كتابات الإمام حسن البنا في دعوة الأمة الإسلامية للوحدة

إعداد موقع الإمام حسن البنا

يقول أحمد التلاوي: اتسم مشروع الوحدة الإسلامية لدى الإمام البنا بعدد من السمات التي أهلته بالفعل ليكون المشروع الأكثر شمولاً وأهميَّة في غضون المائة عام الأخيرة التي تلت الانهيار الفعلي لدولة الخلافة العثمانيَّة في مطلع القرن العشرين.

لقد كانت قضية الوحدة الإسلامية على قمة هرم أولويات عمل الجماعة، وكان هناك أكثر من مستوى للتنظير والتطبيق في هذا المقام لدى الإمام الشهيد.

فالإمام البنا رأى أن قضية الوحدة لا تنطلق فقط من قناعات فكرية فحسب، ولا يمكن تحقيقها بوضع نظريات دون حراك دعوي وسياسي فعلي على الأرض، يلتمس قوته من الفهم الإسلامي ويعترف في ذات الوقت بالمشكلات القائمة على طريق إعادة توحيد المسلمين.

 

إنسانية واحدة

قوامها التعارف والتكافل لا التخاصم والتنافر

} يأيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].

حدثتك عن الأمة الواحدة التى جاء الإسلام ليقيمها على أساس العقيدة الفطرية السليمة التى تملأ القلب، وتنير جوانب النفس، وتتحكم فى الجوارح، وتتصرف فى المجتمع، وتقيمه على أساس التآخى والحب.. بل من الإيثار والفضل، وتعلو به عن نوازع الغضب المفرّق والتخاصم الممزِّق }وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46].

وأحدثك اليوم عن الإنسانية الواحدة التى جاء بها هذا الإسلام أيضًا؛ فلم يقف بأمته التى يبنيها ولا بنظمه التى يمليها على الحدود الجغرافية، ولم يلحظ فيها الفوارق القومية، ولكن دعمها على أساس النسب الأول والأصل الواحد المشترك، ورفعها إلى آدم وحواء، وخاطب الناس بها على أنهم فى ذلك أكْفَاء: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].

لقد قرر الإسلام الحنيف أن ثمة أصلين يربطان كل إنسان بكل إنسان، بصرف النظر عن اختلاف الألوان والأوطان.. هذه الآدمية التى تنسب البشر جميعًا إلى أب واحد وأم واحدة، وهذه الصلة الربانية التى تجعل هؤلاء البشر جميعًا عباد الله الواحد القهار، وأكرمهم أعرفهم به، وأتقاهم له، وأنفعهم لهم: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13].

ولقد جاء الإسلام شريعة عالمية عامة، لا شريعة إقليمية خاصة؛ فالقرآن خطاب الله للوجود كله، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس كافة: }قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: 158]، }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ [سبأ: 28]، }تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1].

والخطاب فى القرآن فى غالب أمره يدور على أسلوبين للمؤمنين أو للناس جميعًا }يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: 73]، }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1]، }يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِى الأَرْضِ حَلاَلا طَيِّبًا [البقرة: 168].

وشرائع الإسلام عامة تطبق على الرجل والمرأة، والعربى والعجمى، والأسود والأبيض على حد سواء "الناس سواسية كأسنان المشط، والناس لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى".

ويتأكد هذا المعنى عمليًا فى الصلاة التى تضم الجميع متساوين فى جنبات المسجد، وفى الصوم الذى يشعر الجميع بمعنى العبادة موحدًا، وفى الزكاة التى توزع على الفقراء والمساكين بغير نظر إلى الأجناس والألوان، وفى الحج الذى يحتشد له الناس من كل فج عميق مهما تباعدت المواطن والبلدان؛ ليحققوا معنى الأخوة فى منى وعرفات فى مظهر واقع رائع، لا فى خطب وأمانى وكلمات وعبارات.

ولقد جمع مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر القرشى إلى جانب بلال الحبشى مع صهيب الرومى، وقال: "سلمان منا أهل البيت"، و"نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، "ولقد سمعت خشخشة نعليك فى الجنة يا بلال"؛ ليكون ذلك آية للمترددين وحجة على المفرّقين }إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: 159].

وفرض على المسلمين وحدة دينية عجيبة تتمثل فى تصورهم للدين الحق بأنه صبغة الله لا صنع البشر، وبإيمانهم بكل نبى سبق وبكل كتاب نزل }آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة: 285].

}قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة: 136-138]، }شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13].

وكان من عجيب الأوضاع فى هذا الدين القيم أن بنى الصلة بين الناس جميعًا على التكافل والتعارف لا التخاصم والتنافر.

فالمرأة والرجل متكافلان فى الحياة الدنيا؛ خُلقا من نفس واحدة، بعضهما من بعض، يتمم كل واحد منهما الآخر، وأساس الصلة بينهما المودة والرحمة، والرجال أنصاف تتلمس أنصافها الأخرى فى مخادع النساء، ومن تزوج فقد عصم نصف دينه، وفى هذه المعانى يقول القرآن الكريم: }وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21]، }فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ [آل عمران: 195]، }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].

والغنى والفقير، والعامل والممول.. متكافلون فى هذه الحياة الدنيا، يشد بعضهما أزر بعض، ويتعاونان على البر والتقوى؛ فللفقير حق معلوم فى مال الغنى، على الغنى أن يقدمه زكية به نفسه طيبًا به خاطره، والفقير فى ضمان المجتمع أولا والأقارب ثانيًا والدولة ثالثًا، وأكبر الكبائر فى الإسلام "أن يبيت الرجل شبعان وجاره جائع"، وأجر العامل حق مكفول، من ظلمه إياه أو أخره عنه فقد أثم إثمًا عظيمًا، وتعرض لعقاب الدنيا وخزى الآخرة، وعلى الفقير والعامل أن يصدقا وينصحا ويؤديا عملهما كاملا "فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"؛ فهو مجتمع متكافل إن كان فيه غنى وفقير، ومالى وأجير نظريًا؛ فقد قضى هذا التكافل على هذا الوضع عمليًا، وحقق قول القائل: 

على مكثريهم رزق من يعتريهمو          وعند المقلين السماحة والبذل

وكان خليفتنا الأول أول من انتضى السيف ليقضى به حق الفقراء من الأغنياء.

والحاكم والمحكوم متكافلان، على الحاكم النصفة والمعدلة والمساواة والرعاية، وعلى المحكوم الطاعة والنصيحة والمعاونة }إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: 58]، }أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]. ورحم الله الخليفة الأول الذى أعلنها واضحة يوم ولايته: "أيها الناس، إنى قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن رأيتمونى على حق فأعينونى، وإن رأيتمونى على باطل فسددونى، أطيعونى ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لى عليكم، ألا وإن أقواكم عندى ضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندى القوى حتى آخذ الحق منه، أقول قولى هذا، وأستغفر الله لى ولكم".

