دفاع الإمام حسن البنا عن الجزائر والتنديد بعداون فرنسا على شعبها

إعداد موقع الإمام حسن البنا

اجتاحت فرنسا دولة الجزائر المسلمة وأمعنت في شعبها القتل وإظهار جوانب الحق على هذا الشعب المسلم الذي رفض الاندماج في الثقافة الفرنسية حيث كان يسعى الفرنسيين إلى جعل الجزائر قطعة من فرنسا بكل ما فيها لكنها جوبهت بمقاومة شديدة من الشعب الجزائري المسلم.

ولقد فتح الإمام البنا المركز العام واستضاف المؤتمرات وزعماء المقاومة الإسلامية من الجزائر وغيرها، وكتب منددا بما يجري ضد الشعب الجزائري.

 

ذكرى الظهير البربرى يوم 16مايو

كنت أعددت لهذا العدد من جريدة الإخوان المسلمين بقية المقال الأول تحت عنوان: "إلى أى شىء ندعو الناس"، وبينما أنا أنظر تاريخ صدوره إذ رأيته اليوم السابع عشر من مايو، واليوم السابع عشر من مايو هو اليوم الذي يلي السادس عشر منه، وقد شاءت سياسة فرنسا فى المغرب الأقصى أن تجعل هذا اليوم من كل عام يوم أسى ولوعة وذكريات حزينة أسيفة فى نفس كل مسلم.

إنه اليوم الذى شاءت السياسة الفرنسية بالمغرب الأقصى فيه أن تجرب مرحلة جديدة واضحة فى القضاء على الإسلام، وإزاحة البقية الباقية من تعاليمه بين شعب البربر المجيد القوى الإيمان، وتفجع العالم الإسلامى بتكفير سبعة ملايين من المسلمين.

إنه اليوم الذى شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تكشف القناع عن مراميها ومقاصدها، وتجهر فيه بخطتها من تحويل العالم الإسلامى إلى عالم ملحد خاطئ متهتك مخنث، لا يحفظ دينًا يردعه، ولا يحترم عقيدة تحميه ويحميها.

إنه اليوم الذى شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تهزأ بالإسلام وتعاليم الإسلام ورجال الإسلام ودعاة الإسلام ومقدسات الإسلام ومعاقل الإسلام فى قطر من أشد الأقطار إسلامًا، وأعظمها استمساكًا بدين الله، ظل حينًا من الدهر مشرق شمس المؤمنين، ومقر ملك الموحدين والملثمين، ومحراب المخلصين من عباد الله الصالحين.

إنه اليوم الذى شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تطعن أحكام الإسلام طعنة نجلاء، وتطارد تعاليمه وسلطانه بقوة القانون، وتحت جبروت الحديد والنار، فاستظهرت فيه الظهير البربرى، وهو القانون الذى ينص على محو الإسلام وقواعده وبيوته وهياكله من نفوس البربر وآثارهم، بحجة النزول على عاداتهم وتنظيم شئونهم بحسب عرفهم.

إنه اليوم الذى شاءت سياسة الاستعمار فيه أن تجسم للمسلمين مأساة الأندلس، وتمثل لهم رواية العدوان الصارخ على الفردوس المفقود تبين لهم بالعمل كيف تتحكم القوة فى الضمائر، وتلعب المطامع بالحقوق، وتعبث الأهواء بالكرامات والمقدسات التى لا تجد إلا الحق سلاحًا تركن إليه وتستند إليه.

إنه اليوم الذى يطلع فجره فتخفق له القلوب خفقات اللوعة، وتتوثب معه النفوس توثب الغيظ، ويجد معه فؤاد كل مسلم الأسى والحزن، ويشعر كل شرقى فيه بثقل العبء الذى ألقاه الاستعمار على عاتقه، وضيق الغل الذى طوق به عنقه وغل به يديه ورجليه، وشديد الضغط الذى أحيط به من كل جانب، وعظيم الاستهزاء الذى يقابل به المستعمرون كل صيحة حق من صيحات المسلمين، وكل مطلب عادل من مطالب المهضومين المظلومين، ولابد أن ينشق فجر الحق ويطلع صبح النصر، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.

