رسالة بين الأمس واليوم

الخلفية التاريخية

اختلفت رسالة بين الأمس واليوم عن سابقتها من الرسائل حيث أنها صدرت في مرحلة التكوين والتربية والاضطهاد، حيث تعرضت دعوة الإخوان إلى العنت والاضطهاد من المحتل البريطاني والحكومات المصرية والتي بدأت مع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939م، حيث كانت البداية بإغلاق مجلة المنار والتعارف عام 1941م ثم نقل الإمام حسن البنا إلى محافظة قنا، ثم اعتقاله في سجن الأجانب لمدة شهر، ومحاولة اغتياله بسيارة جيش إنجليزية، وحينما جاءت وزارة النحاس باشا في فبراير 1942م منعته من الترشح في مجلس النواب، وقد انتشرت شائعات أن الإمام حسن البنا سينفى خارج البلاد لتأثيره الشديد في المجتمع المصري. 

ومن ثم كتب الإمام حسن البنا هذه الرسالة لوضع النقط فوق الحروف أمام الإخوان وأن الدعوة دعوة ربانية وليست دعوة أشخاص. 

وقد صدرت هذه الرسالة على غير ما نشرت الرسائل الأخرى في صحف الإخوان حيث صدرت في كتيب لتوقف كل صحف الإخوان المسلمين في هذه الفترة عام 1943م. ومن أسمائها أيضًا رسالة النبي الأمين.

وإلى نص الرسالة

1- رسـالة النبـي الأمـين

منذ ألف وثلاثمائة سنة وسبعين عاما نادى محمد بن عبد الله النبي الأمي في بطن مكة وعلى راس الصفا: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:158).

فكانت تلك الدعوة الجامعة حدا فاصلا في الكون كله، بين ماض مظلم، ومستقبل باهر مشرق، وحاضر زاخر سعيد، وإعلانا واضحا مبينا لنظام جديد شارعه الله العليم الخبير ومبلغه محمد البشير النذير، وكتابه القرآن الواضح المنير، وجنده السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وليس من وضع الناس، ولكنه صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة: (مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ) (الشورى:52-53) .

 

2- منهاج القرآن الكريم في الإصلاح الاجتماعي

والقرآن هو الجامع لأصول هذا الإصلاح الاجتماعي الشامل، وقد أخذ يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلن به المؤمنين بين الآن والآن بحسب الوقائع والظروف والمناسبات (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان:32-33).

حتى اكتمل به الوحي وحفظ في الصدور والسطور في مدى اثنتين وعشرين سنة ونيفا، وقد جمع الله فيه لهذه الأمة تبيان كل شيء، وأصول الإصلاح الاجتماعي الكامل الذي جاء به تكاد تنحصر في هذه الأصول:

 

أ ـ الربانية.

ب ـ التسامي بالنفس الإنسانية.

ج ـ تقرير عقيدة الجزاء.

د ـ إعلان الأخوة بين الناس.

هـ ـ النهوض بالرجل والمرأة جميعا، وإعلان التكافل والمساواة بينهما، وتحديد مهمة كل منهم تحديدا دقيقا.

و ـ تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب.

ز ـ ضبط الغريزتين: غريزة حفظ النفس، وحفظ النوع، وتنظيم مطالب الفم والفرج.

ح ـ الشدة في محاربة الجرائم الأصلية.

ط ـ تأكيد وحدة الأمة والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها.

ي ـ إلزام الأمة الجهاد في سبيل مبادئ الحق التي جاء بها النظام.

ك ـ اعتبار الدولة ممثلة للفكرة وقائمة على حمايتها، ومسؤولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع الخاص، وإبلاغها للناس جميعا.

 

3- الشـعائر العـملية لهذا النظـام

وقد خالف النظام القرآني غيره من النظم الوضعية والفلسفات النظرية فلم يترك مبادئه وتعاليمه نظريات في النفوس، ولا أراء في الكتب، ولا كلمات على الأفواه والشفاه، ولكنه وضع لتركيزها وتثبيتها والانتفاع بآثارها ونتائجها مظاهر عملية، وألزم الأمة التي تؤمن به وتدين له بالحرص على هذه الأعمال وجعلها فرائض عليها لا تقبل في تضييعها هوادة، بل يثيب العاملين ويعاقب المقصرين عقوبة قد تخرج بالواحد منهم من حدود هذا المجتمع الإسلامي وتطوح به إلى مكان سحيق. وأهم هذه الفرائض التي جعلها هذا النظام سياجا لتركيز مبادئه هي:

 

أ ـ الصلاة والذكر والتوبة والاستغفار.. إلخ.

ب ـ الصيام والعفة والتحذير من الترف.

ج ـ الزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الله.

د ـ الحج والسياحة والرحلة والكف والنظر في ملكوت الله.

هـ ـ الكسب والعمل وتحريم السؤال.

و ـ الجهاد والقتال وتجهيز المقاتلين، ورعاية أهليهم ومصالحهم من بعدهم.

ز ـ الأمر بالمعروف وبذل النصيحة.

ح ـ النهي عن المنكر ومقاطعة مواطنه وفاعليه.

ط ـ التزود بالعلم والمعرفة لكل مسلم ومسلمة في فنون الحياة المختلفة كل فيما يليق به.

ي ـ حسن المعاملة وكمال التخلق بالأخلاق الفاضلة.

ك ـ الحرص على سلامة البدن والمحافظة على الحواس.

ل ـ التضامن الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم بالرعاية والطاعة معا.

فالمسلم مطالب بأداء هذه الوجبات، والنهوض بها كما فصلها النظام القرآني، وعليه ألا يقصر في شيء منها، وقد ورد ذكرها جميعا في القرآن، وبينتها بيانا شافيا أعمال النبي وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان في بساطة ووضوح، كل عمل فيها أو عدة أعمال تقوي وتركز أو عدة مبادئ من النظريات السابقة التي جاء هذا النظام لتحقيقها وإفادة الناس بنتائجها وآثارها.

 

4 - الـدولـة الإسلامـية الأولــى

على قواعد هذا النظام الاجتماعي القرآني الفاضل قامت الدولة الإسلامية الأولى تؤمن به إيمانا عميقا وتطبقه تطبيقا دقيقا وتنشره في العالمين، حتى كان الخليفة الأول رضي الله عنه يقول: (لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله) وحتى أنه ليقاتل مانعي الزكاة ويعتبرهم مرتدين بهدمهم هذا الركن من أركان النظام ويقول: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم ما استمسك السيف بيدي).

وكانت الوحدة بكل معانيها ومظاهرها شمل هذه الأمة الناشئة، فالوحدة الاجتماعية شاملة بتعميم نظام القرآن ولغة القرآن، والوحدة السياسية شاملة في ظل أمير المؤمنين وتحت لواء الخلافة في العاصمة، ولم يحل دونها أن كانت الفكرة الإسلامية فكرة لا مركزية في الجيوش، وفي بيوت المال، وفي تصرفات الولاة، إذ أن الجميع يعملون بعقيدة واحدة وبتوجيه عام متحد.

و لقد طردت هذه المبادئ القرآنية الوثنية المخرفة في جزيرة العرب وفي بلاد الفرس فقضت عليها، وطاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق وقضت على سلطانها الديني والسياسي قضاء تاما، وصارعت المسيحية حتى انحصر ظلها في قارتي آسيا وأفريقيا و انحازت إلى أوربا في ظل الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية، وتركز بذلك السلطان الروحي والسياسي بالدولة الإسلامية في القارتين العظيمتين، وألحت بالغزو على القارة الثالثة تهاجم القسطنطينية من الشرق وتحاصرها حتى يجهدها الحصار، وتأتيها من الغرب فتقتحم الأندلس وتصل جنودها المظفرة إلى قلب فرنسا وإلى شمال وجنوب إيطاليا، وتقيم في غرب أوربا دولة شامخة البنيان مشرقة بالعلم والعرفان، ويتم لها بعد ذلك فتح القسطنطينية نفسها وحصر المسيحية وحصر المسيحية في هذا الجزء المحدود من قلب أوربا، وتمخر الأساطيل الإسلامية عباب البحرين الأبيض والأحمر فيصير كل منهما بحيرة إسلامية، وتقبض قوات الدولة الإسلامية بذلك على مفاتيح البحار في الشرق والغرب وتتم لها السيادة البرية والبحرية.

وقد اتصلت بغيرها من الأمم، ونقلت كثيراً من الحضارات، ولكنها تغلبت بقوة إيمانها ومتانة نظامها عليها جميعاً، فعربتها أو كادت، واستطاعت أن تصبغها وأن تحملها على لغتها ودينها بما فيهما من روعة وحيوية وجمال، ولم يمنعها أن تأخذ النافع من هذه الحضارات جميعاً، من غير أن يؤثر ذلك في وحدتها الاجتماعية أو السياسية.

 

5 - عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية

ومع هذه القوة البالغة والسلطان الواسع فإن عوامل التحلل فإن عوامل التحلل قد أخذت تتسلل إلى كيان هذه الأمة القرآنية، وتعظم وتنتشر وتقوى شيئا فشيئا حتى مزقت هذا الكيان وقضت على الدولة الإسلامية المركزية في القرن السادس الهجري بأيدي التتار، وفي القرن الرابع عشر الهجري مرة ثانية، وتركت وراءها في كلتا المرتين أمما مبعثرة ودويلات صغيرة تتوق إلى الوحدة وتتوثب للنهوض.

 

وكان أهم هذه العوامل:

أ ـ الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه، مع التحذير الشديد الذي جاء به الإسلام في ذلك والتزهيد في الإمارة ولفت النظر إلى هذه الناحية التي هي سوس الأمم ومحطمة الشعوب والدول: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46)، ومع هذه الوصية البالغة بالإخلاص لله وحده في القول والعمل والتنفير من حب الشهرة والمحمدة.

ب ـ الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة، وإهمال كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجمود والتعصب للآراء والأقوال، والولع بالجدل والمناظرات والمراء، وكل ذلك مما حذر منه الإسلام ونهى عنه أشد النهي، حتى قال الرسول: (ما ضل قوم بعدي على هدى إلا أوتوا الجدل).

ج ـ الانغماس في ألوان الترف والنعيم، والإقبال على المتعة والشهوات، حتى أثر عن حكام المسلمين في كثير من العصور ما لم يؤثر عن غيرهم، مع أنهم يقرءون قول الله تبارك وتعالى:

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء:16).

د ـ انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه، مع أنهم يقرءون قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118).

هـ ـ إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة، مع أن الإسلام يحثهم على النظر في الكون واكتناه أسرار الخلق والسير في الأرض، ويأمرهم أن يتفكروا في ملكوت الله: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (يونس:101).

و ـ غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة، وأخذتهم على غرة، وقد أمرهم القرآن باليقظة وحذرهم من مغبة الغفلة واعتبر الغافلين كالأنعام بل هم أضل: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179).

ز ـ الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم، والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع، مع النهي الشديد عن التشبه بهم والأمر الصريح بمخالفتهم والمحافظة على مقومات الأمة الإسلامية والتحذير من مغبة هذا التقليد حتى قال القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) (آل عمران:100).

وقال في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) (آل عمران:149).

 

6 - صــراع سيـاسـي

(أ) محاولات القضاء على الأمة الإسلامية: أخذت هذه العوامل تعمل في كيان الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية عملها، وظنت الأمم الموتورة أن قد سنحت الفرصة لتأخذ بثأرها وتقضي على هذه الدولة الإسلامية التي فتحت بلادها من قبل، وغيرت معالم أوضاعها في كل شؤون الحياة، فانحدر التتار كالسيل الدافق على الدولة الإسلامية، وأخذوا يقطعون أشلاءها جزءا جزءا حتى وصلوا إلى بغداد قلب الخلافة العباسية، ووطئوها بنعالهم في شخص الخليفة المستعصم، وبذلك تبدد شمل الدولة وانتثر عقد الخلافة لأول مرة وتفرقت الأمم إلى دويلات صغيرة، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر، وتنبهت المسيحية في أوربا وجمعت جموعها و قذفت الشرق المسلم في آسيا وأفريقيا بكتائبها في تسع حملات صليبية اشتملت على خير ما فيها من فرسان وملوك وعتاد، وتمكنت هذه القوات الزاحفة من إقامة دولة صليبية في بيت المقدس وتهديد أمم الإسلام في الشرق والغرب ومهاجمة مصر أقوى هذه الدول إذ ذاك.

 

(ب) انتصارات متتالية: ولكن الله تبارك وتعالى لم يأذن بعد بانتصار الباطل على الحق، فاستطاعت مصر أن تجمع حولها فلول بعض هذه الدويلات وتقذف بهم في نحر الصليبيين بقيادة صلاح الدين، فتستعيد منهم بيت المقدس وتريهم كيف تكون الهزيمة في حطين، ثم تقف في وجه التتار بقيادة الظاهر بيبرس وتردهم على أعقابهم خاسئين في عين جالوت، ثم تعيد رسم الخلافة من جديد، ويريد الله بعد ذلك أن تقوم للإسلام دولة وارفة الظلال قوية البأس شديدة المراس، تجمع كلمة أهله وتضم تحت لوائها معظم أممه وشعوبه، ويأبى لها علو الهمة إلا أن تغزو المسيحية في عقر دارها، فتفتح القسطنطينية ويمتد سلطانها في قلب أوروبا حتى يصل إلى فيينا، تلك هي دولة الأتراك العثمانية.

 

(ج) بواكير النهضة في أوروبا: اطمأنت الدولة الإسلامية تحت لواء العثمانيين إلى سلطانها واستنامت إليه، وغفلت عن كل ما يدور حولها، و لكن أوربا التي اتصلت بأضواء الإسلام غربا بالأندلس وشرقا بالحملات الصليبية، لم تضع الفرصة ولم تغفل عن الاستفادة بهذه الدروس، فأخذت تتقوى وتتجمع تحت لواء الفرنجة في بلاد الغال، واستطاعت بعد ذلك أن تصد تيار الغزو الإسلامي الغربي، وأن تبث الدسائس بين صفوف مسلمي الأندلس، وأن تضرب بعضهم ببعض إلى أن قذفت بهم أخيرا إلى ما وراء البحر أو إلى العدوة الأفريقية، فقامت مقامهم الدولة الإسبانيولية الفتية، وما زالت أوروبا تتقوى وتتجمع وتفكر وتتعلم، وتجوب البلاد وتكشف الأقطار حتى كان كشف أمريكا عملا من أعمال إسبانيا وكشف طريق الهند عملا من أعمال البرتغال، وتوالت فيها صيحات الإصلاح ونبغ بها كثير من المصلحين وأقبلت على العلم الكوني والمعرفة المنتجة المثمرة، وانتهت بها هذه الثورات الإصلاحية إلى تكوين القوميات وتكوين دولة قوية جعلت هدفها جميعا أن تمزق هذه الدول الإسلامية التي قاسمتها أوروبا استأثرت دونها بأفريقيا وآسيا، وتحالفت هذه الدول الفتية على ذلك أحلافا رقت بها إلى درجة القداسة في كثير الأحيان.

 

(د) هجوم جديد: وامتدت الأيدي الأوربية بحكم الكشف والضرب في الأرض والرحلة إلى أقصى آفاقها البعيدة إلى كثير من بلدان الإسلام كالهند وبعض الولايات الإسلامية المجاورة لها وأخذت تعمل في جد للوصول إلى تمزيق دولة الإسلام القوية الواسعة وأخذت تضع لذلك المشروعات الكثيرة تعبر عنها أحيانا بالمسألة الشرقية وأخرى باقتسام تركة الرجل المريض وأخذت كل دولة تنتهز الفرصة السانحة وتنتحل الأسباب الواهية وتهاجم الدولة الوادعة اللاهية فتنقص بعض أطرافها أو تهد جانبا من كيانها واستمرت هذه المهاجمة أمدا طويلا انسلخ فيه عن الدولة العثمانية كثير من الأقطار الإسلامية ووقعت تحت السلطان الأوروبي كالمغرب الأقصى وشمال أوروبا واستقل فيه كثير من البلاد غير الإسلامية التي كانت تحت سلطان العثمانيين كاليونان ودول البلقان، وكان الدور الختامي في هذا الصراع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 – 1918 م الذي انتهى بهزيمة تركيا وحلفائها وبذلك سنحت الفرصة كاملة لأقوى شعوب أوروبا (إنجلترا وفرنسا) وإلى جوارهما (إيطاليا) فوضعت يدها على هذا الميراث الضخم من أمم الإسلام وشعوبه وبسطت سلطانها عليها بأسماء مختلفة من احتلال واستعمار ووصاية وانتداب وتقاسمته على هذا النحو:

1 - أفريقيا الشمالية (مراكش والجزائر وتونس) مستعمرات فرنسية، تتخللها منطقة نفوذ دولية في طنجة، ومستعمرات إسبانية في الريف.

2 - طرابلس وبرقة مستعمرة إيطالية لم تشأ إيطاليا أن تبقي على شيء من آثار الإسلام فيها، ففرضت عليها التجنس بالجنسية الإيطالية وأسمتها إيطاليا الجنوبية، وقذفتها بالآلاف من جياع الأسر وذئاب البشر.

3 - مصر والسودان تحت الحماية الإنجليزية لا تملك إحداهما لنفسها من أمرها شيئا.

4 - فلسطين مستعمرة إنجليزية أباحت إنجلترا لنفسها أن تبيعها لليهود لينشئوا فيها الوطن القومي الصهيوني.

5 - سوريا مستعمرة فرنسية.

6 - العراق مستعمرة إنجليزية.

7 - الحجاز حكومة ضعيفة متداعية تنتظر الصدقات وتتشبث بالعهود الزائفة والمواثيق الباطلة.

8 - اليمن حكومة منزوية وشعب فقير مهدد بالغزو في كل مكان في أي وقت من الأوقات.

9 - بقية أقسام الجزيرة العربية إمارات صغيرة يعيش أمراؤها في كنف القناصل الإنجليزية ويقاتلون بفتات موائدهم وتشتعل صدورهم بنيران التحاقد والتباغض، هذا مع الوعود المؤكدة والمواثيق المغلظة التي قطعها الحلفاء لعاهل الجزيرة الملك حسين أن يساعدوه على استقلال العرب وتدعيم سلطان الخلافة العربية.

10 - إيران والأفغان حكومات مضطربة تتوزعها الأطماع من كل مكان فهي تحت كنف هذه الأمة تارة وإلى جانب تلك تارة أخرى.

11 - الهند مستعمرة إنجليزية.

12 - تركستان وما جاورها مستعمرات روسية يذيقها البلاشفة مر العذاب.

وفيما عدا ذلك فهناك الأقليات الإسلامية المنثورة في كثير من البلدان لا تعرف دولة تلجأ إلى حمايتها، أو حكومة مسلحة تحتمي بجنسيتها كالمسلمين في الحبشة والصين والبلقان وبلاد أفريقية الوسطى والجنوبية والشرقية والغربية.

 

وبهذا الوضع انتصرت أوروبا في هذا الصراع السياسي، وتم لها ما أرادت من تمزيق الإمبراطورية الإسلامية والذهاب بدولة الإسلام، وحذفها سياسيا من دائرة الدول الحية العظيمة.

 

(هـ) إلى القوة من جديد: ولكن هذا العدوان الصارخ والاستهتار بالعهود والمواثيق أحرج الصدور وأثار النفوس، فهبت هذه الأمم تطالب باستقلالها وتجاهد لاسترداد حريتها ومجدها، واشتعلت فيها الثورات لهذا المعنى، فثارت تركيا وثارت مصر وثارت العراق وسوريا وتكررت الثورات في فلسطين والريف في بلاد المغرب وعمت اليقظة في النفوس كل مكان ووصلت شعوب الإسلام بذلك إلى بعض الحقوق، فاستقلت تركيا في حدودها الجديدة، واعتبرت مصر والعراق دولتين مستقلتين، وقامت في الحجاز ونجد دولة السعوديين، وحافظت اليمن وإيران وأفغانستان على وضعياتها المستقلة وقاربت سوريا أن تسلب الاعتراف باستقلالها ولفتت فلسطين أنظار العالم إليها بكفاحها وخطا المسلمون ولا شك خطوات طيبة وإن كانت قليلة وبطيئة نحو الأهداف الكريمة التي قصدوها من استعادة حريتهم واسترداد مجدهم وبناء دولتهم، ولئن اتجهت هذه الخطوات إلى المعنى القومي الخاص وطالبت كل أمة بحقها في الحرية كأمة مستقلة، وتعمد كثير من العاملين لهذه النهضة أن يغفل فكرة الوحدة فإن مصير هذه الخطوات سيكون ولا شك التجمع وعودة الأمة الإسلامية كدولة متحدة تضم شتات شعوب العالم الإسلامي وترفع راية الإسلام وتحمل دعوته، فليس في الدنيا أمة يجمعها ما يجمع المسلمون من وحدة اللغة والاشتراك في المصالح المادية والروحية والتشابه في الآلام والآمال.

 

(و) حرب جديدة: ولقد خرجت الدول الأوربية من الحرب العالمية وبذور الحقد والبغضاء متأثرة في صدور الكثير منها، وجاء مؤتمر الصلح ومعاهداته لطمات قاسية لبعضها وخيبة أمل مؤلمة لكثير منها، هذا إلى ظهور كثير من الفكر الجديدة، المبادئ المتعصبة شديدة التعصب، ولابد أن تنتهي هذه الحال بهذه الأمم إلى خلاف جديد وحرب طاحنة ضروس تبدد شملهم وتمزق وحدتهم وتعيدهم إلى رشدهم وتردهم عن ظلمهم، وتهب لأمم الإسلام فرصة أخرى تسوي فيها صفوفها وتجمع شملها وتستكمل حريتها واستقلالها وتسترد دولتها ووحدتها تحت لواء أمير المؤمنين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) (القصص:5-6).

 

7 - صــراع اجــتماعـي

حضارة جديدة: إن الأمم الأوربية التي اتصلت بالإسلام و شعوبه في الشرق بالحروب الصليبية، وفي الغرب بمجاورة عرب الأندلس و خالطتهم، ولم تستفد من هذا الاتصال مجرد الشعور القوي أو التجمع والتوحد السياسي، ولكنها أفادت إلى جانب ذلك يقظة ذهنية وعقلية كبيرة واكتسبت علوما ومعارف جمة، وظهرت فيها نهضة أدبية وعلمية واسعة النطاق، وقامت الكنيسة تناقض هذه الظاهرة الغريبة بكل ما أوتيت من قوة وتذيق رجالها من الأدباء والعلماء مر العذاب وتعتدي عليهم محاكم التفتيش وتثير ضدهم الدول والشعوب، ولكن ذلك كله لم يجدها نفعا ولم تثبت تعاليمها أمام حقائق العلم وكشوفه، وخرجت النهضة العلمية منتصرة كل الانتصار وتنبهت الدولة بذلك فصارعت الكنيسة هي الأخرى حتى صرعتها وتخلص بذلك المجتمع الأوروبي تخلصا تاما من سلطانها وطارد رجالها إلى المعبد والأديرة وألزم البابا الإقامة في الفاتيكان وحصر عمل رجال الدين في نطاق ضيق من شؤون الحياة لا يخرجون عنه ولا يتطلعون إلى سواه، ولم تبق أوروبا على المسيحية إلا كتراث تاريخي وعامل من عوامل تهذيب البسطاء والأغرار من دهماء الشعوب ووسيلة من وسائل التغلب والاستعمار وقضاء المآرب السياسية.

وامتد أمام الأوروبيين رواق العلم وانفسح مجال الاختراع والكشف وضعفت ماكينة الإنتاج ووجهت الحياة وجهة صناعية وسار ذلك جنبا إلى جنب مع نشأة الدولة القوية وامتداد سلطانها إلى كثير من البلاد والأقطار، فأقبلت الدنيا على هذه الأمم الأوروبية وجبيت إليها ثمرات كل شيء، و تدفقت عليها الأموال من كل مكان فكان طبيعيا بعد ذلك أن تقوم الحياة الأوروبية والحضارة الأوروبية على قاعدة إقصاء الدين عن مظاهر الحياة الاجتماعية وبخاصة الدولة والمحكمة والمدرسة وطغيان النظرية المادية وجعلها المقياس في كل شيء، وتبعا لذلك صارت مظاهر هذه الحضارة مظاهر مادية بحتة تهدم ما جاءت به الأديان السماوية، وتناقض كل المناقضة تلك الأصول التي قررها الإسلام الحنيف، وجعلها أساساً لحضارته التي جمعت بين الروحانية والمادية جميعها، ومن أهم الظواهر التي لازمت المدنية الأوروبية:

1 ـ الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7).

2 ـ الإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستمتاع وإطلاق الغرائز الدنيا من عقالها، وإشباع شهوتي البطن والفرج، وتجهيز المرأة بكل صنوف المفاتن والمغريات، والإغراق في الموبقات إغراقا يحطم الأجسام والعقول ويقضي على نظام الأسر ويهدم سعادة البيوت: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد:12).

3 ـ الأثرة في الأفراد، فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه، وفي الطبقات، فكل طبقة تتعالى على من سواها وتود أن تحظى بالمغانم دونها، وفي الشعوب، فكل أمة تتعصب لجنسها وتنتقص غيرها وتحاول أن تلتهم من هي أضعف منها.

4 ـ الربا والاعتراف بشرعيته واعتباره قاعدة التعامل، والتفنن في صوره وضروبه وتعميمه بين الدول والأفراد.

وقد أنتجت هذه المظاهر المادية البحتة في المجتمع الأوروبي فساد النفوس، وضعف الأخلاق، والتراخي في محاربة الجرائم، فكثرت المشكلات، وظهرت المبادئ الهدامة، واشتعلت الثورات المخربة المدمرة، واضطربت النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فلم تستقر على حال، وتمزقت الدول بالطوائف والأحزاب، وتناحرت الشعوب على المطامع والأحقاد، وأثبتت هذه المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني، وإقرار الطمأنينة والسلام فيه، وفشلت في إسعاد الناس، رغم ما فتحت عليهم من حقائق العلم والمعرفة، وما وفرت لهم من أسباب الغنى والثراء، وما مكنت لدولها في الأرض من قوة وسلطان ولما يمض عليها قرن كامل من الزمان.

 

8 - طغيان المادة على بلاد الإسلام

وقد عمل الأوروبيون جاهدين على أن تغمر موجة هذه الحياة المادية، بمظاهرها الفاسدة وجراثيمها القتالة، جميع البلاد الإسلامية التي امتدت إليها أيديهم، وأوقعها سوء الطالع تحت سلطانهم، مع حرصهم الشديد على أن يحتجزوا دون هذه الأمم عناصر الصلاح والقوة، من العلوم والمعارف والصناعات، والنظم النافعة، وقد أحكموا خطة هذا الغزو الاجتماعي، إحكاماً شديداً، واستعانوا بدهائهم السياسي، وسلطانهم العسكري، حتى تم لهم ما أرادوا.

أغروا كبار المسلمين بالاستدانة منهم والتعامل معهم، وسهَّلوا عليهم ذلك وهوَّنوه عليهم، واستطاعوا بذلك أن يكتسبوا حق التدخل الاقتصادي، وأن يغرقوا البلاد برؤوس أموالهم ومصارفهم وشركاتهم، وأن يديروا دولاب العمل الاقتصادي كما يريدون، وأن يستأثروا دون الأهلين بالأرباح الطائلة، والثروات العظيمة، وتمكنوا بعد ذلك من أن يغيروا قواعد الحكم والقضاء والتعليم، وأن يصبغوا النظم السياسية والتشريعية والثقافية بصبغتهم الخالصة في أقوى بلاد الإسلام.

وجلبوا إلى هذه الديار نساءهم الكاسيات العاريات، وخمورهم ومسارحهم ومراقصهم وملاهيهم، وقصصهم وجرائدهم، ورواياتهم وخيالاتهم، وعبثهم ومجونهم، وأباحوا فيها من الجرائم ما لم يبيحوه في ديارهم، وزينوا هذه الدنيا الصاخبة العابثة، التي تعج بالإثم وتطفح بالفجور، في أعين البسطاء الأغرار من المسلمين الأغنياء، وذوي الرأي فيهم، وأهل المكان والسلطان.

ولم يكفهم هذا حتى أنشأوا المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في عقر ديار الإسلام، تقذف في نفوس أبنائه الشك والإلحاد وتعلمهم كيف ينتقصون أنفسهم، ويحتقرون دينهم ووطنهم، وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم، ويقدسون كل ما هو غربي، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوروبيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة.

واحتوت هذه المدارس على الطبقة العليا وحدها وصارت وقفاً عليها، وأبناء هذه الطبقة هم العظماء والحكام، ومن سيكون بيدهم بعد قليل مقاليد الأمور في هذه الأمم والشعوب، ومن لم يتم نضجه في هذه المعاهد الموضعية، فإن في البعثات المتلاحقة ما يكفل لهم التمام.

ونجح هذا الغزو الاجتماعي المنظم العنيف أعظم النجاح، فهو غزو محبب إلى النفوس، لاصق بالقلوب طويل العمر، قوي الأثر، وهو لهذا أخطر من الغزو السياسي والعسكري بأضعاف الأضعاف.

 

وتغالت بعض الأمم الإسلامية في الإعجاب بهذه الحضارة الأوروبية و التبرم بصبغتها الإسلامية، حتى أعلنت تركيا أنها دولة غير إسلامية وتبعت الأوروبيين بعنف قاس في كل ما يصنعون، وحاول ذلك أمان الله خان ملك الأفغان فطاحت تلك المحاولة بعرشه، وازدادت في مصر مظاهر هذا التقليد واستفحلت حتى استطاع رجل من ذوي الرأي فيها أن يجهر بأنه لا سبيل إلا الترقي إلا بأن نأخذ بهذه الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب، وأخذت تنتقل في سرعة وقوة من مصر إلى ما جاورها من البلاد حتى وصلت إلى أقصى المغرب، وطوفت بالمشاعر المقدسة في ربوع الحجاز.

ونستطيع أن نقسم البلاد الإسلامية بحسب تأثرها بهذه الحضارة المادية وطغيان مادتها عليها إلى ثلاثة أقسام:

1 - بلاد بلغ هذا التأثر مبلغا عظيما يصل إلى القلوب والمشاعر، كما غير الأوضاع والمظاهر، ومن هذه البلاد تركيا ومصر، فقد انحسر ظل الفكرة الإسلامية في هذه البلاد عن كل الأوضاع الاجتماعية، وطوردت الفكرة الإسلامية لتقبع في المساجد والزوايا والربط والتكايا.

2 - بلاد تأثرت بهذه الحضارة في أوضاعها ومظاهرها الرسمية، ولكنها لم تتغلب فيها على المشاعر القلبية كإيران وبلاد المغرب وشمال أفريقيا.

3 - بلاد لم تتأثر بهذه الحضارة فيها إلا طبقة خاصة من المثقفين والحكام دون العامة والدهماء كسوريا والعراق والحجاز وكثير من أجزاء الجزيرة العربية وبقية ممالك الإسلام.

ومع هذا فالموجة تمتد بسرعة البرق لتصل إلى ما لم تصل إليه بعد من النفوس والطبقات والأوضاع.

ولقد استطاع خصوم الإسلام أن يخدعوا عقلاء المسلمين وأن يضعوا ستاراً كثيفاً أمام أعين الغير منهم، بتصوير الإسلام نفسه تصويراً قاصراً في ضروب من العقائد والعبادات والأخلاق، إلى جانب مجموعة من الطقوس والخرافات والمظاهر الجوفاء، وأعانهم على هذه الخديعة جهل المسلمين بحقيقة دينهم، حتى استراح كثير منهم إلى هذا التصوير واطمأنوا إليه ورضوا به، وطال عليهم في ذلك الأمد، حتى صار من العسير أن نفهم أحدهم أن الإسلام نظام اجتماعي كامل يتناول كل شؤون الحياة.

نستطيع بعد ذلك أن نقول: إن الحضارة الغربية بمبادئها المادية، قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعي على الحضارة الإسلامية، بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معاً في أرض الإسلام نفسه، وفي حرب ضروس، ميدانها نفوس المسلمين، وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم، كما انتصرت في الميدان السياسي والعسكري، ولا عجب في هذا، فإن مظاهر الحياة لا تتجزأ، والقوة قوة فيها جميعاً، والضعف ضعف فيها جميعاً كذلك: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران:140)، وإن كان مبادئ الإسلام وتعاليمه ظلت قوية في ذاتها فياضة بالخصب والحياة، جذابة أخاذة بروعتها وجمالها، وستظل كذلك، لأنها الحق ولن تقوم الحياة الإنسانية كاملة فاضلة بغيرها، ولأنها من صنع الله وفي حياطته: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32).

يـقـظـة: وكما كان لذلك العدوان السياسي أثره في تنبيه المشاعر القومية، كان لهذا الطغيان الاجتماعي أثره في انتعاش الفكرة الإسلامية، فارتفعت الأصوات من كل مكان تطالب بالرجوع إلى الإسلام وتفهم أحكامه وتطبيق نظامه، ولابد أن يأتي قريبا ذلك اليوم الذي تندك فيه صروح هذه المدنية المادية على رؤوس أهلها، وحينئذ يشعرون بسعير الجوع الروحي تشتعل به قلوبهم وأرواحهم ولا يجدون الغذاء والشفاء والدواء إلا في تعاليم هذا الكتاب الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:57-58).

 

9 - دعوتنا دعوة للبعث والإنقاذ

(أ) تركة مثقلة: وهكذا أيها الإخوان أراد الله أن نرث هذه التركة المثقلة بالتبعات، وأن يشرق نور دعوتكم في ثنايا هذه الظلام وأن يهيئكم الله لإعلاء كلمته وإظهار شريعته وإقامة دولته من جديد: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

(ب) أهدافنا العامة: ماذا نريد أيها الإخوان؟ أنريد جمع المال وهو ظل زائل؟ أم سعة الجاه وهو عرض حائل؟ أم نريد الجبروت في الأرض: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (الأعراف: 128).

ونحن نقرأ قول الله تبارك وتعالي (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83). شهد الله أننا لا نريد شيئاً من هذا وما لهذا عملنا ولا إليه دعونا، ولكن اذكروا دائما أن لكم هدفين أساسيين:

1 - أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لكل إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.

2 - أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعاً آثمون مسؤولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادهم.

ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دولة تهتف بالمبادئ الظالمة وتنادي بالدعوات الغاشمة ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام.

نريد تحقيق هذين الهدفين في وادي النيل وفي بلاد العروبة وفي كل أرض أسعدها الله بعقيدة الإسلام: دين وجنسية وعقيدة توحد بين جميع المسلمين.

(ج) أهدافنا الخاصة: ولنا بعد هذين الهدفين أهداف خاصة لا يصير المجتمع إسلامياً كاملاً إلا بتحقيقها، فاذكروا أيها الإخوان أن أكثر من 60% من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان، ولا يحصلون علي القوت إلا بشق النفس، وأن مصر مهددة بمجاعة قاتلة ومعرضة لكثير من المشكلات الاقتصادية التي لا يعلم نتيجتها إلا الله، وأن مصر بها أكثر من 230 شركة أجنبية تحتكر كل المرافق العامة وكل المنافع الهامة في جميع أنحاء البلاد، وأن دولاب التجارة والصناعة والمنشآت الاقتصادية كلها في أيدي الأجانب المرابين، وأن الثروة العقارية تنتقل بسرعة البرق من أيدي الوطنيين إلى أيدي هؤلاء، وأن مصر أكثر بلاد العالم المتمدين أمراضاً وأوبئة وعاهات، وإن أكثر من 90% من الشعب المصري مهدد بضعف البنية وفقد الحواس ومختلف العلل والأمراض، وأن مصر لا زالت إلى الآن جاهلة لم يصل عدد المتعلمين فيها إلى الخمس بما في ذلك أكثر من مائة ألف شخص لا يتجاوز تعليمهم برامج مدارس الإلزام، وأن الجرائم تتضاعف في مصر وتتكاثر بدرجة هائلة حتى أن السجون لتخرج أكثر مما تخرج المدارس، وأن مصر لم تستطع إلى الآن أن تجهز فرقة واحدة في الجيش كاملة المعدات، وأن هذه المعاني والصور تتراءى في كل بلد من بلدان العالم الإسلامي، فمن أهدافكم أن تعملوا لإصلاح التعليم ومحاربة الفقر والجهل والمرض والجريمة وتكوين مجتمع نموذجي أن ينتسب إلى شريعة الإسلام.

(د) وسائلنا العامة: كيف نصل إلى هذه الأهداف؟ إن الخطب والأموال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء كل ذلك وحده لا يجدي نفعاً ولا يحقق غاية ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف؛ ولكن للدعوات وسائل لا بد من الأخذ بها والعمل لها، والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة:

1 - الإيمان العميق.

2 - التكوين الدقيق.

3 - العمل المتواصل.

وتلك هي وسائلكم العامة أيها الإخوان فآمنوا بفكرتكم وتجمعوا حولها واعملوا لها واثبتوا عليها.

(هـ) وسائل إضافية: وقد تكون إلى جانب هذه الوسائل العامة وسائل إضافية لا بد من الأخذ بها وسلوك سبيلها، منها السلبي ومنها الإيجابي، ومنها ما يتفق مع عرف الناس ومنها ما يخرج على هذا العرف ويخالفه ويناقضه، ومنها ما فيه لين ومنها ما فيه شدة، ولا بد أن نروض أنفسنا على تحمل ذلك كله والإعداد لهذا كله حتى نضمن النجاح.

قد يطلب إلينا أن نخالف عادات ومألوفات وأن نخرج على نظم وأوضاع ألفها الناس وتعارفوا عليها، وليست الدعوة في حقيقة أمرها إلا خروجاً على المألوفات وتغييراً للعادات والأوضاع، فهل أنتم مستعدون لذلك أيها الإخوان؟

(و) تثبيط: وسيقول كثير من الناس: وماذا تعني هذه الوسائل؟ وما عساها أن تنفع في بناء أمة وترميم مجتمع هذه المشكلات المزمنة ومع استقرار الحال على هذه المفاسد المتعددة؟ وكيف تعالجون الاقتصاد على غير أساس الربا؟ وكيف تصنعون في قضية المرأة؟ وكيف تنالون حقكم بغير قوة؟ فاعلموا أيها الإخوان أن وساوس الشيطان يلقيها في أمنية كل مصلح فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم واذكروا لهؤلاء جميعاً أن التاريخ يقص علينا من نبأ الأمم الماضية والحاضرة ما فيه عظة وعبرة، والأمة التي تصمم على الحياة لا يمكن أن تموت.

(ز) العقبات في طريقنا: أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلتقي منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فلا زلتم مجهولين تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد. 

سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تجد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.

وسيتذرع الغاصبون بكل طرق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يبصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32).

وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فستجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2).

ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .......... فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف:10-14). فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟

(ح) عوامل النجاح: ومن الحق أيها الإخوان أن نذكر أمام هذه العقبات جميعاً أننا ندعو بدعوة الله وهي أسمي الدعوات، وننادي بفكرة الإسلام وهي أقوي الفكر، ونقدم للناس شريعة القرآن وهي أعدل الشرائع، (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) (البقرة:138)، وأن العالم كله في حاجة إلى هذه الدعوة وكل ما فيه يمهد لها ويهيئ سبيلها، وأننا بحمد الله براء من المطامع الشخصية بعيدون عن المنافع الذاتية، ولا نقصد إلا وجه الله وخير الناس ولا نعمل إلا ابتغاء مرضاته، وإننا نترقب تأييد الله ونصره الله فلا غالب له: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد:11)، فقوة دعوتنا وحاجة إليها ونبالة مقصدنا وتأييد الله إيانا هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة ولا يقف في طريقها عائق: (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).

10 - وصـــيـة

أيها الإخوان المسلمون، اسمعوا:

أردت بهذه الكلمات أن أضع فكرتكم أمام أنظاركم فلعل ساعات عصيبة تنتظرنا يحال فيها بيني وبينكم إلى حين؛ فلا أستطيع أن أتحدث معكم أو أكتب إليكم، فأوصيكم أن تتدبروا هذه الكلمات وأن تحفظوها إذا استطعتم وأن تجتمعوا عليها، وإن تحت كل كلمة لمعاني جمة.

أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزباً سياسياً ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد، ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيسدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مردداً دعوة الرسول صلي الله عليه وسلم ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلي عنه الناس.

إذا قيل إلام لكم تدعون؟ ... فقولوا ندعو إلي الإسلام الذي جاء به محمد صلي الله عليه وسلم والحكومة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم هذه سياسة! فقولوا هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام.

وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا وكنتم الثائرين الظالمين. 

وإن قيل لكم إنكم تستعينون بالأشخاص والهيئات فقولوا: (آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ) (غافر:84)، فإن لجّوا في عدوانهم فقولوا: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:55).

واجــبات

أيها الإخوان..

ـ آمنوا بالله واعتزوا بمعرفته والاعتماد عليه والاستناد إليه، فلا تخافوا غيره ولا ترهبوا سواه، وأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه.

ـ وتخلقوا بالفضائل وتمسكوا بالكمالات، وكونوا أقوياء بأخلاقكم أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين وكرامة الاتقاء الصالحين.

ـ وأقبلوا على القرآن تتدارسونه، وعلى السيرة المطهرة تتذاكرونها، وكونوا عمليين لا جدليين؛ فإذا هدى الله قوما ألهمهم العمل؛ وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل.

ـ وتحابوا فيما بينكم، واحرصوا كل الحرص على رابطتكم فهي سر قوتكم وعماد نجاحكم، واثبتوا حتى يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين.
ـ واسمعوا وأطيعوا لقيادتكم في العسر واليسر والمنشط والمكره، فهي رمز فكرتكم وحلقة الاتصال فيما بينكم.

ـ وترقبوا بعد ذلك نصر الله وتأييده، والفرصة آتية لا ريب فيها، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم:4-5).

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وسلك بنا وبكم مسالك الأخيار المهتدين، وأحياناً حياة الأعزاء السعداء وأماتنا موت المجاهدين والشهداء إنه نعم المولي ونعم النصير.

المقال التالي رسالة إلى الشباب
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول إصلاح التعليم