.

وهذه والله هى الحياة، وكل ما سواها وهم باطل وتصور عاطل، ولا يستقيم هذا المعنى للإنسان حتى يحمل رسالة تحدد غايته ووسيلته، وترسم له طريقه ووجهته، وقد حددت رسالة الإسلام للناس أسمى الغايات وأحكم الوسائل..

فالله الغاية ]وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم: 42].

والجهاد الوسيلة ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69].

والقرآن الطريق ]وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52].

والرسول الدليل ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21].

وفى الاجتماع على الله وحدة لا تنفصم عروتها ولا تضعف قوتها.

وفى الجهاد فى سبيله انتصار فى الدنيا، وسيادة ومثوبة فى الآخرة وسعادة.

وفى القرآن الكريم تبيان كل شىء، وهداية كل حي، وشرح ذلك يطول، وليس النور بخافٍ على أحد، وإنما يتعامى الناس عن الضوء القوى؛ لضعف أبصارهم وعجزها عن مواجهة السراج الوهاج، وهم قد ألفوا أن يعيشوا فى ليل داج ]فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ [النجم: 29-30].

وفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بركة وأمان ومبالغة فى الإحسان؛ فمن اتبعه فقد هدى إلى صراط مستقيم، ومن اقتدى به وصل إلى الخير العميم وجنات النعيم، والدنيا الآن فى ضلالها وحيرتها وآلامها ومحنتها أحوج ما تكون إلى الأسى الطبيب الماهر الذي يضمد جروحها، ويقيم من جديد مدنيتها ويرفع روحها، وفى يديكم أنتم وحدكم يا ورثة الأنبياء والمرسلين، وحملة آيات رب العالمين قارورة الدواء. 

فهل تكونون أنتم ذلك الطبيب؛ تعالجون أنفسكم، وتحملون الدواء للناس؟ أرجو ذلك، والتوفيق بيد الله(6).

 

دعاء

] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].

الدعاء مخ العبادة، والأمور كلها بيد الله -تبارك وتعالى- يتصرف ما يشاء، ويحكم ما يريد، ألا له الخلق والأمر، بيده ملكوت كل شىء، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شىء عليم، لله الأمر من قبل ومن بعد، قال: ]إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ [آل عمران: 154].

وقد رتب الحق -تبارك وتعالى- أمر هذا الكون على نواميس وقواعد وأسباب يستر بها جلال إرادته وسر قدرته؛ فالرزق فى السماء، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، والسعي والعمل سبب يستر قدرة الله المتصرف الفعال الكبير المتعال، والنصر للمؤمنين مكفول، ولكن الجهاد والنضال والكفاح فى سبيل الحق سبب لإنفاذ الإرادة الربانية، وستر القدرة الإلهية.

والدعاء من أجمل وأرق وألطف وأنفذ هذه الأسباب التى تتحقق بها إرادات الله -تبارك وتعالى- ومقتضيات قدرته ]وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60].

عن أبى سعيد الخدري  رضى الله عنه قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال له: يا أبا أمامة ما لى أراك جالسًا فى المسجد فى غير وقت الصلاة؟! قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله همك، وقضى دينك، قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أمسيت: اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن        وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: فقد واظبت عليهن أيامًا، فقضى الله ديني وفرج همى".

وكان سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه مستجاب الدعوة؛ إذ دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أحد، فقال: "اللهم أجب دعوته، وسدد رميته"؛ فكان مستجاب الدعوة شديد الرمية، وانتدبه عمر رضى الله عنه لقيادة المسلمين فى موقع فارس، وكان يوم القادسية، وعنده قروح لم يستطع منها أن يركب، فقاد المعركة، وأدار الحرب من سطح بيته، يصدر الأوامر، ويوجه الجيش، ويعلن التكبير فيفعلون، وانتهى الأمر بهذا النصر المؤزر الذي لم تقم بعده للفرس قائمة.