هكذا كان التكافل وحسن التعامل قوام الحياة الاجتماعية التى جاء بها الإسلام الحنيف.. فماذا فعلت المطامع والأهواء والنظم الأرضية المادية التى طلعت بها أوروبا على الناس يوم أن انتهت إليها قيادة البشرية؟.

بدلت نعمة الله كفرًا، وأحلت التنافر والتخاصم محل هذا التكافل والتعاون فى البيوت، اتهمت المرأة أنها إن عاشت فى كنف الرجل، وفى وفاق معه فقد فقدت شخصيتها، وقضت على حريتها، فثارت المرأة على هذا الذى لا يمكن عقلا ولا عملا أن تسعد بغيره، والتمست سعادتها فى المعامل والمصانع والملاهى والمفاتن، وتمثلت الرجل عدوًا يغتصب حقوقها، ويعتدى على كيانها؛ فتمردت عليه حليلا يرعى حقها ويؤدى واجبه نحوها، ولكنها لم تستغنِ عنه، فأسلمت نفسها إليه خليلا يعبث بها وتعبث به.

وبدلت نعمة الله كفرًا، وأحلت التنافر والتخاصم محل هذا التكافل والتعاون فى الشعوب والمجتمعات؛ فأمدت للغنى فى أسباب الجشع والطمع والثروة والمتع، ثم أفهمت الفقير أنه مظلوم مهضوم، وأن الغنى يمتص دمه ويثرى على حسابه مجهوده، فأشعلت بذلك نيران الحرب بين الطبقات، وغذتها بما وضعت وأنشأت من نظم وتشريعات وقوانين ونقابات تنتصر للفقراء إذا خيفت ثورتهم، وتمالئ الأغنياء إذا عظمت رشوتهم، وتتذبذب بين هؤلاء وأولئك إذا أظلمت السبل واختلطت المسالك؛ حتى ينتهى الأمر إلى ثورات جامحة ونفوس طامحة تعصف بالنظم والأوضاع جميعًا.

وبدلت نعمة الله كفرًا وأحلت التنافر والتخاصم محل هذا التكافل والتعاون فى الدول والحكومات؛ فافترضت الحكومة حزبًا يلتمس لنفسه المغانم، ويسوق إلى مناصريه ومؤيديه المنافع كما يجر على معارضيه المغارم، وأقامت من الأمة قسمًا آخر ينظر إلى الحكومة نظر الطير إلى الصائد، لا نظر الجندى إلى القائد، ويرى كل ما يصدر عنها بعين الساخط الناقد، لا الناصح للمساعد، ويتربص بها الدوائر تطلعًا إلى كرسى الحُكم، وحرصًا على ما يدره المنصب من فائدة وغنم، واعتبرت هذا الوضع الفاسد أساسًا للديموقراطية ومظهرًا للحرية، وما هو إلا قضاء على الوحدة وتمزيق للكلمة.

فيا أيها الذين تحاولون أن تقيموا عالم الغد، حذارِ أن تقيموه على هذه الأسس الواهية؛ فتزل قدم بعد ثبوتها، ويأتى الله بنيانكم من القواعد، فيخر عليكم السقف من فوقكم، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، ولكن هلموا إلى هدى الله ووحى السماء؛ ففيه النور والضياء والسعادة والشفاء }قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16]؛ فإن أبيتم وتوليتم }فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: 54].

 والله أكبر ولله الحمد(1).

 

الأمة الواحدة

} وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: 52-53].

لهذا الإسلام فى الوجود مهمتان:

أولاهما: صياغة الأفراد صياغة إنسانية جديدة، أساسها الصلة بالله، والتعرف إلى الملأ الأعلى، وإبراز خصائص الإنسان العليا، وتطهيره من أدران الغرائز الدنيا، والتجافى به عن كل ما لا يتفق مع كمال إنسانيته وطبيعة فطرته وميزته، واستكمال معانى القوة والجمال، والسمو ببدنه وعقله ووجدانه؛ ليكون فى أحسن تقوم، وإنما يكون ذلك بالقدوة الصالحة والفكرة الصالحة والتزكية الصالحة }رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة: 129].

وثانيتهما: صياغة المجتمعات البشرية صياغة إنسانية عالمية جديدة كذلك بتأليف بناء متماسك قائم، ومجتمع موحد فاضل من هذه اللبنات الصالحة.. يبدأ بالجماعة الممتازة، ويتطور إلى الأمة الممتازة، ويسرى وينتشر ويعم حتى يشمل العالم كله فيتحقق قول الله تعالى: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107]، وقول الله تعالى: }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 110].

ومن هنا كانت الجماعة التى تؤمن بالإسلام، والشعب الذى يؤمن بالإسلام، ومجموعة الشعوب التى تؤمن بالإسلام -مهما اختلفت أوطانها وألوانها وأجناسها وناسها- تعتبر جميعًا فى عرف الإسلام أمة واحدة، قوية التماسك عظيمة الترابط، قد ارتقت صلتها إلى درجة الأخوة، ثم تجاوزتها إلى الحب، ثم علت حتى صارت الإيثار }وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

ومن هنا كان الإسلام عقيدة وجنسية، ليست جنسية الدم والأرض، ولكنها جنسية الأخوة والروح، وهى أقوى وأفعل.

ومن هنا جاء القرآن يقرر هذه الحقائق فيقول: }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: 71]، ويقول: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، }وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]، ويؤكد النبى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فى أحاديثه الشريفة فيقول: "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ويقول: "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا؛ ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"، ويقول: "إن أحبكم إلىَّ وأقربكم منى مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا؛ الموطأون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلىَّ وأبعدكم منى مجلسًا يوم القيامة المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، والملتمسون للبرآء العيب".

وكما قرر الإسلام لهذه الوحدة هذه المعانى الإيجابية؛ فقد حرص على أن يحتاط من الناحية السلبية، فيحذر أمته من كل معانى الفرقة وعواملها، فيقول القرآن الكريم: }وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46]، ويقول: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: 11-12].

ويقول النبى صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصوم -وفى رواية والصدقة- قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هى الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".

وكثيرًا ما ترد كلمة "الإيمان" بمعنى الوحدة، وكلمة "الكفر" بمعنى الفرقة فى لسان الكتاب والسنة؛ فيقول القرآن الكريم: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [آل عمران: 100-101]، وسياق الآيات وحادثة نزولها تعين أن المعنى والله أعلم: يردوكم بعد وحدتكم متفرقين، وكيف تتفرقون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم وجوه بعض"، والسياق والحادثة كذلك يحتمان أن يكون المعنى لا ترجعوا بعدى مختلفين يضرب بعضكم وجوه بعض، وفى هذا الاستعمال والتعبير أعظم الترغيب فى الوحدة، وأعظم التنفير من الخلاف والشقاق.

فيا أيها المؤمنون بكتاب الله القرآن وحديث النبى محمد صلى الله عليه وسلم، هذا كتاب الله يدعوكم إلى الوحدة، وهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم عليكم الخلاف والتفرقة؛ فبأى حديث بعد الله وآياته تؤمنون؟.

اختلفتم فى الدين خلاف عصبية وأهواء وجدال ومراء، لا خلاف تمحيص وبحث واستهداء؛ فعميت عليكم حقيقته، وفرت من بين أيديكم هدايته، وبقيت فى رؤوسكم ونفوسكم قشوره وصورته؛ فكنتم مسلمين بالأسماء والمواطن، لا بالقلوب والمواجد، و"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

واختلفتم على الدنيا، فانتزعها الأجانب من بين أيديكم، وتعاونوا عليها شركات وجماعات ومصارف وهيئات؛ ففازوا بها من دونكم، واستذلوكم بفتاتها، ومنّوا عليكم بالحقير التافه من أعراضها.

واختلفتم فى السياسة شيعًا وأحزابًا وطوائف وألقابا؛ فذهبت ريحكم، واستُعبدت دولكم، وتمكن العدو فى أرضكم، وضرب بعضكم ببعض، ووقف يرمقكم ويسخر من تنابزكم بالألقاب، وتقاذفكم بالسباب؛ فكفيتموه أمركم، وأرحتموه من عناء جهادكم، وفعلتم بأنفسكم ما لم يفعل بكم الخصوم، قللتم العدد، وأوهنتم الجلد، وخسرتم المال والولد، ولم تحصلوا بعد ذلك على شىء، دنياكم ذلة وخصام، وآخرتكم تبعات بين يدى الله جسام؛ فإلى متى والزمن يدور ويجرى والفرص تسنح وتمضى؟.

أيها المؤمنون بالله ورسوله وكتابه، تنادوا بكلمة سواء، وتعالوا إلى منهاج واضح مبين: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، وأن نرضى بالله ربًا فنفر من المطامع الشخصية إليه، وبالإسلام دينًا فننهج نهجه ونأخذ عنه، ونطبق كل تصرفاتنا عليه، وبمحمد نبيًا ورسولا فنقتدى بسيرته ونهتدى بسنته، ونسير تحت رايته إلى حيث النصر والسيادة فى الدنيا والجنة والمغفرة فى الآخرة }فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64](2).

 

دعامتان

} كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 110].

أما الأولى: فيقظة الضمير، ودقة الشعور، وحياة الوجدان، جعلها الإسلام قوام صلاح الفرد وديدبانًا قائمًا لا يغفل، يحصى عليه خواطره وهواجسه وألفاظه وكلماته وأعماله وتصرفاته، ويسجل من ذلك كله ما غاب عن وَضَعة القوانين؛ فلم يستوعبوه فى قوانينهم، وما خفى عن حراسها فلم يجدوا السبيل إليه فى حراساتهم، فيرقب هذا الديدبان الساهر الذى لا يفارق صاحبه لحظة من ليل أو نهار، فى خلوة أو اجتماع، ما دق وما جلّ، وما خفى وما ظهر، ويزنه بميزان دقيق يميز الخير من الشر، ويعلن الجزاء لساعته سرورًا وابتهاجًا، ورضًا وطمأنينة، وراحة وسلامًا، إذا فكر أو قال أو فعل خيرًا، وسعيرًا وجحيمًا ووخزًا أليمًا ونارًا تشتعل وتتلظى بين الضلوع والجوانح إذا انحرف عن الطريق أو ضل سواء السبيل. 

حتى إنه ليفر من ذلك العذاب بتقديم نفسه إلى القصاص والجزاء، وإن كان هذا الجزاء ليس أقل من الإعدام، وفى قصة ماعز  وأبى لبابة الأنصارى أحسن الله إليه عبرة وذكرى "واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك".

وأساس هذه اليقظة فى نفس المؤمن معرفة الله ومعينها الذى تستمد منه، ومصباحها الذى تهتدى بضياه وتشرق بسناه، الإيمان الحق برقابة الله سبحانه؛ فمن أدرك إحاطة رقابة الله عليه به، أحسن مراقبة نفسه وهى مرتبة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

والثانية: يقظة الرأى العام، واستقامة العرف فى الجماعة، ووضوح حدود الخير والشر فى حياتها العامة، وتقديرها للخير وحرصها عليه، واحتقارها للشر ونفورها منه، فإذا توافرت هذه المعانى فى أمة من الأمم التزم أفرادها فى سلوكهم سبيلا قويمة لا يحيدون عنها ولا ينحرفون فيها، ولم يكن أمرهم فرطًا.

وإذا بدا لأحدهم أن ينحرف عن الطريق المستقيم، وتزل به قدمه إلى الإثم والخطيئة، ولم يكن له فى حياة ضميره ويقظة شعوره هو ما يردعه أو يرده وجد من يقظة الرأى العام، ودقة شعور الجماعة ما يدعوه إلى الهدى، ويرده عن الردى، ويستنقذه من براثن الشر، ويأخذ به إلى الصراط المستقيم، وهذا ما يعبر عنه بلسان العرف الإسلامى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ولقد وزن القرآن الأمم بهذا الميزان؛ فإن تمسكت بهذا المعنى وصار خلقًا من أخلاقها، وملكة من ملكاتها.. رفعها القرآن إلى أعلى عليين، وجعلها خير أمة فى العالمين، وقال: }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 110]، وإن أهملت أداء هذا الواجب، وغفلت عن عظيم أثره فى حياة الأمم والشعوب.. أخذها القرآن بذلك أشد المؤاخذة، وقال فى حقها: }لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة: 78]، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا المعنى ما معناه: "لا يكن أحدكم إمعة؛ يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن إذا أحسن الناس فأحسنوا، وإذا أساءوا فارشدوهم وانصحوا لهم". 

ولقد صور النبى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى تصويرًا دقيقًا بديعًا، وأبان عن أثر الإهمال فى الضرب على أيدى المفسدين بدعوى الحرية الشخصية وضعف سلطان روح الجماعة على أفرادها فقال: "مثل القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا فى سفينة؛ فأخذ بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فقال الذين فى أسفلها: لو ثقبنا ثقبًا فى قسمنا نستقى منه الماء، فلو تركهم الذين فى أعلاها يفعلون هلكوا جميعًا، وإن منعوهم نجوا جميعًا".

كما صور مراتب الفتنة وتدرج الناس فى إهمال هذا المعنى فى حديث آخر؛ إذ يقول: "كيف بكم إذا طغى نساؤكم، وفجر شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده، وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذى نفسى بيده وأشد منه سيكون". يقول الحق عز وجل: "بى حلفت لأفتننهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران".

فأول الفساد أن تفسد المرأة فيتبعها الشاب، فتهمل الواجبات فيفسد الفرد، ويسكت الناس عن الأمر والنهى؛ بل يرون المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فيأمرون بالأول وينهون عن الثانى، فيغضب الحق غضبة يتبعها فتنة تدع الحليم فيهم حيران.

فيأيها المسلمون، أحيوا ضمائركم بالإيمان بالله، وحسن مراقبته، وصونوا مجتمعاتكم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ فهذان هما دعامتا الصلاح والإصلاح.

والله ولى التوفيق(3).

 

فى تقسيم الأمة إلى طوائف.. أعلاها الداعون إلى الله

الحمد لله العظيم فلا تصل العقول إلى كنه عظمته، ولا تدرك الأفهام مبلغ جبروته، سبحانه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما اتخذ عضدًا، ولا استعان فى ابتداء خلقه أحدًا، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، سيد المجاهدين وقائد الغر المحجلين، ورحمة للعالمين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.

أما بعد.. فيا عباد الله، سبقت كلمة ربكم يوم خلق خلقه أن يجعلهم طوائف بددًا وطرائق قددًا، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم: }وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 14-15]، }فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ [الشورى: 7] طائع وعنيد، وشقى وسعيد }فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 106-108].

وذلك ليُظهر لعباده مطلق تصرفه وصدق وحدانيته وتفرده، بيده الأمر كله ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإن أمتكم هذه تَفرَّق بنوها، واختلف أهلها، وسلكت كل فرقة من فرقها طريقًا ارتضته لنفسها.

فكان منها فرقة استهوتهم الشياطين، وعصفت بهم ريح الشهوات، فتركوا قيادهم لأهوائهم، وانغمسوا فى حمأة الرذائل، ونبذوا أمهات الفضائل، وتظرفوا بالبعد عن الأديان، وفخروا بالإباحية والزندقة وسلوك سبيل الشيطان، وقلدوا فى كل مظاهر الحياة أعداء أهل الإيمان، لا دين يردعهم، ولا عقل يمنعهم، إذا حدثت أحدهم عن الصلاة والصيام هز كتفيه ولوى عطفيه ونفخ شيطان الغرور فى وَدجيه؛ فلا يكاد يفقه قولا ولا يأتى عملا، أولئك الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين: }لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: 16]، }وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء: 227]، }وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: 88].

وفئة أخرى فهموا الدين على غير وجهه، لبسوه كما يلبس الفرو مقلوبًا، فحسبوه بضعة من أعمال الجوارح تؤدى صباح مساء، أو جملة من الهيئات تعمل تارة باليد وأخرى باللسان، لا يفهمون لها معنى ولا يصححون لها مبنى، وتركوا مداواة القلوب وطب الأرواح وتقويم الأخلاق وتصحيح العقائد وإنارة البصائر، وأهملوا روح الشريعة إهمالا، وأبطلوا شرائعه الاجتماعية إبطالا؛ فكان الإسلام عندهم عدة شرائع تتعلق بالأفراد، وكأنه ليس الإسلام الذى يضع الشرائع الاجتماعية فوق كل اعتبار آخر، وينظر إلى الفرد كعضو فى جماعة له عليها حقوق ولها عنده واجبات.

أولئك علموا شيئًا وغابت عنهم أشياء، وفعلوا من الدين جزءًا وتركوا أجزاء، والإسلام وحدة لا انفصام لعراها ولا تفكك فى أحكامها؛ فهم إلى أمر الله مرجون إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وبين يديه تعالى موقوفون ليسألهم عن أداء بقية ما أوصى به إليهم.

وفرقة ثالثة أنار بصائرهم وهدى نفوسهم وأرشد عقولهم؛ فعرفوا أن الإسلام عزة وسعادة وسلطان وقوة، ونفوس أبية لا تقبل الضيم، ولا تعطى الدنية، وفكر نير يهدى إلى الحق، ويد عاملة تؤازر هذا الفكر، وهمة عالية من وراء ذلك تدفع بصاحبها إلى النضال والجلاد والكفاح والجهاد، وأدركوا أن دين الله أمر بمعروف ونهى عن منكر ونصرة للمظلوم ومعرفة للحقوق، وإن الخمول والخمود والنوم والجمود ليس ذلك من الدين فى شىء، وإنما هى رهبانية ابتدعوها، وأخبار فاسدة اخترعوها وبثوها فى نفوس المسلمين؛ ليكيدوا فى ظلها لهذا الدين، عرفوا كل ذلك فأدركوه فهبوا إلى العمل، ونفضوا غبار الكسل يهيبون بالأمة، ويوقظون خامد الهمة، وينادون بالإصلاح، ويدعون إلى سبل النجاح.

أولئك أهل الإسلام وأبطال الدعوة وحماة القرآن، يسقى بهم الغيث وتنزل الرحمة، ويستقيم بهم شأن الخلق، وهم حلقة الاتصال بين الأجيال، تستمر بجهادهم دعوة الإسلام قائمة، وكلمة الله عالية ما دامت السماوات والأرض.

أولئك هم المؤمنون حقًا، وورثة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدقًا }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15]، }لاَ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء: 95]، أولئك من أعانهم بلسانه فهو مؤمن، ومن أعانهم بماله فهو مؤمن، ومن أعانهم بنفسه فهو مؤمن، ومن ناوأ دعوتهم أو وقف فى طريقهم فهو عدو الله ورسوله }وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: 58].

فعليكم بهذه الفرقة الناجية من الأمة؛ فتشوا عنها، وشدوا أزرها، وكونوا على الحق أعضادها، وانشروا فى إخوانكم وأبنائكم دعوتها؛ فلكأنى بها وقد أظهرها الله على أعداء دينه من الكافرين والملحدين، فإذا أهلها سادة أعزة، وإذا كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وإذا أنتم بعد ذلك أهل السبق وفئة الصدق وأنصار الحق.

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِى إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [الصف: 14].

الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد.. سلط الله عليكم عدوكم، وضربكم بالذل إلا أن ترجعوا إلى دينكم" أبو داود وأحمد(4).

 

فضل الحب فى الله والتآلف لله

الحمد لله الغنى الكريم، الرءوف الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.

أما بعد فيا عباد الله، خلقكم الله من نفس واحدة، وأبوكم آدم وأمكم حواء؛ فأنتم إخوة فى الجنس والنسب، إخوة فى الأصل والحسب؛ فذلك قول الله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: 13].

ثم ألف بين قلوبكم بنعمة الإسلام وأخوة الإيمان، فناداكم القرآن الكريم: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، ومَنَّ عليكم بهذه النعمة فقال: }وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]. 

وناداكم الرسول العظيم بقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وقوله: "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا".

وقوله: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا".

ووعدكم الله على ذلك جزيل الثواب، وعظيم الأجر، فقال تعالى: }أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 71]؛ فماذا فعلتم فى هذه الأخوة يا عباد الله؟ نسيتم حقوقها، وأهملتم أمرها، وقطعتم رابطتها، وفككتم أوصالها، وأصبح المسلمون اليوم مختلفة قلوبهم، مشتتة أهواؤهم، متباعدة عواطفهم، بعد أن كانوا على قلب رجل واحد.

فماذا يكون جوابكم إذا وقفتم بين يدى ربكم فسألكم: أمرتكم بالأخوة فهل تآخيتم؟ وأمرتكم بالمحبة فيما بينكم فهل تحاببتم؟ وأمرتكم بالتواصل والتراحم والتعارف فهل تواصلتم وتراحمتم؟ وكيف يكون موقفكم إذا سألكم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم تجدوا لسؤاله جوابًا؟.

علام تنسون الأخوة والحب يا عباد الله؟ أتتحاسدون والحسد لا يغنى ولا يفيد؟ أتتباغضون والبغض لا ينتج إلا العناء الشديد؟ أم تتنافسون على حطام هذه الدنيا وهو ظل زائل وعرض حائل، وما عندكم ينفد وما عند الله باق؟.

فاتقوا الله عباد الله، وَصِلُوا ما أمر الله به أن يوصل، وكونوا من المؤمنين الذين وصفهم الله بالحب والأخوة، ولا تكونوا كالمنافقين الذين وصفهم الله تعالى بقوله: }تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [الحشر: 14].

تحابوا فيما بينكم، وتواصلوا وتوادوا، واتركوا البغضاء والشحناء والأحقاد والخصومات، وأريحوا ضمائركم وقلوبكم من عناء التخاصم والتشاحن، وأسعدوا قلوبكم بسعادة المحبة والتوادد؛ فإن أسعد الناس يوم القيامة رجل أسلم لله وجهه، وأخلص للناس قوله وعمله.

وتصوروا شخصين: أحدهما: يألف الناس ويألفونه ويحبهم ويحبونه، والآخر: كثير الأعداء دائم البغضاء، أيهما أصلح حالا وأسعد بالا وأهنأ ضميرًا وأسلم عاقبة؟.

 ذلك فى الدنيا؛ فما بالكم بالآخرة، وقد ورد فى الحديث: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم"؟.

} أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [آل عمران: 162].

فاتقوا الله عباد الله، وأصلحوا ذات بينكم، واشتغلوا بربكم، وطهروا سرائركم، واذكروا يومًا ترجعون فيه إلى الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى إلى الله بقلب سليم، "ما من مسلمَيْن يلتقيان فيسلم أحدهما على الآخر ويتصافحان إلا كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرًا بصاحبه"(5).

 

وحدة

} وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46].

أعتقد أن سلفنا الصالحين -رضوان الله عليهم- وصلوا إلى ما وصلوا إليه من سعادة فى الدنيا ومثوبة فى الآخرة سجلها لهم الحق -تبارك وتعالى- فى كتابه بقوله: }فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ [آل عمران: 148] بأمرين اثنين أساسيين:

أولهما: قوة إيمانهم بالله تبارك وتعالى، وحسن اعتمادهم عليه، وجميل استمدادهم منه واستنادهم إلى تأييده، وأملهم فى نصره، واعتزازهم بهذه العزة الربانية المستمدة من هذا الإيمان }وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]؛ فكان أحدهم إذا تكلم أو عمل، أو جاهد أو اغترب، أو أقام.. شعر بأن الله معه أينما كان، يراه ويرقبه، يحفظه ويؤيده ويرعاه }وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: 61].

وثانيهما: شدة تماسك بنيانهم وقوة رابطة جماعتهم، قوة أساسها صفاء القلوب ونقاء السرائر، وتقدير معنى الوفاء والشعور بقدسية الأخوة، وإشراق القلوب بمشاعر الحب فى الله إشراقًا سما بها إلى معنى الإيثار }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: 9] حتى كان الرجل منهم يؤثر أخاه بماله وأهله، وقوته، وحياته، وكل ما يملك. 

بهذين المعنيين انتصر هؤلاء النفر من السلف الصالحين مع قلة عَددهم وضعف عُددهم، وتجردهم عن كل المنافسة لغيرهم ممن كانوا أوسع منهم سلطانًا وأكثر أموالا وأوسع عمرانا، ولكن الإيمان والحب هما -ولا شك- أقوى عُدد النصر، وهكذا كانوا، وصدق الله العظيم: }مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29].

ولقد كنت، ولا زلت أقول للإخوان فى كل مناسبة: إنكم لن تغلبوا أبدًا من قلة عددكم، ولا من ضعف مسائلكم، ولا من كثرة خصومكم، ولا من تألب الأعداء عليكم، ولو تجمع أهل الأرض جميعًا ما استطاعوا أن ينالوا منكم إلا ما كتب الله عليكم، ولكنكم تُغلبون أشنع الغلب، وتفقدون كل ما يتصل بالنصر والظفر بسبب إذا فسدت قلوبكم، ولم يصلح الله أعمالكم، أو إذا تفرقت كلمتكم، واختلفت آراؤكم، أما ما دمتم على قلب رجل واحد متجه إلى الله -تبارك وتعالى- آخذ فى سبيل طاعته، سائر على نهج مرضاته؛ فلا تهنوا أبدًا، ولا تحزنوا أبدًا وأنتم الأعلون }وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَن يَّتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: 35]، وهل هناك من أزمة حقيقية فى موقفنا الوطنى الحالى إلا أزمة النفوس، ووهن القلوب واختلاف الأهواء وتفرق الآراء؟ وهل كنا نطمع أن يتقدم الإنجليز أو غير الإنجليز بحريتنا واستقلالنا وحقوقنا فى أطباق من الذهب والفضة، ونحن عنها نائمون، وفى وسائل الوصول إليها متفرقون مختلفون؟. 

لا بد من جهاد طويل مرير شاق متواصل، ولن يكون هذا إلا بوحدة كاملة وأخوة شاملة، وشعور جامع يضم القلوب إلى القلوب، والجهود إلى الجهود، واستقامة مع ذلك على منهاج الحق، واتجاه سليم صحيح إلى معلم الخير، ويوم يكون هذا فلن تقف عقبة واحدة فى طريقنا، ولا بد أن نصل فى أقرب وقت بإذن الله إلى حقنا. 

إيمان وحب يتألف منهما وحدة حقيقية هى أشد ما نحتاج إليه الآن؛ فهل إليهما من سبيل؟.

اللهم ألهمنا رشدنا، ووفقنا، واهدنا وأنت نعم المولى ونعم النصير(6).

 

ميزان

} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].

هؤلاء الأوس والخزرج فى ناديهم يسمرون، وقد ألف بين قلوبهم الإسلام، ووحدت بين أرواحهم الدعوة، وأصبحوا بنعمة الله إخوانًا، اتحدت الغاية فاتحدت القلوب، وارتفع حب الدنيا من النفوس، وماتت الأغراض الشخصية فارتفع معها، ومات كل معنى من معانى الحقد أو الحسد أو الغل أو البغضاء، واجتمعوا على الله فلم يجد الشيطان إليهم سبيلا }إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً [الإسراء: 65].

ولكن شيطان الإنس أقوى عزمًا، وأنفذ سهمًا، وأقدر على تدبير المكايد، وإذكاء الشر، وإثارة الخصومة؛ فما هو إلا أن مر بهؤلاء المتحابين رهط من يهود نفسوا عليهم وحدتهم، وحسدوهم على نعمة الله التى أنعم بها عليهم، وامتلأت قلوبهم غيظًا وحنقًا، فقال بعضهم لبعض: "من لهؤلاء يذكرهم الأحقاد الماضية، والضغائن السابقة، ويثير فى أنفسهم حمية الجاهلية، ويفرق من كلمتهم ما اجتمع، ويشتت من شملهم ما توحد؟"، فانبرى لذلك أحدهم وأخذ المهمة على عاتقه، وأقبل على المجتمعين محييًا فى ابتسامة صفراء، وشاركهم حديثهم، ومال بالقول إلى ما كان بينهم فى ماضيهم من حروب دامية، وخصومات قاتلة، وإلى من فقدوا من أشرافهم وزعمائهم وآبائهم وأجدادهم حتى تلظت النفوس وحميت الأنوف، وصاح كل فريق بقبيله، واستغاثت كل جماعة بعشيرتها، وهتف الصائح بينهم بدعوة الجاهلية: يا فلان، يا فلان، وأقبل القوم سراعا من كل حدب وأيديهم على مقابض السيوف، واحتدم الأمر، واستشرى الشر، وعظم الخلاف.

ولكن غيورًا مشفقًا على الوحدة حريصًا على آثار هذه الأخوة أسرع إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم يدعوه: "يا رسول الله أدرك الناس فقد اختلفوا"، وكان الخبر مفاجأة استرعت اهتمامه عليه الصلاة والسلام، فخرج مسرعًا إلى القوم يجر رداءه حتى واجههم، ففر الشيطان لساعته، وتغشاهم الله برحمته، وأدركتهم بركة الرسول المبارك، وأفاقوا من دهشة العصبية، وذهب برد الإيمان بحمية الجاهلية، ونظر إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة الحانى العاتب، ووجه إليهم هذا الخطاب الكريم: "أهذا وأنا بين أظهركم؟ لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم وجوه بعض"، وأصغى القوم إلى هذا الخطاب، فانطلق بعضهم إلى بعض يتصافون، ويتصافحون، ويضم بعضهم بعضًا، ويغسلون بدموع الندم والتوبة والفرح آثار الفتنة العارمة الطاغية، وأنزل الله عليهم من آياته: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 100 : 103].

والميزان فى الآيات الكريمة -أيها المسلمون- أن الإيمان = الوحدة، وأن الفرقة والخلاف = الكفر؛ فما أشرك المسلمون ولكن اختلفوا؛ فعبر الله عن اختلافهم بالكفران، فقال: }يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، أى بعد وحدتكم متفرقين، وكيف تكفرون؛ أى وكيف تتفرقون؟ وتأمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدى كفارًا يضرب بعضكم وجوه بعض" تر فيه الخبر اليقين، ومصداق هذا الميزان أيضًا قول الله تبارك وتعالى: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

فمتى يستقيم فى نفوس المسلمين وفى أيديهم وفى مجتمعهم لسان هذا الميزان؟(7).

 

حول الكعبة

} وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: 26].

هناك قواعد أساسية تقوم عليها الإنسانية الصالحة، منها المساواة، والأخوة، ومقاومة الشر، وحب السلام والخير، وحسن الصلة بالله العلى الكبير.

ولقد جاء الإسلام الحنيف ينادى بهذه القواعد، ويقررها فرائض من فرائضه وأهدافًا توصل إليها كل تعاليمه وينطق بها القرآن الكريم، وتظهر جلية فى أحاديث النبى العظيم صلى الله عليه وسلم وأفعاله وكل تصرفاته.

ولكن التقرير النظرى لا يكفى وحده حتى تقوم الأعمال التطبيقية، والرموز الحسية بتجسيم هذه المعنويات وتدعيمها فى النفوس، والأفئدة، والأرواح. ولهذه المهمة الجليلة شرع الله الحج، وفرضه على المستطيعين من عباده، وقال: }وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [آل عمران: 97].

هذا الإحرام الذى يتجرد فيه كل حاج من ثيابه جميعًا، ويرتدى ثوبين اثنين بسيطين كل البساطة فى شكلهما، ولونهما، ووضعهما، إزار ورداء لا غير.. إنما هو إعلان لهذه المساواة بين الناس بزوال شارات التفريق التى تحملها هذه الملابس العادية باختلاف قيمها، وأشكالها، وألوانها، ومظاهرها. إنك لترى الحجاج وقد تجردوا من ثيابهم، وأحرموا لله رب العالمين؛ فلا تكاد تميز بين أمير ومأمور، وكبير وصغير، ورئيس ومرؤوس، ووجيه ومغمور، كل أولئك قد سوى بينهم المظهر الجديد؛ فلا اختلاف ولا تمييز.

وبهذا الإحرام يحرم على الحاج أن يحلق شعره، أو يقص ظفره، أو يقطع شجرًا، أو يهيج صيدًا، أو يقتل حشرة، أو ينال مخلوقًا بسوء؛ حتى لو لقى قاتل أبيه لما استطاع أن يمد إليه يدًا، أو يتجه إليه بانتقام، وهذا تدريب عملى يتجسم به معنى المسالمة والسلام، فتنطبع به النفوس، وتنطوى عليه الجوانح والقلوب.

وهذه الكعبة المشرفة التى رفع قواعدها إبراهيم، وأعانه فى ذلك إسماعيل إنما هى علَم الوحدة الإنسانية والأخوة البشرية، ورمز ارتباط القلوب والنفوس والأرواح }جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ [المائدة: 97] تهوى إليها الأفئدة، وتطوف بها القلوب تارة، والأشخاص تارة أخرى، وتستقبلها الوجوه فى كل مكان إيذانا بوحدة الوجهة، وتقديرًا لهذه الوحدة. والحجر الأسود فيها نقطة التقاء المشاعر الإنسانية، والعواطف الإخوانية؛ فمن صافحه فكأنما يصافح إخوانه من بنى الإنسان جميعًا، ومن قبله فكأنما يرسل إليهم على صفحته بإخلاصه ومودته ومظهر إخائه ومحبته.

وهذه الجمرات يقف أمام هدفها الحاج متمثلا أن قوى الشر قد جسمت فى إبليس لعنه الله، وأنه الآن قد طهر من الآثام، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، بعد أن سعد بوقفة عرفات، وتدلت عليه من الله الرحمات والفيوضات؛ فعليه أن يكون للرحمن وليًا، وللشيطان عدوًا، وإنه ليعرب عن كل هذه المشاعر، ويرمز إلى مدلول هذه الخواطر بهذا العدد من الحصى يقذف به وجه عدوه اللعين؛ إرضاء للرحمن، ورجمًا للشيطان، باسم الله والله أكبر.

والحاج فى كل هذه المواقف موصول القلب بالله -تبارك وتعالى-، معلق النفس والروح بمغفرته ومثوبته ورضائه ومحبته، فإذا أحرم فشعاره "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وإذا طاف فعمله دعوات صاعدة إلى السماء، وابتهال وبكاء، والتزام ودعاء، واستلام وتقبيل، وأنس برحمة الله الكبير الجليل، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

ويقول الذين لا يعلمون: إن هذه الكعبة والحجر بقية من وثنية الجاهلية أقرها الإسلام، ونقول لهؤلاء: إنما جاء الإسلام ليحطم الوثنية فى كل صورها، وليقضى على عبادة الأوثان والأصنام، وإن كل موقف من مواقف الحج إنما هو تقرير لهذه الوحدانية، وإسلام الوجوه والقلوب لله وحده الملك العلام، وإنما مَثَل الكعبة والحجر كمثل هذا العلم تنصبه الدول رمزًا لمجدها، وشعارًا لوطنها، فتخفق له القلوب، وتهتز لاهتزازه الأفئدة لا لذاته، ولكن لما يشير إليه من معنى عظيم، وشعور كريم. ولقد أراد الله الحكيم العليم أن تكون الكعبة هكذا عَلَمًا مركوزا على الأرض؛ تتجسم به الوحدة العالمية، ويرمز إلى هذه الأخوة الإنسانية، واختار إبراهيم وهو موضع التقدير والتكريم من كل أهل الأديان السماوية؛ لإنفاذ هذه الإرادة الربانية، فصدع بأمر الله واستجاب لنداء مولاه، وسأله بعد ذلك أن يتقبل عمله، وأن يبارك له فيما أولاه }وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 127-128]، ولعلها الحكمة الإلهية أن يقطع الله على هؤلاء المتربصين حبل الجدل وتشقيق الكلام بأن يختار لهذه المهمة محطم الأصنام.

وإن العمل العظيم فى مغزاه ليصغر إذا جهل الناس هدفه ومرماه، وكذلك هذا الحج الذى أقام الله به دعائم الصلاح والقوة فى الحياة أصبح عند الكثيرين عبادة آلية عادية يؤدونها، وخيرهم من يرجو بها المثوبة والأجر، أما ما وراء ذلك من المنافع المادية والروحية والاجتماعية التى أشارت إليها الآية الكريمة }لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ [الحج: 28]؛ فإنهم لا يطيلون فيها التفكير، ولا ينظرون إليها نظرة الفاحص الخبير.

فاللهم فقهنا فى ديننا، وانفعنا بهذا الفقه فى دنيانا وآخرتنا، واجعلنا جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب(8).

 

وطن

} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].

ظن الإنسان الأول أن وطنه نفسه إذا كان لا يفكر فى غيرها ولا يعنيه أمر سواها.

ثم أصبح ذا أهل وولد، فأصبح وطنه فى نظره أسرته وأهله يهتم بشأنهم، ويسعى لخيرهم وبرهم، فلما تضاعفت تبعاته، وكثرت اتصالاته.. تطور هذا الوطن فى نفسه إلى القبيلة والعشيرة، ثم إلى المجتمع والأمة فى المدينة والقطر؛ فصار يعتبر نفسه جزءًا من هذا الوطن الكبير، يألم لألمه، ويعمل لخيره، ويناضل عنه، ويذود عن شركائه فيه، ويبذل لنفسه ولهم من ماله ودمه ما توجبه حقوق هذه الشركة الوطنية.

حتى إذا رق شعور الإنسانية، ونضج إدراكها، واتسع قلبها لفقه المعانى العليا، واستطلع الأهداف السامية.. أخذ الدعاة والمصلحون يهتفون بالوطن العالمى الكبير، وبالأخوة بين بنى الإنسان؛ فالأرض مملكة واحدة، وأبناء آدم مواطنون على ظهرها، مشتركون فى خيراتها وعمارتها، وأخوة الدم والأصل والنسب، تجمعهم على ذلك، وتدفعهم إلى أن يعملوا متعاونين على استقرار الطمأنينة والسلام على ظهرها، وظلت هذه المعانى خيالات تداعب النفوس وأمانى تتراءى فى الأخيلة، وكان ضروريًا أن تبرز إلى الوجود فى صورة عقيدة تجتمع عليها الأهواء المتفرقة والآراء المتشعبة؛ فجاء الإسلام الحنيف يعلنها على الناس صريحة واضحة }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]، }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].

وفقه المسلمون الصادقون هذا، فقدروا أخوة العقيدة قدرها، وعلموا أن دينهم وطن وجنسية، تجتمع عليها النفوس المتخالفة والأهواء المتفرقة؛ فكل شبر أرض فيه مسلم يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" جزء من هذا الوطن الكبير، والأرض بعد ذلك كلها وطن واحد إن عرفت ربها، واتصلت به، وقدرت العالمية الإلهية التى جاء بها الإسلام }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].

وقد اجتاز الرحالة المسلم "ابن بطوطة" كل حدود هذا الوطن الإسلامى من فاس ومراكش عند شواطئ الأطلسى إلى أقصى الصين على سواحل الهادى، فلم يُسأل عن جواز سفر، ولم يتوقف سيره حتى يحصل على تأشيرة المرور، وكان يجد نفسه فى كل قطر من هذه الأقطار ودار من تلك الديار فى وطنه وبين أهله وإخوانه }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، ويوم ينزل البطل المجاهد المغربى الأمير محمد عبد الكريم مصر، ويحل برحاب الفاروق العظيم؛ فإنما ينزل وطنه، ويلقى أهله بحكم هذه الوحدة الإيمانية التى تفرض على كل قلب فى هذا البلد العزيز أن يحل فيه ضيفه الكريم، وهكذا يسبق القانون الربانى القانون السياسى الذى يقول بحماية اللاجئين السياسيين، ولعل من الخير للدول المتعنتة أن تفقه هذه الحقائق، وأن تساهم هى الأخرى بدورها فى إقرار مبادئ الأخوة والمودة والسلام على هذه الأرض من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله.

والله أكبر ولله الحمد(9).

 

دعاء وفداء

} وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الألْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة: 197-198]. 

ليست هيئة الأمم المتحدة هى هذه التى يتردد اسمها على صفحات المجلات والجرائد، وتتجه إليها الأنظار بالباطل، ويتلمس الناس على يديها حل عويصات المشكلات، والتى تحتل هذا القصر المشيد فى أمريكا مجهزًا بأفخم الأثاث وأفضل الرياش ونور الكهرباء ومكيفات الهواء، يفد إليها ممثلو الحكومات المختلفة، تحركهم مختلف الدوافع، وتقودهم الأهواء والمطامع، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى. لا.. لا.. تلك هيئة زائفة، أولى بها أن تسمى هيئة الحكومات المختلفة، أما هيئة الأمم المتحدة "الحقيقية" فهى تلك التى وحدتها الغاية السامية، وجمعها الهدف الكريم المشترك، واستجابت لندائها القلوب المخلصة من أبناء الأمم والشعوب المؤمنة؛ فاجتمعوا فى صعيد واحد مهما تناءت أوطانهم وتباعدت ديارهم، وتراصوا فى نظام واحد، وقد صفت منهم القلوب، وطهرت النفوس، وتجردت من كل شىء، إلا من معنى الإنسانية الخالصة النقية، وكانوا عنوان الوحدة فى كل شىء؛ فى الهدف والملبس والمظهر والمكان والزمان.

هذه هى الأمم المتحدة التى تجتمع كل عام بدعوة من الله فى "عرفات" لا تمثل خمسين دولة، ولكن تمثل كل أمة أسلمت لله وجهها، وأخلصت لوجهه عملها، وكانت من المؤمنين، وفى هذه الهيئة ترتفع أصوات المجتمعين "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، وتتجه قلوبهم إلى الله العلى الكبير يسألونه من فضله، ويتلمسون طرائف الهداية بنوره، ويلحون عليه فى الدعاء أن يكتب لهم وللناس الخير، ويهدى الجميع صراطًا مستقيما؛ فتتفتح أبواب السماوات، وتتنزل عليهم الرحمات، وتغمرهم من الله الفيوضات، ويعودون كيوم ولدتهم أمهاتهم لا إثم ولا جريرة، قد غفر الله لهم، وتجلى بفضله عليهم وهو الغفور الرحيم }وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة: 201-202].

فإذا أفاض هؤلاء الملبون الداعون، المهللون المكبرون من عرفات، وضمهم بطن الوادى من مزدلفة، وسالت بأعناق المطى الأباطح من منى، واهتزت أعلام الرحمة على ذوائب الحنيف وتنير لداعيها، تداعبها أشعة شمس الصباح من يوم النحر.. رأيت أروع مظاهر التضحية والفداء.

فهذه الأنعام التى تراق دماؤها، وتوزع لحومها، ابتغاء مرضات الله، والله تبارك وتعالى هو الغنى الحميد: }لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ [الحج: 37] هذه الدماء المهراقة، وهذه الدموع الرقراقة.. إنما تذكر المضحين بأروع أمثلة التضحية، بإبراهيم عليه السلام وقد بلغ ابنه الحبيب معه السعى على كبر سنه، ويأس أهله، وشوقه إلى البنين وحاجته إلى المعين، يوحى إليه أن يذبح هذا الابن العزيز بيده، فلا يتردد فى إنجاز ما أمر به، ويفاتح الغلام الحليم العليم فى هذا الأمر الربانى الكريم، فيقابله بمحض التفويض والتسليم: }يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102]، ويتهيأ الوالد الشفيق لإنفاذ أمر ربه، ويمسك بتلابيب فلذة كبده، ويهم بعد ذلك بذبحه، فيأتيه النداء بالفداء: }يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: 104 : 107].

أيها المسلمون، أنتم اليوم فى ذكرى الدعاء والفداء، وقد يتهيأ لكم من ذلك ما لم يتهيأ لأحد من قبلكم، ولن يتهيأ لغيركم؛ فهذه الآلاف المؤلفة فى الأرض المقدسة تجتمع على قلب رجل واحد، تسأل الله وتدعوه، وتلتجئ إليه وترجوه؛ فشاركوها بقلوبكم إذ عز عليكم أن تكونوا معها بأجسامكم، وهذه الذكرى الخالدة على مر الأيام والسنين توحى إلى النفوس المؤمنة بالأسوة الحسنة، والقدوة الطيبة }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: 4]؛ فاخرجوا لله -تبارك وتعالى- عن القليل من مطامعكم وآمالكم، وابتغوا ما عنده بتقديم ما تستطيعون من أنفسكم وأموالكم؛ جهادًا فى سبيله، وابتغاء مرضاته، وإحسانا إلى عباده، وبرًا بالضعفاء والمساكين من خلقه، وواسوا المحرومين والمنكوبين فى هذه المواسم بأكثر ما تقدرون عليه، يكتب الله لكم الخير فى الدنيا والمثوبة فى الآخرة.

وإنى لأتقدم إليكم مهنئًا بهذا العيد الكريم، سائلا الله -تبارك وتعالى- أن يرفع عنا هذا الوباء، وأن يلطف بنا فى هذا القضاء، وأن يأخذ بيدنا جميعًا إلى مناهج التوفيق والسداد والبر والرشاد، وإنه أكرم مسئول وأفضل مأمول(10).

المصادر

  1. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 66 – صـ1، 4 – 20شعبان 1365هـ / 19يوليو 1946م.
  2. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 60 – صـ1، 4 – 13شعبان 1365هـ / 12يوليو 1946م.
  3. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 84 – صـ1 – 12رمضان 1365هـ / 9أغسطس 1946م.
  4. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الأولى – العدد 5 – صـ12 : 14 – 20ربيع الأول 1352هـ / 13يوليو 1933م.
  5. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الثانية – العدد 7 – صـ5، 6 – 2ربيع الأول 1353هـ / 15يونيو 1934م.
  6. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 222 – صـ1 – 1ربيع الأول 1366هـ / 23يناير 1947م.
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 271 – صـ1 – 28ربيع الآخر 1366هـ / 21مارس 1947م.
  8. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 147 – صـ1 - 29ذو القعدة 1365هـ / 24أكتوبر 1946م.
  9. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 336 – صـ1 – 17رجب 1366هـ / 6يونيو 1947م.
  10. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثانية – العدد 454 – صـ1 – 10ذو الحجة 1366هـ / 24أكتوبر 1947م.
المقال التالي كتابات الإمام البنا في بعض القضايا السياسية المعاصرة له
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا