تفسير الإمام البنا لبعض آيات سورة آل عمران

إعداد موقع الإمام حسن البنا

استمر الإمام حسن البنا في التعرض لبعض آيات الذكر الحكيم تفسيرا واستخراج المواقف التربوية العملية منها وترجمتها على الواقع ليسهل على الناس تطبيقها ومنها ما أورده من سورة آل عمران.

 

من أخلاق الأمم الناهضة الصبر

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200].

الصبر وأنواعه:

وعدتك فى عدد سابق أن أتحدث إليك عن الصبر. فالصبر خلق كريم يقوم بالنفس فتحتمل المشاق وتغالب المصاعب وترضى بمقاومة الميول والعواطف والأهواء، وهم يقولون: الصبر فى مواطن كثيرة؛ فمنها الصبر على الشدائد والنكبات، ومنها الصبر على أداء الواجبات ومزاولة الطاعات، ومنها الصبر على الحرمان من لذائذ المعاصي والبعد عن تناول الشهوات، ومنها الصبر حين البأس، وقد التقى الجمعان وحمى الوطيس، وكشرت الحرب عن نابها، وشمرت عن ساقها، وهو فى كل هذه المواطن خلق كريم.

وليس منه أن تصبر على الإهانة تنال من أمتك أو تنقص من كرامتك أو تهتك من سترك أو تمس عرضك، فقد وصف الله المؤمنين فقال: }وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ [الشورى: 39].

الصبر وليد الإيمان وقرين الرجولة:

والصبر الذي علمته آنفًا وليد الإيمان وثمرة معرفة الله تبارك وتعالى، وتفسير الآية الكريمة: }وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36]، وهو الذي حدا بمؤمن آل فرعون أن يقول: }وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر: 44].

وهو أيضًا قرين الرجولة الصادقة وخدن الإباء والشمم، فكم من مصيبة صغرتها الرجولة، ونائبة تضاءلت أمام عظمة الإباء، ومقام ضيق فرَّجته الأنفةُ من الجزع، ولقد ضاق الأمر بأحد القواد وهمَّ بالفرار، وعظم عليه الأمر فى أحد المواقع فما ثبته إلا أبيات ابن الأطنابة:

أبت هِمَّتى وأبى بلائي           وأخْذِى الحمدَ بالثمن الرَّبيح

وإقحامي على المكروه نفسي             وضرْبى هامةَ البطل المشيح

وقولي كلما جَشَأَتْ وجاشت              مكانَكِ تُحمدى أو تستريحي

لأدفع عن مآثر صَالحاتٍ        وأحمى بعد عن عرض صحيح

والصبر من لوازم العقل، ومن نتائج حسن النظر فى الأمور، فما دام الجزع لا يرد فائتًا ولا يحيى ميتًا ولا يغير من الواقع شيئًا فأخلق بالعاقل أن يتحمل ويتجلد، وإليه الإشارة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتاب له إلى معاذ بن جبل يعزيه فى ابن له توفى ما معناه: "إن ابنك كان من عوارف الله المستودعة لديك، وقد استرد الله وديعته، وكتب لك إن صبرت عظيم الأجر؛ فلا يجتمعن عليك مصيبتان: فقد الابن وفقد الأجر".

نظر العارفين إليه:

والعارفون يرون الصبر وسيلة إلى رفع الدرجات، وامتحانًا ينتقل به الصابر من منزلة إلى أخرى أرقى منها وأعظم، فهم لا يعرفون الجزع ولا يدركون معنى الفزع.

لا تهتدى نُوَبُ الزمانِ إليهم              ولهم على الخَطْب الشديد لجام

وهم يرون البلايا والمحن والفاقات وسائل العطايا والمنن ورفع الدرجات، ويعتقدون أنها أقل، أى برهانًا يعرب به المحب عن حسن استعداده للقرب. ويقول قائلهم فى ذلك يخفف ألم البلاء عليك: علمك بأنه تعالى هو المبتلى لك؛ فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي أشهدك حسن الاختبار. وما أحسن قول منشدهم:

تَلِذُّ لِىَ الآلام إذ أنت مُسْقِمى             وإنْ تمتَحِنى فَهْى عندى صنائع

 

الصبر فى السنة:

"وبعد"، فالصبر مفتاح من مفاتيح الخير تتنزل به كنوز الأجر الجميل، وسحابة من سحائب الرحمة تمطر الثواب الجزيل، وقرض جزاؤه أجمل العوض، وما عندكم ينفد وما عند الله باق.

وإليك شواهد ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1-     عن أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مصيبة تصيب عبدًا فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني فى مصيبتي واخلف لى خيرًا منها.. إلا آجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرًا منها". قالت أم سلمة: لما توفى أبو سلمة عزم الله لى فقلتها -اللهم أجرني فى مصيبتي واخلف لى خيرًا منها- فأخلف الله لى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2-     وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرًا يصب منه".

3-     عن أبى سعيد الخدري عن أبى هريرة -رضى الله عنهما- عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".

4-     عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "جاءت امرأة بها لَمَم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ادع الله لى أن يشفيني. قال: إن شئت دعوتك الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبرى ولا حساب عليك، قالت: أصبر ولا حساب علىَّ".

5-     عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أعظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء، فإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط".

6-     عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبًا للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر؛ فالمؤمن يؤجر فى كل أمره حتى يؤجر فى اللقمة يرفعها إلى فى امرأته".

7-     عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة.

وحسبك فى هذا المعنى قول الله -تبارك وتعالى-: }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10].

الصبر عند السلف:

لهذا أيها الأخ الكريم كان أسلافنا -رضوان الله عليهم- أعظم الناس صبرًا فى كل حال؛ يصبرون عند الشدائد، وعند أحرار الوقائع، وعند لذائذ الشهوات، وعلى متاعب الواجبات. وفى حديث أم سليم وعروة بن الزبير والخنساء بنت عمرو وصفية بنت عبد المطلب، وما أثر عن الجميع من محاسن الصبر واحتمال الضر ما يكشف عن جمال هذه الخلائق الغر.

وإذا علمت أن الصبر أول اللبنات القوية فى بناء الأمم الناهضة علمت السر فى أن الله -تبارك وتعالى- فرضه على المؤمنين وأمرهم به وأثابهم هذا الثواب الجزيل عليه؛ فلا نهوض إلا بعزيمة، ولا نصر إلا مع الصبر.

بين المصابرة والمرابطة:

وليس يكفي المؤمن أن يكون صابرًا فحسب بل عليه أن يصابر، والذي يلوح لى فى المصابرة أن الله -تبارك وتعالى- يأمر الأمة المسلمة أن تكون أشد الأمم تمسكًا بهذا الخلق، وألا تغلبها أمة عليه أيًّا كانت؛ فبرودد الإنجليز ومثابرة الألمان بعض ما يدخل فى معنى المصابرة التى يجب أن يتصف بها المؤمن بحكم قوله تعالى: "وصابروا". أفهمت أيها العزيز؟!

 أما المرابطة فذلك شأنه هو التمرين التطبيقي العملي على الصبر الخلقي النفساني، وفقنا الله وإياكم إلى العلم والعمل(1).

 

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ

فَزَادَهُمْ إِيمَانًا!

}يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ ووَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: 171-174].

ليس كالإسلام تشريعًا قيمًا ومربيًا حكيمًا يسمو بالنفوس عن النظرة الفردية الضيقة إلى الأفق الاجتماعي الفسيح، ويعلو بها عن الأثرة الشحيحة إلى الإيثار الكريم، ويدلها على الفناء فى الحق وتفديته، ويبين لها أن أسعد الأوقات وأغلى المهور يوم تفارق هذه الأجسادُ كريمةً شهيدةً فى سبيل الله والرسول، وإن شئت قلت: فى سبيل خير الإنسانية جميعًا.

ومن هنا فرض الإسلام الجهاد، وجعله ذروة سنامه وسياج أركانه، ومن هنا غلا بالشهادة والشهداء وكتب لهم خير الحياتين.

شرح الآيات الكريمة:

والكلام فى هذه الآية الكريمة عن تلك الفئة المباركة الميمونة التى لم ترَ الدنيا لها مثلا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. وتبين الآية السابقة أن هؤلاء الشهداء لم يموتوا بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم أحياء فى الدنيا بما بنوا من شواهق المجد، ومن ذروات الكمال، وما أسسوا من صالح المبادئ وكريم المعتقدات، وهم فرحون بهذا المصير الذين صاروا إليه. وإن فناء فى الحق لهو عين البقاء، وهم بعد ذلك كله يستبشرون بنعمة الله التى أنعمها عليهم؛ إذ اختارهم جندًا فى كتيبته، وحماة لشريعته، وذادة عن حقه، وسفراء بينه وبين خلقه، وحسبك من ثوابك على الطاعة أن رضيك مولاك لها أهلا، وأية نعمة وفضل أكبر من رضوان الله وجميل اختياره لعبده ولهم بعد ذلك كله أجر المحسنين؟ وما أدراك ما هو؟!

ولقد كان هؤلاء النفر من كواكب العالم ومصابيح الهداية وسرج الإنسانية فعالين لا قوالين، وهاأنت ترى أن إيمانهم وجهادهم لم يكن خطبًا تذاع، ولا قصائد تنشد، ولا كلمات تتفيهق بها ألسنتهم، ولكن كان صبرًا فى البأساء والضراء وحين البأس، واستجابة لله وللرسول على الشدة وفى المكاره. ولهذا تقص الآية الكريمة الحادثة الواقعية فى ثناء عليهم وإعجاب بهم وتبشير لهم، وتتلوها بحادثة أخرى تجلى فيها الخلق فتجلى معه رضوان الله عليهم، ومضاعفة ثوابه لهم. وذلك أنهم حين منصرفهم من أحد أثخنتهم الجراح وحمى على جسومهم الحديد.

نماذج الهمم العالية والعزائم القوية:

وقد انصرف أبو سفيان وقريش حتى وصلوا حمراء الأسد؛ أراد أن ينتهز الفرصة ويصيب من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه غرة فيعيد الكرَّة، فبلغ ذلك نبى الله صلى الله عليه وسلم، فنادى خيل الله أن تركب وفوارسه أن تتأهب، فأسرعوا إلى تلبية النداء، وكانوا لإجابة دعوته صلى الله عليه وسلم أسرع من رجع الطرف على ما بهم من مكروه، فأزعجت هذه العزائم أهل الشرك، فانصرفوا مذعورين، ورجع المؤمنون مطمئنين، وما أعجب سحر الإيمان.

تلك واحدة.. والثانية أن أبا سفيان حين رجع من أحد نادى: "موعدنا بدر من قابل"، فأجابه صلى الله عليه وسلم وخرج فى عدة قليلة من أصحابه، فلقيهم المثبِّطون من الوصوليين والمأجورين والنفعيين ورعاديد القلوب، فأخذوا يخوفون بما جمع العدو من عدة وعدد؛ فكان الجواب المسكت من أهل الحق: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، ولم تُفَلَّ عزيمتهم، ولم يهنوا ولم يحزنوا، وساروا حتى وصلوا بدرًا، فتاجروا، وربحوا ربح الدنيا ولثواب الآخرة أبقى، وعادوا أقوى ما يكونون عزيمة وأثبت إيمانًا، ولم يمسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم.

} الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْششَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْممَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173].

وبعد.. ففي هذه الآيات الكريمة عبر تتجلى ما أحوجنا إلى ترديدها، وبخاصة فى مثل هذا الظرف من ظروف حياتنا الاجتماعية!

أيها القوم، لا حياة للأمم إلا بالجهاد، فجاهدوا وأعدوا، وخذوا فى سبيل القوة وأنتم أبناء دين كتب عليكم فيه القتال يوم كتبت الصلاة والصيام.

أيها القوم، إن الجريح فى عزيمته أثبت من الصحيح فى تردده؛ فاثبتوا وإن كَلَمَتْكُمُ الحوادثُ، وجرحتكم الخطوب، واستجيبوا لدعوة المصلحين ولا تيأسوا.. فما كان اليأس من أخلاق المؤمنين.

أيها القوم، إن من أنفسكم ومن غيركم مثبطين منفرين لا يألونكم خبالا، ودّوا ما عنتم فاحذروهم، وامضوا فى طريق الجهاد قُدُمًا وتوكلاً على الله، وأخلصوا إلى الله واتبعوا شريعته، واتجهوا إليه، واعتقدوا أن المستقبل لكم، والظرف يدعوكم والعالم ينتظركم ولكل أجل كتاب(2).

 

دعوة إلى الوحدة والترابط

}وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ * وَللهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: 103-110].

اعتصموا: تمسكوا.

حبل الله: تعاليمه وطريقه الموصلة إليه.

شفا حفرة: جانب حفرة.

فى الآيات السابقة وقف المسلمون على مفترق الطريق بين أهل كتاب يدعونهم إلى الفرقة والخلاف وبين منهاج الله الذي يدعوهم إلى الوحدة والخير العظيم فى الدنيا والآخرة، فأخذ الله بأبصارهم وقلوبهم وأيديهم، وأنقذهم، وأرسلهم إلى سلوك طريقه وحده، والإعراض عن كل ما سواه، فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102]، ثم بين فى هذه الآيات الكريمة بعض تفاصيل طريقه وإرشاداته المنجية فى الدنيا والآخرة؛ فإذا هى:

1-     الاعتصام بالمنهاج الرباني وهو القرآن الكريم حبل الله المتين والنور المبين }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا.

2-     الوحدة وعدم الفرقة والاختلاف }وَلاَ تَفَرَّقُوا.

3-     تَذَكُّر نعمة الله فى الوحدة والإخاء، والتمسك بعروتهما، والتشبث بهما، وأداء حقوقهما. فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه للظلم، وهذا التمسك بالإخاء هو القوة فى الدنيا والنجاة من النار فى الآخرة }وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ.

4-     دوام التناصح والتذكير، والدأب على الدعوة إلى الخير بين المسلمين؛ حتى لا يجتاحهم دعاة الشيطان؛ فيتركوا طريق الله إلى طريق الشر والفساد، والمثابرة على الدعوة سبب الفلاح }وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

ثم ختمت الآيات الكريمة بمعانٍ سامية وعبر جليلة، منها لفت نظر المسلمين إلى ضرر المخالفة والفرقة والخلاف لغيرهم من الأمم. ومنها أن هذا التعليم هو إرشاد الله الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض، وإليه يرجع الأمر كله. ومنها تذكير المسلمين بمنزلتهم من الأمم أنهم فى الزؤابة والذروة؛ فلا يصح أن يتركوا إلى مرتبة تقليد غيرهم بل عليهم أن يشرعوا طريق الخير للناس.

أيها الأخ المسلم: كرر هذه الآيات الكريمة فى تدبر وتفكر واطمئنان، وتذوَّق حلاوتها، ثم الفت إليها أنظار الناس(3).

 

وحدة المسلمين تغيظ أعداءهم

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 100-102].

روى زيد بن أسلم قال مرشاس بن قيس اليهودي، وكان شيخًا عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين بِنَفَر من الأوس والخزرج، وهم فى مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم فى الإسلام بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية، وقال: "قد اجتمع بنو قيلة -وهو لقب الأنصار قبل الإسلام- بهذه البلاد، والله ما لنا معهم من قرار إذا اجتمعوا"، فأمر شابًا من اليهود كان معه أن يجلس إليهم، ويذكرهم يوم بعاث -وهو يوم القتل بين الأوس والخزرج– ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، وتنادوا إلى السلاح، وتداعوا بدعوى الجاهلية، فخرج إليهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى جاءهم، فقال: "يا معشر المسلمين: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع عنكم أمر الجاهلية، وألّف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ الله الله". فعرف القوم أنها نزغة الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، واعتنق بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنزل الله -عز وجل- الآيات.

أرأيت أيها الأخ المسلم كيف تغيظ وحدةُ المسلمين عدوَّهم، فيعمل على تمزيقها؟ وما حصل بالأمس قد تكرر اليوم؛ فإن خصوم الإسلام من المستعمرين والغاصبين والملاحدة رأوا وحدة المسلمين فى ديارهم وأقطارهم، ورأوا شدة تمسكهم بدينهم، فعملوا على تمزيق هذه الوحدة بالتجزئة والتقسيم، وإثارة القومية الموضعية بين الأقطار الإسلامية، والحزبية بين أفراد الأمة الواحدة، ثم دفعوا المسلمين بعد ذلك إلى طاعتهم وتقليدهم فى كل شىء؛ فى نظام الحكم، فى القانون، فى التعليم، فى العادات؛ حتى كادت تنقطع صلة المسلمين بالإسلام، ويرجعون كفارًا يضرب بعضهم وجوه بعض.

فهل ننتبه ونصغى لهذا التحذير، فنتقى الله حق تقاته، ونؤثر رابطة الإسلام وصلة الإسلام؟(4).

 

المحكم والمتشابه

}إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىءٌ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الألْبَابِ * رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 5-8].

وهذا التقسيم طبعي متدرج، فإن العقل البشرى قاصر، وهو يترقى دائمًا، ولا يستطيع الوصول إلى كل الحقائق، ولا سيما ما يتصل فيها بغير هذا العالم الحسي الذي نعيش فيه، فإذا ذكر الحق -تبارك وتعالى- ما يدل على قدرته وعظمته، وحمل الناس على الإيمان واليقين من حقائق هذا الكون الذي لم يصل إليها بالعقل بعدُ أو من حقائق الأكوان الأخرى التى لا يرقى إليها بحث هذا العقل الإنساني.. لم يكن ذلك متنافيًا مع حكمة التشريع الذي جاء لها القرآن أساسًا من جهة، وكنا ملزمين بالإيمان والتصديق مع التفويض والتسليم من جهة أخرى.

وبذلك ينتفي اعتراض من يقول: "وما حكمة ورود المتشابه فى القرآن؟".

وفى المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، تراجَع مع المطولات، والنفس تطمئن لما ذكرت لك.

وقد يقال: إن آيات القرآن وصفت بأنها محكمة فى سورة هود }كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: 1]، ووصفت بأنها متشابهة فى سورة الزمر }اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا [الزمر: 23]، ووصفت هنا بأن منها المحكم والمتشابه.. فما وجه هذا؟ والجواب أنها جميعًا محكمة فى المقاصد والغايات، ومتشابهة فى الجمال والحسن والقداسة، ومنها المحكم والمتشابه؛ باعتبار وضوح المعنى أو دقته عن العقل البشرى؛ فلا خلاف ولا تضارب.

يا أخي: هذان قسمان فى خطاب الله؛ محكم تؤمن به وتعمل بمقتضاه، ومتشابه تؤمن به وتفوض علم حقيقته إلى الله، والرسوخ فى العلم أن تفوض؛ فذلك هو الظاهر من الآية، ومن أبى إلا الجدل والمراء فى حقائق هذا المتشابه فهو زائغ يبغى الفتنة، والأولى بالناس صرف بحوثهم إلى ما ينفع، ويستطيعون إدراكه من غرابة صنع الله فى الكون وفى أنفسهم، مع الإلحاح بالدعاء أن يهدى الله قلوبهم، وأن يثبتها على الإيمان.

وآيات صفات الله وأحاديثه عن الاستواء واليد والعين والأعين ونحوها كلها من المتشابه، وقد ثار الجدل والخلاف بين الناس فيها؛ فاحذر أن تخوض فى هذا الخلاف، أو تقتحم ميدان هذا الجدل؛ فالأمر أكبر من عقول البشر وتفكيرهم؛ فلا تُشبِّه ولا تُعطِّل، وقل: آمنت بذلك كما جاء عن الله ورسوله. 

وفقنا الله وإياك لخير ما يحب ويرضى.

 المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الرابعة – العدد 14 – صـ1 : 3 – 25ربيع الآخر 1355هـ/ 14يوليو 1936م.
  2. مجلة الإخوان المسلمين – السنة الخامسة – العدد 11 – صـ6 - 22جمادى الأولى 1356هـ / 30يوليو 1937م.
  3. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 19 – صـ12 – 8جمادى الأولى 1358هـ / 27يونيو 1939م.
  4. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 18 – صـ14 – غرة جمادى الأولى 1358هـ / 20يونيو 1939م.
  5. مجلة النذير – السنة الثانية – العدد 20 – صـ12 – 15جمادى الأولى 1358هـ / 4يوليو 1939م.
المقال التالي كتابات وتفسير الإمام البنا في آيات مختلفة
المقال السابق ردود الإمام حسن البنا حول بعض فتاوى شيخ الأزهر