ولكن سفيهًا من الأعراب لم يسلم من لسانه القائد المظفر فقال يهجوه:

نقاتل حتى أنزل الله نصره                وسعد بباب القادسية معصم

رجعت وقد آمت نساء كثيرة              ونسوة سعد ليس فيهن أيم

فغضب العبد الصالح، ودعا الله -تبارك وتعالى- أن يقطع يديه ورجليه ولسانه، وأن يفتنه فى الدنيا، وأن يذيقه حر يوم القيامة، وظهرت بعد ذلك قصة المختار الثقفي، وحنق على هذا الأعرابي فيمن حنق، فأخذه، فقطع يديه ورجليه ولسانه، وتركه لا يستطيع أن يقف، وابتلى بالفتنة فكان مع ما هو فيه من بلاء وشيب يغازل النساء والفتيات؛ فيلومه الناس فى ذلك، فيقول: "مفتون أصابته دعوة سعد فى الدنيا، وينتظر الحر يوم القيامة".

وسئل أمير المؤمنين على -كرم الله وجهه-: كم بين السماء والأرض؟ فقال: "دعوة مظلوم ليس بينها وبين الله حجاب".

فيا أيها المؤمنون، أخلصوا لله سرائركم، واصدقوا فى التوجه إليه بقلوبكم، وسلوه يعطكم، وما عندكم ينفد وما عند الله باق.

والله أكبر ولله الحمد(7).

 

أمانة الله والرسول

] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يختطفكم النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال: 24-29].

أمانة الله دينه وشرعه الحكيم وقرآنه العظيم الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ]لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ [إبراهيم: 1-2].

وأمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم هى أيضًا هذا الدين الذي تلقاه عن ربه، فبلغه للناس كاملا غير منقوص، وأدى أمانته إليهم أكمل الأداء وأتمه وأوفاه من غير زيادة ولا نقصان ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى [النجم: 3-4]، ]وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: 44-46].

وأمانة المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة هى هذا الدين كذلك، هى كتاب الله وسنة رسوله، وأحكام الإسلام الحنيف، وشريعته البيضاء السمحة النقية، "لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي"، وكل ما تحتاج إليه هذه البشرية من مثل عليا ومبادئ سامية، وخطط عملية دقيقة، وأوضاع حيوية سليمة.. كل ذلك قد تضمنته هذه الرسالة الإسلامية (أمانة الله ورسوله والمؤمنين)؛ فالربانية والأخوة العالمية والعدالة الاجتماعية والمشاعر الروحانية والعواطف الإنسانية، والرحمة والسلام والتعاطف والوئام.. كلها قد وضحت فى هذه الشريعة، واستحالت بعد وضوحها إلى أعمال يومية، وخطط تطبيقية، وشرائع عملية تسوق المجتمع سوقًا إلى ما فيه خيره وسعادته فى الدنيا والآخرة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "والله ما تركت من خير إلا وأمرتكم به، وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه".

يا أبناء هذه الرسالة الإسلامية اسمعوا: 

إن العالم كله اليوم فى مثل الظلمات التى كان فيها يوم بعث الله نبيكم سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم داعية الإسلام الأول؛ فهذه ظلمات الغباوة السياسية تتجلى فى قسمات وجوه ممثلي الدول العظمى اليوم، كما كانت تتجلى تمامًا على جبين رؤساء دولة الأكاسرة أو القياصرة، وهذه ظلمات الدجل الاجتماعي تتكاثف وتتراكم حول دعاة مبادئ الشيوعية والديمقراطية وغيرهما من الألفاظ التى لا يقصد بها فى حقيقة الأمر إلا توسيع مناطق النفوذ، والاستيلاء على مواطن المواد الخام، وتسخير الأمم والشعوب العزلاء المجردة من الظفر والناب لغيرها ممن اشتملت خزائنها على القنابل الذرية أو الغازات المهلكة أو أشعة الموت فيما يزعمون، والآجال بيد الله، وهذه ظلمات الشهوات الجارفة تتغشى أهل الأهواء وذوى الجاه والثراء، فينتهكون الحرمات، ويعيثون فى الأرض الفساد فى حماية من سلطان الجنيهات والدولارات وما إليها من هذه المسميات، والعدل والرحمة والفضيلة وإنسانية الإنسان والمساواة بين الناس، والتآخي الذى يجب أن يقوم بينهم، واستقرار الأمن والسلام بإقرار الحقوق بين الأنام، كل هذا كلام وكلام لا وجود له ولا وصول إليه، وأنف الإنسانية راغم.

ولقد وقف نبيكم صلى الله عليه وسلم فى وجه هذه الظلمات جميعًا، يسلط عليها أشعة الحق، ويواجهها بنور القرآن الكريم، ويقاومها برسالة الله وحده ولا سلاح له إلا الإيمان، ولا سند له إلا الله، ولا ظهير له من أهل أو جند أو ولد أو مال أو عدد أو عدة ]إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة: 40]، ولقد استطاع فى النهاية بتأييد الله أن ينتصر وأن يركز راية الله فى أرضه ]إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: 1-3].

وأنتم الآن أكثر عددًا وأعظم عدة، وبين أيديكم كتاب الله، وفى أعناقكم أمانته، وقد ارتفعت أمام أبصاركم دعوة الحق وراية القرآن الكريم تناديكم ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [الأنفال: 20-21].

يا أبناء هذه الرسالة الإسلامية فى كل وطن عامة، ويا أيها الإخوان المسلمون خاصة إياكم أعنى، لقد نضجت الكمثرى، وامتاز الحق من الباطل، ووقفت أوروبا وأمريكا صفًا واحدًا على اختلاف النزعات والأهواء والمبادئ ونظم الحياة بين أممها وشعوبها، يأتمرون بكم، ويتقاسمون أرضكم، وينظمون طرائق العدو عليكم، ويقدمون قلب أوطانكم العزيزة المقدسة فلسطين -التى بارك الله أرضها- لقمة سائغة للصهيونية العالمية التى استطاعت بذهبها وغوايتها أن تطمس على الأبصار والقلوب.. فماذا تنظرون؟

العدد القليل والعدة الواهية لا يضران شيئًا مع الإيمان الكامل وبذل الوسع واستنفاد الجهد وحسن الاعتماد على الله ]كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249]، ]الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: 173-175].

فإلى العمل أيها الإخوان، وأدوا أمانة الله ورسوله ]وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَن يَّتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: 35](8).

 

أربعة أدلة

نحن المسلمين نؤمن ونعتقد فى قرارة أنفسنا أنه لا بد أن ينتصر هذا الإسلام، وتتحرر دوله وأممه، وتنهض شعوبه وتتحقق رسالته، ويسود ويحكم ويهيمن ويعلو، ولنا على ذلك أربعة أدلة:

الدليل السمعي: 

فنحن نقرأ قول الله -تبارك وتعالى-: ]وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف: 8]، ]وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 32-33]، ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: 55].

نحن لا نشك فى هذه الآيات أبدًا، ونؤمن تمام الإيمان بأنها حق وصدق، وبأن كلمة الله ستعلو، وراية حقنا سترتفع، وأننا سنستخلف فى الأرض، ويبدلنا الله من بعد خوفنا أمنا بإذنه وقدرته، ولو كانت الظواهر كلها تدعو إلى اليأس ]حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: 110].

والدليل التاريخي:

فأطوار التاريخ كلها منذ وجد هذا الإسلام تدلنا على أنه أقوى ما يكون عودًا، وأنشط ما يكون مقاومة إذا أحدقت به الأخطار، وأحاطت بأممه وشعوبه المتاعب، هناك يتجلى ما فى هذه النفوس من إيمان كامن وعزم قاطع، وتنتفض لتجاهد؛ فتنتصر وتفوز، وتعلو من جديد كلمة الله، كذلك كان يوم الردة حين لم يبق إلا أبو بكر يقول: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم متى استمسك السيف بيدي".. ثم يجهز فى يوم واحد أحد عشر جيشًا تتحرك بقيادة أبطال القواد من المؤمنين، وتعود بالفوز والظفر.

وكذلك كان أيام التتار حين حطمت الخلافة وقضى على الجند، واضمحلت القوى، وظن الناس الظنون، ثم تحققت معجزة الإسلام، فإذا هو يأكل هؤلاء الفائزين، فإذا هم مسلمون تحت راية دولة الإسلام.

ورأى العالم هذه الصورة مرة ثالثة يوم تألبت أوروبا المتعصبة -ولا أقول المسيحية ولكن الهمجية- على حضارة المسلمين الزاهرة، وانهالت أفواج الغزاة من الصليبيين صوب الشرق، فقذفت بهم قوات صلاح وخلفائه إلى البحر، وتندر بهم الشاعر ابن مطروح يذكرهم الأسر فيقول:

دار ابن لقمان على حالها                والقيد باق والطواشي صبيح

وليست محنة اليوم بأقسى من محن الأمس.

] وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140] ، وسننتصر ونتحرر ونقوى ونفوز بإذن الله.

الدليل الحسابي:

فإن الدور لنا لا علينا، والناظر فى التاريخ العام يعلم صدق هذا الحساب، ولقد انبثق فجر الحضارة فى هذا الشرق، فقاد الدنيا بزمام، وعرفت الأرض حضارة الصينيين والفرس والمصريين والفينيقيين والبابليين... إلخ، ثم دار الفلك دورته، وانتقل زمام القيادة إلى الغرب، وظهرت فلسفة اليونان وسلطة الرومان، ومكثت الحال على ذلك ما شاء الله لها أن تمكث، حتى ظهرت الرسالات العظيمة فى الشرق وختامها الإسلام، فعادت القيادة إليه من جديد، وألقت إليه الدنيا بالمقاليد وجبى خلفاؤه خراج السحاب ]فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم: 59].

واستيقظ الغرب من ثباته، ونهض نهضته الحديثة المعتمدة على العلم والكشف والاختراع، وهى عماد القوة والسلطان، فاستلب القيادة مرة أخرى، وكان عنيفًا جبارًا خبيثًا ماكرًا، فأحكم القيود وقيد الأغلال، وضرب الدنيا بأساليب من المطامع والدسائس والمكايد والأهواء، ولم يحسن الإمامة، ولم يقم بحق الله فى الخلافة، فاستخدم هذا العلم فى الهلاك والدمار، وكان طبيعيًا أن يحدث هذا التصرف السيئ أثره، فاصطلى العالم نار حربين قاسيتين فى أقل من ربع قرن من الزمان، جلبا إفلاس هذه القيادة الغربية، ولم يبق إلا أن تفلت عجلة القيادة، فيقبض عليها خلفاء الله فى أرضه من المؤمنين فى هذا الشرق المنير، ]وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم: 4-5].

والدليل الرابع:

سنة الله التى لا تتخلف ]كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ [الرعد: 17].

وعندنا بحمد الله ما ينفع الناس، وما سواه زبد وهباء لا قيمة له ولا خير فيه ]وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: 21].

ولهذا نحن مطمئنون، وما نراه اليوم من أحداث هو ما أشار إليه كتابنا، وحذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم، رسم لنا طريق النجاة منه والاستفادة به، بالتقوى والبذل والإخلاص والجهاد، ويجب أن نكون كذلك لنفوز بإذن الله ]وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج: 41](9).

 

تميز

] لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: 25]

جاء فى الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فى يد عمر ورقة من التوراة، فغضب كأنما يفقأ فى وجهه حب الرمان، ثم صعد إلى المنبر فقال: "ألم آتكم بها بيضاء نقية ليلها كنهارها، والله لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي".

وذكروا أن عمرو بن العاص استشار عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى كتب اليونان بالإسكندرية فقال: "دعوها فإن كان فيها ما فى كتاب الله فقد أغنانا بكتابه، وإن كان فيها غير ذلك فلا حاجة لنا فيه".

قرأت هذه المرويات، فوقفت أمامها قليلا؛ لأن الإسلام جاء يزكى الأنبياء جميعًا، ويصدق الكتب السابقة جميعًا، ويثنى على الأديان السماوية كلها، ولأن الإسلام جاء كذلك يحض على العلم والمعرفة، ويحث على الفكر والنظر، ويعلى من قدر الحكمة أينما وجدت "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها".

ثم ذكرت أن الإسلام إذ ذاك وهو دعوة ناشئة بين تحريف المبطلين وخرافات المشركين أحوج ما تكون عقيدته إلى الحماية من لوثات الجاهلية وأضاليل المبطلين من سدنة العقائد الفاسدة ومثيري الشبهات الباطلة، ولا حماية أقوى من الإيمان العميق الذى يدعو إلى الإعجاب وإلى التجرد وإلى رفع العقيدة الجديدة عن مرتبة المقارنة والجدل والنقاش، وهذا لبيد بن ربيعة وقد أسلم يأبى أن يقول الشعر حتى إنه ليرد على عمر بن الخطاب وقد طلب إليه أن يبعث إليه بشىء من شعره، فيبعث إليه بسورة البقرة فى كتاب، ويقول: "أبدلنا الله هذا بالشعر".

والذين لا يعلمون دقائق النفوس والدعوات يسمون هذا "تعصبًا"، ولكنه فى مفتتح عهد كل دعوة وفى وقت التبلبل والمحنة هو صريح الإيمان الذي هو أفضل أنواع الحماية للحق وأهل الحق، ولو كره الذين لا يعلمون. 

ونحن الآن فى خضم محنة لا حل لها، وفى موجة فتنة طاغية عارمة تمدها وتؤازرها وتمهد لها المطامع والأهواء؛ تلك هى فتنة التناصر بين تعاليم اليمين واليسار ودعاوى الشيوعية والديمقراطية، وما تزين به كل دعوة لنفسها من زخرف القول ومعسول الألفاظ، وسفينة النجاة لنا من هذا الخطر كله والبلاء كله ليست أن نسرف فى النقاش والجدال، أو أن نضيع الوقت فى المقارنة والموازنة؛ فذلك له مجالاته العلمية المجردة وميادينه النظرية البحتة.. أما فى مجال التربية والتقويم والإصلاح والإنتاج الملموس السريع فليس أجدى على النفوس والأرواح من العودة لحصانة "الإيمان"، والاعتزاز الكامل بتعاليم الإسلام الحنيف، والإقبال على تلاوة القرآن الكريم بتدبر وخشوع وإنعام، ومدارسة سيرة السلف الصالحين رضوان الله عليهم من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين.. أولئك الذين فقهوا الإسلام أدق الفقه، وتذوقوا حلاوته أجمل التذوق، وطبقوا أحكامه أدق تطبيق؛ فسعدوا بها، وأسعدوا الناس.

هذه الأمور الثلاثة فيها العصمة من الزلل، والنجاة من الخطأ والخطل. قولوا للمجادلين أيًا كانوا من هذا المعسكر أو ذلك: على رسلكم؛ ندعو إلى الإيمان وتدعون إلى الجحود والكفران. وندعو إلى الفضيلة وتدعون إلى التحلل والرذيلة، وندعو إلى الحرية والاستقلال، وتدعون إلى العبودية والاحتلال. ولا يستويان أبدًا ]وَمَا يَسْتَوِى الأعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِى الأحْيَاءُ وَلاَ الأمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ [فاطر: 19-22].

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "بادروا بالأعمال؛ فإنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًا، ويمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" أخرجه مسلم والترمذي.

وفى حديث آخر: "فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله"، ويوم يتميز المؤمنون بكتاب الله والمجادلون فيه بغير حق يتحقق وعد الله لعباده ]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: 47].

فتميزوا أيها الناس(10).

 

إلى أين؟

] فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الذاريات: 50].

فى غرة هذا الفلق وموجة الاضطراب التى تسود العالم لا بد أن يتساءل الناس: أين الطريق؟ ويكون هذا السؤال الذي هو وليد الحيرة والتردد والشك سؤالا طبيعيًا لا غرابة فيه.

ويكون من الطبيعي المنتظر بعد فترات الجوع والعرى، والحرمان والخوف التى عاناها العالم قرابة سبع سنين هى فترة الحرب الماضية أن يكون اتجاه الناس إلى الرغيف والملبس ومطالب الحياة المادية، ولكن الخطر كل الخطر على كيان الجماعة الإنسانية؛ أن ينسى الجميع بهذه المطالب حقيقة إنسانيتهم، ويظنوا أن دورهم فى الحياة أن يعيشوا فيأكلوا، ويغفلوا عن وظيفتهم الأساسية السامية فى هذا الوجود، والتي تتصل بأرواحهم وعواطفهم ومشاعرهم قبل أن تتصل بمطالب الأبدان والأجساد.

قد رشحوك لأمر لو فطنت له            فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

لابد من أن يعمل الجميع على أن تتوفر لهم هذه المطالب المادية؛ فهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بدونها، ولا بد كذلك أن يشعر الجميع بأن هذه المطالب ليست هى الغاية القصوى فى هذه الحياة.

تتنازع الجماعة الإنسانية اليوم فكرتان: فكرة توحى إليها بالانصراف التام إلى المادة، وفكرة توحى إليها بأن ترتفع عن هذا المستوى المادي الصرف، وتنصرف بجهودها إلى التسامي بخصائص النفوس العليا التى بغيرها لن يتحقق للإنسان وصف الإنسان.

ولقد جاء الإسلام الحنيف يجمع بين الفكرتين جمعًا شاملا دقيقًا؛ فيعتبر الفكرة الروحية هى الأساس؛ لأن حقيقة الإسلام فى رسالته القدسية أن يقيم موازين الحق والعدالة والإنصاف والخير فى المجتمع، وأن يقدم الدم والروح والمال وكل نفائس الحياة فداءً لهذه الغاية.

ولكن مع هذا لم ينس أن الإنسان جسد وروح، وأنه لا بد من المحافظة على سلامة هذا البدن لتسلم الروح التى تحل فيه، ولهذا اعتبر الإصلاح المادي قاعدة من قواعده الأساسية التى لا معدي عنها ]قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: 32].

ويحاول بعض المخادعين أن يجمع بين الفكرة المادية وبين الإسلام، متذرعًا بهذا الجانب من جوانب الإصلاح الاجتماعي فى تعاليمه، وأن ينفذ بهذا الجمع إلى تحطيم هذا البناء الإسلامي الشامخ فى نفوس المؤمنين به؛ لتحل محله هذه المادية القاصرة العاجزة الكليلة، ويجب أن لا تجوز هذه الخدعة على المتيقظين ذوى الغيرة، ويجب أن تتحدد المقاصد والأهداف والاتجاهات طبقًا لتحديد الوسائل والغايات، وأن يتميز الحق من الباطل أمام أنظار الناس ]لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ [الأنفال: 42].

فيأيها المسلمون، تعلمون أن لب الإسلام تطهير النفوس وتزكية القلوب، والسمو بالأرواح، وتقرير مبادئ الحق والعدل والخير والإنصاف، وهذه هى سبيل الله، والتضحية فيها بكل رخيص وغال من شعائر الإسلام.

]إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة: 111]، ]قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24].

وإن الإسلام مع هذا قد وضع قواعد الإصلاح الاجتماعي فى شريعته ما يكفل للجميع مطالب الحياة المادية والعيش فى طمأنينة وراحة واستقرار؛ فأسلموا لله وجوهكم أولا، وأقيموا مجتمعكم على قواعد الإسلام.. تتحقق لكم مطالب المادة ثانيًا، واحذروا أن تخدعكم عن ذلك الأوهام الزائلة أو الدعايات الباطلة وهنا الطريق ]قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16](11).

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 32 – صـ10، 11 – 29ذى القعدة 1352هـ / 15مارس 1934م.
  2. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 24 – صـ1 – 30جمادى الآخرة 1365هـ / 31مايو 1946م.
  3. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 36 – صـ1 – 14رجب 1365هـ / 14يونيو 1946م.
  4. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 162 – صـ1 – 20ذو الحجة 1365هـ / 14نوفمبر 1946م.
  5. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 168 – صـ1 – 27ذو الحجة 1365هـ / 21نوفمبر 1946م.
  6. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 240 – صـ1 – 22ربيع الأول 1366هـ / 13فبراير 1947م.
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 318 – صـ1 – 25جمادى الآخر 1366هـ / 18مايو 1947م.
  8. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 483 – صـ1، 5 – 15محرم 1367هـ / 28نوفمبر 1947.
  9. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 513 – 20صفر 1367هـ / 2يناير 1948م.
  10. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 519 – 27صفر 1367هـ / 9يناير 1948م.
  11. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 561 – صـ1 – 17ربيع الآخر 1367هـ / 27فبراير 1948م.
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا في بعض القضايا السياسية المصرية
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا