كتابات وتفسير الإمام حسن البنا لآيات من سورة البقرة

إعداد موقع الإمام حسن البنا

في هذه الموضوعات كان الإمام حسن البنا يتخير آيات مختلفة لعلاج قضايا تربوية ومنها بعض الآيات في سورة البقرة، حيث فسرها بطريقتين: طريقة الخواطر والمواقف التربوية الخفيفة، وبعض الآيات قام بتفسيرها تفسيرا كاملا تحت عنوان نظرات فى مقاصد القرآن الكريم.

حيث بدأت هذه الخواطر إبان ظهور مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية فى الثلاثينيات في الفترة من 1933 واستمر فيها حتى عام 1948م.

وكانت أهم سمة تجمع تلك المقالات أنها تعالج واقعًا معينًا وتهدف من وراء تلك المعالجة إما لتبيان وجه الحق فى واقعة معينة أو إرشاد الأفراد وتربيتهم على معنى من المعاني السامية، أو غير ذلك من الأغراض.

 

صفحة من الوطنية فى كتاب الله

}أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا للنبى لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فى سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فى سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلا مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فى ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة 246-248].

من أسباب انهيار الأمم:

كان موسى فى بنى إسرائيل هاديًا مرشدًا يقودهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويبلغهم أمر الله، فكان نعم الزعيم لهم ونعم الباني لأمتهم، حررهم الله على يده من خصومهم ورد عليهم ملكهم ووطنهم، وأعادهم أمة جديدة مجيدة كما كانوا من قبل.

وذهب موسى وقضى هارون فدب إليهم داء الأمم، شاخت الأمة وكبرت وتلهت عن الحق فضعفت، فسلط الله عليها أعداءها يقضون على حريتها ويخرجونها من ديارها وأبنائها، تركت بنو إسرائيل التوراة وأحكام التوراة وتشريع التوراة فغزتهم العمالقة واقتحموا ديارهم واستعمروا أوطانهم واستأثروا بها دونهم، فانظر كيف يكون جزاء الأمم إذا أهملت شأنها وخرجت على مقوماتها؟!

الجهاد هو السبيل:

أخذ العقلاء من الشعب يفكرون فى شأنهم ماذا يكون موقفهم، أيقرون الذل أم يرضون بالضيم؟ أيتركون هذه البلاد نهبًا مقسمًا للغاصبين وطعمة سائغة للمستعمرين، ملكهم ومجدهم ووطنهم وديارهم كل هذه ينسونها ويغفلون عنها؟ كلا إن الشعب الحي لا يرضى بالمذلة، وإذن فلا بد من تخليص الوطن.

وبِمَ نخلِّص الوطن من أيدي الغاصبين؟ نتحدث إليهم؟! نرجوهم؟! نتملقهم؟! لا لا.. إن الغاصب لا يفهم لغة الحق، ولا يذعن لصوت الإنصاف، وإن حرية الأمم والشعوب لا تُنال بالكلمات، فلا بد إذن من العمل. وما العمل؟ لا بد من القتال، لا بد من الجهاد فى سبيل الحق المغصوب والمجد المسلوبين وهكذا رأى زعماء بنى إسرائيل أنه لا نجاة للوطن إلا بالقتال فى سبيل الوطن. وهنا لجئوا إلى نبيهم وهو المرجع إذا لَجَّ بهم الأمر، وهو الزعيم الروحي الذى يتنزل عليه أمر السماء، رجعوا إلى نبيهم فقصوا عليه القصص وطالبوه أن يختار لهم زعيمًا عمليًّا عسكريًّا يقود جمعهم ويرأس كتيبتهم، وهنا نرى صورة واضحة من وجوب تعاون قوى الأمة فى سبيل درء الخطر، وكيف يجب أن ينهض كل إنسان فى الأمة بالناحية التى يحسنها حتى تتناسق النهضة وتؤتى أكلها، كان فى وسع نبى بنى إسرائيل أن يدعى لنفسه القيادة الحربية أيضًا، ولكنه علم أن مهمته روحية يشير ويرسم الخطط ويلهب الحماس ويغذى النفوس ويصلح الأرواح، أما الميدان والقتال والكر والفر فهناك آخرون يجب عليهم أن يقوموا بنصيبهم فيه.

ميدان القول غير ميدان العمل:

ونبي بنى إسرائيل -عليه السلام- وهو شمولي أو شمعون على الخلاف فى اسمه أيًّا كان، فإنما يريد القرآن أن يعرض علينا الصورة من حيث هى بعيدة عن الأشخاص والأزمان؛ لتكون نموذجًا يطبق على العصور وينتظم جميع الأمم. هذا النبى الكريم يعلم نزوات النفوس ويعلم البعد الشاسع بين الكلام والتنفيذ، ويعلم سعة الهوة بين القول والعمل، ويعتقد أن الحماس الوقتي شىء والإيمان الثابت القوى شىء آخر، وكثير من الناس يتحمسون فى الرخاء ويهربون فى العناء.

فأراد أن يستوثق منهم ويستنهض عزيمتهم فقال: }هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فى سَبِيلِ اللهِ [البقرة: 246] وذكروا فى حماس وحدة ذلك السبب الذى أهاج نفوسهم وأثار حماستهم وهو تخليص الوطن والأبناء، ثم يذكر الله -تبارك وتعالى- صدق فراسة ذلك النبى الكريم، وكيف أنهم حين جدَّ الجد، وكتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، ووصف الحق -تبارك وتعالى- هؤلاء الفارين بأنهم ظلموا أنفسهم، وهو عليم بهذا الظلم فلا يدعه لهم، وسيؤاخذهم عليه أشد المؤاخذة. ألا فليستوثق المجاهدون، وليعلموا أن الجهاد جهد وعناء.. فهل هم مستعدون؟

قضى الأمر، ودوى النفير، ونادى منادى الجهاد وبقي الزعيم، والزعيم والزعامة صخرة تتحطم أمامها الجماعات، وتحيا عندها المطامع، وتتمرد لها النفوس، وتدب عقارب الغايات والأغراض. فمن يا ترى سيكون زعيم الجماعة المجاهدة فى سبيل الوطن المغصوب؟ أخذ الأشراف يعدون أنفسهم للزعامة المنتظرة، ولكن الزعامة فى ساعة الخطر أسمى من المواريث والتقاليد، وفوق العرف والعادات، إنها المواهب وكفى!

استعد الأشراف بحكم منزلتهم ومنصبهم لتلقى راية القيادة من النبى الكريم، ولكن النبى الكريم عدل بها إلى رجل من عامة الناس، إنه أعطى الراية طالوت، وما طالوت إلا سقَّاء أو دبَّاغ من سبط بنيامين الذي لم يتشرف من قبل بالملك ولا بالنبوة، وهنا وقع ما ينتظره من تقلب النفوس وتحرك الأهواء، فهب الأشراف والنبلاء ينكرون على طالوت حقه المكسوب، ويقولون فى عزة وإباء: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال؟ يا سبحان الله حتى فى ساعة الخطر لا يريد الناس أن يتحرروا من الأوهام! ولكن النبى الكريم أجابهم فى هدأة وسكون: إن الله اختاره لكم لموهبته أنه أقواكم جسمًا، والجهاد فى حاجة إلى القوة، إنه أوسعكم علمًا، والجهاد فى حاجة إلى العلم؛ لهذا اصطفاه الله عليكم، ولهذا آثره الله بالملك، ولهذا أيده الله لأول مرة بأن أعاد إليكم التابوت والتوراة وما فيهما من خير تركه آل موسى وآل هارون.

أيتها الأمة المجاهدة، اختارى الرجال للقيادة، واجعلى الأساس المواهب والرجولة، ودعي ما سوى ذلك من المقاييس، واعلمى أن أساس النهضات قوة وعلم أو عقل وجسم يمدهما إيمان ثابت ويقين راسخ وشعور فياض.. فهل أنتم سامعون؟!

وبذلك ينتهي الدور الأول من أدوار تكوين الأمة المجاهدة؛ فنرى جماعة اتحدت على المطالبة بحقها، وتعاونت قوتها الروحية والعملية فى سبيل الوصول إلى هذا الحق، ووجد القائد الذي ترتكز بيده الراية، ومن خلفه الجنود يرقبون ساعة الجهاد، وسنرى بعد ذلك من أمرهم ما سيكون(1).

 

 

صفحة من الوطنية فى كتاب الله(2)

}فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة: 249-251].

ابتلاء وتمحيص:

ها هى الأمة المجاهدة قد سوت صفوفها، وأعدت كتائبها، ووقفت مع قائدها تنتظر الأمر وترقب النصر، ولكن هل هذا يكفي؟ هل مجرد دعوى المدعين ترفعهم إلى صفوف المجاهدين؟ وهل كل من زعم أنه بطل شجاع وعامل مُجدٌّ يكون كذلك إذا جد الجد؟ ذلك ما تثبت التجربة خلافه، وذلك ما ينقضه تاريخ نهضات الأمم، وذلك ما يعلم الله أن نفوس البشر لم تطبع عليه، ووجود الأدعياء فى صفوف المجاهدين خطر على كتيبتهم؛ إذ ينهزمون لأول معركة، فيسرى الخور منهم إلى الشجعان المغاوير.

وإذن فمن الواجب فى بناء الكتيبة الأولى أن تكون سليمة اللبنات قوية الأسس ثابتة الدعائم، وإذن فلا بد أن يخرج من بين أفرادها ضعاف النفوس ومجاهدو الأقوال والألسن، وإذن لا بد من الاختبار والابتلاء حتى تتمحص الكتيبة ولا يبقى فى مواجهة العدو إلا الثابتون المخلصون، وذلك ما كان.

سار الجيش فى مفازة قاحلة واجتاز صحراء قفر، فأخذ العطش من الجنود كل مأخذ، وأخذوا يعللون النفس بالماء يروون به الظمأ، وينقعون به الغلة، حتى إذا ما تراءى لهم النهر من بعيد، ورأوا الماء يلمع كأنه المرآة المجلوة، وأخذوا يتهيئون للري، وإذا بأمر القائد العام ألا تشربوا، ولا يباح لكم من هذا الماء إلا غرفة واحدة لمن شاء؛ فمن خالف فليعتزلنا وليعتزل كتيبتنا، وليقعد فى بيته.

وكانت تلك أول معركة بين الجنود وبين أنفسهم أولا حتى إذا انتصروا على النفوس ووثقوا بالعزائم كان ذلك عربون النصر على الأعداء.

بدأت المعركة فلم يثبت فيها إلا قليل، وصرع الظمأ الأدعياء فذابت عزائمهم أمام حرارته فانخزلوا عن الكتيبة، وبقي المجاهدون الثابتون، وقليل ما هم.

لا يضر الكتيبةَ قلةُ العدد ما دامت كثيرة الإيمان، وقف خالد فى حروب الردة أمام جيش مسيلمة، وفى جيش خالد أخلاط من أهل القرى والبوادي يكثر بهم السواد وتذهب مع كثرتهم النجدة، فلما طال به الأمد ميز الناس فلم يبق إلا المؤمنون الصادقون من الأنصار والمهاجرين فكانت النصرة وكان التأييد؛ ذلك أن الله لا ينصر بكثرة عدد ولا بكمال عدد، وله سبحانه وتعالى جند السماوات والأرض، ولكن ينصر بالثبات والصبر.

ثبات القلة المؤمنة:

بقي القلائل الثابتون من جيش طالوت، وجاوزوا النهر وعزموا على مناجزة عدوهم، وهم يعلمون أن عدوهم كثير العدد كامل العدة شديد البأس، وعلى رأسه جالوت القوى الشجاع، ونظر جيش طالوت إلى قلة عدده فقال بعضهم لبعض: }لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ.

كادت هذه العاطفة اليائسة تسري بين الجنود فتقتل معنويتهم، وتقضى على ثباتهم، وكيف وهم المنتخبون المختارون؟! وكيف وهم البقية الباقية من المجاهدين فى سبيل الوطن المغصوب؟! وهنا علا صوت الإيمان فى قلوب أهل الإيمان، وهنا ظهرت العقيدة الصادقة تفصح بأجلي بيان، وهنا يظهر الفارق البعيد بين المؤمنين والمأجورين، قال الذين يظنون ويعتقدون بنصر الله إياهم وتأييده لهم، وأنه من ورائهم وأنهم لا شك مائتون؛ فموت فى ساحة الشرف خير من موت على فراش المذلة، قال هؤلاء: }كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249]، وإذن فلا قنوط، وإذن فلا معنى لليأس، وإذن فَلْيَسِر الجيش المجاهد على بركة الله.

التقاء الجمعين:

تراءت الفئتان؛ فهذا الغاصب المعتدى المعتز بقوته وجبروته وصولته وجنوده، وهذا المؤمن المدافع عن دينه وعرينه يستمد النصر من الله ويلجأ إليه فى كل أحواله: }رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: 250] فلم يكن إلا رجع الطرف حتى نصر الله كتيبته وأعلى كلمته وأيد جنده، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت ملك العمالقة، وورثه فى ملكه، وأفاض الله عليه الحكمة وشرفه بالنبوة، وعلمه مما يشاء.

وبعد، فهي عبرة للشرق اليوم، والتاريخ يعيد نفسه، وإن داود الشرق لرابض بالمرصاد لجالوت الغرب لو وجد الأنصار المؤمنين.. فهلا!!(2).

 

فى سبيل الكرامة

}وَقَاتِلُوا فى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة: 190-193].

فى الآية الكريمة مشروعية القتال فى الإسلام، وأسباب هذا القتال، والضمانات التى وضعها الشارع ليكون هذا القتال خيرًا لا شر معه.

مشروعية القتال فى الإسلام:

فأما مشروعية القتال فى الإسلام، فإن الإسلام يفترض المسلم جنديًّا لأول إيمانه بصحة تعاليم الدين واعتناقه إياها، وما ذكر الإيمان فى موطن إلا وذكر معه الجهاد فى أغلب الأحايين، وأن القرآن الذي يقول: }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: 183] هو القرآن الذي يقول: }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة: 216].

وفى كل تشريعات الإسلام تحضير لطبع النفس المسلمة بطابع الجهاد فى سبيل الله، فليس فى الدنيا نظام يطبع متبعيه على روح الجندية الصحيحة كما يطبع الإسلام نفوس أبنائه عليها والقول فى ذلك يطول، وإن أفضل القربات إلى الله أن يخرج الإنسان لله وشريعته عن نفسه وماله، لا يختلف فى ذلك اثنان من المسلمين.

وإذا كان ولا بد من أن نستخدم الاصطلاح الفقهي؛ فالجهاد فرض كفاية لنشر الدعوة الإسلامية، وفرض عين لرد عدوان غير المسلمين على أرض الإسلام وبلاد الإسلام.

إذن فالجهاد فريضة، وإذن الجهاد قربة بل أفضل قربة؛ ولهذا كانت الشهادة فى سبيل الله أقرب الطرق إلى الجنة، وكانت الجنة تحت ظلال السيوف، وكان للشهيد مميزاته فى الدنيا والآخرة، وليس بين الموتين فارق إلا أن الشهيد ينجو من فتنة الموت إذ فتن ببارقة السيوف، وينجو من السكرات إذ رآها رأى العين، أما غيره فيتذوق هذه السكرات وتعترضه الفتنات، ولذا كان الجهاد أولا وأخيرًا يلي الإيمان فى فرائض هذا الدين، ويحتل منها ذروة السنام وكفى.

أفَلَسْتَ بعد ذلك ترى أن المسلم جندي بطبعه؟ وترى الافتراض واضحًا صريحًا فى قوله تعالى: }وَقَاتِلُوا فى سَبِيلِ اللهِ [البقرة: 190] والأمر للوجوب. قال قوم، منهم أبو جعفر الرازي: إن الفريضة فى هذه الآية قتال من قاتلنا؛ فهي فريضة دفاعية، وأن سورة براءة زادت على هذه الآية أن نقاتل للدعوة، فأتت بالفريضة الهجومية أيضًا، واستدل لرأيه هذا بظاهر لفظ الآية }وَقَاتِلُوا فى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة: 190]. وقال غيره: كلا، بل الأمر فى الآية الكريمة عام يشمل الدفاع والهجوم معًا، وأن قوله تبارك وتعالى: }الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة: 190] إغراء وتهيج وذكر لبعض أسباب القتال، وأن ما جاء فى براءة وغيرها مؤكد لهذه الآية لا مجدد لحكم زائد. ومهما يكن من شىء فقد اتفق الطرفان على أن القتال واجب فى الدفاع وفى الهجوم متى توفرت أسبابه الشرعية.

إلى هنا نقول لمن يريدون طبع الأمم على التربية العسكرية: هذا حظكم الذي تنشدون، ولن تجدوا تشريعًا يساعدكم على تحقيق غايتكم كهذا التشريع الذي يجعلها فريضة لا فكاك منها إلى ما يمتاز به من قداسة ونور وبرهان.

ولماذا يقاتل المسلم؟

أيقاتل المسلم طلبًا للعسل واللبن كما قاتلت الجنود الصليبية فى القرون الوسطى؟

أم يقاتل طلبًا للبترول والفحم والأسواق والخبز والمأوى كما تقاتل جنود الغرب الآن؟

أم يقاتل عتوًّا وتجبرًا وطغيانًا وخيلاء كما حارب نابليون بجنوده قيصر الروس؟

كلا، المسلم لا يقاتل لهذه الأغراض أبدًا، ولكن المسلم حين يقاتل يقاتل لله. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله".

يقاتل المسلم لغايات نبيلة وأغراض سامية، أشارت الآية إلى بعضها، يقاتل المسلم دفاعًا عن كرامته وذيادًا عن وطنه وحفظًا لدمه، والقتل أنفى للقتل، وموضع ذلك فى الآية الكريمة قوله تعالى: }الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة: 190]، وقوله تعالى: }وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة: 191].

ويقاتل دفعًا للفتنة ودرءًا للشر، وانتصارًا للضعفاء الذين يريد الأقوياء أن يفتنوهم عن عقائدهم بما لهم من قوة وجبروت.

ولأن تبقى الفضيلة على الأرض خير من أن تعيش الأجسام على أنقاضها، فإذا دار الأمر بين الفضيلة بثمن من الدماء والأرواح وبين الجسوم والدماء بغير فضيلة ولا حرية ولا كرامة؛ فأجدى على العالم أن تهرق الدماء وتسيل النفوس من أن تنهار مبادئ الحق وتندك معالم الفضائل، وموضوع هذا المعنى من الآية الكريمة قوله تعالى: }وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: 191].