احتل المستعمرون بلاد الإسلام فجعلوا نصب أعينهم كتم أنفاس المسلمين، وخنق حريتهم، وتهديم ثقافتهم المجيدة وإبدالها بثقافة خليعة مستهترة لا تمت إلى الفضيلة ولا تنتسب إلى الرجولة، وهم يرون أن تعاليم الإسلام وقوة روحانيته وشدة تأثيره، وامتلاك سلطانه للقلوب واستيلاءه على النفوس، وشدة استمساك أهله به حتى أن أحدهم ليفتدى عقيدته بنفسه وماله، ثم لا يرى له بعد ذلك فضلاً، بل يرى الفضل لله الذى هداه للإيمان. يرى المستعمرون كل أولئك أكبر عائق أمامهم يعترض مطامعهم، ويحول دون تحقيق آمالهم وأمانيهم من استغلال الشرق، وإطفاء نور حريته، ودوامه فى أيديهم ضعيفًا مستكينًا مستعبدًا ذليلاً، فعمدوا إلى إطفاء نور الإسلام فصادروا معابده ومدارسه من الزوايا والمكاتب، وصادروا لغته وأقصوها من جميع الأعمال الرسمية وشبه الرسمية، وأوقفوا قضاء مصالح الناس على استعمالهم للغة غير لغتهم ولسان غير لسانهم، وغمروا آدابه وفضائله بسيل من الإغراء بالشهوات والإباحية فى اللذائذ، وإلى جانب هذا غزوا أهله بمدارسهم وبعثاتهم وكنائسهم ومرسليهم رجالاً ونساء، حتى إنك لتمر بالبلد الواحد من البلدان فترى فيه وتسمع: الإرسالية الإنجيلية، وبعثة التبشير الكاثوليكية، والرهبان البيض، والراهبات الفرنسيسكانيات، والإرسالية الأمريكية، إلى غير ذلك من المؤسسات التى قامت فى بلاد الشرق بأموال الشرق، بل إن كثيرًا منها فى بلدان كثيرة يشاد من أوقاف المسلمين، لقتل روح الإسلام فى الشرق، وإضعاف سلطانه عن نفوس أبناء الشرق.

دأب المستعمرون على هذا وغلوا فيه غلوًا كبيرًا، وهم فى ذلك بين متحمس لا يبالى ما يأتى وما يدع، وبين متحمس يسلك إلى غايته سبيلاً سهلة خفية، إلا أنها أبلغ تأثيرًا وأفظع تدميرًا، والويل لمن يجرؤ من كبار النفوس وأحرار الفكر على معارضة هذه السياسة الخاطئة والوقوف أمام تنفيذ هذه المناهج المرسومة، التى يبدأ الخلف الاستعمارى فيها من حيث ينتهى سلفه بهمة لا تعرف الملل ولا الكلال.

تلك هى خطة الاستعمار التى جرت عليها دول أوروبا منذ احتلت الشرق نظرها الأعمى وسمعها الأصم، ولكن فرنسا لم يكفها هذا فى بلاد المغرب، وأخذ منها التحمس كل مأخذ فاستصدرت قانونًا تلغى به المحاكم الشرعية، وتصادر به التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وتحول به دون تعلم اللغة العربية، وتغلق به مكاتب القرآن، وزوايا الشيوخ، وتمنع به اتصال المتفقهين والمتنورين بإخوانهم المسلمين، ذلك القانون هو الظهير البربرى.

وقد أبى عليها الشعب المغربى المجيد هذا العدوان فقام على بكرة أبيه يحتج احتجاجًا داويًا، ويستنكر ذلك الظهير استنكارًا داويًا، وهب معه العالم الإسلامى من كل صوب يبعث الاحتجاج بعد الاحتجاج، ويرسل الصيحة بعد الصيحة، ولكن فرنسا المستعمرة لم يكن منها إلا التنكيل برجال هذه النهضة المباركة من المغاربة بالوعد والوعيد، والجلد والتهديد، والحبس والتشريد، ومطاردة الطارف والتليد، والإعراض كل الإعراض عن هذه الأصوات المرتفعة من كل مكان من بلاد الإسلام، والاستهزاء بعواطف جميع المسلمين؛ لأن الاحتجاج لا يرد فائتًا، والكلام لا يزيد حقًا.

ولكن بعد كل هذا هل نجح المستعمرون؟

حبذا لو كان كل رأس من كل رءوس الاستعمار يسأل نفسه هذا السؤال، ثم يجيب عنه بينه وبين نفسه فى هدأة من العصبية الحمقاء، وخلوة من المؤثرات الطائشة، وبعد عن المطامع والأغراض، إذن لرأى الجواب واضحًا جليًا بأن حصن الإسلام الحصين لن يندك أمام عدوان المعتدين، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[التوبة: 32]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر: 9]، وإنك لترى الجواب العملى فى مكان آخر من هذه الصحيفة أجاب به الغر الميامين من أبناء الغرب وهدموا به آمال المستعمرين.

أيها المستعمرون من أبناء الغرب،

سيروا فى خطتكم فقد رجوناكم كثيرًا أن تعدلوا عنها فلم تستمعوا، ولقد عرفتمونا بذلك أن حسن الظن ورطة، وأن الكلام لا يصلح حجة، وأن الثقة بكم خدعة، فسيروا فى خطتكم واعلموا أنكم ستجنون ثمرها مرًا علقمًا؛ لأن الأيام دول، والدهر قلّب، والإيمان فى القلوب، والإسلام دين خالد، والمسلمون أشد استمساكًا بدينهم مما تظنون.

وأنتم -أيها المسلمون- اذكروا جيدًا أن خطة المستعمرين فى القضاء على الإسلام واحدة وإن اختلفت أشكالها ومظاهرها، فالظهير البربرى فى المغرب، والتجنيس فى تونس، والاستئصال فى طرابلس، والمصادرة فى جاوة، كل أولئك وأمثالها ألفاظ لمعنى واحد هو القضاء على الإسلام، فاستمسكوا بدينكم، ووحدوا صفوفكم، وكونوا أنفسكم، وتعرفوا عدوكم، وتبينوا الشباك المنصوبة لكم ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾[الحج: 40](1).

 

الجزائر بعد مراكش وما خفي فهو أعظم

يظهر أن الأمة الإسلامية فرطت فى جانب الله تفريطًا أغلق فى وجهها باب المعونة، وسد أمامها منافذ النصر، ويظهر أنها رغم ما تتلقاه من ضربات قاسية ولطمات شديدة لطمة بعد لطمة، لم تعزم على أن تفيق من سباتها وتستيقظ من غفلتها.

نسى المسلمون الأندلس "الفردوس الإسلامى المفقود" وقد كان جنة الدنيا بهجة وروعة، وسراج العالم نورًا وحكمة وهدى، وبدلت مدنه العامرة الآهلة بالمساجد والمآذن والمعاهد والمدارس تبديلاً فلم يبق فيها حتى ولا الأسماء.

فسل بلنسية ما شأن مرسية               وأين شاطبة أم أين جيان

وإن مسلمًا ينسى الأندلس لخاوى القلب ضعيف الإيمان، وهو جرح إن اندمل فى قلوب بعض مسلمى هذا العصر الخاوية فلن يندمل أبدًا فى قلوب المسلمين الحقيقيين، الذين يعلمون أن كل شبر أرض رفعت عليه راية محمد صلى الله عليه وسلم أمانة كلفوا حراستها، وهم عنها مسئولون بين يدى الله تبارك وتعالى، حتى يعيدوها إلى حظيرة الإسلام، أو يموتوا دون ذلك، وإنه لجرح دام تنكأه الحوادث وتفهق به الذكريات. ثم نحت فرنسا بالبربر ذلك المنحى المبيد المفنى الهادم للكيان والعقيدة القاضى على الإسلام وتعاليم الإسلام، ولم يمنعها جهاد البربر الأمجاد وسخط العالم الإسلامى الموتور المضى فى سبيلها فى المغرب الأقصى، مستهترة بهذه الأصوات المرتفعة من كل مكان احتجاجًا على جبروتها وعدوانها.

وكأنها أرادت أن تتحدى هؤلاء الضعفاء الذين لا يملكون إلا الاحتجاج سلاحًا، ولا يعتمدون إلا على الحق نصيرًا، فأخذت تنفذ برنامج الإفناء والتهديم فى الجزائر بعد مراكش.

مدارس ومساجد تحت الرقابة، صحافة تحت القيود والأغلال، كُتاب وخطباء فى السجون والأصفاد، دعايات للتبشير، ومؤسسات لغزو العقيدة الإسلامية فى كل مكان، مصادرة لأحكام الله وشعائر الإسلام فى كل وقت وحين.

وليفعل المسلمون بعد ذلك ما شاءوا، فقد عرفت فرنسا ألا حيلة لديهم إلا الكلام والخطب والاحتجاج والصريخ، وهى تستطيع أن تسلبهم هذا أيضًا.

هذا ما حدث فى الجزائر، وحدث من قبل فى مراكش وفى طرابلس، ويحدث الآن فى جاوة وإندونيسيا، وتضع له أوروبا خطط التنفيذ فى المناطق التى لم يصل إليها هذا الغزو بعد.

أيها المسلمون: لا تلوموا فرنسا ولا هولاندا ولا إيطاليا ولا إنجلترا فى شىء من هذا ولا تعيبوها، فإن مهمتها جميعًا الاستعمار، وهو يتطلب فى عرفهم هذا وأكثر منه، ولا تقولوا: إن ذلك ينافى المدنية والحضارة، ومزاعم الأوروبيين فى تقديس الحرية والعمل لإنصاف الشعوب إلى آخر هذه المترادفات، فإن هذه مصطلحاتهم يغيرونها فى أى وقت ويفسرونها كما شاءت لهم الأهواء، وإنما خدعكم عن حقكم أنكم اتبعتم ما زينوا لكم من أعمال وأقوال.

ولا تحاولوا أن تطلبوا من هذه الدول وأشباهها من ذوى المطامع إنصافًا أو عدالة، فإن أكبر العجز أن يكون عدوك خصمًا وحكمًا، ومتى رجا الناس الإنصاف من مصدر الظلم أو جنوا العنب من منابت الشوك؟ ولن يكون الخصم حكمًا أبدًا.

ولا تقولوا: ماذا نصنع ونحن مغلولون مقيدون وقد أحيط بنا من كل مكان؟ فإن طريق الخلاص واضحة وسبيل النجاة ممهدة، فإن شئتم أن تسلكوها فهيا.

حرروا أنفسكم من شهواتها التى استرقتها وكبلتها وصفدتها ومنعتها القوة والعافية، وأذهبت ما فيها من مناعة وحرارة، ثم ربوها على تعاليم القرآن وحماس القرآن وهمة القرآن وأصول القرآن، ثم ضموا صفوفكم ووحدوا كلمتكم، ثم انظروا بعد ذلك مصداق قول الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الأبْصَارِ﴾[الحشر: 2].

فإن لم يستطع مسلمو هذا العصر أن يغيروا أنفسهم، ويتحرروا من أهوائها وشهواتها، فبينهم وبين التحرر من الغاصبين بعد المشرقين، أقسم لكم أيها الإخوان من المسلمين إن شهواتكم هى الخطام الذى يقودكم به أعداؤكم إلى الهاوية، والعجيب أنكم تتبعونهم مسرعين ثم تصرخون من لطماتهم مولولين، فاقطعوا هذا الزمام ثم انظروا بعد ذلك ماذا يكون.

أيها الزعماء والقواد، أنتم المسئولون أولاً عن تكوين الأمة، فكونوها على أساس أخلاق القرآن الكريم، واجمعوا كلمتها على دعوة الله، ثم سيروا بها على بركته، فإن لكم بكل خطوة نصرًا وفى كل عمل فتحًا، فإن أبيتم إلا الخور والارتكاس ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾[المائدة: 54](2).

 

ذكرى الظهير البربري

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 50]

الإسلام دين قوى عزيز، قوى بكل ما فى القوة من معنى، عزيز بكل ما ينطوى تحت العزة من مظاهر ومقاصد ومستلزمات، الإسلام دين الإيمان الصحيح الصادق، والإيمان الصحيح الصادق أقوى قوة فى الأرض وأقرب سبب إلى السماء، ولن تقف قوة أمام المؤمن، وعلى صخرة الإيمان الخالدة الصامدة تتحطم رءوس الجبابرة والعاتين، وهى هى فى خلودها وصمودها وقوتها وجبروتها لا تتكسر ولا تلين.

والإسلام لهذا المعنى ولأنه دين الإيمان الصحيح الصادق الذى يجعل بين العبد وبين ربه صلة قوية محكمة لا واسطة فيها ولا انفصام لها، لهذا المعنى يبعث فى نفوس المسلمين كثيرًا من الأخلاق الفاضلة ما داموا مسلمين.

إنه يغرس فيهم الشجاعة التى تدفعهم إلى اقتحام الصعاب، والاستهانة بالشدائد، ومقارعة الخطوب فى سبيل الحق حتى تنتصر كلمته وتعلو رايته، وأنت جد خبير بشواهد ذلك من سيرة السلف الصالحين، وإن رجلاً كأنس بن النضر إنما لقى جحفل المشركين وخاض صفوفه حتى أصيب بثمانين جرحًا ما بين طعنة برمح أو ضربة بسيف؛ لأنه مؤمن، وإن امرأة كنسيبة بنت كعب إنما خاضت الوقائع وشهدت المشاهد واخترقت الصفوف وجابهت الأبطال؛ لأنها مؤمنة، وإن قومًا نساؤهم كنسيبة، ورجالهم كأنس بن النضر لحريون بسيادة العالم وقيادة الكون، ولقد كان ذلك فسادوا وأرشدوا وأخذوا بزمام الإنسانية إلى أروع مظاهر الكمال.

وإلى جانب هذا يغرس الإسلام فى نفوس أبنائه الإباء، فهم أحمى الناس أنوفًا، وأمنعهم جانبًا، وأعزهم نفوسًا، لا يقبل أحدهم الضيم ولو خر من السماء أو هوت به الريح فى مكان سحيق، وكيف لا يكون هذا والله يقول لهم: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8]، ونبيهم يناديهم: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منى"، وأمة هذا شأنها لا تلين قناتها لِغامِز، ولا يستقيم أمرها لِغاصِب، وهذا أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيط به أعداؤه، وهو فى قلة من العدد وغربة عن الأهل والولد والدار والبلد فيقاتلهم ما وسعه الجهد، حتى إذا أنسوا منه الكلال بذلوا له الأمان إن هو ألقى إليهم السلم فيقول فى عزة وإباء: "لا أمان عندى لكافر"، وما زال يقاتلهم حتى استشهد، وأرادوا أن يحتزوا رأسه فحماه الله ومنعه فلم ينالوا منه مأربًا.

وإلى جانب ذلك أيضًا يزهد الإسلام أبناءه فى متع الدنيا الزائلة ومفاتنها الباطلة، ويصرفهم إلى الجد، ويوجههم إلى الرسالة العظمى التى وكلها إليهم، تلك هى رسالة هداية البشر، وإرشاد الخلق، وقيادة العالم إلى السعادة الروحية، والكمال الممكن فى الحياة الدنيا وفى الآخرة، ويحثهم على أن يفتدوا هذه الغاية بدمائهم وأموالهم، ويعدهم على ذلك جميل المثوبة وعظيم الأجر.

دين هذه تعاليمه محال أن ينهدم سلطان أبنائه، أو ينال العدو منهم نيلاً، أو يستحكم الأمر فيهم لظالم طاغية، أو مستعمر جشع، عرف أقطاب الاستعمار الأوروبى هذه التعاليم فى الإسلام، ولمسوا فى تاريخه تلك القوة الروحية الجارفة التى تنبعث من خلال سطور القرآن الكريم، فإذا هى للمؤمنين هدى وشفاء، وإذا هى لخصومهم عمى وبلاء، فكان من أهم محاور سياستهم فى البلدان التى يستعمرونها أن يهدموا فيها عقائد هذا الدين، ويطمسوا تعاليمه، ويحولوا بين أهله وبين ثقافته، وكم أهاب دعاتهم بحكوماتهم أن يكون هذا هو الهدف الذى ترمى إليه، وهم يعلمون -إلى جانب علمهم بطبيعة الإسلام- أن الاستعمار الفكرى أخلد وأبقى من الاستعمار السياسى، وأن الاستيلاء على القلوب والعقائد أمر له أثره وخطره، على حين أن الاستيلاء على المدن والثغور لا يلبث أن يتقلص ظله.

إذا تقرر هذا علمنا منه السر فى مقاومة دول الاستعمار للإسلام وتعاليم الإسلام، وتشجيعها للمبشرين، ودعاة الإلحاد، وغيرهم فى البلاد التى يوقعها سوء الطالع فى أيديهم.

وهم فى تنفيذ هذه السياسة فريقان: فريق ينفذها فى وضوح وجلاء وعنف وقسوة معتمدًا على جبروته وصولته وسلطانه ودولته. وفريق يتلبث بها ويسترها ويزينها ويسلك بها مسالك الدس وانتهاز الفرص، وإن طال به المدى. وكلاهما خطر على عقائد الأمة وكيانها ومستقبلها، ولقد وضع المستعمرون الفرنسيون نصب أعينهم منذ احتلال المغرب أن ينفذوا هذه السياسة، وأن يصلوا بالأمة المغربية إلى هذه الغاية، غير عالمين أن هذه الأمة العريقة فى الإيمان أعز مما يرومون، وأثبت فى دينها مما يظنون، ولقد ظلت فرنسا تسير الهوينا بخطتها هذه حتى ظنت أن الفرصة سانحة فأصدرت فى 11سبتمبر سنة 1914م قانونًا هو المسمى "ظهير ليوتى" تشجع به الشعب البربرى على العودة فى أحكامه إلى عاداته الأولى، والتحلل من أحكام الإسلام، وفى 16مايو سنة 1930م عززته بظهير آخر تخرج به البرابرة من حوزة السلطة الدينية والمدنية لجلالة سلطان المغرب، وتشرع له من النظم ما يقطع الصلة بينهم وبين الإسلام بتاتًا، وترى تبيان ذلك فيما يلى من الكلمات.

كان لهذا الظهير دوى عنيف فى نفوس المغاربة المؤمنين الذين يفتدون دينهم بأرواحهم وأموالهم، وكانت احتجاجات ومظاهرات ووفود ومقابلات ونفى وتغريب وسجن وتعذيب، وكل ذلك وغيره لم يثن الأمة المغربية المجاهدة عن عزمتها ولم ينل من إيمانها، ولا تزال حيث هى صامدة فى وجه الباطل، صارخة بكلمة الحق حتى يأتى أمر الله.

تلك هى ذكرى الظهير البربرى التى تألم لها النفوس وتدمى منها القلوب، نتحدث عنها إلى القراء تذكرة لهم بواجبهم نحو الأمة المغربية المجاهدة، التى تربطنا بها أقدس الروابط قاطبة، تلك هى رابطة الأخوة الإسلامية، وتحذيرًا للمسلمين من الوقوع فى حبائل وعود الغربيين، وتبيانًا لهذه النوايا التى ينتويها الغرب للإسلام وأبنائه وتكشف عنها الأيام.

أيها الشرق،

ليس بينك وبين الحرية إلا أن تؤمن بمجدك وتتحرر من هذه المظاهر المادية التى قذفتك بها المدنية الغربية، وتستعذب الجهاد -وإن طال مداه، وتستمسك من الإسلام بحبل متين، وحينئذ يعود إليك زمام القيادة، وتحمل المصباح من جديد لتنير السبيل أمام الإنسانية الحائرة.

المصادر

  1. جريدة الإخوان المسلمين، العدد (3)، السنة الثانية، 3صفر 1353ﻫ- 18مايو 1934م، ص(1-3).
  2. جريدة الإخوان المسلمين، العدد (7)، السنة الثانية، 2ربيع الأول 1353ﻫ- 15يونيو 1934م، ص(1-3).
  3. جريدة الإخوان المسلمين، العدد (5)، السنة الثالثة، 11صفر 1354ﻫ- 14مايو 1935م، ص(3-4).
المقال التالي الإمام حسن البنا يكتب في دعائم النصر والقوة والجهاد
المقال السابق كتابات الإمام حسن البنا حول سبل إصلاح الأمة الإسلامية