كتابات الإمام حسن البنا إلى الأدباء وفي الأدب

إعداد موقع الإمام حسن البنا

عاصر الإمام الشهيد حسن البنا نحارير العلماء في عهده يُقيمون المعارك الطاحنة من أجل القضايا الفرعية بل التافهة ، وكان الشافعي لا يصلي وراء الحنفي ، ويتخاصمون لأن فلانا يذكر الله جهرا وبعضهم يراها بدعة ، وبعضهم ينطق في التشهد بلفظ "سيدنا" قبل النبي صلي الله عليه وسلم وبعضهم لا ينطق ، ونحو هذا الخبل ، الذي أعاق أمتنا عن النمو في مجالات الحياة.

ولقد ترك الإمام الشهيد ما يمكن أن نسميه "الرسائل المقالية إلى بعض الأدباء والمفكرين من أجل إصلاحه.

 

إلى حضرات النواب المحترمين

وبخاصة الأستاذين عباس العقاد وزكريا مهنا

منذ أسبوعين أثار النائب المحترم عبد العزيز بك الصوفانى مناقشة فى مجلس النواب حول موضوع الدكتور طه حسين اشترك فيها كثير من حضراتهم، وقد تناولت أمرين هامين: أولهما الإبطاء فى إعدام كتاب "فى الشعر الجاهلى"، وثانيهما وجوب إخراج الدكتور من الجامعة وإبعاده عن التدريس.

فإلى حضرات النواب المحترمين أتقدم بهذه الملاحظات التى هى شعور كل مسلم، وعاطفة كل مؤمن، وواجب كل مصرى غيور على الدين والخلق، راجيًا أن يكون لها أثرها.

يا حضرات النواب: قرر مجلسكم الموقر إعدام هذا الكتاب ومصادرته بناء على التقارير الرسمية التى أوضحت مغامزه وخلطه وجنايته على الفكر والعلم الصحيح، وبناء على قرار النيابة العمومية المؤيد لذلك، والمصرح بأن هذا الكتاب خطأ محض فى مادته، وفى أسلوبه، وفى معانيه، وفى غاية مؤلفه، فهل يسوغ لنا بعد كل هذا أن نتأخر فى إنفاذ حكم الإعدام على هذا الكتاب، وأن نلجأ إلى المناقشة والحوار، وأن يقول البعض: إن من مصلحة العلم بقاءه. فهل سمع أحد أن من مصلحة العلم أن يكون الجهل مصدرًا من مصادره، ومادة من مواده ينبع منها ويؤخذ عنها، وأن يعتذر آخر بحرية الفكر، ولم يقل أحد: إن معنى حرية الفكر إبطال الحق، وإحقاق الباطل، وخرق النواميس، وانتهاك حرمات الشرائع والقوانين، والإساءة إلى أربعمائة مليون من المسلمين كما فعل صاحب هذا الكتاب.

إن الإبطاء فى إعدام هذا الكتاب يمس كرامة مجلسنا، وينال من حرمة قراراته، ويعطل حكم القضاء وأنتم حماته والقائمون عليه.

وإن الواجب أن تبادر وزارة المعارف إلى إعدام نسخ الكتاب، وتقرير مصادرة الكتاب الثانى "فى الأدب الجاهلى" الذى لا يخالف سابقه إلا بالتسمية، فتكون بذلك قد احترمت قرار المجلس واعتبرت قول لجان انتدبتها من خيرة رجالها، فحكمت على الكتاب بما يستحقه، وأحسنت إلى العلم، وأنقذت طلبته من مهاوى الحيرة والضلال.

أما إقصاء الدكتور عن التدريس والجامعة فأمر حتم يقتضيه واجب الوزارة من المحافظة على عقائد الطلبة وأخلاقهم، فإن المدرس ينظر إليه من جهات ثلاث: من مواهبه الخاصة فى المادة التى يدرسها، ومن مادته التى يقدمها لتلاميذه، ومن طريقته فى التفكير وما يبثه فى نفوس طلبته من أخلاق وطبائع.

والدكتور طه متهم فى ذلك جميعًا، فهو لا يحسن الشعر، وإن حاول ذلك أتى بالغث المتكلف الذى يمجه الطبع ويستثقله السمع على نمط لاميته التى يقول فيها:

مالى للبدر أطلب ردّه            بل ما لأفلاك السماء ومالى

لا درّ درّ المال لو لم يدخر              لبناء مكرمة وحسن فعال

لا درّ درّ المال لو لم يدخر              إلا لذات الطوق والخلخال

لا درّ درّ المال لو لم يدخر              إلا لنيل مراتب الإجلال

إلى آخر ما قال من هذا النظم المهلهل النسيج، المتنافر اللفظ، الضئيل الغاية.

وهو لا يجيد أسلوب الكتابة إذا حاكمته إلى الذوق العربى والبلاغة اللغوية وقسته بما وضعه الأئمة من أوزان البيان ومقاييسه، أما فى حشو القول والاتساع فيه وإطالته بالتشدق والتفيهق فالرجل فى ذلك لا يشق له غبار، واعتبر ذلك بما كان منه فى قصة المعلمين وقضيتهم التى كتب عنها فى السياسة فأعيدت القصة وذكرت القضية بضع مرات فيما لا يزيد عن عشرة أسطر.

الشواهد على ذلك كثيرة وإنما نشير هنا إلى القصد فى إيجاز واختصار.

وما هو بالناقد الذى يحسن النقد الصحيح فى الشعر والنثر، وإن أحسن التهجين والتجريح والزراية على غيره من الأدباء والكتاب، وإن الذى يقرأ بيت شوقى فى ميميته التى يقرظ بها ترجمة كتاب الأخلاق:

يا لُطف أنت هو الصدى        من ذلك الصوتِ الرخِِيم

فيفهم أن الشاعر يقول: إن أرسطو كان ذا صوت رخيم. ويرد على ذلك أنه لا هو ولا شوقى سمع هذا الصوت، ثم لا يدرك ما فى هذه الاستعارة البليغة من عذوبة وجمال وتناسب، لحرى به أن يدع النقد لأهله وأن يعلم أن دعواه فيه كدعوى آل حرب فى زياد.

وبعد:

 فليس الدكتور متخصصًا بدراسة تاريخ العرب، فلم يتلقه عن أستاذ، ولم يلم به فى مدرسة، وإنما علم من ذلك ما يعلق بذهن من يطالع كتب الأدب -لا ليدرسها- ولكن ليراها، وما نال الدكتور إجازته فى تاريخ اليونان أو تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده أقوى الدعائم التى يستند عليها الكاتب إذا أراد أن يكتب فى الأدب العربى، فمن فاتته روايته ودرايته فقد فاته أس البحث ونبراسه وسار على غير هدى.

ذلك من ناحية مواهب أستاذ الجامعة فى الأدب العربى وتاريخه، وأما من ناحية ما يقدمه لتلامذته من المادة، فقد كانت باكورة ذلك كتابه "فى الشعر الجاهلى"، وقد حكم عليه عقلاء الأمة وأدباؤها بالخطأ والخطل والغثاثة، وكشف المحققون من الأدباء الغطاء عن مغامز ومعايب فيه، يبرأ منها العلم، وأيد ذلك حكم القضاء.

أما طريقته فى التفكير وما يبثه فى نفوس طلبته من طبائعه وأخلاقه، فما علم الناس من ذلك إلا الشك والحيرة والانسلاخ عن العقيدة والدين، وتسمية ذلك منهجًا علميًا، وقد برهن العالم الضليع مؤلف "النقد التحليلى" أن هذا الأسلوب ليس من المنهج العلمى فى شىء، فأى شىء بعد ذلك كله يسوّغ بقاء أمثال هذا المدرس فى منصب كبير كمنصبه الحالى، وإن تعجب فعجب دفاع الأستاذ عباس العقاد عنه وزعمه أن الدكتور نابغة ونادرة العصر، وأنه لا يمكن لأحد أن يسد فراغه أو يملأ مكانه أو يدرس الأدب كما يدرسه، وأنه قرأ كتابه فلم يجد فيه ما يمس الدين والأخلاق!.

حنانيك يا أستاذ عباس فإن الأمر هام لا يفتى فيه بالرأى ولا يؤخذ بالظن، المسألة مسألة دليل وبرهان وحق يتبعه الجميع.

إنك بقولك هذا تتحدى الأمة جمعاء وتسىء إلى رجال وزارة المعارف الذين تخصصوا بدراسة هذه المادة وفيهم أساتذة الدكتور طه وأولياء نعمته، وتطعن فى تقارير تلك اللجان التى انتدبتها الوزارة لفحص الكتاب، فحكمت عليه بالخطأ والتجهيل وأظهرت معايبه فى عشرات المواضع، وتحكم على الأمة بالجدب الأدبى حين تزعم أنه لا يستطيع أن يدرس الأدب فيها إلا واحد.

ولعل حكمك هذا على رجال الأدب فى مصر من نوع حكمك السابق على شوقى وحافظ وهما مفخرة أدب العرب وحاملا لواء الشعر العصرى.

ولو كان لك وجه من الحق، أو جانب من الشبهة فيما تفتيه عن رجال الأدب من كفاءة لهان الأمر، ولكن الذى تدعيه غير مسلّم، وليس من الحقيقة فى شىء، فإن كنت لا تعتدّ إلا بنفسك وبالدكتور وتدعيان الحق والدليل والبحث فهى ما أسلفناه بالدليل من أن الرجل متهم فى مواهبه ومادته وطريقة تفكيره وغايته جميعًا، فاستغفر الله والأمة ورجال الأدب من دفاعك عن هذا الدكتور ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾[النساء: 107].

وأما قولك إن الكتاب ليس فيه ما يمس الدين والأخلاق، فاسمح لى أن أصارحك بأنك لست من أهل الدين المتخصصين به، وقد أقر هؤلاء خلاف رأيك. فأيكما نتبع؟

أليس الإنصاف والواجب عليك وعلينا أن نتبع هؤلاء فى شىء هم أخبر الناس به؟ وإذا لم يعجبك هذا وأبيت إلا الدليل، فاذكر قصة إبراهيم وإسماعيل وتكذيب المؤلف للقرآن والتوراة والإنجيل، وتهوين شأن النبى  صلى الله عليه وسلم ونسبته إلى التحايل بالأساطير، والتهكم بالأجلاء من الصحابة ورميهم بالمخاتلة وعدم التأثر بتعاليم الإسلام إلا ظاهرًا -كذا يزعم صاحبك- وتكذيب صريح الأحاديث الصحيحة وتعطيل أحكامها، والخلط فى الأغراض والأنساب والنتائج والأسباب، اذكر كل ذلك وغيره مما يمس الدين والأخلاق، ثم قل لنا هل اقتنعت بما نذهب إليه؟!

وأعجب من موقف الأستاذ العقاد موقف الأستاذ "زكريا مهنا" يدافع عن الدكتور ويعارض القائلين بوجوب إخراجه من الجامعة معترفًا بأنه لم يقرأ الكتاب -وربما لم يره- وإنما يعتمد فى ذلك على شهادة الأستاذ العقاد.

ما شاء الله، إن كانت المسألة يا أستاذ زكريا مسألة تقليد، فما الذى يرجح تقليدك للأستاذ العقاد على تقليدك لغيره من النواب والأدباء الذين ردوا على الكتاب وعدوه أكبر إساءة توجه للإسلام والمسلمين؟

ومن المناسب أن نذكر هنا بعض تلك الأحكام التى أصدرها كل أولئك عن هذا الكتاب ومؤلفه، لعل حضرة النائب المحترم يعدل عن تقليده للأستاذ العقاد ويدع الأمر لأهله.

كانت مسألة الجامعة وكتاب "فى الشعر الجاهلى" عرضت على المجلس فى سبتمبر سنة 1928م وفى جلسة الاثنين 13سبتمبر تكلم الأستاذ عبد الخالق عطية فى هذا الشأن فكانت شهادته على الكتاب: "أنه ذلك الذى تضمن طعنًا ذريعًا على الموسوية الكريمة، والعيسوية الرحيمة، وعلى الإسلام دين الدولة المصرية بنص القانون"، وكانت شهادته على المؤلف: "أن تصرفه كان مخالفًا للذوق؛ إذ لم يكن من المعقول، ولا من المفهوم، ولا من حسن الذوق أن يقوم هذا الشخص فيبصق فى وجه الحكومة التى يتقاضى مرتبه من أموالها بالطعن على دين رعيتها من أقلية وأكثرية، وأنه على الذين يريدون حرق بخور الإلحاد أن يحرقوه فى قلوبهم، أما أن يطلقوه فى أجواء دور العلم ومنابر الجامعة فهذا مالا يمكن أن يفهم بحال من الأحوال". 

وتكلم فى هذه الجلسة نفسها المرحوم الشيخ القاياتى فكان من قوله بالنص: "لقد جاء فى هذا الكتاب تكذيب صريح للقرآن، ونسبته جريمة للنبى عليه الصلاة والسلام بأنه متحايل، وكذب صريح على التاريخ لا يجوز أبدًا أن يُهمل، ولا أن نترك صاحبه دون تدقيق معه فى البحث ويكون حسابنا معه عسير.

إن الدولة أعلنت فى دستورها أنها دولة إسلامية، وإن دولة إسلامية لا تحافظ على دينها من أن يمس، ولا على كرامتها أن تجرح، لهى دولة أعوذ بالله أن تكون مصر من أمثالها".

يا سيدى الأستاذ، فى وزارة المعارف الآن تقارير كثيرة كتبها أدباء كبار وأعلام من أئمة الأدب، ندبتهم الوزارة للحكم على الكتاب ومؤلفه، وكونت منهم اللجنة تلو اللجنة، واتفقت كلمتهم بعد التحرى العظيم والبحث الدقيق على جهالة الرجل فى كتابه وخلطه فى التاريخ والأدب معًا، ثم حفظت هذه التقارير فيما حفظ، وانبرى للرد عليه كل كاتب، وحسبك برد الرافعى والخضر وشكيب والغمراوى وغيرهم كثير، حتى قال الأستاذ الرافعى فى هذا المؤلف: "كانت دروسه الأولى "فى الشعر الجاهلى" كفرًا بالله وسخرية بالناس، فكذب الأديان وسفه، وكثر غلطه وجهله، فلم تكن فى الطبيعة قوة تعنيه على حمل ذلك والقيام به إلا المكابرة واللجاجة، فمر يهذى فى دروسه، لا هو يثبت الحقيقة الخيالية ولا يترك الحقيقة الثابتة، وأراد أن يسلب أهل العلم ما يعلمونه، كما يسلب اللص ما تملك بالجرأة لا بالحق، وبالحيلة لا بالإقناع، وعن غفلة لا عن بينة".

فهل بعد كل هذا يريد حضرة النائب أن يصر على متابعة الأستاذ العقاد- وما نظن الأستاذ العقاد إلا رجع عن رأيه- أم يشايع الجماعة ويتابع السواد الأعظم؟

يا حضرات النواب. 

يا معالي وزير المعارف.

 إن الأمر واضح لا يحتاج إلى بحث أو نقاش، فالكتاب مبتذل ممقوت، والمؤلف متهم فى عقيدته ومادته والأدباء غيره كثير، فأعدموا الكتاب، وأقصوا المؤلف عن بث تعصبه على الإسلام فى أبنائنا وشبابنا، وأيدوا الحق، وأريحوا الطلبة والأمة من هذا العبء الثقيل.

إن الأمة جميعًا لتؤيد الأستاذ عبد العزيز الصوفانى بك فى موقفه المشرف لإعلاء كلمة الله والانتصار لدينه، وتتمنى له ولكل غيور النجاح والتأييد(1).

 

التجديد فى الأدب العربي

أما إن الأدب العربي فى حاجة إلى تجديد يجعله يتمشى مع روح العصر، ويتلاءم مع مقتضيات الحياة الحديثة، ويستمد من روح الأمم العصرية، فأمر لابد منه، يشعر بضرورته كل من يعنى بنهضة الأمة وترقيها، وليس هذا محل خلاف أو جدل؛ لأن اللغة مظهر من مظاهر حياة الأمة تتأثر بما يُصادفها من حوادث، وتتبع حالها العامة من رقى أو انحطاط، وضيق أو اتساع، وهدوء أو اضطراب؛ ويكون لكل حادثة أثرها فى إحياء اللغة أو إماتتها، أو مناصرة فرع من فروعها دون بقية الفروع.

لهذا ولأن الحوادث السياسية والانقلابات الاجتماعية هى أكبر الحوادث أثرًا فى مظاهر حياة الأمم ومنها اللغة، انقسمت عصور الأدب العربى بحسب كبريات الحوادث التى صادفتها الأمة العربية إلى عدة عصور: فهناك عصر الجاهلية، وعصر صدر الإسلام، وعصر بنى أمية، وعصر بنى العباس بأقسامه، وعصر الأتراك والدويلات، ثم عصر النهضة الحاضرة.

والذى يعنينا من ذكر هذه العصور فى هذه الكلمة أنك ترى للآداب واللغة فى كل منها طابعًا خاصًا يمتاز به فى ألفاظه وأساليبه ومعانيه وأخيلته وأغراضه ومقاصده وفنونه وطرائقه، فتعلم من هذا أن التجديد فى الأدب العربى أمر طبيعى، وأن القديم والحديث لفظان عاديان -بل ناموسان مطردان- لا يستحقان ضجة، ويعجبنا من ابن قتيبة قوله: "لم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده فى كل دهر؛ كل قديم حديث فى عصره، وإن مثل القدماء والمحدثين كمثل رجلين ابتدأ هذا بناء فأحكمه، وأتقنه ثم أتى الآخر فنقشه وزينه". ألا تراه جعل القديم والحديث متعاونين فى إقامة بناء واحد هذا يؤسسه ويثبته وذلك يزينه ويحسنه، وأشار إلى أن القديم اليوم هو حديث عصره، وأن الحديث الآن هو قديم غد وذلك ناموس لا يتخلف، ومن ذلك تعلم أن ما يثيره الناس حول هذا الناموس من ضجة وصخب وخلاف وجدل لا يخلو من غرض غير خدمة الأدب واللغة.

وإنا مع تسليمنا بضرورة تضافر الجهود على تجديد الأدب العربى ووصله بالحياة العصرية حتى يلاحق مظاهر النهضة الأخرى، نلاحظ أن المتصدرين لهذه المهمة من رجال المدرسة الحديثة كما يلقبون أنفسهم سلكوا إلى هذه الغاية سبلاً لا تؤدى إليها ولا تفيد فيها، ومن هذه السبل:

1-     الإسراف فى التقليد الأوروبى والإعجاب بأدب الغرب، إعجابًا جعلهم ينصرفون عن محاسن لغتهم، ويبتعدون عن تذوّق عذوبتها ومشاهدة ما فيها من روعة وجلال، ويغفلون عما لها من عظمة واتساع، ويجعلون من أغراضها ما لا يتفق مع الحياة العربية بحال.

2-     الغلو فى التشكك واتخاذ الفروض حقائق مسلمة تبنى عليها نتائج ثابتة، لتنقض آراء الأقدمين وتعفى على آثارهم، والاعتماد فى ذلك على أوهى الشبهات.

3-     الزراية على الأسلاف وإظهارهم للناشئة والمتأدبين بمظهر الأغرار الذين لا يأبهون بتحقيق الحوادث ولا يعنون بتصحيح الوقائع، وهذا الأصل وسابقه يقطعان الصلة بين ماضى الأمة وحاضرها، ويقتلان روح الإعجاب والشعور بالفخار والمجد التالد فى نفوس الناشئة، وهى جناية لا تغتفر على قومية الأمة.

4-     التستر بحرية البحث واحترام الفكر والتوصل بذلك إلى هدم العقائد الأدبية الثابتة. ولو أخذ الفكر طريقه المستقيم وسار البحث بحرية صحيحة لا تقيدها الأغراض والأهواء لزادت هذه العقائد تثبيتًا وتحكيمًا.

5-     التحلل من قواعد الأخلاق والعناية بكل ما يتصل بالإباحة والمجون والخلاعة والمتعة، والإفاضة فى ذلك بما يظهر الأدب العربى ورجاله فى أبشع الصور؛ لا يحترمون فضيلة ولا يدينون بخلق، وقد يسرف بعضهم فيدعى أن هؤلاء الخليعين الماجنين يمثلون عصورهم أوضح تمثيل، ولقد رأيت بعض تلامذة المدرسة الحديثة بعد أن أفاض فى مجون عمر بن أبى ربيعة ولهوه وعبثه وتشبيبه، يقول إنه يمثل عصره أوضح تمثيل، هذا وعصر عمر بن أبى ربيعة عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وهو عصر جلال النبوة واستفاضة الخير وانصراف الناس إلى الآخرة، وعزوفهم عن مظاهر الحياة الدنيا حتى أثرت روح هذا العصر فى عمر نفسه فتاب فى أخريات حياته، وأقلع عن الشعر ومات غازيًا فى البحر كأفضل ما يموت مجاهد فى سبيل الله.

6-     الإيهام والغموض، فأنت إذا سألت عن معنى ما تسمع من الدعاوى والأقوال عن غاية التجديد ومقاصده تسمع أجوبة مبهمة نظرية أكثر منها عملية، ولا تجد من يرسم لك طريقًا واضحًا أو منهجًا مرتبًا يسير عليه الأدباء للوصول إلى الغاية.

هذه الأصول تجعل التجديد فى الأدب العربى تجديدًا هدامًا لا ثمرة له ولا فائدة منه، والواجب أن يكون عملنا بناء لا هدمًا وزيادة لا نقصًا، وأن يبنى تجديدنا على أصول صحيحة مثمرة أهمها:

1-     الابتكار فى الأغراض والمعانى والأخيلة والأساليب بحيث يرتبط الأدب بالحياة فى كل مظاهرها ارتباطًا وثيقًا ويمثلها أصدق تمثيل.

2-     تمجيد السلف والاعتراف بفضلهم وجهودهم وتكريمهم كأسس صالحة ورجال بذلوا مجهودًا مشكورًا فى بناء درجة من سلم الحضارة والمدنية.

3-     نزاهة البحث والابتعاد عن الغايات والأغراض والأهواء والشبهات.

4-     كمال الاستقراء وحسن الاستقصاء مع صدق النية فى الوصول إلى الحقيقة.

5-     خدمة الأخلاق والفضيلة بالأدب بقدر خدمته للفن والعاطفة، إذ لا خير فى أدب ينتج فوضى الأخلاق واضطراب ميزان الاستقامة فى الأمة، وحينئذ يتحرر العقل حرية حقيقية صحيحة من ربقة النزعات الباطلة

وحينئذ يكون التجديد فى الأدب فى مصلحة الأمة، وحينئذ تتضافر همم أنصار القديم والحديث على وضع منهج للتجديد الأدبى، بحيث يلاحق روح النهضة التى تسير إليها الأمة، وحينئذ يكون الأدب وصلة بين العقول والعواطف ورابطة بين الشعوب الشرقية التى تنطق باللغة العربية الكريمة، ولعلنا نوفق فى الكماليات التالية إلى تجلية بعض مظاهر التجديد فى عصور الأدب العربى المختلفة، والإشارة إلى بعض هذه المظاهر فى العصر الحاضر(2).

 

أما لهذا السخف من آخر؟

قرأت قصة جديدة وضعها كاتبها فى أسلوب روائى، وهى ككل قصة روائية فى حوادثها وتأثيرها لا تمتاز عن غيرها بشىء، ولكن الأمر الذى جعلنى أكتب عنها أن مؤلفها -ولا تدرى لماذا؟- قد حشر فى أولها حشرًا -وبغير مناسبة- مقدمة لا تمت إلى موضوع القصة بصلة، ولم يزد فى هذه المقدمة على أن بشر بمبدأ تقمص الأرواح وتناسخها، ونادى على نفسه مرات بأنه يؤمن به ويدين به ويبشر به ويعمل له، وهو مبدأ سخيف لا يؤيده عقل ولا دليل، ولا يقوم به برهان ولا حجة، قال به بعض المغرورين من قدامى الزنادقة ثم اندثروا واندثر مبدؤهم الخاطئ معهم فى طيات الزمن.

ألا يكفى هذا الشخص أن يكون خاطئًا فى نفسه مسيئًا إليها بهذا الاعتقاد حتى جاء يكدر على الناس صفاء نفوسهم ويشككهم فى إيمانهم؟

وقرأت فى جريدة الأهرام عدد 2 ربيع الثانى كلمة تحت عنوان "حفيد توت عنخ أمون"، يقول فيها كاتبها: إنه حفيد توت عنخ أمون، وأنه بلغ الكبر ويريد أن يتزوج حتى لا تنقرض سلالة الفراعنة، ولكنه لم يجد أسرة توافقه على شروط زواجه التى منها؛ أن يعقد الزواج فى معبد من معابد قدماء المصريين، وأن يكون هو الكاهن؛ لأنه لا يوجد من سلالة الفراعنة غيره، وعلى من ترغب فى زواجه أن تغير عقيدتها وتعتنق دين آبائه وأجداده توت عنخ أمون ورمسيس وأمنحوتب، وتؤمن بإيزيز وأوزوريس وهورس إلى آخر ما كتب من هذا الهراء.

أوليس لهذا السخف من آخر؟ وهل تجد الحكومة لهذين الكاتبين وأمثالهما مكانًا فى سراى العباسية فتريحهما من عناء هذه الأوهام وتريح الناس منهما، أو تؤدبهما أدبًا لا يعودان لمثله إلى الإخلال بالعقائد والتهجم على الأديان، وجرح عواطف هذه الأمة التى تعتز بدينها وتدافع عنه بأموالها وأنفسها؟ أليس أمثال هؤلاء أخطر على العقائد من المبشرين؟ أليس من الجميل أن تحسن الصحف إلى قرائها بحرق هذه القصاصات، وفى سلة المهملات متسع للجميع(3).

 

شاعرا الإسلام: عرنوس والنجمى

عرفت الأخ الكريم محمد صادق عرنوس شابًا ملأت الغيرة على الإسلام فؤاده، وتملكت نفسه، وأخذت عليه كل نواحى حسه، فإذا قال فللإسلام، وإذا بكى فعلى الإسلام، وإذا فرح فلخير يصيبه الإسلام، وإذا تمنى فأمنيته النصرة للإسلام، وإذا تحدث تدفق كما يتدفق السيل قويًا منهمرًا فى حدة وفى مضاء، وفى غيرة وفى حماس، يتجلى خلالها صدق الإيمان وقوة الشعور والإحساس، فإذا أصغيت إليه لم تر كل حديثه الذي أهاج كوامن نفسه إلا عن الإسلام ونبى الإسلام، وإذا قرأت شعره رأيت فيه هذه المعانى واضحة جلية فطرية غير متكلفة.

عرفت ذلك للأخ صادق أفندى عرنوس بقراءة شعره، والاستماع لحديثه، والجلوس معه فى فترات السعادة التى نختلسها من ساعات الزمن نتساقى فيها الود والإخاء.

وعرفت الأخ الكريم محمد حسن النجمى فى قصائده العامرة، ومقطوعاته المؤثرة، فعرفت منه نفسًا جياشة بالمعانى السامية، فياضة بالشعور الشريف، موهوبة فى الشعر والقصيد، قد وقفت كل مواهبها للإسلام ونبىّ الإسلام.

وكنت أحمد الله كثيرًا إذ أجد فى شباب الإسلام مثل هاتين النفسين الطاهرتين الغيورتين، وأجد فى ذكراهما لذة وفى الأمل فيهما سعادة.

وقد تضاعف هذا السرور، وتكاملت تلك اللذة النفسية اليوم، حين رأيت الأخ النجمى يردّ للأخ صادق تحيته، لا أدرى أأقول بمثلها أو بخير منها، فهما إنما يغترفان من معين واحد، هو الصفاء الروحى والإخلاص للإسلام وبنى الإسلام، وينزعان عن قوس واحدة هى قوس النضال عن دين الله تبارك وتعالى، وأمام هذه الوحدة النفسية يفنى التفاضل وتزول الفوارق.

ولقد كانت "الفتح" الغراء –وهى منبر الإسلام الأول وصوته المؤثر الندى– واسطة عقد هذا الاتصال الذى أُسرُّ كلما ذكرته، وأسعد كلما تمثلت صورته.

إن المسلمين لا ينقصهم عدد ولا مال، ولا ينقصهم علم ولا قوة، فهم والحمد لله كثير، أيسر من غيرهم مالاً وأصلح حالاً، ولكن ينقصهم أمران هما أساس نهضات الأمم: الوحدة والارتباط، والإخلاص والتضحية، فإذا تحقق هذان الأمران فى الأمة فبشرها بخير كثير.

وقد شعرت فى تبادل التحية بين شاعرينا المجيدين معنى الوحدة والأخوة، كما شعرت فى قصيدهما من قبل معنى الإخلاص والتضحية، فهما لهذا مثل من أمثلة الخلق الحى فى أمة نرجو لها السعادة والحياة.

فأهنئهما برابطتهما، وأهنئ الإسلام بجهودهما، وأسأل الله أن يكثر فى شباب المسلمين من أمثالهما وأرجوهما ألا يحبسا عن النفوس الصادية عذب بيانهما، والسلام عليهما ورحمة الله وبركاته(4).

 

التجديد فى الأدب العربى

الانتقال الأول من الجاهلية إلى الإسلام

قدمنا لك أن اللغة تتأثر بظروف الأمة من سعة وضيق وقوة وضعف وانكماش وامتداد وبداوة وحضارة، وأن الأمة إذا انتقلت من حال إلى أخرى من هذه الحالات انتقلت اللغة تبعًا للأمة، ومن هنا كان التجدد فى الأدب، ومن هنا وجب أن ننظر إلى مطالب هذا العصر من الأدب فى أغراضه وفنونه ومعانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه لنواتيه بحاجته منها، ونعمل على أن يكون أدبنا مستمدًا مما يحيط بنا من مظاهر الحياة.

ويجب قبل أن نعالج هذا الموضوع أن نضرب المثل ببعض ما طرأ على الأدب العربى فى مختلف العصور من تجدد، ليعلم أن الدعوة إلى التجديد فى الأدب ليست بنت اليوم، ولكنها طبيعة الحياة وسنة التطور فى شئون الأمم، ولنبدأ بالانتقال الأول فى إيجاز وإجمال، وهو الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام:

الأمة العربية قبل الإسلام أمة بدوية، يعيش قسم منها فى المدن والحواضر، ويعمر القسم الآخر البوادى والخيام. وكلا القسمين قليل المطالب، محصور الأغراض، محدود المعارف، بسيط مظاهر الحياة، فطرى فى كل شئونها.

ماذا تنتظر من العربى الذى صورته لك إن تحدث إليك نظمًا أو نثرًا، شاعرًا، أو خطيبًا، أو محدثًا إلا أن يصف لك مشاعر نفسه من غزل، وتشبيب، وفخر، وحماس، ومديح، وثناء، وحزن، ورثاء، وذم، وهجاء، وندم، واعتذار أو يصور لك ما يقع تحت حسه من مطر، ونبات، وطير، وحيوان، وأرض، وسماء، أو يتحدث إليك عن شئون قبيلته من حث على الحروب، أو حض على الصلح، أو ذكر لما لها من المآثر والأيام، أو يسوق إليك نتائج تجاربه وآثار خبرته فى حكمة موجزة أو مثل سائر.

كل ذلك يسوقه إليك فى جلاء وظهور لأنه لا يعرف المواربة، ولا يجد ما يمنعه من أن يكون صريحًا إلى أبعد حدود الصراحة، وفى قصد وتقدير؛ لأنه لا يعرف المبالغة والغلو، وفى سهولة وبساطة لأنه لم يعتد التعمق وكد الفكر.

يواتيك بكل هذه المعانى فى عبارة جزلة، وأسلوب مستقيم، وتركيب رصين، لا عجمة فيه ولا هلهلة؛ لأنه عربى صميم فى عربيته، لم تفسد سليقته بالاختلاط، ولم يعوج لسانه باللحن والزلل، ولم تتردد على سمعه غير التراكيب العربية الخالصة. هذه مميزات الأدب فى هذا العصر، تراها فى شعر الكلام من منثور ومنظوم، وإذا راجعت دواوين الشعر، أو مجموعات الخطب والوصايا والمنثورات، رأيت ذلك جليًا واضحًا.

واسمع قول المرقش الأكبر عمرو بن سعد فى الحماسة والفخر بقومه:

إن تبتدر غاية يومًا لمكرمة               تلق السوابق منا والمصلينا

وليس يهلك منا سيد أبدًا                 إلا افتلينا غلامًا سيدًا فينا

إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا             ولو نسام بها فى الأمن أغلينا

شعث مقادمنا نهبى مراجلنا              نأسو بأموالنا آثار أيدينا

أو قول طرفة يصف السفينة وقد شبه بها الحدوج:

كأن حدوج المالكية غدوة         خلايا سفين بالنواصف من دد

عدولية أو من سفين ابن يامن            يجور بها الملاح طورًا ويهتدى

يشق حباب الماء حيزومها بها           كما قسم الترب المفايل باليد

أو قول الأعشى فى الاعتذار يعتذر إلى أوس بن لام عن هجائه إياه:

وإنى على ما كان منى لنادم             وإنى إلى أوس بن لام لتائب

وإنى إلى أوس ليقبل عذرتى              ويصفح عنى "ما حييت" لراغب

فهب لى حياتى فالحياة لقائم             بشكرك فيها خير ما أنت واهب

سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق          كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب

واقرأ وصية ذى الإصبع العدوانى لابنه أسيد، وقد حضرته الوفاة: "يا بنى إن أباك قد فنى وهو حى، وعاش حتى سئم العيش، وإنى موصيك بما إن حفظته بلغت فى قومك ما بلغته، فاحفظ عنى، ألن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشىء يسودوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم، ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحم حريمك، وأعز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة فى الصريخ، فإن لك أجلاً لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئًا فبذلك يتم سؤددك".

اقرأ ذلك وأمعن النظر فى معانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه، لا تراه يخرج عما ذكرت لك، فهل بقيت هذه الأغراض والمعانى والأساليب كما هى بعد أن تغيرت شئون الأمة العربية بالإسلام، أم طرأ عليها من التجديد ما يناسب هذا التغيير؟(5)

 

ملاحظتان

(1) فى البلاغ الغراء بتاريخ 22-5-1352هـ قصيدة لأديب فاضل يرثى بها جلالة الملك فيصل ويهنئ الملك غازى الأول بعرش العراق، وفى هذه القصيدة يقول:

دعوا النعش لا تحملوا علىّ      سراة الخضم ومتن الهواء

فجبريل أدرى به منكم            وأولى بحمل السنا والسناء

وهذا محمد من خلفه             يسير ومن خلفه الأنبياء

ونحن نجل الفقيد الكريم جلالة الملك فيصل ونعلم آثاره الخالدة فى خدمة الأمة العربية، ونجد ألم الحزن العميق الذى شملها لفقده والرجاء الكبير فى خليفته الهمام، ولكنا مع هذا نود من أدبائنا ألا يجاوزوا الحد حتى يتناولوا مقام الملائكة والأنبياء، ففى ذلك غلو يأباه الطبع العربى المنصف، ويأباه الأدب الإسلامى العالى، ومآثر جلالة الملك فيصل حية خالدة، وهى لذلك فى غنى عن المبالغة والإغراق.

(2) ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ﴾[يونس:90]

الكاتب "الصاوى" الذى يكتب ما قل ودل فى جريدة الأهرام مجدد، كثيرًا ما ندد بالآداب الشرقية ومظاهر الحياة الشرقية، وقد رأيناه فى أهرام 21-5-1352هـ يقول للكاتب الشنتناوى: "ولم تعد القضية محصورة بين المحافظين والمجددين، لأننا -نحن المجددين الآن- قد صرنا محافظين فعلاً؛ فليس التجديد قائمًا على انحلال الأخلاق".

ورأيناه فى أهرام 22-5-1352هـ يصف آنسة من الآنسات بقوله: "وهى تضطهد هذه الجريدة كما تضطهد -بلا شك- جرائد أخرى بهذا الهذر والهذيان، كأنها زعمت أن حرية الرأى هى فساد الرأى وهى بذاءة اللفظ".

هذه بوادر طيبة تبشرنا بخير كثير إن شاء الله تعالى، ومهما كان الدافع إليها فإنها تدل على مبلغ ما وصلنا إليه من فساد فى المجتمع، وفوضى فى الآراء، وكل ملاحظتنا هى أن نقول للأستاذ الصاوى: اذكر جيدًا هاتين القاعدتين: إن التجديد ليس قائمًا على انحلال الأخلاق، وإن حرية الرأى غير فساد الرأى، وغير بذاءة اللفظ، فإن ذلك ينفعنا فى كثير من المواقف معكم أيها المجددون(6).

 

فى مجلة الرسالة

كتب الأستاذ الزيات فى العدد الحادى والعشرين من مجلة الرسالة الخاص بعيد الوطن الاقتصادى عن نهضة الشباب فى مصر؛ فكان ختام مقاله هذه العبارة الرائعة: "إن القبعات فى الطرقات أكثر وأخطر منها فى الثكنات؛ واليوم الذي لا ترى فيه على الرءوس غير الطربوش، ولا تقرأ على جباه الحوانيت إلا العربية، ولا تسمع فى مختلف المعامل غير اللهجة المصرية، هو اليوم الذي تقول فيه وأنت صادق لقد صفا النيل، وملك الأصيل، واستقلت مصر".

وأنا مع الأستاذ الزيات بكل قلبى فى أن القبعات فى الطرقات أكثر وأخطر منها فى الثكنات، وبأن اللغة العربية وحدها فى جباه الحوانيت مستقلة عما يضاف إليها من حواشى اللغات مظهر من مظاهر الاستقلال الصحيح، ولكن الذى لفت نظرى أن مجلة الرسالة لم تحل جبهتها بهذا المظهر الفريد من مظاهر الاستقلال، فظهر فيها اسم الجريدة عربيًا مقرونًا باللاتينية، فهل وصل تحكم الاستعمار إلى جبهة الرسالة أيضًا؟ أم يرى الأستاذ الزيات أن جباه الحوانيت أولى من الرسالة فى الانتصار للعربية كمظهر من مظاهر الاستقلال؟ أم هو سلطان العادة -قاتلها الله- طغى على سلطان الفكرة؟!

آمل أن يكون السبب هو الاحتمال الأخير، وأرجو أن يسرى حكم الرسالة على نفسها أولاً، ثم على الناس، فيمحى من جبهتها هذا المظهر المنافى للاستقلال(7).

 

كامل

كامل أخ من الإخوان، تشبعت نفسه بمبادئ الإسلام، وكان عزيز النفس لأن المسلم يجب أن يكون محافظا على كرامته لأن المحافظة على الكرامة من الدين، هو صانع بسيط يحترف النجارة، وهو فقير لا يزيد ما يكتسبه من حرفته على الكفاف، ولكن ذلك لا يمنعه من أن يكون عزيز النفس، محافظًا على شرفه وكرامته.

والمسيو "كلّيْف" موظف كبير فى مصلحة راقية يتقاضى راتبًا ضخمًا ويبدو فى مظهر عظيم يزيد فى عظمته وأبهته أنه "خواجة".

ومن المصادفات أن المسيو كليف استدعى الأخ "كاملاً" ليقوم له ببعض أعمال صناعية، وأجاب كامل دعوته وأخذ يشتغل فعلاً فى إنجاز الطلب، وبينما هو يعمل سأله المسيو عن التكاليف التى سيتكلفها هذا الشغل، فأجابه الأخ عنها بصدق وإخلاص، فما كان من المسيو إلا أن قال له "أنت حرامى"، هى كلمة قالها الرجل وكان يظن أنها ستمر عادية لا يهتم بها هذا الصانع البسيط، ولكن الأخ الأبى النفس لم يدعها تفوت بسهولة كما كان يظن الخواجة، بل حاسبه حسابًا عسيرًا، عماده الرزانة والمنطق والاحتفاظ بالشرف والكرامة والاستمساك بهما إلى أبعد حدود الاستمساك، إنه وضع أداة عمله فى هدوء وثبات والتفت إلى ذلك المسيو المغرور، وقال له فى حزم وجد: "أنت تعرف معنى حرامى إيه باللغة العربية يا مسيو كليف؟" فكان جواب المسيو نعم، حرامى يعنى يأخد الحاجة اللى مش بتاعته، فقال الأخ: جميل وأنا لم آخذ منك شيئًا بل أنت الذى أخذت بضاعتى ومجهودى، فأينا ينطبق عليه هذا الوصف؟ فقال الخواجة: "ولكنك طلبت نقودًا كثيرة فكأنك عاوز تأخذ حاجة مش بتاعتك" فقال الأخ: أحضر من يقدر هذه الأشياء وأنا مستعد لقبول تقديره ولى معك بعد ذلك التقدير كلام آخر.

وكان أن أحضر الخواجة شخصًا من أبناء جلدته فقدر العمل وزاد فى التكاليف عما طلبه "كامل"، فقال له الخواجة: اشتغل وخد ما طلبت، فقال كامل: من حقى أن أشتغل وأخذ ما قدره هذا الحكم، ولكنى لا آخذ إلا ما طلبت أولاً وهذا جميل منى لك، وبقى لى أن أحاسبك على الكلمة الأولى، فأنا أطالبك الآن بأن تعتذر وتسحب كلمتك الأولى.

عظمت هذه الكلمة على نفس الخواجة الذى لم يتعود أن يسمعها من "ابن عرب"، وغضب وقال فى حدة: أنا لا أعتذر لك، فقال الأخ كامل: وأنا متمسك بحقى فى اعتذارك، وإذا لم تعتذر لى فأشكوك إلى قنصلك، فزاد استغراب الخواجة وقال له بلهجة المندهش: أنت صانع بسيط وتطلب منى وأنا موظف فى ... أن أعتذر لك وأسحب كلمتى، ده كثير، فكان جواب الأخ فى كل هدوء وبساطة: لا ليس هذا كثيرًا، لأنى إنسان وأنت إنسان، ولى شرف وكرامة أحافظ عليهما وأنت قد أخطأت باتهامى بغير حق فعليك أن تدفع ثمن هذه الإهانة وهو الاعتذار.

وعبثًا حاول الرجل أن يحمل الأخ على العمل أو تركه، وتدخلت زوجه "الخوجاية" فى الأمر، فلم يفد كل ذلك وصمم الأخ على اقتضاء حقه مهما كلفه ذلك.

وساد السكون فترة، وأمام هذا التصميم تقدم الخواجة ونقر بيده ثلاث نقرات تصاحبها هذه الكلمات" بردون، بردون، بردون، سحبتها ثم نظر إلى الأخ قائلاً: كفاية كدة يا كامل والا عاوز حاجة كمان؟ فكان جواب الأخ فى هدوء وبساطة لازماه طول الوقت: يكفى هذا يا مسيو "كليف"، ورجائى ألا تمس كرامة الناس بعد ذلك وتناول أداته وشرع يباشر عمله.

وقد تقدم إليه المسيو قائلاً: لم أر أحدًا قبل الآن حملنى على مثل ما حملتنى عليه، فلماذا انفردت أنت بهذا الخلق؟ فأجابه الأخ بكلمتين اثنتين فيهما كل معانى الكمال الخلقى والرجولة الناضجة الصحيحة والكرامة النبيلة العزيزة. إنه قال: "لأنى مسلم"(8).

 

من الأستاذ حسن البنا

إلى فضيلة الأستاذ الحمامي حفظه الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 أما بعد: فما أجملها مساجلة في ظل الحب، وفي كنف الإخلاص، وما أحلى أن تجتمع قلوب الدعاة وأقلامهم حول البحث عن الحقيقة الحبيبة إلى النفوس الطيبة، وما أسعدها فرصة تلك التي أتاحت لنا هذا النقاش البديع على صفحات جريدة الإخوان المسلمين.

إن الخلاف بيني وبين فضيلة الأستاذ الحمامي في فساد المعنى بهذه اللفظة أو عدم فساده، بعد التسليم بأنها ليست من الحديث، وحجة الأستاذ التي بنى عليها ذهابه إلى أنها مفسدة للمعنى أن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وهذه اللفظة تجعلها منها، وحجتي في أنها لا تفسد هذا المعنى. إن الصلاة من أمور الدنيا مجازًا باعتبار وقوعها فيها، وباب المجاز المرسل في ذلك مفتوح على مصراعيه، ونحن إذا قلنا حكمت المحكمة فليست المحكمة هي التي حكمت حقيقة ولكنه القاضي، فالأستاذ المفضال يتمسك بالحقائق- وهو مشكور في هذا التمسك- وأنا أجد في المجاز مخلصًا من الفساد، ولا أظنه يخالفني في ذلك.

وإذا كانت المشاكلة البديعية هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا -كما ذكر ذلك سيدي، الأستاذ- فإن توجيه حمل العبارة على هذه المشاكلة: أن التعبير جاء عن الصلاة بأنها أمور الدنيا لوقوعها في صحبة أمرين من أمورها تقديرًا، فإن استحسن السيد هذا التوجيه وحمل الأمر على هذه المشاكلة فبها، وإن لم يرقه فأمامه المجاز،فإن لم يجز فليس أحب إلي من أن أسلم للسيد رأيه غالبًا أو مغلوبًا، ولازلت للسيد شاكرًا دقته ورقته، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته(9).

 

لسان المنبر

كتبت عن هذا الديوان من قبل وأنا على جناح سفر، وأراد الله أن ما كتبته لم تنشره جريدة الإخوان فى حينه ولم أعثر عليه.

ولكن الأثر الذى يحدثه "لسان المنبر" وفى نفس من يطالعه أثر يخلد ولا تزيده الأيام إلا ثباتًا وتجددًا، فليس بدعًا أن أكتب عنه مرة ثانية، وليس غريبًا أن يكون ما أكتب الآن صورة مما كتبت من قبل.

أهدى إلى صديقى الأستاذ "محمود طيرة" خطيب مسجد الجوهرى ديوانه المبتكر "لسان المنبر" فإذا هو فتح جديد فى الوعظ والإرشاد، إنه المعنى الجامع، والسهل الممتنع، قول فصل، ولفظ جزل، وعبارة سلسة رقراقة، يجد فيها الأديب روعة الأدب، ويجد فيها العادى تأثير العظة.

ولقد كان صديقنا الأستاذ طيرة موفقًا فى اختيار تلك الموضوعات العصرية، التى تتصل بالحياة العملية اتصالاً وثيقًا، فأنت فى هذا الديوان أمام صورة حية من صور المجتمع، تمثل لك الداء والدواء، وتصف تلك الحياة فى ثوبها السعيد البهيج، والشقى المؤلم، مع بيان السبيل إلى كل منها، لتعمل على الأول وتتجنب الثانى.

ولقد كان الأستاذ موفقًا كذلك فى مزج هذه المعانى الرائقة العميقة بتلك الألفاظ الجزلة الرقيقة، حتى إنها لتحقق لك قول القائل:

تزين معانيه ألفاظه              وألفاظه زائنات المعانى

ولقد كان الأستاذ طيرة موفقًا كذلك فى الأسلوب المؤثر، الذى يأخذ باللب، ويستهوى القلب، ويترك فى النفس ما شاء الخطيب من أثر نافع وقول بارع، ولقد سمعت الأستاذ طيرة خطيبًا على منبر الجوهرى فكان الخطيب المفوه، والقائل المسمع، فأنا أهنئه بما أتم الله عليه من فضل النعمتين، وما جمع له من البراعة فى الصناعتين.

ولقد يقول قائل: إن الأستاذ طيرة أطال رشاء القول وخالف بذلك السنة فى قصر الخطبة؛ إذ إن "لسان المنبر" لا تقل كل خطبة فيه عن صفحات، ولو عرف مزاج الأستاذ ومقصده لشكر له صنعه، ولما أخذه بالاعتراض.

الأستاذ طيرة خطيب عصرى مبتكر يكره التقليد ويدعو إلى التجدد، فهو إنما يقصد بهذا التطويل -فيما أحسب- أن يضع بين يدى القارئ صورة كاملة تامة للموضوع، تستوعب أجزاءه وتستقصى معانيه؛ ليأخذ منها الخطيب ما يناسب ظروفه، فيجمع له بذلك بين فيض من المعانى يشبع النفس ويروى القلب، وبين الخروج من تبعة التقليد، وهو بذلك ينأى بقراء كتابه والمستفيدين منه من الخطباء عن خصلة الحفظ والترديد، وثم معنى آخر أن يجد المحاضر فيه ما ينقع الغلة، ويروى الصدى، فهو الفيض لخطباء المنابر، وهو الكفاء للكاتب والمحاضر.

وبعد:

 فإن على الكتيبة الإسلامية الكاتبة أن يشد بعضها أزر بعض، حتى يكون لها فى الجو الأدبى المقام المحمود والمعين المورود إن شاء الله(10).

 

الدكتور هيكل وكتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم

عرفت الدكتور هيكل بآثاره الأدبية، وكان من أروع ما أخذ من نفسي منها مقال كتبه فى مجلة "الرابطة الشرقية" أيام صدورها فى حضارة الشرق، أشاد فيه بهذه الحضارة وذكر وجوها ناضرة من وجوه عظمتها وخلودها، وأبان أن العالم لا ينجيه إلا أن تقوم إدارة الشرق بأصولها الروحية ومزاياها النفسية وفضائلها الإنسانية، وأنه لهذا يعتقد أن حضارة الشرق ستبعث من جديد، ويهيب بالشرقيين أن يكون لهم فى هذا البعث نصيب مشكور.

كان ذلك منذ أعوام. مرت الأيام سراعا، فعرفت الدكتور مرة ثانية فى جماعة الدفاع عن الإسلام يوم جمعتنا فكرة الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه.

وكنت أسمع الناس يرددون اسم هيكل فى المتشككين مرة، وفى البعيدين عن روح الإسلام مرة أخرى، وفى المناصرين لحركة الفكر بمعناها الاصطلاحى فى هذا العصر لا بمعناها اللغوى البرىء مرة ثالثة، وهكذا دواليك حتى كانت تلك المقالة فى الحضارة الشرقية وهذا التلاقى فى جماعة الدفاع، فرأيت فى الدكتور هيكل شخصا غير الذى يقول الناس، وظهر فى عالم التأليف كتاب "حياة محمد  صلى الله عليه وسلم" وأخذ دوره من التقريظ والنقد والإعجاب والتقدير والإطراء والتكريم. ولنا حول هذا الكتاب بحث نحب -قبل أن نعالجه- أن يعلم الدكتور نفسه والقارئون معه أننا سنعالجه على ضوء الشعور البرىء الخالى من التأثر بأية عاطفة إلا عاطفة الوصول للحق، والحق أسمى مطالب المخلصين.

وقد لفت نظرنا فى بحوث الكتاب أنها تناولت بعض الروايات التاريخية بما يخالف الحقيقة -على ما وصل إليه علمنا- وبما يصطدم ببعض العقائد الإسلامية الثابتة فى اعتقادنا.

وأحب قبل أن أتناول هذه النقاط بالتمحيص أن أتفق أنا والدكتور على تحديد بعض الأصول التى لابد من الاستناد عليها ورد الفروع إليها خلال البحث، فإذا ما اتفقنا فى هذا التحديد كانت مهمة التمحيص بعد ذلك واضحة بينة لا تلتوى بها الطريق، ولا تتشعب فيها المسالك، ولهذا أرجو أن يتكرم الدكتور بأن يدلى إلينا برأيه فى هذه النقاط، إن أحب ذلك ورآه حسنا، فإذا سكت فسأبين ما فى هذه الأصول أولا، ثم أفضى بتطبيق موضوعات البحث عليها إن شاء الله حتى يكون القارئ فى مأمن من الزلل والعثار.

أما تلك النقاط الأساسية فهى:

1-     ما رأى الدكتور الفاضل فى المعجزات؟ ماهيتها؟ وثبوتها؟ وأمثلتها؟

2-     وما رأى الدكتور فى حجية الحديث؟ وهل يرى حضرته أن كلام الفنيين من علماء الحديث الأثبات حجة فى الفن يعتمد عليها ويصار إليها، أم له فى ذلك رأى آخر؟

3-     وأخيرا هل كان الدكتور متأثرا حين الكتابة بملاحظة ضرورة إقناع المستشرقين -ومن حذا حذوهم من الشرقيين- بعظمة النبى  صلى الله عليه وسلم، أم كان كل مقصده أن يسير مع البحث إلى أية نتيجة أدى إليها؟

ذلك ما أردت أن نتفق على تحديده أولا، وسأنتظر رأى الدكتور الفاضل، ثم أتمم ما بدأت به -إن شاء الله تعالى- والله يقول الحق وهو يهدى السبيل(11).

 

مرحى مرحى

الأستاذ هيكل بعد الأستاذ الزيات

هذا خير كثير وحبذا لو اطرد

علم الله أنى إنما أكتب هذه الكلمة بدافع قوى من شعور قوى ووجدان صادق وعاطفة مخلصة.

وعلم الله أن أسعد الأيام عندنا ذلك اليوم الذى نرى فيه قادة الفكر فى هذه الأمة يتوجهون إلى الوجهة الصحيحة المجدية، ويدعون وراءهم بنيات الطريق، والوقت أضيق من أن يتوزع على ما لا طائل تحته ولا خير فيه، وإذا وضح الحق فلا معنى للوقوف فى ساحة الباطل ساعة من نهار.

طلعت علينا "الرسالة" فى عدد المولد النبوى الكريم، وإذا بالأستاذ الزيات يهتف بجمال التشريع الإسلامى، ويدعو فى حرارة وإيمان إلى الاستمساك بتعاليم الإسلام فى كل شئون الحياة، مدنيها، ودنيويها ودينيها، ويهيب بالعالم أن يلجأ إلى الإسلام ففيه وحده النجاة من كل مشاكل الحياة.

وطلع علينا "المصور" فى الأسبوع الماضى وفيه يستفتى الأستاذ محمد حسين هيكل ماذا يفعل لو كان وزيرًا للحقانية فيقول -بعد أن يتبرم بنظام الامتيازات المقيت البغيض:"أما التشريع فإنى أجعل رائدى فيه أن أقرب ما استطعت بين التشريع الحالى والفقه الإسلامى فى التشريع الاقتصادى فإن ذلك يؤدى إلى إسعاد الجماعة المصرية وإسعاد الجماعة الإنسانية كلها".

مرحى مرحى يا دكتور، أى وربى إن التشريع الإسلامى يؤدى إلى إسعاد الجماعة المصرية، بل الجماعة الإنسانية كلها فى كل ضروب الحياة: اقتصادية، وجنائية، ومدنية، وشخصية، وعادية، وعبادية، فقل ذلك بكل قواك، واعمل على أن يتحقق، وإن لم تكن وزيرًا للحقانية، فإنك تستطيع أن توصل هذا الصوت إلى وزير الحقانية وغير وزير الحقانية.

وأنت الآن تريد ذلك تدريجًا، أما إذا طالت دراستك الإسلامية -وهى ستطول إن شاء الله- فستنادى بذلك فى الحال، وسترى أن الطفرة فى هذا ليست بالمحال فأذع ثم أذع.

ولعلك تهمس بهذه العقيدة السليمة الموفقة فى أذن أشخاص قد تكون أقرب الناس إليهم فنسمع منهم ما ناديت به الآن وهم أحق الناس بهذا النداء.

وإذن لم نكن مسرفين حين تفاءلنا فى عدد ماض بأن الفكرة المصرية أخذت تتجه إلى الناحية الصحيحة، ناحية تلمس الخير من طريق العودة إلى الإسلام والرجوع إلى الله، وحين تساءلنا هل يأتى اليوم الذى تحل فيه الشريعة الإسلامية محل القانون الوضعى وعسى أن يكون قريبًا.

ولعل أعظم الناس فرحًا بهذا التوجيه من الأستاذين الفاضلين "الإخوان المسلمون" الذين تنص عقيدتهم على أن من واجب المسلم إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه(12).

المصادر

  1. مجلة الفتح، العدد (202)، السنة الخامسة، 8محرم 1349ﻫ- 5يونيو1930م.
  2. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (1)، السنة الأولى، 21صفر 1352ﻫ / 15يونيو 1933م، صـ(16-18).
  3. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (8)، السنة الأولى، 11ربيع الثانى 1352ﻫ/ 3أغسطس 1933م، ص(18).
  4. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (9)، السنة الأولى، 18ربيع الثانى 1352ﻫ / 10أغسطس 1933م، ص(17).
  5. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (15)، السنة الأولى، 1جمادى الثانية 1352ﻫ / 21سبتمبر 1933م، ص(7،8).
  6. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (15)، السنة الأولى، 1جمادى الثانية 1352ﻫ/ 21سبتمبر 1933م، ص(16).
  7. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (19)، السنة الأولى، 5شعبان 1352ﻫ / 23نوفمبر 1933م، ص(22).
  8. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (21)، السنة الأولى، 19شعبان 1352ﻫ / 7ديسمبر 1933م، ص(23-24).
  9. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 13– 21ربيع الثاني 1353هـ / 3أغسطس 1934م– صـ30-31.
  10. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (16)، السنة الثانية، 13جمادى الأولى 1353ﻫ / 24أغسطس 1934م، ص(34).
  11. الإخوان المسلمون الأسبوعية، العدد (6)، السنة الثالثة، 18 صفر 1354– 21مايو 1935، ص(30).
  12. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (11)، السنة الثالثة، 24ربيع أول 1354ﻫ / 25يونيو 1935م، ص(17-18).
المقال التالي كتابات الإمام حسن البنا الصحفية في موضوعات هامة
المقال السابق الدستور في فكر الإمام حسن البنا