مع حسن البنا

بقلم المهندس عثمان أحمد عثمان 

اتصلت نشأتي الدينية في البيت مع نشأتي الدينية في المدرسة، وكان ذلك على يدي الرجل الذي حمل لواء الدعوة الإسلامية، ومكن لها في عصرنا الحديث.

ولم أكن أتصور وقتها أن أستاذي الذي تولى تربيتي الدينية في المدرسة سيصبح صاحب مدرسة كبيرة، وضع أسسها، وما تزال، وستظل علامة رائدة يتجمع حولها كل من أراد أن يعتصم بحبل الله في كل أموره.

وكان حظي أن أتتلمذ على يدي المرحوم الشيخ حسن البنا الذي أكد عندي الخط الديني الذي نشأت عليه في منزلنا، حتى أصبح هذا الخط محورًا لكل حياتي.

كان المرحوم حسن البنا مدرسًا للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الابتدائية، وكان شابًا في العشرينيات من عمره، وجدت عنده - رحمه الله - سعة صدر وعطفًا، كان يحبنا فأحببناه، وتعلقنا به.

كان لا يكتفي بما كان يعلمه لتلاميذه داخل قاعة الدرس، ولكن كان يطلب منا أن نحضر كل يوم إلى المدرسة، قبل موعد الدراسة بساعة كاملة، وعندما نحضر كان ينظمنا في شكل طابور، ويسير بنا إلى المسجد القريب من المدرسة، فيعلمنا الوضوء السليم، ثم نصلي فرض الصبح، ويعود بنا بعد ذلك إلى المدرسة مرة أخرى.

وأذكر أنني كنت أنام وأنا أحلم بذلك اللقاء اليومي الذي أحببته، وكنت أنتظره بفارغ الصبر، ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، ولكن كان يكرر - رحمه الله - نفس الأمر مع موعد كل "فسحة"، كان يطلب منا أن نعود مرة أخرى إلى المدرسة بعد أن نتناول غداءنا في منازلنا، وكنا نجده - رحمه الله - في انتظارنا فيصطحبنا إلى المسجد لكي نؤدي فرض صلاة الظهر، ونعود بعد ذلك لاستكمال حصص اليوم الدراسي.

وكان أن علمتنا أمي - رحمها الله - وشجَّعتنا عليه، وكان شقيقي المهندس حسين عثمان يتعلم الصوم لأول مرة، وكان ذلك في أول أيام شهر رمضان المبارك، وجلس في الفصل، وأكثر من البصق في منديله، فلاحظ عليه ذلك الأستاذ حسن البنا فسأله: ماذا بك يا حسين؟ فقال: إنني صائم، ولا أريد أن أبتلع ريقي حتى لا أفطر.

فضحك الأستاذ المرحوم حسن البنا كثيرًا، وربت على كتفه، واستبدل حصة الدرس الذي كان يشرحه لتلاميذه بحصة في العبادات، راح يشرح فيها لتلاميذه عبادة الصوم.

وقد ارتبطنا نفسيًا بالأستاذ حسن البنا - رحمه الله - وكان بمثابة الأب الروحي لنا، نستمد من علمه ومعرفته على قدر ما نستطيع.

وانطبعت في أذهاننا أخلاقياتُه، وشدنا إليه حسنُ معاملته، وقدرتُه على أن يستحوذ على حب الناس له، وارتباطه بهم وربطهم به.

كان - رحمه الله - فلتة من فلتات الزمن، أعطاه الله - سبحانه وتعالى - من حسن الصفات، والتفقه في أمور الدين، والتمكن من دراسته وفهمه، واستيعابه وقدرته على أن يعلمه لكل من كان يستمع إليه ويستمتع روحيًا به.

كان يتمتع بقدرة فائقة على مخاطبة كل العقول، مهما اختلفت ثقافتها، كان مشوقًا، لا تمله في مجلسه، ولا في حديثه، كان - رحمه الله - مدرسًا كبيرًا، وعالمًا جليلًا وحجة في الدين.

وكان أن أبحر في علم ربه، فكان له ما ليس لغيره من أبناء جيله، فكان له أن يستحق رضا الله فأرضى عنه كل الناس.

المصدر: صفحات من تجربتي – عثمان أحمد عثمان – المكتب المصري الحديث، 1977، صـ354-356.

المقال التالي البنا الداعية الواعي
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول سبل إصلاح الأمة الإسلامية