بناء الأخلاق

بقلم عبد الرحمن البنا

كان حسن البنا - رحمه الله - إمامًا يدعو إلى الله، والداعي الراغب إلى الله داع إلى الأخلاق الفاضلة، يحققها في نفسه، ويبثها فيمن حوله، فتشرق نفسه بالنور، وتتألق الوجوه من حوله بالضياء، وكذلك كان حسن البنا نورًا يشرق، ونفسًا تضيء، وخلقًا فاضلا يمشى بين الناس.

فقد اصطفاك مُقسِّم الأرزاق                وإذا رُزقت خليقة محمودة

علمٌ وذاك مكارم الأخلاق                   فالناس هذا حظُّه مالٌ وذا

 

شهد الناس من حسن البنا ما رأوا منه، وغاب عن الناس من خلقه ما جعله بين نفسه وربه، يستره عن الناس فلا يطلع عليه إلا خاصة أهله، فهو في بيته -شهد الله- لا يفتر عن مصحفه ولا يغيب عن قرآنه، ولا يغفل عن ذكره، يتلو القرآن على الحافظ منا فيسمع له، ويلقى بالمصحف إذا لم يجد حافظًا إلى الصغير فيراجع عليه، ويملأ البيت بالقرآن والتلاوة، سابحًا في آيات، غارقًا في ذكريات، صاعدًا إلى سماوات، يعرف الطريقة التي كان يقرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم فيقرأ بها، والمواقف التي كان يقف عندها فيقف عندها، وكانت تعرو جسمَه رعدة، وتأخذ نفسَه روعة، فيتجهم لدى آيات الوعيد ويشرق عند آيات البشرى والنعيم، خارجًا عن الجو الذى نحيا فيه، غائبًا في معنى بعيد.

لكاد والله في التنـزيل قارئه    يحس صوت رسول الله يرتفع

صحائف كفتوغراف الملائك أن أنطقها     أقبلوا في الصوت واستمعوا

 

كان حسن البنا رحمه الله يتلو بصوته من كتاب ربه: }وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{.

ثم يخرج على الناس فيدعو إلى الله، ويعمل صالحًا، ويقول إنني من المسلمين، ويدفع بالتي هي أحسن، والدفع بالتي هي أحسن كما قال ابن عباس الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، وهى جماع الفضائل ومكارم الأخلاق، ومن عرف حسن البنا عرف فيه هذه الخصال، فلقد كان أملك الناس لزمام نفسه، وأحلم الناس إذا خاطبه جاهل، حتى يغضب من لا يعرفه من حلمه، أشد الناس عفوًا وصفحًا، عمَّن أساء إليه حتى لم يُعرف له عدو، وكان يقول رحمه الله: "من عيوبي أنني لا أعرف كيف أخاصم أو أعادى"، ولم يكن كذلك في نفسه فقط، ولكن كان يبني ذلك في غيره ويدعو الناس إليه، فيقول ما قال صلى الله عليه وسلم في معنى الصبر عند الغضب: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب"(2) ويسوق في معنى الحلم عند الجهل، موقف النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءه اليهودي يتقاضاه دَيْنا لم يحل بعدُ وقت أدائه، فيجذب برده حتى يؤثر في عنقه الشريف، صائحًا إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فيسرع عمر بالسيف يريد قتله، فيرده النبي صلى الله عليه وسلم في حلم الرسالة، وخلق النبوة قائلا: "يا عمر، أهذا بدل أن تأمره بحسن التقاضي، وتأمرني بحسن الأداء" فيسلم اليهودي، ويشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويذكر في معنى العفو عند الإساءة، موقف النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وقد أمكنه الله تعالى من القوم الذين كذبوه وأخرجوه، وقد حسبوا أنه قاتلهم أو معذبهم، فإذا به يعفو عنهم ويحنو عليهم، ويقول: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". 

تلك كانت دروس حسن البنا، يلقيها على الناس فيهذب الطباع، ويجمل النفوس ويبني الأخلاق. وكان زاهدًا متواضعًا، لا يحفل بالمظاهر، ولا يحرص على شيء من متاع هذه الدنيا، فيخرج على الناس في جلبابه البسيط، الناصع البياض كقلبه، وعباءته المتجردة، وعمامته المشرقة، يمشي في حاجات أصحاب الحاجات، لا يتعب من حاجات الناس ولو كانت جبالا مثقلة، فإذا قضيت حاجاتهم بات راضيًا سعيدًا، وحمد الله حمدًا كثيرًا.

لا يذكر عنده أحد بسوء إلا زجر الذاكر ومدح المذكور فيخجل الواشي ويقلع المسيء، وتصلح نفس هذا وذاك، وهو ينظر إليهما في نظرة عاطفة، وسعادة غامرة، أن زال الخلف بين الناس، وحلت محله الوحدة الشاملة، والتعاون الصادق، والفهم السليم.

إذا تناولت أمرًا تناوله من جانبه السمح، ونظر إليه من أفقه الفسيح، وإذا تحدث عن الإسلام عنه بمعناه الإنساني الكبير، فشمل الدنيا بعدله، وأغرق الأناسى في فضله، ولف القبائل والشعوب في ردائه، يتخاطبون بصوت السلام، ويتفاهمون في معاني الإسلام. 

وإذا أقبلت الدنيا وأسرع الناس إليها، غض الطرف ولوّى عنها العنان، وأعرض عن جاهها ومظهرها، وزهد في زينتها ومتاعها، وولى عنها ركضًا، وجرى إلى الله وثبًا، يقول إليك عني يا دنيا، وعجلت إليك رب لترضى. 

لقد عجلت إلى ربك فرضى الله عنك وأرضاك، وبذلت في الله نفسك، جعل الله الجنة مستقرك ومثواك، تلك بعض خلال حسن البنا السمحة، أسوقها في يوم ذكراه إلى الدنيا المصطرعة، علها تذكر وقت الصراع الصبر عند الغضب فترضى، والحلم عند الجهل فتهدى، والعفو عند الإساءة فتنسى، وإن في ذلك لذكرى }وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم}

نشر هذا المقال في الدعوة – السنة السابعة – العدد (254) – 12رجب 1376م / 12فبراير 1957م.

المقال التالي حسن البنا زميل الصبا ورفيق الشباب
المقال السابق كتابات الإمام البنا إلى الأقباط