ويقاتل نشرًا للعدل بين الناس وتعميمًا لمبادئ السمو والنور، وتبليغًا لرسالة الله التى كلفه إبلاغها، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الأمم كافة فبلغ من عاصره وهم من بعده نوابه فى إبلاغ دعوته، أمناء عليها إلى يوم القيامة مأمورون بتبليغها حتى لا يبقى فى الأرض كافر واحد، وموضع ذلك فى الآية الكريمة قول الله -تبارك وتعالى-: }حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ [البقرة: 193].

فإذا قيل للناس هذه المبادئ واعتقدوها فقد انتهى الخلاف بينهم وبين المسلمين، وقد سوى الإسلام بين الجميع، وأظلهم تحت راية علم خافق من العدل والإنصاف والحرية والمساواة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". ذلك إلى مغفرة من الله ورضوان وثواب وإحسان، وموضع هذا المعنى من الآية الكريمة: }فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: 193]. هذا وحشىُّ قاتل حمزة -سيد الشهداء- يسلم، فإذا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وهذه هند بنت عتبة آكلة الكبد تسلم فيصافحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسى لها سالف عدائها، والإسلام يَجُبُّ ما قبله.

ما أسمى الغاية التى يقاتل لها المسلم وما أجلَّها، وما أحوج الإنسانية فى عصرها هذا إلى سيف من سيوف الله يحمى فيها مبادئ العدالة العامة، ويقيم ميزان الإنصاف الذي أمالته الأغراض والأهواء وقضت عليه مظاهر الرياء.

من أخلاق القتال فى الإسلام:

وإذا قاتل المسلم فكيف يقاتل؟ أينتهك الحرمات، ويخرق المعاهدات، ويعبث بالقوانين، ويوغل فى الفتك والتدمير، ويستخدم كل سلاح حتى الغازات الخانقة والسامة والمشوهة كما يفعل ذلك متمدنو القرن العشرين؟

كلا إن المسلم الجندي بطبعه الذي يقاتل لأسمى غاية لا يلجأ إلى مثل هذه الوسائل أبدًا، إنه نبيل فى خصومته بقدر ما هو شريف فى غايته، وهل ترى أنبل فى الخصومة من هذا القانون الذي يمليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قادة جيوشه "اخرجوا باسم الله قاتلوا فى سبيل الله من كفر بالله، لا تعتدوا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع".

وفى الحديث الآخر "إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور"؛ وفى وصية أبى بكر رضى الله عنه لجيشه "لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا طفلا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تعقروا بعيرًا إلا للأكل، وستمرون على قوم ترهبوا فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له". أى تعاليم هذه! وأي قانون دولي جمعها هذا الجمع ولخصها هذا التلخيص! وأية أمة التزمتها كما التزمتها جنود الإسلام الفضلاء حتى إذا تم للمسلم الغلب وواتاه النصر فهو فى نصره نبيل كريم كما هو فى غايته وحربه، يستعمر للتعليم والإرشاد والتحرير والإسعاد!

ويقول حذيفة رضى الله عنه: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا فقال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداوة، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم، فاستعملوهم، وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة". هذا مثلٌ يجمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إحياء الأمل وإرشاد الأمم، أمةٌ ضعيفة غزتها قوية، فنصر الله الضعيفة على عدوتها فلما انتصرت ظلمت القوية التى ضعفت، فغضب الله عليها بذلك حتى ولو أن هذه المظلومة كانت معتدية، فانظر كيف يحيى رسول الله صلى الله عليه وسلم آمال الضعفاء ويلزمهم العدالة إذا صاروا أقوياء.

فالمسلم حين يحارب لا يخرق قانون الفضيلة، الفضيلة الناصعة البيضاء التى تمليها الأرواح الصافية والإنسانية الكاملة لا الفضيلة الصناعية التى يمليها الرياء السياسي فى صحف المعاهدات حتى إذا فتشت عنها لم تجدها شيئًا.

والمسلم إلى جانب هذا يحترم المقدسات ولا يمسها إلا إن أصابه منها العدوان، واستخدمت فى غير ما وضعت له، وموضع ذلك كله من الآية الكريمة قوله تعالى: }وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190]، وقوله تعالى: }وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة:191].

ما أحوج العالم فى ظَرْفه هذا الدقيق إلى كتيبة إسلامية تؤمن بهذه المبادئ الربانية السامية علمًا وعملا، فتتخلص من قيود هذه البيئة الفاسدة وتدعم السلام فى العالم بالقوة الفاضلة، وتقضى على هذا الاضطراب بسيف من سيوف الله(3).

 

فى سبيل الكرامة(2)

} الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنْفِقُوا فى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 194-195].

سبب النزول:

قال عكرمة عن ابن عباس والضحاك والسدى وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرًا فى سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين فى ذي القعدة -وهو شهر حرام- حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها فى السنة التالية وأقصه الله منهم، ونزلت الآية الكريمة.

وقال الإمام أحمد رضى الله عنه بسنده عن جابر قال: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو فى الشهر الحرام إلا أن يغزى، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ". ولقد حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين من هوازن فأتى عليه ذو القعدة وهو محاصرهم بالمنجنيق فلم ينصرف عنهم إلا بعد مضى أيام من شهر ذي القعدة، ثم اعتمر، وانصرف إلى المدينة.

وجوب احترام المقدسات:

هذا الذي رويناه لك يؤيد ما تقدم من احترام المسلم المجاهد للمقدسات؛ فلا يعتدى عليها حتى يبدأه أهلها بالعدوان، وهو حين يقف هذا الموقف يلتزم فيه حدود رد العدوان فقط ولا يكون معتديًا، هذا الروح العادل واضح جلى فى قول الله تعالى: }الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194]. وبديهي أن مقابلة العدوان بمثله ليست عدوانًا، ولكن الآية الكريمة عبرت عنها بكلمة }فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ تأكيدًا للمماثلة والمشابهة حتى فى الألفاظ، وبيانًا لأن رد العدوان مطلوب حتى ولو استدعى ذلك أن نقابل عمل العدو بعمل آخر يدفعه وإن لم يكن شبيهًا له فى الصورة، ثم أكدت الآية الكريمة هذا الروح النبيل العادل ببيان أن المجاهد إذا التزم هذا الحد واتقى العدوان وابتعد عنه كان الله معه يحوطه ويؤيده بنصره.

نماذج من أنواع الجهاد .. الجهاد بالمال:

ومن الجهاد جهاد بغير النفس وهو الجهاد بالمال، وقد ندب الإسلام إليه فى كثير من آياته ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وحسبنا قول الله -تبارك وتعالى-: }وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فى سَبِيلِ اللهِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى [الحديد:10]. والآيات والأحاديث فى ذلك أكثر من أن تحصر، ومنها الآية الكريمة التى نحن بصددها، ولهذا كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- من أسخى الناس بأموالهم فى سبيل الله.

كانت أموال أبى بكر رضى الله عنه أربعين ألفًا، أنفق منها خمسة وثلاثين ألفًا على الدعوة، وجاء ذات مرة بكل ماله، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "وماذا أبقيت لعيالك يا أبا بكر؟ فقال: "أبقيت لهم الله ورسوله". 

وجاء عمر بنصف ماله، وجهز عثمان جيش العسرة واشترى بئر رومة وجعلها صدقة للمسلمين. ودفع عبد الرحمن بن عوف نصف ماله، ودفع معه "الأراشى" صاعًا من تمر هو نصف أجره ذلك اليوم، فتقوَّل المنافقون ولمزوهما بالرياء، فأنزل الله قوله تعالى: }الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فى الصَّدَقَاتِ [التوبة: 79]؛ يعنى عبد الرحمن بن عوف وأمثاله، }وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 79] والآثار فى ذلك كثيرة.

وهم -رضوان الله عليهم- فوارس هذا الميدان، امتثالا لأمر الله وبذلا فى سبيله، وإيثارًا لما عنده؛ فذلك أثر قوله تعالى: }وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللهِ [البقرة: 195].

وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ:

ولقد أراد قوم بعد أن فتح الله على المسلمين ونشر دعوتهم أن يركنوا إلى السكينة ويدَعُوا الجهاد ويبخلوا بالنفقة، ويقيموا فى الأموال والزروع اكتفاء بما فتح الله عليهم، فأنزل الله الآية الكريمة، وفيها: }وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] إلى الهلاك بالإخلاد إلى الراحة وترك الجهاد. قال الحسن: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة: هو البخل. وقال آخرون: بل الإلقاء باليد إلى التهلكة أن يذنب الرجل فلا يتوب من ذنبه.

وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه فى قوله تعالى: }وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال: يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر له، فأنزلها الله. (رواه ابن مردويه).

وقال غيرهم: بل نزلت فى القوم يخرجون إلى الجهاد بغير نفقة فيجوعون أو يكونون عالة، فأوصاهم الله بالتزود للخروج.

وأيًّا ما كان سبب نزول هذه الآية أو محملها فليس المقصود بالإلقاء باليد إلى التهلكة الاستبسال فى لقاء العدو، ولا طلب الموت فى سبيل الله، ولا المسارعة إلى الشهادة، ولا أن يلقى الرجل الجيش فلا يرهبه بل إن ذلك مما يُرضى الله تبارك وتعالى، ويدل على قوة الإيمان وثبات اليقين والفناء فى الغاية وتقدير ثواب الجهاد فى سبيل الله، وهذا ما فهمه السلف -رضوان الله عليهم- من الآية الكريمة وإليك المثل من ذلك.

1-     عن أسلم بن عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرنا. فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببًا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا }وَأَنْفِقُوا فى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195]، فكانت التهلكة فى الإقامة فى الأهل والمال وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد فى تفسيره وابن أبى حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى فى مسنده وابن حبان فى صحيحه والحاكم فى مستدركه، ولفظ أبى داود فيه: "فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه، فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار؛ أننا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها فأنزل الله هذه الآية".

2-     وقال أبو بكر بن عياش عن أبى إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: }فَقَاتِلْ فى سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ [النساء: 84] إنما هذه (أى التهلكة) فى النفقة، وفى رواية: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ولا يتوب.

3-     وعن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله تعالى: }وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] ليست ذلك فى القتال إنما هو فى النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة فى سبيل الله.

وهكذا نرى الإسلام الصحيح يقتضي المسلم نفسه وماله، وهل أعز من النفس والمال؟ وهاأنت ترى أن الآية الكريمة لا تصلح حجة للمتقاعدين المثبطين الذين يجبنون عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والدعوة إلى المجاهدة فى سبيل الله، فإذا اعترضهم معترض احتجوا بالآية الكريمة، ولاذوا بها وهي عليهم لا لهم.

ثم ختمت الآية الكريمة بقول الله -تعالى-: }وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195]، فمن امتثل فقد أحسن، ومن أحسن أحبه الله، ومن أحبه الله سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا. 

فاللهم أسعدنا بمحبتك واجعلنا فداء لشريعتك(4).

 

من سنن الله فى تربية الأمم

} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214].

سبب النزول:

قال قتادة والسدى: نزلت هذه الآية فى غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى، وقيل نزلت فى حرب أحد.

وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد عليهم الضر؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم النفاق، فنزلت الآية الكريمة تطييبًا لقلوب المسلمين.

وأيًّا ما كان سبب النزول فإن الآية الكريمة تقرر سنة من سنن الله فى حياة الأمم.

الأمم بين طور القوة وطور الضعف:

ذلك أن كل أمة بين طورين لا ثالث لهما يخلف كل منهما الآخر، متى توفرت دواعيه وأسبابه، هذان الطوران هما طور القوة وطور الضعف.

فالأمة تقوى إذا حددت غايتها، وعرفت مثلها الأعلى، ورسمت منهاجها، وصممت على الوصول إلى الغاية وتنفيذ المنهاج ومحاكاة المثل مهما كلفها ذلك من تضحيات.

إذا صدقت عزيمة الأمة وقويت إرادتها فى ذلك فقد قويت قوة مطردة لا تزال تزداد حتى تتنسم غوارب المجد، ولا يمكن لأية قوة فى الأرض أن تضعف هذه القوة أو تنال من تلك الأمة وهي على هذا الحال.

ولا تزال الأمة كذلك بخير حتى تنسى الغاية، وتجهل المثل، وتضل المنهاج، وتؤثر المنفعة والمتعة على الجهاد والتضحية، وتهن العزائم، وتضعف الإرادات، وتنحل الأخلاق، ويكون مظهر ذلك الإغراق فى الترف والقعود عن الواجب، وحينئذ تأخذ الأمة فى الضعف ويدب دبيب السقم الاجتماعي، ولا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد.

سبيل التجديد وسبيل الإبادة:

وسبيل التجدد: أن يتيح الله لها الطبيب الماهر فيهتدى إلى الدواء الناجع، وتتبعه الأمة فى تناول هذا الدواء فتموت جراثيم المرض وتعود إليها القوة، وتلك مهمة المصلحين، والقادة مصابيح الهدى وشموس النهضات بهم تنجلي كل فتنة عمياء.

وسبيل الإبادة أن تسدر الأمة فى غيها، وتظل هائمة على وجهها لا تنصت لناصح، ولا تسمع لمرشد حتى تحين فيها ساعة الفناء.

هذه السنة الربانية فى بناء الأمم تقررها هذه الآية الكريمة، فلا بد للمصلحين المجاهدين فى سبيل إحياء الأمم وإعادة قوتها ومجدها أن يصمدوا لكل خطب، ويحتملوا آلام الجهاد حتى تتحقق غايتهم؛ فيكون جزاؤهم النصر، ألا إن نصر الله قريب. ولم تتخلف هذه السنة أبدًا فى قديم ولا حديث حتى مع أفضل الرسل وخير الأنبياء وصفوة الخليقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغر الميامين، والله تبارك وتعالى يقول: }الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1-3]. 

وفى الصحيح: أن هرقل حين سأل أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالا يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة.

وفى الصحيح عن خباب بن الأرت رضى الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فقال: "إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه"، ثم قال: "والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون". ولقد تمت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتم الأمر، وظهر الدين، وقويت الأمة، وأدال الله للمسلمين من أعدائهم.

وفى حديث عتبة بن غزوان رضى الله عنه: "لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا الدقل وحسك السعدان حتى تقرحت أشداقنا، ولقد شققت نمرة (عباءة) بيني وبين سعد، وهاأنذا أنظر فلا أرى منا إلا أمير قطر أو مصر".

إن فى ذلك لعبرة لأمم الإسلام فى نهضتها الحالية لو أرادت أن تعتبر، ولا مجال لليأس، وهذه سبيل القوة؛ حدِّدوا الغاية، واعرفوا المثل، وارسموا المنهاج، واصبروا على الجهاد، وأعدوا له عدته، والنصر من وراء ذلك إن شاء الله }عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فى الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 129](5).

 

من وظائف القائد

}كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِّنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 151-157].

تسير البشرية قدمًا نحو الكمال الذي كتبه الله لها يوم شاء أن يستخلف الإنسان فى الكون، وسخر له ما فى السماوات وما فى الأرض جميعًا، والبشرية فى محاولتها هذه أحيانًا تستوحى الشعر والخيال، وتستلهم منه صورًا رائعة جميلة وإن كانت بين الخطأ والصواب، وأحيانًا تستوحى الفكر والعقل، فيرشدها إلى تجارب فى تكوين الأمم وتربية الشعوب كثيرًا ما تكون طويلة المدى، وكثيرًا ما تنزع بها المعاكسات العاطفية ونحوها إلى جهة الخطأ، فتصبح عقيمة النتائج فاسدة الآثار. لهذا اقتضت حكمة الله -تبارك وتعالى- ورحمته بالناس -وهو ربهم البر الرحيم- أن يشد أزر العقل والقلب بنواميس ونظم الهيئة تقرب على الإنسانية المدى، وترشد البشرية إلى مدارج الكمال الذي كتب لها.

النبى زعيم رباني:

وجاء الرسل الكرام بهذه النواميس وتلك النظم، فكان كل منهم الزعيم الرباني لأمته الذي يصلها بأسباب السماء، ويصف لها نظم الحياة فى الأرض، تسمع عن زعماء الشعر وقادة العواطف، وتسمع عن أساطين العلم والأدمغة الكبيرة، وتسمع عن زعماء الأمم فى السياسة والاجتماع والثورات الفكرية أو العملية، وتسمع عن قادة الحروب وبناة الدول، فتصف أولئك جميعًا بالزعامة، وترى فيهم رءوسًا تنهض بالإنسانية نحو الكمال.

فاعلم أن النبى فى أمته زعيم رباني جمع الله له مظاهر الزعامة جميعًا؛ فهو يخاطب القلوب والعقول، ويختط سبل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ويحدث فى أمته -وبها- ثورة فكرية عملية تدفع الإنسانية إلى الأمام عدة مراحل.

الفرق بين زعامتين:

والفرق بين الزعامتين: الزعامة المستمدة من قوى البشر، والزعامة المستمدة من إمداد الله.. أن الثانية صواب كلها لا خطأ فيها، وأنها أدوم أثرًا وأبقى على الزمن، وأنها أعم وأشمل فى نواحي الحياة كلها، والفرق بين الزعماء الربانيين وهم الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فى القديم، وبين الزعيم الأخير سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم أن أحد أولئك -صلوات الله وسلامه عليهم- إنما كان يأتى للأمة الواحدة أو الأمم المتجاورة، وهو  صلى الله عليه وسلم إنما بعث للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وأن الشرائع السابقة كانت عرضة للتبدل أو التغير، أما الشريعة الختامية فقد كفلت بالحراسة الإلهية، وبقيت فى كنف قوله تعالى: }إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].

إذا تقرر هذا علمنا أية نعمة على البشر ينعمها الله -تبارك وتعالى- بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وعلمنا الارتباط بين الآية الكريمة }كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِّنْكُمْ وبين ما قبلها من قول الله -تبارك وتعالى-: }وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:150].

وظائف الرسول:

أما وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أجملتها الآية الكريمة فى هذه العناصر المباركة:

} يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا: يصلكم بالحق ويبلغكم دستور السماء، ويتلو عليكم نظام الله الذى إن تمسكتم به سعدتم وإن هديتم بهديه رشدتم؛ فوظيفة الرسول الأولى تبليغ دستور الله لعباد الله.

} وَيُزَكِّيكُمْ: يطهر أخلاقكم، ويصفى نفوسكم، ويطبعها على الخير، ويغسلها من أدران الرذائل حتى تستعد لفقه هذا الدستور، وتنشط للعمل به، وتحرص على حمايته. فإذا كانت الوظيفة الأولى إيصال الدستور من السماء إلى الأرض؛ فإن الوظيفة الثانية إمداد النفوس وتقوية الأخلاق وتدعيم القلوب لتحفظ هذا الدستور وتحرسه.

} وَيُعَلِّمكمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ: فإذا تطهرت النفس وصفا القلب واستعدت الفطرة جاء دور العلم وتلاه دور الحكمة.

والعلم تلقى المعلومات ودراستها، والحكمة إلقاء المعلومات وفيضانها وانتزاعها من النفس والروح؛ فأنت فى مركز العالم منفعل، وفى مركز الحكيم فاعل، وشتان ما بينهما، وأُولاهما من وسائل الثانية، فإذا فقه الإنسان المعلومات الحاضرة وقويت ملكته العلمية بالحكمة استدل بهذا الذوق العلمي على الكشف والتحقيق؛ فعلم ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.

أرأيت التدرج فى هذا النسق البديع؟ يوضع النظام من السماء فتصقل النفوس لتلقيه فتفقهه وتتعلمه، فتتذوقه وتفيض به، فتكشف المساتير وتبنى المستقبل على أساسه، إن هذا لهو الفضل العظيم.

أو رأيت بعد ذلك كيف يجدد الزعيم الرباني أمته تجديدًا قويًّا ثابتًا؟ وكيف يسير هذا التجديد فى خطوات متناسقة مأمونة العثار؟

إذا عرفت هذا فإن القائد لا يزال وسيظل قائمًا والخطوات مرسومة، وما بقي إلا وظيفة الأمة(6).

 

من وظائف الأمة الناهضة

} فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة: 152-154].

قد علمت فى الكلمة الأولى الإشارة فى الآية الكريمة إلى وظيفة القائد، وهنا ترى الإشارة إلى واجب الأمة.

الواجب الأول:

تحتاج الأمة المجاهدة إلى قوتين لا بد منهما لتنجح فى مهمتها وتنتصر فى جهادها، تحتاج إلى الإيمان القوى المتين المرتكز على قواعد ثابتة من روحها وفطرتها، المستند إلى نبع فياض من قلبها ووجدانها، وتحتاج إلى قوة مادية يتشكل بها هذا الإيمان، فيعرب للناس عن وجوده، ويبرهن للخصوم على قوته وثباته.

ضرورة القوة الروحية والمادية:

ومن الناس من ينصرف إلى القوة الروحية فى الأمة ويراها كل شىء، ومن الناس من ينصرف إلى المادة وحدها، ويرى أنه لا حاجة إلى ما سواها، وكلا النظرتين يرى النهضة من جانب واحد فقط. والمصلح إنما ينظر إليها من كل ناحية لا بد من الجانب الروحي الذى يستند إلى الإيمان والخلق، وهو أول وأولى بالعناية، وهو الدعامة التى تستند عليها القوة المادية؛ فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها تبع ذلك حتمًا دوام التفكير فى وسائل القوة المادية، وتلا ذلك التفكرَ القوةُ نفسها، وإلى هذا يشير القرآن الكريم فى نظامه الحكيم الذى وضع لحياة الأمم ونهوضها؛ فها أنت تسمع قول الله -تبارك وتعالى-: }إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11]، إلى جانب قوله تعالى: }وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: 60].

أساس القوة الروحية:

وأساس القوة الروحية كما علمت "الإيمان" بالمثل الأعلى، والتفاني فى سبيل الوصول إليه، وكلما سما هذا المثل سمت نهضة الأمة وتوفرت لها وسائل القوة، وأي مثل أسمى من "سبيل الله" الذى تفنى أمامه الماديات والأهواء والمطامع والمنافع الشخصية، ولا يجد النفعي ولا الوصولي ولا الدسائس ولا المغرض إليه سبيلا؛ لهذا كان المثل الذى صنعه القرآن الكريم لأمته وجعله أساس نهضتها الإيمان بالله أولا، ومن هذا الإيمان تستمد الأمة سيادتها فى قوله تعالى: }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110]، وتستمد عزتها فى قوله تعالى: }وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]، وتستمد التأييد والهداية فى قوله تعالى: }اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257]، وتستمد القوة فى قوله تعالى: }وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر: 31]، وتستمد فى النهاية النصر فى قوله تعالى: }وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج: 40]، وهذا معنى خاص تنفرد به النهضة المستندة إلى جانب الله والإيمان به وسلوك سبيله، ولا يكون فى غيرها من النهضات أبدًا. وتأمل قول الله: }فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ [النساء: 104].

وعلى ضوء هذا البيان نتفهم الآية الكريمة، ونعرف منها وظائف الأمة وواجباتها فى النهضة }فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152]؛ فالواجب الأول أن تستذكر الأمة دائمًا مثلها الأعلى، وتجعله القائد فى نهضتها والهادي فى حيرتها؛ فيكون جزاء ذلك تأييد الله وتسديد الخطط ونجاح الغايات.

الواجب الثاني:

} وَاشْكُرُوا لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ [البقرة: 152] والواجب الثاني: أن تتعرف الأمة خطواتها ومدى نجاحها، وإذا كانت حقيقة الشكر استخدام النعمة فيما خلقت له فعلى الأمة أن تجعل النصر سبيلا إلى نصر آخر، ولا تقف عند حد النصر الأول؛ فإن مهمة المسلم أن يسير بالدنيا إلى منتهى الكمال الممكن لها، لا يلهيه نصر عن نصر، ولا يشغله واجب عن واجب، وبذلك تنجو الأمة من دور الاستغلال والانتفاع الذى يلى غالبًا دور النصر والنعمة، وما تزال الأمة بخير ما دامت مجاهدة، فإذا انقلبت مستغلة فتلك أولى بوادر الانهزام.

الواجب الثالث:

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ [البقرة: 153]، والواجب الثالث من واجبات الأمة أن تحتمل التضحيات، وتصبر على المشاق فى كفاحها ونضالها، وأن تستروح روح النصر بالصلاة لما فيها من الصلة بالله -تبارك وتعالى- واستمداد فيضه واستعادة ما فقدته الروح من مضائها وقوتها بهذا النضال؛ فالصلاة امتلاء الروح بالقوة المعنوية، والصبر هو المحافظة على هذه القوة واستخدامها بأكبر قدر مستطاع؛ حتى إذا أضناها الجهد، وأمَضَّها الجلاد تجددت مرة أخرى بالصلاة، وهذا تلازم غريب بينهما يدركه من صفت نفسه وقويت روحه. وفى الصبر وحقيقته وآثاره ومعناه كلام واسع لعلنا نعرض له فى كلمة أخرى إن شاء الله. فإذا استعانت الأمة فى جهادها بالصبر والصلاة كان الله معها وأدركها نصره وتأييده وظلت فى كنفه }إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153].

الواجب الرابع:

} وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة:154] ، وهنا نرى الواجب الرابع من واجبات الأمة، وهو واجب هام إن أدَّتْه الأمة لم تسقط راية الجهاد من يدها أبدًا، ولم يتطرق إليها الضعف يومًا من الأيام، ذلك الواجب أن تعتبر الأمة التضحية والفداء مغنمًا لا مغرمًا، ونصرًا لا هزيمة، وتجارة رابحة لن تبور، وأن تعتقد أن الموت فى ميدان الشرف هو حياة الخلود، وأن الفناء فى سبيل الواجب هو عين البقاء. وهذا المعنى إن تشبعت به الأمة فهي -لا شك- منصورة مهما كان فى سبيلها من عقبات، وانظر إلى الكتيبة الأولى كيف استولت عليها هذه العقيدة؛ فكانت سر نجاحها.

أولست تَشَمُّ بوارق النصر من قول عمير بن الحمام فى بدر:

ركضًا إلى الله بغير زاد          إلى التقى وعمل المعاد

أو من رجز الأنصار بين الصفوف:

نحن الذين بايعوا محمدا          على الجهاد ما حيينا أبدا

ألا إن أعذب الأناشيد فى أذن المجاهد المؤمن وأحلاها على قلبه ذلك الهتاف العالي المجيد: }وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة: 154].

أركان النهضة وسبيل النجاة:

ولقد جمعت هذه الآية الكريمة فى نسق واحد أركان النهضة، وهي المثل الأعلى فى قوله تعالى: }فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ [البقرة: 152]، والقوة المعنوية فى قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ [البقرة: 153]، والقوة المادية فى قوله تعالى: }وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُّقْتَلُ فى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ [البقرة: 154].

واعلم أنهما سبيلان لا ثالث لهما: أولهما ما علمت وما يشير إليه قوله تعالى: }فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وهو سبيل البقاء والمجد. وثانيهما ما يشير إليه قوله تعالى: }نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: 19]، وهو سبيل الفناء والتدهور؛ فأي سبيل من السبيلين تختار أمتنا؟(7).

 

من وسائل إعداد الأمة

} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157].

يقول المربُّون: إن أعظم مظاهر القوة فى الإنسان أن يتغلب على ما يحيط به، وأن يُخضع الصعاب لإرادته، وإذا وصلت الأمة إلى هذا الحد فلم تتأثر بالحوادث ولم تبال بالعقبات، وكان عندها من المناعة الطبيعية ما يحول بينها وبين تسرب الوهن إليها كانت خليقة بأن ترث الأرض وتسود الدنيا وتحسن الخلافة فى الكون.

والآية الكريمة تشير إلى "التدريبات" الربانية التى تنشئ فى الأمة هذه المناعة، وتطبعها بطابع القوة الحقيقية، وتجعلها أسمى من ظروفها وأقوى مما يحيط بها، ويجمع هذه التمرينات "الابتلاء" أو الاختبار الذى يبتلى الله به الناس لتصفو به نفوسهم، وتتطهر من الأدران أرواحهم، ويعتادوا مقاومة الصعاب وتحمل الصدمات، فإنْ صَبَر العبدُ على اختيار الله إياه، وشغلته الغاية عن ألم الوسيلة كانت العاقبة خيرًا، وأبدله الله بهذا الصبر قوة فى الدنيا وثوابًا فى الآخرة، وكان مثله كمثل من يصبر على مرارة الدواء أملا فى الشفاء، وإن جزع وتألم أفسد على نفسه العلاج وكان الاختبار وبالا عليه، وأساس الصبر على الابتلاء الإيمان بالله، والاشتغال بمراقبة عظمته، والتسليم لحكمة تصرفه، ولهذا ورد فى الأثر "الصبر شطر الإيمان".

وفى قول الله -تبارك وتعالى-: }الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1-3].

ومن ذلك ترى أن الاختبار كما يكون تدريبًا على المقاومة يكون دليلا على الإيمان والتسليم، فإذا صبر العبد وسلم كان ذلك دليل إيمانه فيرفع الله درجته ويعلى منزلته، وكأن الابتلاء وسيلة إلى رفع الدرجات وإعلاء الرتب ونوال الفضل، وربما منعك فأعطاك "وربما أعطاك فمنعك" }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10].

منها: (الخوف)، وإنما بدأ القرآن به لأنه غريزة مستقرة فى النفس لاصقة بالفؤاد تولد مع المرء منذ ولد، وتتحرك لأدنى مؤثر، وتتولد عنها الأوهام والخرافات، فإذا استطاع الإنسان أن يكبح جماحها، وألا يتأثر بمثيراتها خمدت وسكنت، وذهبت من نفسه ما تولد عنها من الجبن والوهم والخرافة، وصار شجاعًا قوى النفس بعد أن كان رعديدًا خائر العزيمة، وبذلك يحسن استعداده النفسي، وتكون الصدمات التى تلي هذه الصدمة أقل منها أثرًا وأضعف خطرًا.

يلي ذلك (الجوع)، وإنما ثنى به القرآن الكريم لأنه ألم الجسم، فإذا تعود الإنسان مقاومة دواعيه والصبر على حرارته فقد قوى جسمه وصلب عوده، وانضمت قوة جسمه بمقاومة الجوع إلى قوة روحه بمقاومة الخوف؛ فكان إنسانًا كاملا جسمًا وروحًا.

يأتى بعد هذين التدريبُ الثالث فى قوله تعالى: }وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ [البقرة: 155] وهو الصبر على مفارقة المألوفات من مظاهر البيئة القريبة إلى الشخص الحبيبة إلى النفس، وللألفة على القلب سلطان ولها فى النفس منزلة، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول:

خلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبا          لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

هذه المألوفات التى تعوق الإنسان عن العظائم، وتحول بينه وبين الجد فى المطالب يريد القرآن أن يعوِّد الأمة الصبر على مفارقتها، وعدم الركون إليها حتى يتحرر الإنسان حرية كاملة، وحتى لا يقف شىء دون وصوله إلى الغاية.

فإذا درُبت نفسه على الصبر، وقويت روحه بمقاومة الخوف، وقوى جسمه بمقاومة الجوع، وتحرر من أغلال البيئة وقيود المألوفات تحقق له قوله تعالى: }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ يبشرهم بحسن الأجر وجزيل الثواب فى الدنيا بالمناعة التى تخفف وقوع المصائب فى الآخرة بالنعيم المقيم.

ولما كان أعظم شىء يساعد على الصبر ويتقوى به الإنسان على مرارة هذه التدريبات اللجوء إلى الله -تبارك وتعالى- وتذكُّر الغاية السابقة وتمثل المثل الأعلى، وقد يهون على المستنجح العمل؛ لهذا كان أحسن شعار للمبتلى عند الابتلاء أن يضع مراقبة الله نصب عينيه، وأن يهتف من أعماق قلبه مسترجعًا، وأن يحقق معنى قوله تعالى: }الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (البقرة: 156]. وفى هذا التركيب العجيب من لطائف اللطائف وعوارف المعارف ما يدق ويرق، وما هو بهذا النظام أليق وأخلق، وحسب الإنسان أن يذكر فى محنته أن لله بدأه ولله نهايته ليكون لله فيما بينهما }قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للهِ [آل عمران: 154].

أما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها الآية الكريمة فى قوله تعالى: }أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 157] سمعها عمر رضى الله عنه فقال: "نعم العدلان، ونعمت العلاوة".

والصلاة من الله على عبد: الثناء والتشريف والتكريم، والرحمة: العطف والعفو وإغداق النعم ظاهرة وباطنة؛ فالأولى: إشارة إلى اللطائف الروحية؛ ولهذا عبر عنها بلفظ "الصلاة". والثانية: إشارة إلى اللطائف الحسية؛ ولهذا عبر عنها بلفظ "الرحمة".

ومن جمع الله له هذه الصفات فى الدنيا وهذه المنح فى الآخرة فقد هدى إلى صراط مستقيم، ولنا فى الصبر وثوابه والدوافع إليه كلمات أخرى إن شاء الله(8).

 

ظلمة ونور

}اللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فى رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّىَ الذى يُحْيِى وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِى وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الذى كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 257-258].

يريد العقل البشرى أن يبحث، ويجول ويتغلغل فى أعماق الوجود، ويستكنه حقائق الأشياء، ويشرع، ويحكم، ويهيمن، ويسيطر، وينزل الدنيا على حكمه، والناسَ على شرعته ومنهاجه، وذلك من حقه؛ إذ إن هذه فطرته التى فطره الله عليها، وإذ إنه شعاع النور الكشاف الذي تسير الإنسانية على ضوئه، وتدرك الحقائق بنوره.

ولكن هذا العقل المفطور على البحث المشرق بنور الله رغم ما يزعم له الزاعمون من تحرر مطلق من القيود لا يستطيع أن يتملص منها أبدًا؛ فهو مقيد بالبيئة، مقيد بالعاطفة، مقيد بالميول والأهواء، مقيد بالقصور الطبعي الذي هو من صفة كل كائن قابل للرقى والنماء؛ فأنى له أن يجد الحرية المطلقة أو يتخلص من أعباء القيود والظروف والحادثات؟!

هذا العقل هو النور المشرق لا يزال بخير ما لزم حَدَّه وسلك مسلكه إلى كماله، واستمد من مصدره الأول، واتصل صلة وثيقة "بالله"، والله نور السماوات والأرض. فإذا جمح به الغرور، أو استبد به الكبر والعجب انطفأ نوره، وذهب ضياؤه، وانقطع مدده، وخبط خبط عشواء، وكان كالمصباح فَنِىَ زيته، وانقطع عن مصدر نوره.

وإذا ما كان التشريع للإنسانية جميعًا وللعصور جميعًا وللدنيا والآخرة وللروح والمادة كانت مهمة العقل فيه أقصر من أن تستوعبه، ووجب أن يسلم العقل الصغير للمشرع الكبير؛ فقد جاءه ما لا قِبَل له به.

على ضوء هذه المقدمة الموجزة تستطيع أن تضع أمام عينيك التشريع الوضعي والتشريع السماوي، أو تشريع العقل الأرضي وتشريع مدبر الأمر فى الكون كله؛ فتخرج من هذا الوضع بهذه النتيجة المسجلة فى الآية الكريمة. الله ولى الذين آمنوا به وصدقوه واتبعوا تشريعه، يخرجهم من الظلمات فى شئون دنياهم وأخراهم إلى النور فى معاشهم ومعادهم. والذين كفروا بهذا النور الكلى، ووقفوا مع عقولهم القاصرة، وأهوائهم الجائرة- أولياؤهم ما اتبعوا من أهوائهم، وما غلبهم من شهواتهم؛ فخرجوا من نور الهداية إلى ظلمات الغواية، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

ارتباط الآيتين الكريمتين بما بعدهما:

لا أفسر لك هذه الآية الرائعة بل هذا الناموس الحكيم بأكثر من هذه الكلمات القلائل، ولكنى ألفتك إلى ما جاء بعد هذه الآية من تلك المناظرة الطريفة بين إبراهيم وصاحب الملك فى عصره؛ لترى قوة الارتباط العجيب بين السياقين، وكيف جاءت هذه المناظرة الواقعية دليلا مثبتًا للقضية الأولى النظرية.

وقف إبراهيم يدعو إلى اتباع النور الكلى، واعتز "نمروذ" بملكه وتصرفه، فلفت الخليل نظره إلى أن من شئون الحياة ما يخرج عن دائرة علمه وملكه وتصرفه؛ ولهذا يجب أن ينزل الملك الصغير على حكم الملك الكبير، وضرب له مثلا بالحياة والموت؛ فغالط نمروذ وكابر، فدفعه الخليل بما لا يستطيع فيه مكابرة ولا مغالطة، وضرب له المثل بمشرق الشمس، فبُهت الذي كفر، وكان على ملك الأرض أن يذل لملك السماء.

إبراهيم عصرنا ونمروذه:

يا أخي، ألا إن إبراهيم هذا العصر كتاب الله وشرعه ودينه، ونمروذه ما وضع الناس لأنفسهم من أوضاع، وحجتنا البالغة ذلك الاضطراب البالغ الذي أحدثه غرور الأمم بما وضعت لأنفسها حتى عمتها الفوضى، واندلعت فيها نار الثورات.. فهل لم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق فتتحقق لهم ولاية الله، ويخرجهم ربهم من الظلمات إلى النور؟!(9).

 

نظرات فى مقاصد القرآن

حول الآيات (1 : 5) سورة البقرة

انتهينا فى حديثنا السابق من سورة الفاتحة، وأحب أن أعقب على معنى الآية الأخيرة من أن البعض قد يرى فى تفسيرنا }صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة: 7] بأن الذين أنعم الله عليهم هم من بحثوا عن الحق ووجدوه، والضالين هم من بحثوا عنه ولم يجدوه، والذين غضب عليهم هم من عرفوه ولم يعملوا به، أقول: قد يرى البعض فى هذا التفسير معارضة لمعنى الحديث الشريف الذى ينص على أن الضالين هم النصارى، والمغضوب عليهم هم اليهود، ولكنى أقول: إنه لا تعارض، وإنما الحديث فيه تخصيص لمعنى جاء عاما فى الآية الكريمة.

} الم

ونبدأ فى سورة البقرة. } الم [البقرة: 1] وقد بدأت السورة بهذه الحروف المتقطعة، وقد اختلف كثير من المفسرين فيها؛ فمن قائل: إن هذه الحروف لها معان "بحساب الجمل"، أو تشير إلى رموز علم الجبر، أو أنها تشير إلى موعد الساعة... إلخ، من التفسيرات التى نراها أنها تفلسف بلا طائل ولا مبرر.

وهناك جماعة أراحوا أنفسهم وغيرهم فقالوا: إن أمثال هذه الحروف الله أعلم بالمراد منها، وغيرهم فسرها بتفاسير يقبلها العقل ويقرها الدين وهي:

•        جاءت هذه لتفاجئ العرب بشىء لم يألفوه، فيحصل لهم تنبيه للآيات التى بعدها كما يفاجئنا شيخ بخطبة بالإنجليزية الصحيحة.

•        أو أنها دلالة كاملة على إعجاز القرآن المركب من حروف لا معنى لها بمفردها، ولكنها حين تكونت منها الكلمات والجمل صارت تحديًا، وعجز أهل البلاغة عن أن يأتوا بمثله.

•        أن هذه الحروف لو جمعت لوجدت حاوية لكل أنواع حروف اللغة العربية.

•        إنها حروف تشيد بفضل العلم بين قوم أميين، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هذا الأمى جاء بهذا القرآن الذي يدفع الناس للعلم، ويحثهم على محو الأمية عمليًّا }اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 3-5].

وكما أن المنطق فرق بين الآدمي وغيره من الحيوانات فكذلك العلم فرق بين الإنسان المتمدن والآخر البدائي }قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: 9].

•        أو أنها للقسم، فكثيرًا ما أقسم الله -تعالى- بها فى القرآن }ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم: 1] }ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1] وقسم الله بهذه الحروف التى هى مبدأ العلم تكريمًا للعلم، وحثًا للناس عامة والمسلمين خاصة على التعليم، وكان صلى الله عليه وسلم يتوسل بكل وسيلة ليمحو الجهل والأمية عند الناس؛ لدرجة أنه كان يطلق من الأسرى من يعلم بعض الأميين الكتابة والقراءة.

} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2].

القرآن يقدم نفسه للناس تبيانًا لكل شىء وهدى ونورًا؛ ليقود العالم إلى حياة طيبة فى الدنيا، وسعادة دائمة فى الآخرة، وكانت الإشارة بلفظ }ذَلِكَ ولم تكن بلفظ "هذا"؛ لأن القرآن لم يكن قد جمع كله بعد، فالمقصود ذلك وما يأتى بعد. } لاَ رَيْبَ فِيهِ لا شك فى أنه من عند الواحد الأحد، ولا مرية فى أنه جاء لخير الإنسانية وأخرجها من الظلمات إلى النور. ثم بدأ يوضح أنواع الناس بالنسبة لهذا الكتاب، وعلى ضوء نوره قسمهم إلى أقسام ثلاثة:

•        الذين آمنوا به وصدقوا بكل ما فيه وطبقوه كدستور خالد.

•        الذين كفروا به وأعماهم الشيطان عن رؤية النور المشرق من خلاله.

•        الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وهؤلاء هم المنافقون آفة المجتمعات وسرطان الأمم وأخطر أصناف البشر، وخص المؤمنين بالآيات الأولى، وخص الكافرين بآيتين بعد هذه الآيات، ثم بدأ يكشف المنافقين الضالين الآثمين بثلاث عشرة آية، وقد قال صلى الله عليه وسلم فى معرض الاهتمام بتحذير المسلمين من المنافقين ما معناه: "أما والله إنى لا أخشى عليكم المؤمن؛ فإنه يحجزه إيمانه، ولا الكافر فإنه ينم عليه كفره، ولكنى أخشى عليكم المنافق؛ لأنه يبطن غير ما يظهر".

وهكذا الناس لا يعدون هذه الأقسام الثلاثة؛ فأما السعداء الطيبون الذين وصفوا بأنهم متقون فالتقوى فيهم مظهر له دافع فى نفوسهم الطيبة وطباعهم المستقيمة الطاهرة، فقلوبهم ممتلئة بضوء الفطرة السليمة الذي تشعه ظواهرهم وتؤكده أعمالهم.

والصفة الأولى لأهل الإيمان هى هذه الفطرة السليمة }فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] وهكذا الإنسان بحكم كونه آدميًّا كرمه الله وجعل فيه النور الذي هو الروح المستمد من نور الله }فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى [ص: 72] هذا المدد الإلهي إذا سار فى طريقه الطبيعي يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأمرين أساسيين:

1-      أنه متصل بمصدر أعلى يستمد منه الهداية، ويستلهم الرشد والتوفيق والخير.

2-     أنه منتهٍ إلى نهاية يعرض فيها على الله سبحانه }وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم: 42] أى أن الإنسان بغريزته يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنما تحجب هذه المعاني عمن عمته الأهواء، وأضلته الشهوات، وجنت عليه الجهالات، فهي كالصدأ يعلو المعدن النافع فيأكله ويجعله لا خير فيه، أو كالتراب تطمر فيه الجواهر ويختفى تحته التِّبْر. وسليم الفطرة يتقى غضب الله بالإيمان بوحدانيته والاتجاه إليه فى كل شىء، وينتظر اليوم الآخر مستعدًا بالعلم النافع والعمل.

ووصفهم بأنهم يؤمنون بالغيب، وهذه أولى مراتب الإيمان الكامن فى النفس، ثم يأخذ هذا الإيمان طريقه العملي؛ فهم يقيمون الصلاة، والمقصود هنا الصلاة بمعناها الأعم؛ الدعاء، ثم ينفقون مما رزقهم الله، ثم يرتقون فى إيمانهم فيؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. هم يؤمنون بالقرآن ويصدقون بكل ما جاء فيه، ويأخذون أنفسهم بأحكامه إيمانًا وتطبيقًا، ويؤمنون بما أنزل على الرسل من قبلك؛ لأنهم يعرفون أنه قد سبقك رسل، وأنه }لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: 7].

وبالآخرة هم يوقنون. قيل: إن الذين يؤمنون بالغيب هم الذين توصلوا بجهودهم الموفقة وفطرتهم الطيبة وعقولهم السليمة إلى التوحيد، والذين يؤمنون بما أنزل إليك هم المسلمون، وما أنزل من قبلك هم أهل الديانات الصحيحة الذين اتبعوا رسلهم بالحق ولم يغيروا ولم يبدلوا ولم يفتروا على الله بغير علم. وأما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فهذه من مقتضيات الإيمان، وجعل الذين أيقنوا بالآخرة وما فيها من حساب عادل وثواب وعقاب من المهتدين المفلحين.

} أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5].

هؤلاء جميعًا هم أهل الهدى والخير الذين ساروا فى الطريق القويم، وهم الذين أسعدهم الله بهدايته، وهم المفلحون الذين سينالون خير الجزاء فى الآخرة }طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد: 29] وسنؤجل الكلام على القسمين الأخيرين الكافرين والمنافقين إلى فرصة تالية إن شاء الله(10).

 

حول الآيات (6 : 20) سورة البقرة

تناولنا فى حديثنا السابق الصنف الأول من أقسام الناس الثلاثة، وأهله هم مَن أشرقت بالحق أفئدتهم، وأنارت بالإيمان قلوبهم فتلقوا ما نزل على رسولنا الكريم "كتاب الله العظيم" وما نزل على النبيين من قبل بكل تصديق وتسليم ويقين، فكانوا كما قيل فيهم: }أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5].

أما الصنف الثاني؛ وهم الذين كفروا، الذين جاهروا بالعصيان وتظاهروا بالتمرد وانطووا على الجحود والتحدي قلنا فى شأنه نظرات ثلاث:

} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ........... وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ.

أما الأولى: فهي تحديد موقفهم إلا موقف القوم الذين أعمتهم الشهوات وتسلطت عليهم الأنانية وركبهم الغرور، والذين كفروا هم الذين ستر عنهم الحق وحيل بين قلوبهم وبين الإيمان، وبوعد من عقولهم وبين النور فظلوا فى جهالاتهم يعمهون، وهؤلاء القوم سواء عليهم أأُنذروا أم لا؛ لأنهم معاندون مكابرون، فالاستفهام فى الآية لتقرير معنى الكفر والعناد فى أنفسهم، هؤلاء القوم ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على بصرهم غشاوة فلا يرون الحق، ولهم عذاب عظيم فى الدنيا بالمهانة والضيق، وفى الآخرة بدخول جهنم والخلود فى الجحيم، وأما من طغى فإن الجحيم هى المأوى.

وأما النظرة الثانية: فهي نظرة على نوع ممتاز من البلاغة، وشأو بالغ من الدقة فى التسيير؛ لأنه يحسن عند القراء أن نقف عند قوله تعالى: }خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة: 7] ثم يبكون }وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7] استئناف؛ لأن المقصود بالقلوب والأسماع هنا الإدراك بالاستماع، والاعتقاد بالأفئدة وهما من المعاني غير الظاهرة أو المحسوسة، أما البصر وغشاوته فذلك أمر محسوس، فهذه وقفة وسكتة فى وسط الآية أنتجت هذه المعاني الدقيقة.

وأما النظرة الثالثة: فهي تحديد مركز هؤلاء من القضاء والقدر بمناسبة ختم الله على قلوبهم، وقبل أن نتكلم فى هذا الموضوع المتسع نحب أن نوضح نقاطًا أساسية ستكون -إن شاء الله- كالمصابيح تنير لنا الطريق أثناء سيرنا فى هذا البحث الذي ستنتهي فيه إلى ما يريحنا ويريح المسلمين إن شاء الله.

الإنسان بين الجبر والاختيار:

النقطة الأولى: يجب أن يكون مقررًا فى نفوسنا وثابتًا فى عقائدنا أن الله -سبحانه وتعالى- هو رب الخلق، وأن الأمر كله بيده يفعل ما يريد ولا يسأل عما يفعل }أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ [الأعراف: 54] }للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ [الروم: 4].

النقطة الثانية: أن الله الذي بيده ملكوت كل شىء، رتب هذا الكون على النواميس، ووضع له القواعد والنظم الثابتة التى لا تتخلف والذي نعلمه فى هذا الكون لا يخرج عن كونه!!

‌أ-      جمادات: وهي كلها تسير وفق نظم ثابتة ونواميس مقررة؛ فذرات الرمل مثلا إذا حدثت لها عمليات خاصة تصير أحجارًا أو زجاجًا.. إلخ، كل ذلك بترتيب وحساب. وكذلك أضخم الجمادات وهي الشمس والقمر وسائر الكواكب؛ إنها تسير بحساب معلوم وأزمان موقوتة }وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس: 38-40] كل ما فى الكون من جمادات يسير فى هذا الطريق الدقيق المرسوم ويمضي نحو المصير المقدر.

‌ب-    نباتات: وهي كذلك تسير فى تطورات حياتها وفق أنظمة ثابتة لا تتخلف }وَفِى الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُّسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الأُكُلِ [الرعد: 4].

يقول علماء النبات: إن فصائل النبات تبلغ مائة وعشرين ألفًا! كلها تسير بأوضاع لا تتغير، وتحيا وفق نواميس لا تتخلف ما دامت لم تتناولها يد الإنسان بنقل أو تطعيم.. إلخ.

‌ج-     حيوانات: "وسنُخرج منها الإنسان مؤقتًا". كلكم يعرف أن الحيوانات تعيش بنظام ثابت تقرره لها غرائزها التى جعلها الله فيها من دفاع عن النفس إلى تحصيل للقوت إلى حفظ للحياة.. إلخ، وإن الهرة لتعرف كيف تحمل، وكيف تضع ولا تبحث حينما يأتيها المخاض عن أحد يولدها. إن الله –سبحانه- ألهمها كيف تلد، وكيف تعالج نفسها، وكيف تحفظ وليدها، وكل الحيوانات كذلك تعمل كل شىء بغريزة ثابتة ونظام مقرر، فتبارك الله أحسن الخالقين!! وأما الإنسان فمع أنه من الحيوانات إلا أنه ميز بشىء جعله سيد الأرض كلها بإذن الله؛ ذلك هو العقل.

النقطة الثالثة: استثناء الله -سبحانه وتعالى- للإنسان من هذه المخلوقات بأنواعها، وجعله فى هذا الخلق السوى، ومنحه هذه المنة الكبرى العقل الذى هو من نور الله }فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي [الحجر: 29] وإن هذه الهبة السخية قد جعل لها ثمنًا، هذا الثمن هو التكليف المبنى على الاختيار }إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا [الأحزاب: 72] والواقع أنه ظلوم لنفسه، جاهل للعواقب فى هذا الاختيار، ولو كان لم يقبل لأراح نفسه إلى حد كبير، ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون فى المخلوقات نوع موكول إلى نفسه وعقله إلى حد بعيد }هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: 1-2].

والمقصود بـ}سَمِيعًا بَصِيرًا: عاقلا مفكرًا، لا ذا عين أو أذن؛ لأن ذلك متوفر فى الحيوانات، أما الإنسان فإذا ذكر سمعه فإنما المقصود إدراكه للأمور، وإذا ذكر بصره فالمقصود حكمه ووصوله إلى الحق، والمقصود بـ "نبتليه" أن هذه النعمة الكبرى تكون ابتلاء وامتحانًا للإنسان؛ هل هو جدير بإنسانيته فيسير فى طريق السعادة والخير أم لا؟

وقد استغل الإنسان هذه الميزة "العقل" الذي يختار ويبتكر، فزرع الأرض واستخرج ثمارها، واستحدث فيها كل يوم جديدًا، وسخر -بإذن الله- كل شىء فيها. سار على أقدامه فلم تماشِ سرعة عقله فسخر الدواب لأغراضه، ثم لم تسعفه فابتكر البخار، فالقطار فالسيارة فالطائرة، ومن يدري ما تأتى به الأيام من ابتكار بنى الإنسان؟ ابتكر فى كل شىء وتفنن فى كل أمر، وبعد أن كان يأكل الحشائش أصبح يتناول مئات الألوان، وبعد أن سكن الكهوف استمتع بقصور مزودة بتكييف الهواء!!

فالإنسان خلقه الله -سبحانه وتعالى- وجعل له هذا العقل الذي أطلق له الباري حرية الاختيار، وجعل لهذه الحرية مقابلا هو الثواب والعقاب، ولو لم يكن الإنسان مختارًا لكانت الرسالات عبثًا، ولكان الرسل لا لزوم لهم، والكتب لا عبرة بها.

النقطة الرابعة: أن الله -سبحانه وتعالى- لم يشأ أن يترك الإنسان إلى عقله المعرض للخطأ مرات ومرات، فأرسل الرسل لييسروا الطريق أمام العقل، وليرفعوا الأشواك التى قد تعيقه، وكان الله يرسلهم فى الفترات الحاسمة التى تنتقل فيها الإنسانية من عصور مظلمة إلى عصور أزهى وحياة أسعد. وإنما الناس قبل إرسال الرسل موكولون إلى تفكيرهم وفطرتهم وعقولهم؛ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

النقطة الخامسة: أن بعض المشكلات والنوازل قد تعرض للإنسان بحيث لا يكون له فيها اختياره؛ كمن مر بحائط فسقطت عليه، وكالمطر.. إلخ.

ويمكننا أن نقرب إلى الأذهان حال هذه العوارض بضربنا المثل، بأن الحكومة إذا أرادت أن تجمل حيًّا وأن تزيد عمرانه وتحسن مواصلاته، فإنها تلجأ إلى شوارعه فتوسعها، وقد يكون هذا التوسيع سببًا فى إزالة بعض البيوت، وقد يشعر أهل هذه البيوت بالضرر الخاص الذي لحق بهم، ولكن هذا الضرر مهدور أمام النفع العام الذي لحق بالمجموعة فكذلك هذه النوازل يمكننا أن نترك أمرها لله ونجعلها من هذا القبيل. وقد فسر الله بعضها فى كتابه الكريم فى سورة الكهف حينما التقى سيدنا موسى بالخضر }حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ [الكهف: 74]، فهنا يتبين أن النفع العام للبشرية هو الذي برر وقوع مثل هذه الأشياء التى إذا نظرنا إليها من زاوية واحدة صغيرة انهار اعتقادنا فى عقل الإنسان واختياره ومن يدري أين تكون المصلحة؟ فكم من مجرم وقف فى سبيل دعوة الخير، فاختلق الأكاذيب وحاك الدسائس، وتضايق أهل الخير على حسب تفكيرهم، ولكن الباري -جلت قدرته- قد يرى فى ذلك المصلحة }لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا [الملك: 2].

فالمصلحة العامة فوق كل شىء، وهناك أشياء كثيرة يعجز العقل البشرى عن رؤيتها ولا يراها إلا اللطيف الخبير.

وبعد أيها الإخوان، فذلك لا يتعارض مع الآيات التى تفيد أن الله -سبحانه وتعالى- هو خالق كل شىء }خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ولا يناقض أن الدنيا بما فيها من أعمال قد سجل كل ذلك فى اللوح المحفوظ قبل أن تخلق الأرض }إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49] سجل كل شىء فى هذا السجل الأساسي، ثم يسجل العمل عند وقوعه }بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: 80] ولكن هذه الكتابة لا تلزم ولا تحكم فى العقل؛ فهي فى السجل الأول كتابة لما سيحدث، وفى السجل الثاني كتابة لما حدث، كذلك قضت حكمة الله أن يمنح عباده الاختيار الذى لا بد وأن يقع على حسب علم الله، ولو شاء سبحانه أن يسلب عبيده هذا الاختيار لفعل، وما لنا نذهب بعيدًا؛ أليس هذا العقل من عمل الله، وجعله مختارًا من صنعه؟ فكل شىء مردود إليه }وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم: 42] وهناك دليل ناصع على ثبوت هذا الاختيار؛ وهو أن المجنون والأبله والنائم كلهم غير مكلف وهو فى حالته تلك؛ لأنه لا يفكر }إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا [المزمل: 19] }وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 30] لأنه تعالى شاء أن يوجهنا إلى الاختيار.

أحسبكم أيها الإخوان على ضوء هذه النقط الخمس يمكنكم أن تصلوا فى هذه المشكلة إلى الحل المريح، والواقع أن القرآن فى بساطته ووضوحه لا يحتاج فى فهمه إلى جدل فلسفى، ولا إلى تعقيد عقلي. وما ثارت هذه الخلافات إلا نتيجة للأهواء السياسية التى مزقت الأمة الإسلامية، وإلا لماذا لم تثر مثل هذه الخلافات فى أيام الصحابة رضوان الله عليهم، لماذا كان كل ذلك مفهومًا وواضحًا؟ نسأل الله أن يلهمنا جميعًا الرشد والصواب.

أما الصنف الثالث من أصناف الناس: فهم المنافقون الذين عناهم الله -سبحانه- بقوله: }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 8-20] أولئك القوم الذين يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، ويحسبون أن الله غافل عن ذلك.

ويريدون أن يقنعوا المسلمين بإيمانهم، وحقيقة حالهم أنهم قوم من أهل الترف والخيبة والأغراض استكثرت نفوسهم الدنيئة الإيمان على الضعفاء ونعمة الإسلام على الفقراء، وكرامة التوحيد على العبيد والمساكين، فامتلأت قلوبهم بالشهوات والحقد وقالوا: }لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31].

} أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة: 13] وقد وصفهم الله بهذه الآيات الكريمة وكشف أمرهم، ثم ضرب لهم مثالين:

الأول: لصنف المنافق الأصيل الذي لا يرجى منه الخير أبدًا؛ لأنه لا يشعر به ولا يراه.

الثاني: لصنف المنافق الذي فيه بقية من خير، لو استثيرت واعتنى بها لقادته إلى الصواب، ففيه بعض الأمل.

فالمثل الأول: }كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [البقرة: 17-18]، قيل: إن هؤلاء منافقو اليهود، لا أمل فيهم وفى هدايتهم.

والمثل الثاني: }أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ [البقرة: 19] فقد ضرب للقوم الذين أعمتهم الشهوات فأقاموا عليها ويخافون من الدين الجديد أن يحرمهم منها، وأضلهم الجهل ورانت على قلوبهم معاني الحسد والحقد والبغض فشبهت هذه الشهوات بالظلمات، كما شبهت بقية الخير بالصيب، والرعد بالزواجر والتخويف، والبرق بالبراهين التى تلوح لهم ثم تختفي. هؤلاء القوم فى حيرة من أمرهم؛ دلائل الهداية تخطف أبصارهم كلما أضاءت لهم مشوا فى نورها، وإذا أهاجتهم شهواتهم بظلماتها أقاموا على كفرهم وضلالهم، ولو شاء الله لذهب بهذه اللمحات وجعلهم فى ظلمات لا يبصرون }وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20].

إلى هنا أيها الإخوة قد تناول الله –سبحانه- عباده المؤمنين الطيبين بخمس آيات، والكافرين المعاندين بآيتين؛ لأن أمرهم واضح مكشوف، والمنافقين الملاعين بثلاث عشرة آية؛ لأنهم داء الأمم وسرطان البشر.

ثم بدأ سبحانه بعرض الرسالة العامة، فإلى الحديث التالي إن شاء الله(11).

 

الآيتين (21 – 22) سورة البقرة

عاطفة اللقاء:

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلى ونسلم على نبيه وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، ونستفتح بالذي هو خير.

قبل البدء فى تفسير الآيات الكريمة سنتحدث برهة قصيرة عن نعمة الله على المسلمين؛ فقد جمعتهم العقيدة، ووحدتهم الغاية، وحشدهم الهدف فى صف واحد. أقول هذا بمناسبة وجود السيد عبد الرحمن الصديقي السياسي الهندي المسلم الكبير، وقد عرفتم من قبل السيد عبد العليم الصديقي الداعية الهندي الإسلامي الكبير، وقد عرفنا الأخير وما قام به من جهود موفقة فى التبشير بالإسلام ونشره، وأما الأول فقد اختص بالسياسة الإسلامية، وقد عمل للقضية الفلسطينية فى إنجلترا، ولقضية الباكستان "الدولة الإسلامية بالهند". أقول: إن نعمة الإسلام الكبرى هى جمع المسلمين على قلب رجل واحد، وإيجاد عاطفة جياشة قوية لا تعرف الحدود الجغرافية ولا التقسيمات السياسية، ولا فروق الأجناس التى ابتدعها الأوربيون؛ فالوطن الإسلامي فى حقيقته هو العقيدة التى يفتديها الجميع بالنفس والمال، ويبذلون لإعلائها كل شىء. وقد اجتمعنا بالأمس فقط -ولأول مرة- بالسيد الصديقي، وكم سررت من حملته الشديدة علينا لأنه ظن أننا نهدف فقط إلى وحدة وادي النيل أو تدعيم الجامعة العربية. إلخ.

سررت لأن هذه الحملة النبيلة أتاحت لنا فرصة إظهار حقيقة دعوة الإخوان، وأنها تتلخص فى الإسلام فى أنصع صوره وأعمق معانيه وأوسع دوائره، وقد تبين له أننا لا نعرف الحدود المصنوعة ولا الفروق الموضوعة، وإنما نسير إلى هدفنا بنظام مرسوم وخطوات مرتبة كما سار السلف الصالح تمامًا، فإننا نهدف أولا إلى وحدة وادي النيل لنصير دولة وادي النيل الكبرى؛ الدعامة الأولى للجامعة العربية، ثم نهدف ثانيًا إلى تقوية الجامعة العربية وتثبيتها؛ حتى تكون الأساس الأول للجامعة الإسلامية العظيمة التى هى أمل جميع المسلمين.

وأخيرًا تعمل هذه الكتلة البشرية الضخمة القوية على إصلاح العالم وتوحيده ودفعه بمختلف الوسائل إلى نور الحرية الإسلامية وسعادة العدالة المحمدية }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] وفى هذا اليوم المبارك (الثلاثاء) ذي العاطفة القوية تحققت هذه المعاني بصورة مصغرة؛ فقد رأيت هذا اليوم ووقفت هذا الموقف فى وسط نفر من أهل القاهرة، ثم بورك هذا اليوم فصار يجمع أهل الأقاليم، فأهل وادى النيل، ثم مثلت فيه البلاد العربية، وها هو اليوم يعمر بأشخاص يمثلون مسلمي العالم، ونرجو أن يشرق الفجر الجديد الذى يتحقق هذا المعنى بالصورة التى نرجوها إن شاء الله.

ونعود إلى آياتنا الكريمة فنقول: إن الله –سبحانه- قد أشار إلى الرسالة بصورة مختصرة، ثم قسَّم الناس إلى الأقسام التى عرفتم؛ "مؤمنون وكافرون ومنافقون"، وبيَّن صفات المؤمنين، وأن جزاءهم الجنة والفلاح، وبين صفات الكافرين وأن مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير، ثم فضح المنافقين وضرب لقسميهم الأمثال، وأن جزاءهم هو عذاب السعير. وبعد هذا التقسيم أراد سبحانه أن يقدم الرسالة مفصلة بعض التفصيل، فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 21-25].

فقواعد الرسالة المحمدية أربع: أولا: التوحيد، ثانيًا: النبوة، ثالثًا: التحدي بالقرآن، رابعًا: الجزاء، إن خيرًا فخير وإن شرَّا فشر، فالجزاء من جنس العمل. وفى هذه الآيات الكريمة نظرات لا نستطيع أن نلم بها كلها، ولكننا نبدأ بما ييسره الله وهو المستعان.

فى الآيات لفتات دقيقة عجيبة، انظروا كيف قال الله سبحانه: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ ولم يقل: "يا أيها المؤمنون"، ولا "يا أيها العرب" أو الفرس والروم.. إلخ من الأجناس، إشارة إلى أن رسولنا الكريم بعث إلى الناس كافة، وأنه خاتم النبيين إلى آخر الدنيا }تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]، }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].

وهذه المعجزة الأولى هى أن رسولنا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- بعث ليجمع تحت راية رسالته العالم أجمع لتقوده هذه الرسالة إلى الحرية والنور والسعادة فى الدارين، وإذا كان بعض الناس فى مرية أو شك من ذلك فها هى الأيام والأحداث تبرهن وتثبت أن العالم فى حاجة ملحة إلى الوحدة، وها هى الرسالة المثيرة قد جاءت لتوحيد الدنيا من أربعة عشر قرنًا، وها هم المكابرون يكشفون اليوم أن العالم فى حاجة ملحة إلى الوحدة وإلى الاستقرار، وبحثوا عن تحقيق الحريات الأربع.. إلخ.

بعد أن قربت الشقة بين أطراف الأرض، وأصبح الإنسان يقضى صدر يومه فى شمال أوربا، ويقضى وقت الظهيرة فى مكان بأفريقيا، ثم يبيت فى أواسط أسيا، فالطائرات والتليفون والتلغراف والتليفزيون وغيرها من المخترعات قد قربت بين أطراف الدنيا، وكادت أن توحد بين الناس اجتماعيًّا واقتصاديَّا، بل وتسيرهم نحو سياسة واحدة، فلم يبقَ إلا وحدة العقيدة التى هى أساس كل وحدة، وهذه مهمتكم إن شاء الله }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1] وقد يسأل سائل كيف نوحد بين الناس فى هذا العصر على اختلاف البيئات واختلاف الأجيال والأزمان؟ ونقول لهؤلاء: إن القانون إذا كان من صنع إنسان وصلح لزمن فإنه لا يصلح لأزمان أخرى، وإذا توافق مع بيئة فإنه لا يلائم بيئات غيرها، ولكن هذا القانون وهذا النظام الذي ندعو إليه العالم هو من صنع الباري -جل شأنه- الذي يعلم طبائع البشر ويعلم تطوراتهم وأمسهم وحاضرهم وغدهم، فجعل فى الإسلام طبيعة البقاء والخلود؛ وذلك بأن جعله ممسكًا بأطراف الأصول والقواعد التى لا تتغير وتترك للناس الفروع يكيفونها على حسب الزمن والبيئة والجنس.. إلخ، ولننظر فتاوى الإمام الشافعي فى العراق وفتاويه فى مصر. إن الإسلام يحمل دائمًا بذور النمو وعوامل التطور، إنه يسبق الأزمان ويحيط بالعقول، كله سماحة ولين ومرونة }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ [فصلت: 53].

} يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].

} يَا أَيُّهَا النَّاسُ فاجأت الرسالة الناس بعمومها وشمولها} مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40].

} اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ولم يقل: وحدوا؛ لأن العبادة عمل لا يكون إلا عن نظر واعتقاد، ففيها النظر والإيمان والاعتقاد والعمل مع التبجيل، وذلك بتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي. } رَبَّكُمُ ولم يقل: "إلهكم" أو "خالقكم"؛ لأن هذا الخطاب فيه إشارة إلى الصلة القوية بين الرب وعبده، وهى صلة التربية والرعاية والهداية، وإلى أن العبد فى رعاية ربه من يوم أن يولد إلى أن يموت. ففي هذا الخطاب إشعار بالحاجة الدائمة والصلة المتجددة. } الَّذِى خَلَقَكُمْ تفصيل، فلولا إيجاد الله -سبحانه- له لم يك شيئًا} هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [الإنسان: 1]، }أَوَ لاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم: 67] ورد الله على الذين يقولون: "إن هى إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر" فقال: }وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وكم فى خلق الإنسان من دقائق وأسرار!! } وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ [المؤمنون: 12].

} لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] المقصود هنا أن الإيمان يقينًا من أمرين:

1-      الجحود والكفران.

2-      الغضب والحرمان.

} الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22].

لفت الله -سبحانه- الأنظار إلى نعمة أخرى من نعم الله سبحانه؛ وهي تمهيد الأرض، وجعلها سكنًا للناس ومستقرًا ومصدرًا لرزقهم. وجعل السماء بناء فوقها؛ إذ هى بما تضم من نجوم وكواكب تهدى الناس وتعينهم بشمسها على الحياة، فالسماء مكملة للأرض، ونحن بين الأرض والسماء نعيش ونجد كل خير. } وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة: 22] هذا هو الرزق؛ فالنعمة الأولى نعمة الخلق، والنعمة الثانية نعمة استقرار الحياة، والنعمة الثالثة نعمة الرزق، فإذا كان الله -سبحانه وتعالى- هو المنعم بكل ذلك، فكيف نتجه إلى غيره، وكيف نجعل له أندادًا وأشباهًا؟ تعالى الله عن ذلك.

وهذا المعنى بارز جدا فى القرآن فى مواضع كثيرة.. فالإيجاد والرعاية والرزق كل هذه دلائل تجعلنا لا نتجه إلا لله، ولا ندين إلا له، فكيف نجعل له أشباهًا وأندادًا؟! } قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4].

} وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] الواقع أن الإنسان لو تُرِكَ وطبيعته وخلى بينه وبين فطرته لا يتجه إلا إلى الله بلا شك} فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30]} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي [الحجر: 29] هذا النور الذى هو روح الإنسان المستمد من روح الله لا بد وأن يتجه إلى الله، ولكنها الشهوات والأهواء والأحقاد والعتاة والضلال تفعل بالناس كل هذا الشرك والكفر والنفاق. فالناس ثلاثة أقسام كما قدمنا؛ أولهم المؤمنون أهل الفطرة النقية، وثانيهم الكافرون أهل البصائر المطموسة }وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: 14] }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ [لقمان:25] وثالثهم: المنافقون أهل الأهواء والحقد والجبن }أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 75] وأنتم تعلمون وكل إنسان يعلم أن الله هو الخالق والأول والآخر والظاهر والباطن لا شريك له، المنفرد بكل كمال وذلك ببساطة وبلا تعقيد، وما أفادنا علم الكلام شيئًا إلا الجدل وإظهار العلم، وأما معرفة الله فإنها واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى جهد، ولم يخاطب الله الخاصة وذوى العقول الجدلية، وإنما وجه خطابه لعامة الخلق ولذلك خاطبهم: يا أيها الناس. ورحم الله الأعرابي الذي مر على المتجادلين فقال لهم: "البعرة تدل على البعير، والسير يدل على المسير، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟!" اللهم إيمانًا كإيمان العوام. فمعرفة الخالق والاتجاه إليه من البديهيات، ولهذا قال تعالى: }وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

ثم انتقل إلى القرآن وهو المعنى الثاني الذي سنتكلم عنه فى حديثنا المقبل إن شاء الله(12).

 

الآية (23) سورة البقرة

عاطفة اللقاء:

بدأ فضيلته الحديث باسم الله، ثم قال: نحمد الله -تبارك وتعالى- ونصلى ونسلم على نبيه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، ونستفتح بالذي هو خير.

ونعود لنتكلم مرة أخرى عن عاطفة الثلاثاء؛ تلك العاطفة التى لا يمل فيها حديث ولا تبلى لها جدة؛ فهي تتكرر قوية دافقة فى كل ثلاثاء. إن هذا اليوم أصبح قلوبًا تخفق بحب هؤلاء الإخوة، ونفوسًا تهفو إلى هذا الجو الذي يفيض بالحب والإيمان.

التفسير:

وها نحن بحمد الله نعود أيها الإخوان لحديثنا المبنى على نظرات فى كتاب الله الكريم وحبله المتين، ونبدأ بالآيات الكريمة التى كنا قد وقفنا عندها.

} وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 23].

يخاطب الله -سبحانه وتعالى- الناس فى شأن القرآن وإعجازه، ويبين لهم إعجازه بطريقة واضحة مفحمة حتى يكون الإيمان قويًّا ثابتًا عن دليل ويقين، ويبدأ هذه البرهنة وهذا التدليل بتحدي من يشك ومن يستريب فى إعجاز هذا القرآن بأن يأتوا بمثله.

وهذا التحدي على درجات ثلاث؛ الأولى تحداهم الله سبحانه بأن يأتوا بمثله }قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88].

والدرجة الثانية: جاءهم التحدي على أن يأتوا بعشر سور }قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: 13].

وبلغ التحدي نهايته عندما قال تبارك وتعالى: }وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ

[البقرة: 23]، وعقب عليها بقوله سبحانه: }فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا [البقرة: 24] فكان بذلك نهاية التحدي.

وكل من حدثته نفسه بمقابلة هذا التحدي جاء بكلام ركيك مضحك وألفاظ هشَّة غير متماسكة ليس فيها روح ولا حيوية.. وإني أذكر فى هذه المناسبة أن الأستاذ صالح عشماوي قد تعرض لمسألة إعجاز القرآن، وأنه جل عن التحدي، وإذا تكلمت فى ذلك فأما أن آتى بجديد فتزيد الفائدة أو أعيد ما قال فيكون ذلك على سبيل التوكيد. لنا فى إثبات إعجاز القرآن وتفوقه على كل ما جاء به الناس طريقان: طريق تاريخي وآخر علمي.

أما التاريخي: فلا يشك أحد فى أن العرب هم بحق أهل البلاغة وفرسان الكلام، وأنهم ذووا اللسان والفصاحة، وكانوا يفاخرون بثلاثة أشياء؛ ولادة غلام، أو فرس أصيل، أو ظهور شاعر فى القبيلة!

وكانوا يقيمون الأسواق العامة والمجامع الحافلة التى تغصُّ بالخطباء والشعراء الذين كانوا يستعدون لمثل هذه الحلقات التى كانت تعد حلبة يتسابق فيها الأدباء ويتبارزون وسلاحهم اللسان - وإن "المهرجانات" الأدبية فى عصرنا الحاضر لهى صورة صغيرة باهتة - وكان يرأس هذه المجامع حكام يَزِنُون الجوهر، وحقًّا كانت ألفاظهم أغلى من الجواهر وأعز.

هؤلاء الذين سمت عندهم منزلة الفصاحة إذا جاءهم التحدي عن هذا الطريق فما أروعه وأقواه، إنهم أكثر ما يكونون شاعرًا وخطيبًا ومع هذا يأتيهم هذا الكتاب بلسان رجل أمي لم يقل الشعر ولم يكن من أهل الخطابة، ولم يعرف عنه إلا أنه الصادق الأمين فحسب، ومع ذلك فإنه يتحداهم فى أهم صفاتهم وأبرز مميزاتهم.

وقد ثبت أن جماعتهم وقفت صاغرة مذهولة أمام هذا القرآن الكريم. وانظر إلى أبى جهل رأس الشرك حين جاء إلى النضر بن الحارث -حكيم قريش وعالمها- وقال له: يا أبا الحكم، ألا تقول شيئًا يؤثر عنك فى هذا الكتاب؟ فقال: يا أبا جهل، إنه والله ليس بكلام كهان ولا بحديث سحرة، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر، ولكن قل للناس: إن هو إلا سحر يؤثر. 

هذا حكم رجال البلاغة وفرسان الفصاحة وسادة أهل الفن؛ اعترفوا أمامه بالعجز، فما بالك بنا نحن الذين نلحن أكثر ما نفصح، ونخطئ فى اللغة أكثر مما نصيب؟! أظن أن الإعجاز واضح أمام أعيننا، ثابت فى قلوبنا، وهذا هو حكم التاريخ.

أما الطريق العلمي فلنا من خلاله نظرتان: نظرة إلى اللفظ وأخرى إلى المعنى. 

فأما النظرة إلى اللفظ فلو كنت أيها السامع من أهل البصر باللغة لأدركت أى إعجاز فى هذا الكتاب الكريم من ناحية قوة اللفظ وبراعة الأسلوب وحسن التركيب.

إن اللغوي يضع الآية أمامه كما يضع صانع الجوهر إحدى الدرر الفريدة ويقلبها تحت المجهر ليرى آيات الإبداع.. هكذا اللغوي يجد فى كل آية بل كل كلمة بل كل حرف من حروف القرآن معنى فريدًا، ووضعًا لا يتأتى لبشر أن يدانيه. وأبرز نواحي الإعجاز اللفظي أن توضع هذه المعاني الغالية السامية والمرامي البعيدة بمثل هذه السهولة وهذا اليسر.

أما النظرة إلى المعنى فإنها تتشعب إلى نواحٍ لا يحدها حصر ولا يجمعها لفظ، وسنقتصر على نواح ثلاث:

أولا: شمول القرآن الكريم لكل شىء، وتعرضه للعلوم والفنون من سياسة وقانون وقصص وعلاج اجتماعي وبحث نفسي.. إلخ.

جاء كل ذلك على لسان الأمى الذي لم يذهب إلى جامعة ولم يدرس فى معمل أو كلية، ولنقرب على أذهانكم معنى هذا الشمول فنعيد عليكم ما تعرفونه وما سبق أن قلته لكم من أن قرآننا العظيم وكتابنا الحكيم قد تعرض لما يشغل بال الحكومات والشعب فحله فى كلمات قصار.

إن مشكلات الحكم والطبقات والأسرة هى أهم ما يشغل الناس فى جميع أنحاء العالم والقرآن قد حلها فى 29كلمة، أما الحكم ونظامه فحلها فى 8 كلمات }وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ [آل عمران: 159]، وأما نظام الطبقات فحله فى 13كلمة خاطب فيها الحاكم مرة فقال }خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] وخاطب الباقين بقوله }وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: 19].

أما مشكلة الأسرة فلم يزد حلها على 8 كلمات أخرى }وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228].

هذه هى مشكلات العالم الثلاث التى أنفق الباحثون والمختصون والفلاسفة أعمارهم فى حلها وكانت نتائج فلسفاتهم وأبحاثهم ما ترون فى العالم من دمار وفوضى وخوف وحروب ولو طبقت هذه الحلول القرآنية المباركة تطبيقًا صحيحًا ما بقي على ظهر الأرض معوز ولا فقير، ولا أسرة منحلة ولا بيوت فاسدة ولأصبح الحاكم سعيدًا بتوفيقه والمحكوم جذلان بحريته.

الناحية الثانية: من نظرتنا العلمية للقرآن هى أنه خالد متجدد مرن يدور مع الزمن ولا يتعارض مع التطور العقلي والعلمي فالله سبحانه جلت قدرته يعلم أن الإنسان فى تطور وتقدم ويسير دائمًا إلى الأمام فلو بين القوانين الكونية والنظرات العلمية كما هى مضبوطة محددة لتولى بنى الإنسان الارتباك ولأصروا على العناد والتكذيب "ومن جهل شيئًا عاداه".

ومن الحقائق الثابتة فى العرف الآدمي أن حقائق الأمس خرافات اليوم وحقائق اليوم خزعبلات الغد فلذلك جاء القرآن مرنًا يسير مع التقدم البشرى وكلما ازداد علم الإنسان كلما أدرك ما فى القرآن من إعجاز وقوة حقيقية ولنضرب مثلا بآية }وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا [المرسلات: 1] إلى }فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا [المرسلات: 5] لقد فسر المفسرون الملقيات ذكرًا بالملائكة ويمكن أن تفسر الآن بالرياح التى تحتوي على الأثير الذي ينقل الأصوات بالراديو.

وكذلك آية }وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ [الأنعام: 125] ويفسر ذلك الآن بأن هذا الضيق يأتيه من تخلخل الهواء إلخ.

وهكذا كلما اكتشفت حقيقة علمية جديدة كلما وجدت مسايرة للقرآن بل وجدنا إشارة إليها فى الكتاب الكريم }وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: 82].

الناحية الثالثة: ما وجد فى القرآن من أخبار غيبية تحققت مثل آيات }غُلِبَتِ الرُّومُ * فِى أَدْنَى الأَرْضِ [الروم: 2-3] وقد تحققت نبوءة القرآن على التحديد وغير ذلك من الأنباء التى تحققت تمامًا.

وقبل إن أختم حديثي عن شرح آيات الريب هذه أحب أن أشير إلى نكتة رآها المغفور له الشيخ محمد عبده فى تفسيره كلمة }مِّن مِّثْلِهِ [البقرة: 23] فإنه يعيد الضمير فى }مِّثْلِهِ على النبى صلى الله عليه وسلم أى إذا حاولتم أن تحصلوا على آية واحدة من أمي مثله فإنكم ستفشلون، ومع أن أغلب المفسرين يعيدون الضمير فى }مِّثْلِهِ على القرآن وهي نكتة لطيفة.

أيها الإخوان ما كان لنا أن نرضى بتشريع غير هذا الكتاب القويم وحبل الله المتين الذي إن تمسكنا به فسننال سعادة الدنيا وحسن ثواب الآخرة وإلى الحديث القادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(13).

 

الآيتان (24 – 25) من سورة البقرة

عاطفة اللقاء:

إننا نؤمن بأنه حيث يوجد المسلمون فى مكان يوجد الخير مهما فسد الزمن وأهله، وظهر الباطل وأنصاره. وأنتم أيها الإخوان بقية السلف الصالح، وبذرة الخير فى هذه الدنيا. عليكم أن تستمسكوا بتعاليم دينكم وسنة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه، وأن تعكسوا هذه الأضواء على أشخاصكم؛ فلا يصدر عنكم إلا الخير، ولا تضم جوانحكم إلا قلوبًا مملوءة بالحب والعطف والنبل والترفع، فتوجِّهوا الناس إلى السمو والكمال، لا بالقول وحده ولكن بالعمل الذي يرضى الله ورسوله، الجدير بدينكم القويم وتاريخكم المجيد }كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران:110].

فليكن الخير رائدكم، ولتكونوا عنوانًا عليه حيثما كنتم؛ إذ إن الدين الإسلامي يفصح فى كل نواحيه عن هذا الخلق، ويسد على الشيطان دائمًا طريق الشر والكره والحقد والحسد. ولو تمسك المسلمون بدينهم لأصبحوا صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص، ولساروا إلى أهدافهم النبيلة بخطوات ثابتة سريعة. وانظروا فى قول الله -تبارك وتعالى-: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11] فأي خلق كريم بعد هذا؟ وما أجمل أن يكون المسلمون حيث أمرهم الله }أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29]. فكونوا أنتم الرحماء بكل مسلم، وعلموه كيف يكون الحب والصفح والترفع عن السفساف، والابتعاد عن الظن السيئ والقول الجارح والبهتان المقيت. سدوا على الشيطان هذه الثغرات، واجعلوا المسلمين كالحديد تماسكًا وقوة واتحاد عنصر؛ بقول رسولنا الكريم ما معناه: "لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا. ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واصفحوا عمن ظلمكم، وأحسنوا إلى من أساء إليكم".

إن التحلل الخلقي والانهيار الاجتماعي الذي نتج عن وجود المستعمر فى بلادنا وإفساده للأخلاق وإحيائه للشهوات، وجره لبعض ذوي العقول المريضة إلى الاهتمام بالصغائر ليصرفهم عن الخير وعن الحياة الحرة الكريمة، كل ذلك قد تغلغل فى مجتمعنا بصورة لا تقاوم إلا بالدأب على التمسك بالدين، وأن يكون الإخوان قدوة حسنة للناس ومنارًا يهدى إلى الرشد، ويشيع فى المجتمع الحب والتآخي.

وإذا رأيتم من يسبكم فادعوا له بالهداية والخير، واحمدوا الله على نعمة العفاف والطهر وحبكم للناس. فلن تظهر دعوتكم إلا بشيئين: إيمان بالله عميق، وارتكان إليه فى كل شىء، واستمساك بالعقيدة الطاهرة بجميع مظاهرها؛ من خلق كريم، وصلابة فى الحق، وصبر على المكاره، وتحمل لكل صعب }وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72]، }وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا [الفرقان: 63].

وحب فى الله وثيق، يجعلكم على قلب رجل واحد، فتسيروا إلى غايتكم منصورين، فاصبروا وصابروا ورابطوا وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. واعتقدوا أن كل موحِّد مهما كان عدوًا لكم فهو شقيق الفكر والعقيدة، وكم فى الذين أضلتهم أكاذيب الزعماء وأفسدت قلوبهم الحزبية البغيضة من خير، يحتاج إظهاره إلى الزمن الذي يميز الخبيث من الطيب والقدوة الطيبة التى تهدى إلى الخير كل من كان له قلبٌ أو ألقَى السَّمع وهو شهيدٌ. 

فصونوا ألسنتكم، وطهروا قلوبكم، واصبروا على الأذى فسيفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين. ولا يهولكم طوفان الأكاذيب وفيضان الزور والبهتان، ولا تحسبوا أن ذلك يحتاج إلى رد بالقول المماثل؛ كالشغب الذي يرمى به المبطلون، وإذا قلتم: إن أهل الأباطيل يذيعوها وصناع الأكاذيب يشيعوها، أفلا يليق بأهل الحق أن يذيعوا عنهم ما هم عليه "بحق"، مما يخجل كل مسلم ويزرى بكل رجل؟

وجوابنا على ذلك الذي نستمسك به فى كل حين هو صبر جميل؛ فإن الله هو المستعان على ما يصفون، ولا نقابلهم إلا بالدعاء لهم بالهداية فى إلهامهم الرشد، أما الأباطيل والأكاذيب فهي من التفاهة والحقارة بحيث لا يصدقها أقل الناس عقلا، وبحيث يشمئز من وضاعتها أعدى الأعداء. ولا تصدق أن مصريًّا شرب من ماء النيل، أو مسلمًا جرى على لسانه ذكر الله ورسوله، أو رجلا جرت فى دمائه نقطة من روح الإنسانية يرضى لنفسه أن يخدع بمثل هذه الدناءات، وإنما هى شياطين تنطق على ألسنة قوم ليس لهم من الذنب إلا ما يكون للببغاء حين تلقن شيئًا لتردده.

وإن ما عليه حال البلاد من امتحان لصلابتها واختبار لوحدتها وتحديد لمصيرها يجعل من الواجب على كل مصري أن ينسى نفسه وأن يتفرغ لشيء واحد هو إصلاح نفسه وهداية غيره، والاستعداد ليوم ربما كان قريبًا، وإن الأيام تجد بالعرب وبالمسلمين، فلا يصح أن تنغمس فى تيار تافه خائب؛ هو تيار الخصومة المضللة الحقيرة الهزيلة.

وبعد أيها الإخوان؛ فننوه إلى ما نحن بصدده من دراسة لكتاب الله سبحانه وتعالى، هذا الدرس وهذه النظرات التى نرجو الله أن يسددها وأن يجعل هذا الفهم لآيات الذكر الحكيم مقرونًا بالعمل على إحلالها محل القوانين الوضعية الزائفة، ثم السير على تعاليمه ليتكون المجتمع المثالي المنشود الذي يحقق السعادة للمسلمين والرفاهية لبنى البشر أجمعين.

التفسير:

وقد تكلمنا فى حديثنا الماضي عن معنى الآية الكريمة: }وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 23] وبيَّنا ما فى ذلك من معنى التحدي اللاذع، وكيف أن هذا التحدي جاء على درجات؛ فقد طولب هؤلاء المكابرون بأن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، فطُلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فضعفوا، وأخيرًا طُلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله فاستخذوا وفضلوا الحرب والقتال والموت على هذا التحدي الرهيب، وهم من هم، إنهم كما قيل فى أمثالهم: عقولهم الرجاحة، وألسنتهم الفصاحة، وأيديهم السماحة، فرسان البيان وأئمة البلاغة، أهل اللسن والذكاء. 

تحداهم الله على لسان رسوله فى أعز صفاتهم وهاجمهم فى أمنع حصونهم، فخَرُّوا خشعًا وجثيًّا، وانهارت معاقلهم هباء تذروه الرياح. واستدللنا على إعجاز القرآن من طريقين؛ الطريق التاريخي وكلمة نجوم لوامع، وشواهد عدل على إعجاز القرآن المطلق وعلى تفاهة من حاول التقليد أو سابق فى حليته، والطريق العلمي أثبت لدارسي اللغة إعجاز القرآن من ناحية اللفظ والأسلوب والجمع والتركيب، وأثبت أن قصص القرآن ممتع ولطيف وصادق وثابت وخالد، وأكثر من ذلك. 

فالقرآن قد ساير العقول فى نهضتها وتطورها، وسجل كل ما يقبل التطور بالأسلوب الذي يرضى أهل كل زمان ويسير مع تفكيرهم، وضربنا لذلك الأمثلة.

الجزاء فى الإسلام:

ثم ننتقل إلى مبدأ تقرير الجزاء، والجزاء ورد فى كل الأديان والشرائع، والجزاء هو الحافز على عمل الخير دائمًا؛ ترى الآباء والمربين والحكام يضعون الجزاء ويغرون به على فعل الخير والطاعة، واجتناب الشر والرذيلة والمعصية.

والجزاء نوعان:

نوع للمؤمنين الصالحين المصدقين وهو الجنة التى عرضها السماوات والأرض، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويحسن أن تؤمن بأن الإحسان على المؤمن فى الجنة يجمع إلى المتعة الروحية }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22-23] المتعة الحسية، ولكن بطريقة لا نعلمها. ويروى أن سيدنا أبا بكر حينما سمع وصف طيور الجنة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: "ما أمتع هذه الطيور!!" فقال صلى الله عليه وسلم: "آكلوها أمتع منها". حسبنا أن يقال فى حق أهل الجنة }فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17]. وهذا السبيل الوحيد للخلاص من اختلاف الأقوال فى أوصاف الجنة وأهلها.

وهناك حكمة فى أن الإسلام نَصَّ على هذا المتاع الحسي فى الجنة؛ ليثبت واقعية الإسلام وحيويته، وأن كل متاع حسي مشروع فى الدنيا والآخرة ما دام فى حدود الله لهم. 

وأما الكفار فكذلك جزاؤهم حسي فى النار التى وقودها الناس وما يعبد الكفار من دون الله من حجارة وغيرها، ويتجلى العذاب الحسي فى }كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: 56] هذه هى نظرية الجزاء فى الإسلام؛ لأن الإنسان إنسان وليس يملك كل الحق فى أن ينال جزاء عمله إن خيرًا وإن شرًّا. وهناك قاعدة فى الجزاء لا تضر عدالته أو تصيب نزاهته، وهي معاملة المحسن بالفضل }وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَّشَاءُ [البقرة: 261] وزيادة الثواب للمحسن تدفعه لزيادة إحسانه وتغرى غيره بالإحسان، ومعاملة المسيء بالمثل فقط دفعًا لتبرمه وإشعارًا له برحمة الله، وكذلك كتابة حسنة لكل مَنْ هَمَّ بها ولم يعملها وعدم كتابة السيئة إلا بعد وقوعها يؤكد هذا المعنى أيضًا، وإلى الحديث القادم إن شاء الله(14).

 

الآيات (26 : 29) من سورة البقرة

عاطفة اللقاء:

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلى ونسلم على رسوله ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، ونستفتح بالذي هو خير. وبعد أيها الإخوان؛ فإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح البدن كله؛ ألا وهي القلب. إن منزلتها منه منزلة المفتاح الذي يفتح الباب إلى الخير أو منزلة المرشد الذي يهدى الضال على مفترق الطرق إلى طريق الهدى والرشاد، فإذا صلح قلب الفرد صلحت قلوب الجماعات، وبالتالي تصلح الأمة كلها، وقد تكون الأمة سببًا فى قيادة العالم إلى السلام والنور.

وإن الله -سبحانه وتعالى- قد تولى إصلاح القلوب بهدايته، وأحاطها برعايته، وجعل نظام العالم وفلاحه متوقفًا على تحويل القلوب من الجهالة إلى العلم ومن الشر إلى الخير، وأمة العرب خير مثل على تحقيق هذه القاعدة. 

إن هداية الله التى جاءت على لسان محمد صلوات الله وسلامه عليه، ورعايته التى تمثلت فى كتابه الكريم وقرآنه العظيم، أخذت بقلوب هؤلاء الجهلة فصاروا أعلم الناس، ودخلت أفئدة هؤلاء الحفاة فصاروا أهل الخير والرحمة ورسل العدالة والسماحة، وأضاءت قلوبهم المظلمة بنور العقيدة فانطلقوا كأشعة ناصعة ينيرون أركان العالم.

وهكذا تكونت الدولة الإسلامية، وتحقق مجتمعها المثالي المليء بالخير المحفوف بالعدالة، ولن نعود إلى مثل هذا الخير إلا إذا نظرنا إلى كتابنا وأوامره، وطبقنا ما فيه على كل شىء فى حياتنا، وهو -بحمد الله- يسير على تطور الحياة وتقدم الفكر دائمًا؛ فمهما قرر العلماء من نظريات واكتشف الباحثون من أسرار فإننا نجد كل ذلك لا يتعارض مع نص من نصوص القرآن، ولا يناقض قاعدة من قواعده؛ بل ربما وجدنا نصًّا يوافقه أو آية يَمُتُّ إليها هذا الكشف بسبب. إن نقطة التحول فى حياة الفرد والجماعة والأمة هى معرفة الله، والأنبياء هم الداعون إلى هذه المعرفة، العاملون على دفع الناس إلى الخير وهدايتهم إلى طريق الرشاد.

ولما كان الإسلام هو دين الفطرة }فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] فإنه يقدم الخير إلى الإنسانية والرشد إلى البشر فى إطار من زينة الدنيا، بما لا يتنافى مع تعاليم الدين أو يخالف الفطرة السليمة. إن الزهد جميل والتقشف حسن، والعكوف على العبادة خير، ولكن الإنسان ذو الغرائز وصاحب الشهوات المجبول على الحرص هل يستطيع أن يجعل حياته جافة بالزهد الكامل؟ وهل يستطيع أن يخلص نفسه من حب الدنيا فيجود بكل شىء؟ وهل تطيق طبيعته أن يعكف على العبادة ويكبت غرائزه وشهواته؟!

علم الله سبحانه -وهو الخالق البارئ- أن ذلك محال، فجعل الدين الحنيف يسير مع الفطرة السليمة ويعترف بزينة الحياة المشروعة }قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: 32] على الإنسان أن ينفق ويخرج الزكاة ولكن بقدر، فمن زاد كان نصيبه من الإيمان أكبر ومن لم يزد لم يتعد الحدود ولم يك من الآثمين. وعليه أن يؤدى من العبادات ما لا يرهق ولا يكلف مجهودًا، فمن تطوع خيرًا فهو خير له، ومن لم يتطوع فلا عليه. 

وهكذا تسير تعاليم ديننا القويم مع سنة الكون وطبائع البشر، وبذلك كان -بحق- الرسالة الخيرة وأهلها خير أمة أخرجت للناس.

التفسير:

وبعد أيها الإخوان؛ فنعود إلى ما نحن بسبيله من حديثنا فى كتاب الله، وما وعت آياته من حكم وأحكام، وما فى تراكيبه من إعجاز وبيان، وكنا قد وصلنا إلى تفسير الآيات الكريمة:

} إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِى أَن يَضْرِبَ مَثَلا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ [البقرة: 26-27].

هدف القرآن دائمًا الوضوح ومخاطبة القلوب وتحريك العواطف والقرب إلى العقول، وعلى ذلك كان مليئًا بضرب الأمثال كأدلة ملموسة محسوسة على وحدانية الله وعظمته وجليل صنعه، وعلى أن من كفر فهو متعنِّت ضال وجاحد مجرم فى حق نفسه وحق الإنسانية.

وكان بعض الكفار يحاولون أن يتهكموا على ضرب هذه الأمثال بالعنكبوت مرة وبالذباب أخرى وبغيرهما من الأمثال، فجاء الرد فى هذه الآيات الكريمة.

وإن هذه الأمثال تزيد المؤمنين إيمانًا، ولا يستفيد منها الجاحدون المكابرون إلا زيادة فى العمى ولجاجة فى الطغيان، ولا ينظر إلى المثل المضروب نظرة المقارنة إلى ذات الله سبحانه ليس كمِثْلِه شىءٌ، ولا إلى العقيدة الخالدة عقيدة المسلمين، كلا؛ وإنما المثل ينظر إليه من زاوية واحدة هى توضيح المعنى وتقريبه إلى من يريدون الفهم، ويحبون الوصول إلى الحقيقة إلى الخير إلى الحياة.. إلى الله. وهل تمثيل نور الله -سبحانه وتعالى- بالمشكاة المنيرة يقصد فيه تماثل المشبه والمشبه به؟ تعالى الله عن ذلك، وإنما هو توضيح للفكرة وتقريب للأذهان.

وقد اعترض بعض الناس على أبى تمام حين مدح الخليفة فقال:

إقدام عمرو فى سماحة حاتم             فى حلم أحنف فى ذكاء إياس

فرد على البديهة قبل أن يكمل القصيدة وقال:

لا تنكروا ضربي له من دونه             مثلا شرودًا فى الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره                مثلا من المشكاة والنبراس

والله سبحانه يرسل هذه الأمثال فى القرآن لهذه المعاني }وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21].

وقسم سبحانه الناس بالنسبة للأمثال إلى فريقين: 

فريق المؤمنين: الذين يزدادون إيمانًا بكل آية ومعرفة بكل مَثَل }قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت: 44].

وفريق الكافرين: وهؤلاء لا يزيدهم الوضوح إلا جهالة، ولا ضرب الأمثال إلا سخرية وعنادًا }وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا [الإسراء: 82]، }وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26]، قد وصفهم الله -سبحانه وتعالى- بذلك ثم قال فى حقهم: }الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة: 27] عهد الله قال فيه المفسرون أقوالا كثيرة:

الدين: هو عهد الله بدليل الآية: }أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ [يس: 60].

العقل: هو عهد الله الأول، والاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه موجود فى كتبهم هو العهد الثاني الذي نقضوه بإنكارهم لرسالته وتنكرهم لما فى كتبهم وتأويله على حسب أهوائهم.

ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل. هذا الشيء الذي يقطعه هؤلاء الناس هى الشرائع التى تصل بين الباري -جل شأنه- وعباده المؤمنين. إنهم قطعوا هذه الصلة، وقد ترتب على هذه القطيعة انحرافهم عن الطريق المستقيم.

وبعد ذلك قال فى موضع الاستغراب العجيب وبأسلوب الاستفهام الإنكاري: }كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا [البقرة: 28].

كيف يكفر إنسان بالله ولا يذكر نعمه عليه، وأنه لم يك شيئًا }أَوَ لاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم: 67].

أيجرؤ جاحد ويقول: إننا خلقنا بالصدفة؟! أى صدفة هذه التى ألَّفت بين الزوجين، والتي أحيت العظام وهي رميم، والتي أخرجت إنسانًا عاقلا كاملا من الطين؟!

الطبيعة؟! أى طبيعة هذه؟! ومن خلق هذه الطبيعة؟! إن هؤلاء ينسون فى كثير من الأحوال مغالطتهم ويتجهون إلى الله وهم لا يشعرون!

وحسب الإنسان أن يتأمل فى سورة الدهر -تلك السورة التى ضمت أسرار الوجود وأبرزت مفتاح الحياة الإنسانية- فى كلمة }نَّبْتَلِيهِ. على الإنسان أن يقرأ هذه السورة ويتدبرها؛ ليدرك قدرة الله وجلاله وبديع صنعه وكبير نعمته على بنى الإنسان.

ويقول بعض المفسرين: إن كلمة "مثلا" أى قدوة وإماما }وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا [الزخرف: 57] ولكن السياق هنا يخالف ذلك.

ويقول البعض: كيف ينسب الحياء إلى الله سبحانه؟ كل صفة تنسب إلى الباري -جل شأنه- ليست على سبيل التشبيه بصفات الخلق، تعالى الله عن ذلك، وإنما هو تقريب للأذهان، إننا لا نجسم ولا نشبه ولا نعطل }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ [الشورى: 11].

وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن الإدراك إدراك، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.

والملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه(15).

 

الآيات (30 : 33) من سورة البقرة

عاطفة اللقاء:

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلى ونسلم على رسوله وأصحابه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، ونستفتح بالذي هو خير.

أيها الأخوة الأحبة الفضلاء: اعلموا أن أقوى القُوى وأنجع الوسائل وأنجح الأعمال لا يتوقف انتصارها وتحقيقها على كثرة العَدَد ولا مضاء العُدَد، وإنما القوة الكبرى والوسيلة المجدية هى القوى الروحية، لها فعل السحر وتأثير الكهرباء. إن الإيمان بالفكرة والالتفاف حولها هو كل شىء، ولن تنجح دعوة إلا إذا تحقق لها فى أركانها الثلاثة شرائط خاصة:

فللدعوة منهاج وجنود وقائد.

ولا بد للمنهاج من الوضوح والشمول والتأثير.

ولا بد للجندي من الإيمان والحب والبذل.

ولا بد للقائد من الإخلاص والكفاية والحزم.

هذه هى الخطوط الرئيسية لدعوة تريد النجاح وتسعى نحو الخلود، وإذا طبقنا هذه الخطوط على دعوتنا الإسلامية لوجدنا أنها منطبقة عليها، وكأنها رسمت من أجلها هى وحدها.

فإذا نظرنا فى منهاج دعوتنا وجدنا أن المنهاج هو كتاب الله وسنة رسوله، وليس فى الدنيا منهاج أكثر منه وضوحًا ولا أعم شمولا ولا أشد تأثيرًا. إن الله -سبحانه وتعالى- جعل الوضوح عَلَمًا على القرآن، فسماه نورًا وهدى }وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ [النحل: 89]، }قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت: 44].

أما شموله فحسبنا قول الله -تبارك وتعالى-: }مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَىْءٍ [الأنعام: 38] وقول الرسول الكريم ما معناه: "ما من خير إلا أمرتكم به، وما من شر إلا نهيتكم عنه". وإن القرآن الكريم يساير التقدم العلمي والإنساني، ولا يناقض العلم والمخترعات وإنما يسير معهما جنبًا إلى جنب أو يسبقهما. وتأثيره لا يقاربه شىء؛ إنه يستولى على القلوب ويحرك الأفئدة ويأسر النفوس.

إن أعداءه اعترفوا بقولهم: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة.. إلخ". وقال الآخرون: إنه سحر، والآية الكريمة }اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ [الزمر: 23].

وكان التأثير يبلغ بالمؤمن أن يسارع إلى ربه فيأتي من ضروب البسالة فى الحروب ما يصل إلى درجة الخيال؛ يدخل الرجل فى الرمح وهو يخترق صدره، ويقتل عدوه وأعداءه وهو يموت، والرمح ينفد من ظهره وهو غير مهتم، ويقول: وعَجِلْتُ إليك ربِّ لترضى. هذا هو المنهاج الناجح ومدى انطباقه على نهج المسلمين. أما الجندية الرائعة المثالية والفدائية المبصرة الخالدة فلم توجد إلا فى جندية أصحاب رسول الله ومن تبعهم بإحسان كانوا مثال الإيمان العميق؛ وانظر إلى أبى بكر يخبره أبو جهل مستنكرًا بالإسراء والمعراج ويقول له: أتصدقه يا أبا بكر؟ فيقول: إي وربى، لقد صدقناه فى أكثر من ذلك؛ صدقناه فى خبر السماء.

أما الحب العميق الوثيق فلم يوجد مجتمع فى التاريخ أسس على الحب مثل المجتمع الإسلامي الأول }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: 9].

أما البذل والتضحية عندهم فحديثه يطول وشرحه لا ينتهي، والتاريخ كله صحائف بيض تشيد بأعمال هؤلاء الرجال الأبطال والأُسْد المغاوير. 

والقيادة الإسلامية التى تمثلت فى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الناس أو يروا فى كل عصور التاريخ قيادة أعظم إخلاصًا أو أكثر كفاية أو أشد حزمًا من قيادته؛ إنه المؤمن الصابر المخلص الذي يقول لعمه: والله لو وضعوا الشمس فى يميني والقمر فى يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه. 

محمد صلوات الله وسلامه عليه القائد الممتاز بكفايته وبديهته وحسن تصرفه، الحازم الذي كَالَ لأعدائه الجاحدين الضربات المفاجئة، والذي وضع الأسس الحازمة للقضاء على النفاق والخداع والوصولية.

هذه هى دعوتنا أيها الإخوة؛ ليس لها منهاج إلا الكتاب الكريم، ولا جنود إلا أنتم يا أطهر المسلمين وأشرف بنى الإنسان، ولا زعيم إلا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

فأين من نظامنا هذه النظم التافهة المتداعية؟ هذه الديمقراطية والشيوعية والديكتاتورية كلها أنظمة لا تضمن الحرية ولا تحقق السعادة، فهل تحقق رضى النفس وراحة الضمير؟ اللهم لا!! وإذا حققت كل ذلك فهل تحقق للإنسان الجزاء فى الآخرة فى حياة فاضلة خالدة.

التفسير:

وبعد أيها الإخوان، فلنرجع إلى الآيات الكريمة التى وقفنا عندها، وإننا دائمًا نضطر قبل التفسير أن نتناول أمورنا وأنظمتنا بنظرات خاطفة، ثم بعدها نعود إلى ما نحن بصدده من تفسير الآيات من كتابنا العزيز ودستورنا القويم.

}وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 30-33].

فى الآيات السابقة إشارات لطيفة لخلق السماوات والأرض، وبراهين على قوة الله وقدرته ووجوب شكره وعبادته. وبعد ذلك بدأ الكتاب الكريم يقص علينا قصة خلق الإنسان وما وقع من الملائكة عند خلق الإنسان، ومكانة الإنسان بين المخلوقات، وما حصل من إبليس بسبب خلق آدم وتفضيله على الجميع. وهنا يجدر بنا أن نذكر أن إخبار الباري -جلَّ شأنه- للملائكة بخلق الإنسان ليس على سبيل الاستشارة أو الاستشهاد، تعالى الله عن ذلك؛ وإنما هو من قبيل الإخبار فقط }مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: 51] وليضرب الله -سبحانه وتعالى- المثل الأعلى للناس حتى نجد الصغير يخبر الكبير بكل شىء لا ضرورة فى إخباره به، وحتى يقدم الصغير مشورته لا على سبيل الرشاد أو الإملاء وإنما من قبيل الحب والولاء، خصوصًا وأن الإنسان سيكون مرتبطًا مع الملائكة بجملة ارتباطات من وحى ورقابة وخسف وقبض أرواح.. إلخ.

ويصح أن نفسر هذه الخلافة بتفسيرات ثلاثة: أولها: أن الأرض كانت مأهولة بعوالم أخرى غير البشر، فأراد الله -سبحانه- أن يخلف الآدميون هذه العوالم. وقال بعض المفسرين الأقوال الكثيرة فى أسماء هذه العوالم وأوصافها، وأنا شخصيًّا لا أميل لهذا الرأي؛ لأنه متكلف ولا سند له ولا دليل عليه.

ثانيًا: الخلافة عن الله سبحانه وتعالى؛ لأن الباري -جل شأنه- تفضل على الآدميين وفضلهم على غيرهم من المخلوقات بنعمة العقل المختار اختيارًا مخلوقًا لله وغير خارج عن إرادته، ودليل هذا القول قول الله تبارك وتعالى: }إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا [الأحزاب: 72].

فتحمل المسئولية يوجب هذه المكافأة التى هى الخلافة عن الله فى تصريف أمور الدنيا والانتفاع بها وتسخير مرافقها، وإن كان الناس ضل بعضهم فى تحمل هذه المسئولية فجعل الخلافة شرًّا وفسادًا.

ثالثها: الخلافة عن الملائكة أنفسهم، على اعتبار أنهم كانوا هم سكان الأرض.

وهنا نقطة فى أن الملائكة قالوا للباري -جل شأنه-: أتجعل فيها من يفسد فيها؟! لأنهم إما يعلمون ما كان عليه أهل الأرض قبل الآدميين –إن صح هذا الرأي– من فساد وقتل.. إلخ، أو لأنهم يعلمون أن المخلوق الذي له إرادة واختيار سيفسد حتمًا؛ لأنهم لم يعطوا أى صورة من صور الاختيار }لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6]، أو أن الله سبحانه أطلعهم على طبائع الإنسان وما سيكون منه، كل هذه الآراء تجوز.

وربما كانوا يظنون -والله أعلم- أن فى خلق الإنسان إقصاء لهم وإبعادًا، فقالوا: }وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30]، فقال لهم الباري: }إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]. وأول براهين ذلك أن آدم تعلم أسماء كل شىء ثم علمها للملائكة وكانوا لا يعرفونها، ولذلك قالوا: }سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: 32].

وهكذا وضع الله سبحانه الإنسان فى منزلة رفيعة بين المخلوقات؛ فعليه أن يكون جديرًا بهذه النعمة، فإذا شكرها واستعمل مزاياه واتجه بإرادته إلى الخير كان خليقًا أن يفضل الملائكة؛ لأنه أوتي الإرادة فصرفها إلى مرضاة مولاه، أما الْمَلَك فإنه خلق للطاعة ولا يقدر على غيرها }لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] وأما من كفر بالنعمة وصرف نفسه وإرادته إلى الشر كان خليقًا أن يكون فى درجة أحط من درجة البهائم؛ لأنه أُعْطى الاختيار فاختار طريق الشهوة.. طريق الإثم.. طريق الحيوانية.. } إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الفرقان: 44] ، }إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [الأنفال: 22].

فعلينا نحن المسلمين أن نكون خير الآدميين معرفة وعلمًا ودينًا وخلقًا، وأن نكون مثلا عليًّا لمن يتحدثون بنعمة الله ويشكرونه عليها، فيعملوا بأوامره ويجتنبون نواهيه، فيسعدوا هم وتسعد بهم البشرية، وتسير نحو الكمال. حقق الله فيكم الآمال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(16).

 

الآيات من (34 : 37) من سورة البقرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، أما بعد؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. 

فقد وصلنا إلى قول الله -تبارك وتعالى-:

} وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ إلى قوله:} خَالِدُونَ [البقرة: 34- 39].

وقلنا: إن من أصناف المخلوقين الملائكة والجن والإنسان؛ فالملائكة خلق من خلق الله تعالى يتشكلون بأشكال شريفة كالإنس ونحوهم، ولا يخرجون عن طاعة الله تعالى، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقال بعض العلماء: إنهم خلق من نور. وهو قول يعوزه الدليل والمصدر الصحيح عن هذا النور أهو نور الشمس أم نور القمر، أم غير ذلك من الحقائق؟ والحق أنهم خَلْق يعلمهم الله، وكل الله إليهم أعمالا؛ فمنهم من يقوم بالسفارة بين الله ورسله، ومنهم خزنة جهنم، ومنهم من يشرف على مسائل الموت، ومنهم الحفظة والكتبة، وغير ذلك من الوظائف.

وأما الجن فهم كذلك خلق يعلم الله حقيقتهم، مكلفون بالأحكام واتباع الرسل كما جاء فى سورة الجن }إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: 1-2] إلى قوله: }وأنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 14-15]. فمن هذا نعلم أنهم مخاطبون بفروع الشريعة.

وأما الإنسان فهو الذي خلقه الله من صلصال وأودعه الكثير من أسراره، وأول من خلق آدم، ومنه خلقت حواء، ومنهما تناسل الجنس البشرى }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء: 1] وليس بلازم أن تكون حواء قد خلقت من ضلع آدم، وما جاء "إن المرأة خلقت من ضلع أعوج" ليس معناه أنها خلقت من نفس الضلع، وإنما خلقت على هيئته فى الاعوجاج لا تستقيم، فإن ذهبت تقيمه كسرته، فاستمتع بها على عوج". وما يقوله الناس من أن فى الرجل 23 ضلعًا وفى المرأة 24 ضلعًا فكلام غير صحيح.

الصلة بين الإنسان والملائكة:

والصلة بين الإنسان والملائكة تعرضت لها الآيات التى تميزت بها الأصناف؛ فالخاصية التى امتازت بها الملائكة }عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ [الأنبياء: 26]، }لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6]، والخاصية التى تميز بها الإنسان أنه منح الإرادة والقدرة على المعرفة والكشف عن المجهولات وتعرف ما خفي عنه بالبحث والاستكشاف. وأما عِلْم الملك فبالتلقى من لدن الحكيم الخبير، وليس من وظيفته أن يبحث كما يبحث الإنسان؛ فالإنسان علم المبادئ التى يصل بها إلى العلم والمعرفة والبحث. وخاصية الجن التمرد والعصيان والحسد والحقد، وأول الجن إبليس، أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين. وصلة الإنسان بالجن العداوة والغواية، وقد شبت الخصومة بينه وبين آدم وذريته }قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17]، }وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ [النساء: 119]. 

وقد حذر الله آدم وحواء من الوقوع فى حبائل الشيطان }فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه: 117]، ولكن إبليس استغل من آدم طيبة قلبه التى أنسته أمر الله }فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الأعراف: 22] فأخرجه الله تعالى من الجنة وامتحنه بهذا، ثم ألهمه تلك الكلمات بمجرد أن تذكر }قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23] فتقبل الله تعالى توبته }فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 37]. 

ومن الطرائف أن الشيطان يوم القيامة يقوم فى أهل النار خطيبًا على منبر من نار، فيقول: }إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوا أَنْفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ [إبراهيم: 22] فيتخلى عمن كان ينتصر له من أعوانه }كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِّنْكَ إِنِّى أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: 16].

الجنة التى أخرج منها آدم:

اختلف العلماء فى حقيقة الجنة، هل هى جنة الخلد أم جنة فى الدنيا؟ فقال بعضهم:

إنها بستان من بساتين الدنيا على حد قوله تعالى: }إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [القلم: 17]، وقوله تعالى: }وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ [الكهف: 39].

وقال آخرون: إنها جنة الخلد والمثوبة، وحجتهم أن القرآن أكثر ما يستعمل هذا المعنى فى جنة الآخرة }فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى [طه: 117-119] فإن هذا الوصف من خاصية جنة الآخرة، وما لا يحتاج إلى تأويل أولى مما يحتاج إلى تأويل.

وقال الأولون: الجنة ليس فيها تكليف وهذه ليست كذلك، وأيضًا من دخلها لا يخرج منها وآدم قد أخرج منها، وكذلك الجنة لا يستطيع أن يدخلها إبليس وهذه قد دخلها، وعلى كلٍّ فهي آراء قد يتحملها القرآن الكريم.

أما عصيان آدم فقيل: إن هذه المعصية وقعت قبل التكليف لا بعده، وأيضًا لا يعد عاصيًا؛ لأنه لم يتعمدها، فقد وقعت عن نسيان، والمؤاخذة عليها من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذا اجتباه ربه لما تذكر }ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: 122] وما يروى من أن الشيطان دخل فى جوف حية ليصل إلى آدم لا قيمة له؛ لأنه لم يرد فى كتاب ولا سنة، وعلى هذا فالصلة بين الشيطان والإنسان معنوية كصلة الإشعاع بما يشع عليه؛ فالشيطان يصل بوساوسه بحكم هذه الصلة "إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم".

وإذا قرأت الآيات تصورت معانيها، وعلمت لكل من هذه المخلوقات الثلاثة خاصيتها؛ فقوله: }وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: 31] فيها خاصية العلم للإنسان، وقوله تعالى: }لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: 32] فيها خاصية الملائكة وهي التلقي، وقوله تعالى: }إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34] فيها خاصية الجن، وهي التمرد والحقد والحسد. وقوله تعالى: }وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: 35] بدأ التحليل والتحريم حتى يعلم -وهو العليم الخبير- من خالف أمره ومن أطاعه، }لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا [هود: 7].

التوبة:

قالت الصوفية: إن التوبة من الله تعالى ابتداء ومن العبد مظهرًا؛ فالعبد يتوب لأن الله تعالى وجهه }فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54].

}وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 118] فليختبر كل منكم نفسه ليعلم منزلته من الله، فإن كنت كثير الندم على ما اقترفت من سيئات فاعلم أن ذلك لقرب منزلتك من الله تعالى، وإن رأيت من نفسك انصرافًا فاعلم أن ذلك لبعدك عنه، فلحّ على الله أن يقبلك، نسأل الله تعالى دوام التوفيق.. آمين.

تعليق الشيخ محمود عبد الوهاب فايد:

قديمًا قال أرسطو: "أفلاطون صديقي والحق صديقي، ولكن الحق أصدق منه". طالعت محاضرة فضيلة الشيخ حسن البنا فى العدد السابع من المجلة فلاحظت عليها ملاحظات عابرة:

أولا: عقب فضيلة المرشد على قول بعض العلماء فى الملائكة أنهم خلق من نور بقوله: "وهو قول يعوزه الدليل".

ثانيًا: تحدث عن علم الملائكة فقال: "وأما علم الملك فبالتلقى من لدن الحكيم الخبير".

ثالثًا: استشهد على خاصية الإنسان وخاصية الملائكة فقال: }وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: 31] فيها خاصية العلم للإنسان، وقوله تعالى: }قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: 32] فيها خاصية الملائكة وهي التلقي.

ونبدي رأينا فيما ذكره فضيلة المرشد موجزين فنقول بصدد ملاحظتنا الأولى: قام الدليل على أن الملائكة خلقت من نور، فقد ورد فى صحيح مسلم  قال: حدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد، قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". أ هـ ص 451 ج 10 هامش القسطلانى. وبمقابلة الأنواع الثلاثة بعضها لبعض يتضح أنه أراد أصل خلقة الملائكة. وحديث مسلم حديث صحيح لا يدفعه ما ورد فى بعض الآثار؛ إما لعدم المساواة وإما لعدم المنافاة. وقد شرح العراقي هذا الحديث بما يتمشى معنا كما فى (طرح التثريب)، ص 277 ج 8. ونص ابن حزم فى (المحلى) على هذا فقال –ص 13 ج 1 بصدد الملائكة-: "خلقوا كلهم من نور، وخلق آدم من ماء وتراب، وخلق الجن من نار". ثم ذكر حديث مسلم بسنده إليه. نعم قد يقال: إن هذا المقام لا يكفي فيه خبر الآحاد، وجوابنا: أن المقام ليس مقام عقيدة حتى يشترط أن يقوم عليها دليل يقيني، والعقيدة الواجبة أن يعتقد أنهم موجودون وأنهم عباد مكرمون، لا يتصفون بذكورة أو أنوثة، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. هذا عن ملاحظتنا الأولى.

أما عن الثانية فنقول: يبدو أن فضيلة المرشد -حفظه الله تعالى- نقل عن رأيه فى المحاضرة المنشورة فى العدد الخامس؛ فقد جوز وهو يتحدث عن قوله تعالى: }أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا [البقرة: 30] رأيًا لا يمكن حمله على التلقي بل على أساس التعليق والاستنباط، ونذكر فى هذه المناسبة أن فضيلته نفى أنهم منحوا أى صورة من صور الاختيار، وهذا الذى ذهب إليه فضيلة المرشد العام مخالفا لما عليه عامة أهل السنة، فمذهبهم أنهم مختارون عارفون، بيد أنهم معصومون، والعصمة لا تنافى الاختيار؛ مثلهم مثل الرسل من الآدميين. وفى هذا المقام يقول ابن حجر فى الفتاوى الحديثة ص 45 ما نصه: "قال الحسن وجمهور الفلاسفة وكثير من الجبريين: هم مجبورون على الإيمان، ولا يتصور منهم كفر. وقال عامة أهل السنة والجماعة: إنهم مختارون عارفون، قال تعالى: }وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 29] فلو لم تتصور منهم مخالفة لم يؤاخذوا بذلك. أ هـ. ولتوضيح هذا نقول: إن الكلام مبنى على الفرض مثله ما ورد فى الرسول -عليه الصلاة والسلام-: }لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] والرسول والملائكة معصومون، والعصمة كما قلنا لا تنافى الاختيار.

نعود فنقول: إن فضيلته قال وهو بصدد }إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 30]: وأول براهين ذلك أن آدم تعلم أسماء كل شىء، ثم علمها للملائكة، وكانوا لا يعرفونها ولذلك قالوا: }سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: 32] وهذا الذي يقوله فضيلة المرشد يفيد أنهم تلقوا من آدم كما يتلقون من الله، وبهذا يتضح أنه لا يتصور حصر علمهم فى التلقي، كما لا يقصر علمهم فى التلقي من لدن حكيم خبير، هذا عن ملاحظتنا الثانية.

أما عن الأخيرة فنقول: إن التلقي الذي جعله فضيلة المرشد خاصية للملائكة بمقتضى قوله تعالى: }لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة: 32] هو بعينه الذي معنا فى قوله تعالى: }وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: 31] فعلم آدم بأسماء المسميات إنما كان بطريق التلقي من الله تعالى. حقًّا جاءت آية الملائكة فى صورة القصر، ولو أدركنا أن جوابهم كان بصدد ما لا يمكن معرفته بالاستنباط بل بالتلقي لاتضح لنا المقام. هذا ما ظهر لنا حررناه، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.

رد الإمام البنا:

وقد رد فضيلة الأستاذ حسن البنا على هذه الملاحظات فى نفس العدد من المجلة بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. إلى حضرة الأخ فى الله تبارك وتعالى فضيلة الشيخ أحمد عاشور حفظه الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد اطلعت على ملاحظة الأخ العزيز السيد محمود عبد الوهاب فايد التى بعث بها إليكم حول محاضرتي الملخصة فى "الاعتصام" الغراء، وإني أبادر بشكر الأخ على أدبه وأسلوبه الكريم، وأشكر لكم على حسن ظنكم بأخيكم، وإسعاده بعرض هذه الملاحظات عليه.

ثم أقفى بعد ذلك بالثناء على فضل الأخ وعلمه، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على العين والرأس، "فالملائكة من نور"، ونفوض حقيقة النور الذي أشار إليه الحديث الشريف إلى الله تبارك وتعالى، وهو به أعلم، وجزى الله تعالى الأخ عنا خير الجزاء.

ولم أُرِدْ بما قررت من أن خاصية الملائكة التلقي نفى الاختيار، ولكن نفى التوهم والخيال الذي هو للإنسان أساس الابتكار، والذي كثيرًا ما يؤدى إلى الخطأ والعثار، فإن يكن هذا القصد صحيحًا فمن الله تعالى وله الفضل والمنة، وإن يكن غير ذلك فمن نفسي، وما أبرئ نفسي، ونحن فيما أرى بعد ذلك الإيضاح متفقان.

وأسال الله تعالى لى ولكم وللأخ العزيز تمام التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فى غرة ذي الحجة سنة 1366هـ. 

أخوكم حسن البنا

المرشد العام للإخوان المسلمين(17).

 

الآيات من (40 : 43) من سورة البقرة

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلى ونسلم على سيدنا محمد وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. ونبدأ بالذي هو خير، أما بعد:

أيها الأخوة الفضلاء: تحية من عند الله مباركة طيبة؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

وقفنا عند قول الله تبارك وتعالى:

}قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 38- 42].

النسق ماشٍ ومنسق كما هو الآن، فالقرآن يعرض نفسه ويقرع نفوس الإنس بالتنبيه }الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 1-2]، ثم يعرض نفسه على المؤمنين }هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 2-3]، ثم يعرض نفسه على الكافرين }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6]، ثم يعرض نفسه على المنافقين }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8]، ثم يعرض العقائد }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21]، ثم يعرض لأحوال الخلق }كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ [البقرة: 28]، ثم يعرض لخلافة الإنسان }إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]، ثم يعرض الرسالة مع أمة من الأمم هى أعرق شعوب الأرض فى المشاكسات، ولا زالت هى علة العلل؛ تلك هى أمة بنى إسرائيل. والله تعالى حين أراد أن يعرض حالة الأمم ويرتب الرسالات لم يأت بأمة نوح ولا شيث؛ لأنها قد انقرضت، ولأن مواقفها كانت عادية، ولكن أتى بالأمة التى لعنت ولا زالت تلعن وهي أمة اليهود، والتي أوقدت نار الفتنة ولا زالت توقدها فى أطوار حياتها؛ أوقدتها فى الحرب الأولى وفى الثانية، وستوقدها فى الحرب الثالثة، ولكن ستكون وقودها إن شاء الله فهي شر أينما حلَّتْ، وهي بلاء أينما وجدت، فبقدر ما كان الفضل فى أولها بقدر ما فيها من الشر فى آخرها.

أشار القرآن الكريم إلى أفضليتها }وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] فكتب الله لها الفضيلة فى النبوة والْمُلْك.

بدأ بها القرآن }يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40] أنعم الله عليهم بالأصل الكريم والحسب العريق أو هم يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم أنعم عليهم بالدين والدنيا؛ بالدين والكتاب: }إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ [المائدة: 44]، وبالدنيا بالملك والسيادة: }يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 47].

وأراد بهم الخير لو أطاعوا }وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]، وذكرهم بالعهد العام }أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس: 60-61]، وبالعهد الخاص فعهد إليهم ببشارات رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، فكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون. كان نصوريا يقول: والله إنى لأعرف محمدًا أكثر مما أعرف ابني؛ محمد جاء وصفه فى التوراة، أما ابني فإنى لا أعرف ما تصنع النساء. ولكنه مع ذلك كان يقول: أتذهب النبوة من بنى إسرائيل؟ هذا لا يكون. وهذا عبد الله بن سلام؛ آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ودله على صفته فى التوراة، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تعلم نِيَّات اليهود فعلت! قال: افعل، قال: خبئنى، ثم سلهم عنى وسيقولون فىَّ قولا جميلا. فاستحضرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهم: ما تقولون فى عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمهم يا عبد الله. فأخذ يصف النبى صلى الله عليه وسلم بما هو أهله، فقالوا: لقد صبأ عبد الله، فأنزل الله: }وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ  [الأحقاف: 10].

بل إن الله قد أخذ ميثاق الأنبياء جميعًا بالإيمان به }وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81]، وجاء وصفه فى التوراة: }يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6]. 

هذه المعاني عهد الله إلى اليهود أن يوفوا بها ويؤمنوا بمضمونها، فإن وفوا وفَّى الله لهم }وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40].

ومن الغريب أن من أخلاق اليهود الطمع حتى صاروا مضرب المثل، وهذا الطمع من لوازمه الجبن والخوف والذل، ثم يعقب ذلك الحرمان }فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء: 160-161].

فظلمهم ربَّاهم على الذلة والمسكنة والضعة }ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ [البقرة: 61] فكان ذلك منشأ لمرض القلب الذي لازمهم، وما دام القلب مريضًا كانت الرهبة لغير الله مسئولية عليه، ولذا قال الله: 

}وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ [البقرة: 40]. 

لا ترهبوا أحدًا سواي من أصحاب الدنيا والدين. والآية تسجل على اليهود أنهم خالفوا أمر ربهم، وتذكرهم بعهد الله وحقه عليهم، ثم انتقل إلى التطبيق وتذكيرهم بنفسه ليعدهم ويجهزهم.

}وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ [البقرة: 41].

وإذا جاء شاهدًا ومصدقًا لما معكم فكيف لا تؤمنون به؟ وماذا تريدون بعد هذا؟

فإن كانت المسألة شخصية فقاتل الله الشخصيات، والقرآن يقول: ارجعوا إلى أنفسكم وتذكروا العهد والمثوبة فى الآخرة.

هؤلاء الرؤساء الذين اتبعتموهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، فآمنوا.

}وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [البقرة: 41].

وإن كان السبب المال فالمال عَرَض زائل وثمن زهيد.

}وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 41].

ثم نهاهم عن تلبيس الحق بالباطل، وتصويره بصورة توقع فى اللبس والاشتباه، فلا يظهر الفرق بينهما. كما نهاهم عن كتمان الحقائق؛ كانوا يقولون: إن البشارة التى جاءت فى التوراة لم تكن عن محمد ولكن عن غيره، وسيأتي بعده، وكانوا يخفون كثيرًا من الأحكام ويحتكرون الغفران }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ [التوبة: 31].

ثم طالبهم بالدليل العملي }وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43]. أقيموا من أعمال الإسلام دليلا عمليًّا، وإنما قال: }وَارْكَعُوا بعد الأمر بإقامة الصلاة مع أنه جزء منها؛ لأن الأمر بإقامة الصلاة من حيث الحضور القلبي والأمر بالركوع من حيث الشكل المظهري الجميل، ومن لوازم الصلاة الكاملة حضور القلب وجمال المظهر، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم(18). 

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 3 – صـ1 : 3 – 7صفر 1355هـ / 28 أبريل 1936م.
  2. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 4 – صـ1 : 3 - 14صفر 1355هـ / 5مايو 1936م.
  3. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 5 – صـ1 : 4 – 21صفر 1355هـ/ 12مايو 1936م.
  4. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 6 – صـ1 : 4 – 28صفر 1355هـ/ 19مايو 1936م.
  5. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 7 – صـ3 : 4 – 5ربيع الأول 1355هـ / 26 مايو 1936م.
  6. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 9 – صـ1 : 3 – 19ربيع الأول 1355هـ/ 9 يونيو 1936م.
  7. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 10 – صـ1 : 3 – 26ربيع الأول 1355هـ/ 16يونيو 1936م.
  8. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 13 – صـ1 : 3 – 18ربيع الآخر 1355هـ / 7يوليو 1936م.
  9. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 29 – صـ3 ، 7 – 11 شعبان 1355هـ/ 27 أكتوبر 1936م.
  10.  مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 143 – صـ12، 13 – 22 ربيع الآخر 1366هـ / 15 مارس 1947م.
  11. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 144 – صـ12، 13، 19 : 29ربيع الآخر 1366هـ / 22 مارس 1947م.
  12. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 145 – صـ12، 13 – 6 جمادى الأولى 1366هـ / 29 مارس 1947م.
  13. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 153 – صـ12، 13 – 4 رجب 1366هـ / 24 مايو 1947م.
  14. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 154 – صـ12، 13 – 11رجب 1366هـ / 31مايو 1947م.
  15. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 155 – صـ12، 13 – 18رجب 1366هـ / 7 يونيو 1947م.
  16. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 156 – صـ12، 13 – 25 رجب 1366هـ / 14 يونيو 1947م.
  17. مجلة الاعتصام – السنة التاسعة – العدد 7 – صـ11، 12 – 5 ذو القعدة 1366هـ / 20 سبتمبر 1947م.
  18. مجلة الاعتصام – السنة التاسعة – العدد 8 – صـ11، 12 – 19 ذو القعدة 1366هـ/ 4 أكتوبر 1947م.
المقال التالي مفهوم التفسير عند الإمام البنا مع تفسير الفاتحة والآيات الأولى للبقرة
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر